اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - تابع رجم الثيب في الزنا للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - تابع رجم الثيب في الزنا - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
جاء الإسلام بالحفاظ على الحرمات، ومن ذلك حرمة العرض، فحرم الزنا وحد له حدوداً تقام على الزاني بالإقرار منه أو البينة عليه، فإذا كان بكراً فإنه يجلد مائة ويغرب عاماً، وإن كان محصناً يرجم، كما في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في ماعز والغامدية والأعراب واليهود، فالرجم ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تابع باب من اعترف على نفسه بالزنا
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زال الكلام موصولاً عن حديث ماعز الأسلمي ، ومعه حديث المرأة الغامدية في باب: من اعترف على نفسه بالزنا، وكنا قد أخذنا شطر الحديث الأول فيما يتعلق بزنا ماعز ، واليوم نتمم الحديث فيما يتعلق بالمرأة الغامدية .
 شرح حديث عمران بن حصين في رجم الغامدية وصلاة النبي عليها
قال: [حدثني أبو غسان -وهو المسمعي مالك بن عبد الواحد- قال: حدثنا معاذ بن هشام - وأبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - قال معاذ : حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير اليماني حدثني أبو قلابة - عبد الله بن زيد الجرمي البصري - أن أبا المهلب حدثه عن عمران بن حصين : (أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله! أصبت حداً فأقمه علي)] يعني: قارفت ذنباً عظيماً استوجب الحد، فطهرني منه.قال: [(فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: أحسن إليها)] وهذا على غير عادة الناس فإنهم إذا زنت امرأة آذاها قومها وأولياؤها، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالإحسان إلى هذه المرأة رغم أنها زانية، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بالإحسان إلى أصحاب الكبائر فما بالك بإحسانه عليه الصلاة والسلام مع أفاضل الصحابة كـأبي بكر وعمر . [(قال: أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها. ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، فشكت عليها ثيابها)] يعني: فشدت عليها ثيابها خلافاً للرجل، فإن الرجل حين إقامة الحد عليه لا يشد عليه ثوبه، إنما المرأة يشد عليها ثوبها ويحفر لها إلى صدرها وترجم وهي جالسة خلافاً للرجل، فالرجل يقام عليه الحد وهو قائم أو جالس، أما المرأة فإنه يقام عليها الحد وهي جالسة. قولاً واحداً.قال: [(ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها)]. والله تعالى يقول: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] فرحمة الله عز وجل في صلاة نبيه أمر معلوم يقيناً، لا أمر مظنون كما هو الحال في سائر الناس دون النبي عليه الصلاة والسلام.قال: [(فقال له عمر : تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟)] وهذا القول من عمر يرد به على من قال: إن صلاة النبي عليها إنما هي الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء، ولو كانت الصلاة في الحديث هي الدعاء دون الصلاة المشروعة وهي صلاة الجنازة لما كان لإنكار عمر على النبي وجه. وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام صلى عليها صلاة الميت.قال: [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد تابت توبة لو قسمت -أي: وزعت- بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)] أي: لكفتهم حتى وإن كانوا أصحاب ذنوب وكبائر. والمعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الأنصار قولاً عظيماً، وأثبت فضل الأنصار عموماً، وأثبت فضل كل أنصاري خصوصاً، وأثبت فضل كبار الأنصار من الأوس والخزرج، فكل واحد من فضل كبار القوم له مناقب شتى وجمة منها ما هو في الصحيحين ومنها ما هو في غيرهما، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم منزلة المهاجرين الأنصار في الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام في هذه المرأة الغامدية: [(لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة -أي: من الأنصار- لكفتهم، وهل وجدت -يا عمر- توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى)] يعني: هل هناك دليل على صدق توبة التائب من أنه يأتي ويجود بنفسه وهو يعلم يقيناً أنه سيرجم وأنه سيموت؟ هذه المرأة أصرت على التطهير وقيام الحد عليها بدليل أنها أتت مرة وقالت: (يا رسول الله! إني أصبت حداً). فلما أمرها بالتوبة والرجوع إلى الله والاستغفار قالت: (يا رسول الله! لا تردني كما رددت ماعزاً بالأمس، إني زنيت، وإني حبلى من الزنا، قال: لا نقيم عليكِ الحد وأنتِ حبلى حتى تضعي) فرجعت المرأة، وأتت مرة أخرى وكان بإمكانها ألا تأتي، ولكن لصدق توبتها لفت وليدها في خرقة وأتت به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: (لا نقيم عليكِ الحد حتى تفطميه؛ فرجعت). والمعلوم أن مدة الفطام طويلة تبلغ سنتين، فذهبت المرأة حتى أرضعت وليدها وفطمته، ثم أتت به وفي يده كسرة خبز؛ دليل على أنه الآن يأكل ويشرب ويعتمد على نفسه، وقد استغنى عن لبن أمه. فكل هذه أدلة تشهد بصدق توبة المرأة، ولا عليها أنها زنت في لحظة ضعف تسلط الشيطان عليها، أو أن الأجواء هيأت الوقوع في المعصية فوقعت فيها، لكنها سرعان ما فاءت ورجعت إلى ربها، فهل على المذنب من بأس أو حرج إذا كان هذا شأنه وحاله؟ الجواب: ليس عليه من حرج، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (والذي نفس محمد بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله تعالى، فيغفر الله لهم) .وقوله: (فيذنبون) كلام عام يشمل كبائر الذنوب وصغائرها. فهذه المرأة أذنبت وماعز أذنب، لكننا لا نحتج بالقدر على المعصية إلا إذا تاب المذنب من ذنبه، فإنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا إذا تاب المذنب من ذنبه وعلم أن ما كان منه إنما باشره بنفسه، وأن الله تعالى قدره وكتبه في اللوح المحفوظ، وأن العبد له مشيئة في اختيار أفعاله، وأن مشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله عز وجل وقدره، فالله عز وجل أراد الخير وأحبه، وأمر به أمراً شرعياً، وأذن في وجوده وكونه شرعاً وقدراً، وأن الله عز وجل خلق الشر كما خلق الخير، وأذن في وقوعه وإن كان يكرهه بل وينهى عنه، لكنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد الله تعالى وقدر.قال: [وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عفان بن مسلم - وهو المعروف بـالصفار - قال: حدثنا أبان العطار - وهو ابن يزيد العطار - حدثنا يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد مثله].
كلام النووي في أحاديث رجم الغامدية

 شرح حديث: (... الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو ابن سعد- (ح) وحدثناه محمد بن رمح أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله)] هذا أعرابي، والأعراب فيهم من الغلظة والجفاء ما فيهم؛ ولذلك أتى هذا الأعرابي بشيء من الجفوة وقال: (يا رسول الله! أنشدك الله) يعني: أحلف عليك بالله أن تقضي بيننا بكتاب الله. أي: بحكم الله، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا بحكم الله فما الداعي إلى أن يقول هذا الرجل مثل هذا القول؟قال: [(فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي)] يعني: ائذن لي يا رسول الله! أن أتكلم، وكان هذا الخصم أكثر أدباً من الأعرابي، وإن كان في كلامه بعض الجفوة كذلك.قال: [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قل. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته)] أي: ابني كان أجيراً عند هذا الرجل فزنى بامرأته، فهذه المرأة محصنة، أما هذا الرجل الذي زنى فكان بكراً.قال: [(إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة)] والوليدة: ابنة الناقة. أي: ما دام ابني سيرجم لا ترجموه، وخذوا مني بدل الرجم هذا مائة شاة ووليدة.قال: [(فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام)]. هذا كلام أهل العلم، فهو لما قص عليهم القصة قالوا: لا. ليس عليه الرجم، ولا يصح منك الافتداء بمائة شاة ولا وليدة. وإنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. وهذا يدل على جواز استفتاء أهل العلم في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، أي: في زمنه. كما يدل على جواز استفتاء المفضول في حضرة الفاضل. وهذا الكلام محل اتفاق وليس عليه خلاف.قال: [(فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ولدي جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم)] فجواب أهل العلم دل على أن الزاني بكر، وأن الزانية محصنة.قال: [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد)] أي: الوليدة والغنم رد عليك حتى بعد قضاء القاضي. وهذا يدل على وجوب أن يرجع القاضي في قضائه إذا تبين خطؤه، لا يقول: انتهى الأمر. المحكمة حكمت بالإعدام. وإن قيل: ما زال الرجل لم يعدم. قالوا: لا. لا نحرج على القاضي. فإن قيل: وتقتلون نفساً بريئة حتى لا تحرجون على سيادة القانون؟ إن هذا القانون صنم يعبد من دون الله عز وجل، ولأجل سيادة القانون تراق الدماء ولا حرج.قال: [(قال: والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليد والغنم رد)] أي: ترد إلى صاحبها حتى وإن حكم بها.قال: [(وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام)] فوافق النبي عليه الصلاة والسلام أهل العلم في هذا الحكم. قال: [(قال: واغد يا أنيس !)] وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي ، صحابي مشهور من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.قال: [(واغد يا أنيس ! إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)]، فاعترفت، فجيء بها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر برجمها فرجمت.قال: [(فغدا عليها فاعترفت -أي: أتاها أنيس فاعترفت- فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت)].قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس -فـعبد الله بن وهب يروي عن يونس بن يزيد الأيلي- (ح) وحدثني عمرو الناقد حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد المدني قال: حدثنا أبي عن صالح - وهو ابن كيسان المدني - (ح) وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر بن راشد البصري الصنعاني كلهم -يروي- عن الزهري بهذا الإسناد نحوه].
باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا
(باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا).يعني: باب وجوب رجم اليهود إذا كانوا أهل ذمة ولجئوا إلى القاضي المسلم ليفصل بينهم، فهناك يهود ليسوا أهل ذمة وإنما هم محاربون، مثل اليهود في فلسطين، فهم يهود، لكن لا ذمة لهم ولا عهد بيننا وبينهم، لكن لو كان هناك عهد أو ميثاق بيننا وبين بعض اليهود فإنه لا يجوز قتلهم ولا قتالهم إلا إذا نقضوا العهد والميثاق، فإذا نقضوا العهد والميثاق لم يكن لهم عندنا عهد ولا ذمة؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهد أولاً.قال: (باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا) وهذا الباب مبني على أمرين:الأمر الأول: أنهم لجئوا إلينا للفصل في هذه الحدود. الأمر الثاني وهو محل نزاع عظيم جداً بين علماء الأصول: هل الكفار مطالبون بفروع الشريعة أم لا؟ أي: هل هم مطالبون بفروع شريعة الإسلام من صلاة وصيام وزكاة والتزام للحلال وابتعاد عن الحرام؟
 حديث جابر وابن أبي أوفى في الرجم
قال: [... أخبرني أبو الزبير عن جابر قال: (رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأته)] معنى (امرأته): التي زنى بها، يعني: خليلته وعشيقته وليست امرأته. ولذلك أتى في رواية أخرى: (رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأة) ولم يقل: وامرأته. فالمقصود: صاحبته التي زنى بها. قال: [... عن أبي إسحاق الشيباني قال: (سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: قلت: بعدما أنزلت سورة النور أم قبلها؟ قال: لا أدري)] عبد الله بن أبي أوفى هذا صحابي مصري كبير، من أجلاء علماء مصر، ومع هذا يقول فيما لا يعلمه: لا أدري. والعلماء يقولون: من أخطأ كلمة (لا أدري) فيما لا يعلم فقد أصيبت مقاتله. أي: فقد قتل نفسه؛ لأنه قال على الله تعالى بغير علم، وهذا حرام.قال: [... عن أبي هريرة أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها -بالإقرار أو بالحمل- فليجلدها الحد ولا يثرب عليها -يعني: لا يسبها ولا يشتمها ولا يعيرها- ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر)].وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - تابع رجم الثيب في الزنا للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net