إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الفرائض - تعريف الميراثللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الفرائض من أجل العلوم وأنفعها؛ لما فيه من إعطاء كل ذي حق حقه، وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بتعلمه، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تعلمه، ومن مجالاته وأبوابه معرفة أسباب وموانع الإرث وغيرها من المسائل الأخرى.

    1.   

    كتاب الفرائض

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    تعريف الفرائض

    كتاب الفرائض هو كتاب في المواريث، والوصايا المتعلقة بالمورث، وكذلك بتركته؛ ولذلك قال العلماء من أهل اللغة: الفرائض: جمع فريضة، وهي من الفرض، والفرض هو: التقدير المحدد شرعاً، يقال: فرض الله كذا، بمعنى: حدَّ الله كذا، أي: جعل هذا الفرض حدًّا محدداً في الشرع لا يحل لمن حدد لأجله أن يتعداه، ومن تعداه فقد ظلم نفسه، وعرَّض نفسه للعقوبة في الدنيا والآخرة.

    ويقال للعالم بالفرائض، أو لمن مهر في هذا العلم وفي هذا الفن: فرضي، كما كان يقال ذلك لـزيد بن ثابت ، إذ كان أفرض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومن بعده علي بن أبي طالب ، ومن بعدهما عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

    وأريد أن أقول لك: إن هناك بعض العلوم كانت علماً على أصحابها، وبعض الأشخاص كانوا علماً على بعض العلوم، وكثير من أصحابه عليه الصلاة والسلام كانوا علماء في كل شيء، وفي كل فرع من فروع العلم، لكنَّ أحدهم كان يبرز في علم معين، فمثلاً: حذيفة بن اليمان كان بارزاً فيما يتعلق بعلم الفتن وأشراط الساعة وغيرها.

    وكذلك زيد بن ثابت كان أفرض الأمة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأما الإرث في الميراث فقال المبرد : أصله العاقبة؛ لانتقاله من شخص إلى آخر.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه، واللفظ لـيحيى، قال يحيى : أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن عيينة -وهو سفيان بن عيينة - الزهري، عن علي بن حسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم)].

    وفي رواية: (لا يتوارث أهل ملتين شتى)، يعني: مختلفتين، وبعض أهل العلم يضعف هذه الرواية، وهي عند أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ، ولها شاهد عند الترمذي من حديث جابر .

    قال النووي رحمه الله تعالى: (أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وسواء كان كفراً أصلياً أو كفراً طارئاً؛ كمن ارتد من المسلمين، فلو أن ولداً بالغاً ارتد عن الإسلام فإنه لا يرث أباه المسلم.

    كما أن الرجل لو أسلم وبقي أولاده على الكفر، كأن بقوا على النصرانية مثلاً، أو على اليهودية، أو أياً كانت ملتهم غير ملة الإسلام؛ فإنهم لا يرثونه إجماعاً).

    أقوال أهل العلم في توريث المسلم من الكافر

    إذاً: المسألة فيما يتعلق بتوريث الكافر من المسلم لا تجوز، وعلى ذلك إجماع أهل العلم، ولم يخالف في ذلك أحد، أما ميراث المسلم من الكافر فقد وقع النزاع بين أهل العلم في جواز ذلك من عدمه:

    فالجمهور على عدم الجواز؛ أخذاً بظاهر هذا الحديث: (ولا يرث المسلم الكافر)، وقد نازع في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: بل يرث المسلم الكافر، واحتجوا بدليل: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه).

    لكن هذا الحديث ورد في بيان فضل الإسلام على غيره من ملل الكفر، وهذا الذي يبدو من ظاهر الرواية، ولذلك تعجب الإمام النووي أيما تعجب ممن ذهب إلى جواز ميراث المسلم من الكافر بحجة علو الإسلام، وأنه يعلو ولا يعلى عليه.

    فقال عليه رحمة الله: (ليس في هذا دليل على جواز التوريث بين المسلم والكافر، وغاية ما في هذا الدليل إثبات علو الإسلام على غيره من سائر ملل الكفر، ولم يذكر الميراث من قريب ولا من بعيد؛ ولذلك لا يصلح دليلاً، والذين قالوا بجواز توريث المسلم من الكافر ورد عنهم الرأي الآخر الذي يوافق مذهب الجمهور.

    قال النووي عليه رحمة الله: (ورأيهم الذي يوافَق فيه جمهور أهل العلم بمنع التوريث -أي: منع توريث المسلم من الكافر- أكثر صحة وصواباً من رأيهم الأول).

    يعني: كأن النقل عن هؤلاء بجواز التوريث -أي: توريث المسلم من الكافر خاصة- في ثبوته نزاع.

    وقد ورد عنهم رأي آخر وهو المنع، وأدلته قوية وأسانيده ثابتة، فكأن الأمر فيه شبه إجماع على عدم توريث المسلم من الكافر، لكن الإجماع المقطوع به: هو عدم جواز توريث الكافر من المسلم، لقول النبي الكريم: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم).

    قال النووي: (وأما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع)، إذاً: عندنا مسألتان فيهما إجماع:

    الأولى: عدم توريث الكافر من المسلم.

    والثانية: عدم توريث المرتد من المسلم.

    وشبه الإجماع انعقد على عدم توريث المسلم من الكافر، وهو صواب لظاهر الرواية.

    أقوال أهل العلم في توريث المسلم من المرتد

    وأما المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين، يعني: لو أن شخصاً ارتد عن الإسلام فلا يرثه أولياؤه، وإنما يؤخذ ماله فيوضع في الخزانة العامة للدولة، أو فيما يعرف عند الفقهاء في بيت مال المسلمين، والفيء لا يطلق إلا على المال الذي اكتسب بغير حرب، أي: بغير جهد.

    وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين.

    وأما المسلم فهل له أن يرث المرتد أم لا؟

    مذهب الجمهور: لا يكون بينهما توارث.

    وذهب الكوفيون وأصحاب الرأي إلى توريث المسلم من المرتد؛ وروي ذلك عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف، لكن قال الثوري وأبو حنيفة : ما كسبه في ردته فهو للمسلمين.

    يعني: أنهم يفرقون بين ماله قبل الردة، وبين ماله بعد الردة، فيقولون: الذي اكتسبه بعد ردته هو مال أو فيء للمسلمين، فيوافقون في ذلك جمهور أهل العلم.

    أما ما اكتسبه في حال إسلامه قبل الردة فلورثته من المسلمين أن يرثوه.

    وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين، وهذا مذهب ثالث.

    إذاً: عندنا مذهب الجمهور، ومذهب أهل الرأي من الكوفيين، ومذهب ثالث لبعض أهل العلم القائلين بأن جميع المال الذي اكتسبه قبل الردة وبعدها إنما هو ميراث لورثته.

    أقوال أهل العلم في توريث الكفار بعضهم من بعض

    وأما توريث الكفار بعضهم من بعض؛ كاليهودي من النصراني وعكسه، والمجوسي منهما وهما منه؛ فقال به الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما وآخرون، ومنعه مالك ؛ لأنهم أصحاب ملتين، اليهود أصحاب ملة، والنصارى أصحاب ملة، والمجوس أصحاب ملة؛ وكل هؤلاء أصحاب ملل شتى مختلفة.

    وفي الحديث: (لا يتوارث أهل ملتين شتى)، فالذي قال بمنع التوارث بين الملل اعتمد على ظاهر هذه الرواية، والذين قالوا بجواز ذلك اعتبروا أن كل ملل الكفر ملة واحدة، فليست الملل إلا ملة إيمان، أو ملة كفر.

    وبالتالي حملوا: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)، فقالوا: ليس في الملل إلا ملة كفر، أو ملة إسلام. وبعض العلماء يرى أنه لا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي، وهما الاثنان كفار، واختلاف الدين الأصل فيه حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)، وحديث: (لا يتوارث أهل ملتين شتى).

    1.   

    موانع الإرث

    المرتد عن الإسلام لا يرث أقاربه المسلمين، لكنهم يرثونه، ولا يعتبر هذا من التوارث بين دينين؛ لأنه لا اعتراف بانتقاله إلى الدين الآخر، ولا إقرار له عليه، وهذا مذهب بعض أهل العلم من الأحناف وغيرهم، لكن الراجح أنه لا يكون بينهما توارث أبداً، وهذا مانع من موانع الإرث.

    المانع الثاني: اختلاف الدار الذي هو الوطن، هل هي دار كفر أم هي دار إسلام وإيمان؟ وكذلك بالنظر إلى ملة الوارث والمورث، وقد ذكرناه كذلك.

    المانع الثالث: الرق، فلا يرث الرقيق؛ لأن ما يملكه ملك لسيده، فلو مات الحر أو مات السيد قوم العبيد، أو وزع العبيد على التركة، ووزع العبيد على الوارثين، وبالتالي لا يرث العبد سيده؛ لأنه في ذاته مال متقوم لسيده، وسبب الميراث لم يقم بين السيد والمورث، فلا وجه لتوريثه من ملكه.

    المانع الرابع: القتل، كأن يقوم الوارث بقتل مورثه اعتداء وعدواناً بغير حق، أو استعجالاً لانتقال الميراث إليه، فإنه يعاقب بالحرمان من الميراث فضلاً عن القصاص؛ ولذلك من أعظم أسباب منع انتقال التركة إلى الوارث: القتل، أي: قتل الوارث مورثه، وقد جاء في المادة الخامسة من قانون الميراث -وهو قانون في الغالب على مذهب الأحناف-: من موانع الإرث: قتل المورث عمداً، سواء كان القاتل فاعلاً أصلياً أم شريكاً أم كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه، وهذا إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلاً بالغاً له من العمر خمس عشرة سنة.

    وهذا كلام جميل، وأصل هذا الكلام كله من حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يرث القاتل شيئاً)، وحديث: (ليس لقاتل ميراث), وفي رواية: (لا ميراث لقاتل).

    شروط القتل الذي به يحصل منع الإرث

    لكن ليس كل قتل يمنع به الوارث من الميراث، بل لابد من شروط تتوفر في القتل:

    الشرط الأول: أن يكون القتل عمداً، يعني: أن تتوجه إرادة القاتل وقصده إلى إزهاق روح المقتول، وعليه القتل الذي يؤثر في الميراث هو القتل العمد، أما الخطأ فلا يؤثر على انتقال الميراث إلى صاحبه.

    فمثلاً: شخص صوب سلاحه نحو عصفور أو حمامة واقفة بجوار صاحب ما، فلم تتوجه إرادته قط لقتل هذا الرجل، لكنه في العادة -كما يفعل غيره من الصيادين- إنما أراد قتل هذا العصفور أو الحمامة أو هذا الطير، فخطأ انحرفت يده، أو أسرع هذا الرجل من مكانه جهة السهم أو جهة الرصاصة فمات، فهذا قتل خطأ.

    كذلك: رجل أصيب بما يسميه العامة بغصة في أثناء الطعام، فقال لولده: اضرب على ظهري، فضربه على ظهره فمات، فهذا أيضاً قتل خطأ لا يمنع من الميراث.

    إذاً: مدار البحث عندنا في القتل العمد.

    أيضاً: رجل كبير في السن أو امرأة كبيرة في السن معها ابنتها أو معها ابنها أو ابن ابنها أو غير ذلك من أصحاب الفرائض -وسنذكرهم وأوقات ورثهم- فهذا الشاب أو تلك الفتاة تعجلت قتل أمها، أو تعجل الولد قتل أبيه ليرث، فإما أن يكون إثبات هذا القتل بأنه عمد بإقرار القاتل، أو بشهادة الشهود إذا كان الشهود قد رأوه وهو يقتل ولم يرهم، أو غير ذلك من أدلة الإثبات، فحينئذ يمنع هذا من الميراث، ويجب عليه القصاص، ويستوي في العمد أن يكون القاتل هو الفاعل الأصلي، أي: الذي باشر فعل القتل والضرب حتى الموت وإزهاق الروح، فيستوي في ذلك أن يكون الفاعل أصلياً، أو يكون شريكاً فيه، مثل ما أنك تريد أن يموت أبوك، فتقول لأحد أصحابك: ما رأيك أن نأتي به على شرفة، ثم ننظر الوقت المناسب لقتله، فيجتمع على موت هذا الرجل اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو مائة أو بلد أو قرية بأسرها، فهؤلاء جميعاً شركاء في الجريمة، ويجب أن يقادوا به، والولد معهم؛ لأنه يستوي أن يكون فاعلاً أصلياً لذاته، أو أن يكون شريكاً مع غيره، أو حتى أن يكون شاهد زور ترتب على هذه الشهادة حكم القاضي بالإعدام على هذا الرجل، وتم تنفيذ الحكم.

    الشرط الثاني: أن يكون القاتل في حال القتل مكلفاً، أي: أن يكون عاقلاً بالغاً، وقد اختلف أهل العلم في العقل وخاصة في البلوغ، فمنهم من اعتبر السن في البلوغ، ومنهم من اعتبر العلامات والأمارات في البلوغ.

    فمثلاً قالوا: حد البلوغ عند الولد على خلاف بينهم وكذلك البنت من اثنتي عشرة سنة إلى ست عشرة سنة، على اختلاف بين أهل العلم، هذا إذا نظرنا إلى البلوغ من جهة السن.

    أما من جهة الأمارات والعلامات فقالوا: البلوغ عند البنت إنما يكون بإنبات الشعر عندها تحت الإبط وفي العانة، وكذلك الحيض، وأما البلوغ عند الولد فبنزول المني، وبظهور شعر عانته، وبظهور شعر إبطه، واختلفوا في بقية العلامات.

    وعلى أية حال الشرطان اللذان تم الاتفاق عليهما، وما قبل هذين الشرطين يعد حدثاً من الأحداث لا يؤاخذ بالجناية، وإنما يؤاخذ بأقل من ذلك.

    واختار قانون الأحوال الشخصية فيما يتعلق بالأسباب المانعة من الميراث في القتل: أن يكون القاتل قد بلغ من العمر خمسة عشر عاماً، يعني: قبل هذا السن لا يعد جناية؛ لأنه حدث، وما بعد هذه السن ولو بلحظة يعد جناية؛ لأنه بالغ ومكلف وعاقل، فما الذي يجعله يقدم على هذا الفعل؟

    وأما الحيل المؤدية إلى الحرام فهي حرام في الشرع، مثل أن يعمد وارث إلى قتل مورثه لا عن طريقه هو، لكن عن طريق تسليط الحدث على قتل المورث، كأن يقول شخص لابنه: اذهب فاقتل جدك، والولد عمره مثلاً عشر سنوات، فإن قتله فإن أباه يمنع من الإرث.

    وأما الابن فإنه محجوب بالأب إذا كان حياً.

    أما لو كان الأب ميتاً فإن الولد يحجب لو كان له أعمام.

    لكن لو أن الجد حي والأب مات وعنده أولاد، فإن الأولاد تحجب من ميراث الجد من أجل أعمامهم، أي: لوجود أولاد آخرين للجد.

    كأن يموت رجل، وترك أبناءً ذكوراً وإناثاً، وترك أبناء ابن ذكوراً وإناثاً، ففي هذه الحالة هؤلاء الأبناء الذين مات أبوهم في حياة جدهم يرثون من الجد تحت باب الوصية الواجبة، والوصية الواجبة تختلف عن مطلق الوصية.

    إذاً: أبناء الابن الذين مات والدهم يرثون من الجد تحت ما يسمى بالوصية الواجبة، وبالتالي لا يحجبون بالأعمام، وهل هناك أحد يقضي بهذا في هذه القضية؟

    فإن قتل الولد أباه، وهذا الولد عمره أربعون سنة؛ لكنه مجنون، فإنه يرث؛ لأن الجنون علة مانعة من لحوق الإثم والقصاص؛ فكان قتله كأن لم يكن.

    ولا بد يا إخواني أن نتعلم الفرائض؛ لأن هذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي أمره؛ ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تعلم الفرائض؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (تعلموا الفرائض وعلموها الناس)، وفي رواية ابن مسعود قال: (تعلموا الفرائض، والطلاق، والحج؛ فإنه دينكم)، والحديث عند الدارمي .

    والميراث في اصطلاح الفقهاء: هو استحقاق ما خلفه الميت من مال أو حق لسبب من أسباب الميراث الشرعية.

    والحق إما أن يكون ديناً أو رهناً أو وصية أو غير ذلك.

    1.   

    أركان الإرث

    الأول: المورث، أي: الميت، وبالتالي فالذي يوزعه الأب على أبنائه قبل وفاته لا يسمى ميراثاً، وإنما يسمى عطية، أو منحة، أو هبة، أو غير ذلك.

    أما الميراث فهو ما خلفه الرجل بعد وفاته.

    ولذلك يلزم الأب أو يلزم الرجل صاحب المال أن يوزع على أبنائه المال بالسوية، ذكوراً كانوا أم إناثاً، ولا يقل: أنا سأعطي ولدي هذا شقة أربع غرف، وذاك شقة أربع غرف، ولهذه شقة فيها غرفتان؛ لأنها بنت؛ لأنك بذلك تعطي منحة ونحلة وهبة ولا تعطي ميراثاً، إذ الميراث ليس من حكمك ولا من شأنك، إنما هو من شأن الورثة بعد موتك، إنما أنت توزع الآن في حياتك؛ فعليك أن توزع بالسوية بين الأبناء جميعهم، ذكوراً كانوا أم إناثاً، فتعطي الولد عشرة آلاف، وتعطي البنت كذلك عشرة آلاف، وليس خمسة؛ لأن هذا ليس ميراثاً.

    وهذا بغض النظر عن الولد إن كان عاصياً أم باراً بوالده؛ لأن الوالد لابد أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى عنده من العذاب ما هو أشد وأبقى لهذا العاصي، وقادر على أن ينتقم من هذا العاصي لوالده، فاتركه لله عز وجل: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64].

    ولذلك حين فرض الله تبارك وتعالى هذه المواريث وحدها كان يعلم أن من الأبناء عصاة وطائعين، ومع هذا لم يفرق سبحانه وتعالى بين هؤلاء وهؤلاء، فقد كان يعلم أن من الأبناء من يأخذ مالاً ليتعلم به ويتزوج به ويبني به بيتاً، ويعلم أن بقية الأبناء إنما يعملون في الأرض بالليل والنهار، ولا حظ لهم إلا أن يعملوا، ومع هذا جعل القسمة على وتيرة واحدة.

    وإن كان الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله له مذهب في هذا، فقد قال: إذا أنفق الوالد على ولده مالاً حتى زوجه وبنى له داراً، ولم يكن ذلك لأخيه الصغير أو الأصغر، فإذا مات الأب كان للورثة أن يقيِّموا أو يقدروا للصغير الذي لم تبن له دار ولم يتزوج مقدار ما قد أخذه أخوه، ثم تقسم التركة عليهم، وهذه فتوى إمام، فلك أن تأخذ بها، أما مذهب الجمهور فيختلف عن ذلك.

    إذاً: وفاة المورث -الذي هو الميت- فيثبت لدينا أن فلاناً مات وترك ميراثاً أو تركة، سواء مات موتاً حقيقياً، بأن مات أمام أعيننا وغسلناه وصلينا عليه وكفناه ودفناه، أو مات موتاً حكمياً، كرجل فقد في الحرب في ظروف غامضة مثلاً لمدة اختلف فيها أهل العلم، لكن قانون الأحوال الشخصية أخذ بأحد المذاهب، وحدد مدة الفقد بأربع سنوات، وهذا لا يصلح أن ينطبق على رجل ترك امرأته وسافر مثلاً إلى العراق أو السعودية أو أمريكا أو إلى أي بلد، وقعد هناك أربع أو خمس سنين، فتقوم الزوجة وتذهب إلى المحكمة وتطالب باستخراج شهادة بموت زوجها حكماً من أجل أن تتزوج، فهذا لا يصلح نهائياً.

    أتعلمون أنه إلى الآن هناك أناس من عام (1973م) أُخرجت لهم شهادات بالفقد أو بالموت حكماً بعد أربع سنوات، ثم رجعوا إلى بيوتهم بعد هذه الفترة الطويلة.

    ومن ذلك: أن أناساً في حرب (1967م) أسروا واستطاعوا الهروب والفكاك من السجن في أثناء حرب (1973م)، فقدم أحد الناس حتى وصل إلى قرية بجوار قريتي، ووصل في وقت متأخر من الليل، أو لعله تعمد الدخول إلى بلده في وقت متأخر، فطرق الباب ففتحت له أخته، ثم أرادوا أن يناموا، ولم يخبروا الأب حتى الصباح، وهذه حادثة ذكرت في الصحف والمجلات والجرائد- فلما قام الأب في الصباح ليصلي الفجر؛ وجد رجلاً أجنبياً بين بنتيه فقتله، حادث مؤلم جداً؛ ولذلك هذا الحادث أقض مضاجع جميع أهل القرى المجاورة، فكان كل واحد منهم يفكر لو أن ولده هو الذي رجع الذي قد بلغه أنه قد قتل في 1967م، يقول: يمكن أن يكون مفقوداً، وأحبوا أن يريحوني ويطمنوني في هذه المسألة فقالوا: إنه قتل.

    فكل إنسان رجع لنفسه الأمل أن ولده ممكن يرجع له في يوم من الأيام، أو زوجها ممكن يرجع لها في يوم من الأيام، فقال: قبل أن أقتل أتأكد أنه المفقود.

    إذاً: فلا بد أن يكون هذا الموت إما حقيقياً أو حكمياً.

    الثاني: وجود الوارث؛ لأن السلطان يرث من لا وارث له، والسلطان يعني: بيت مال المسلمين.

    والوارث هو: من قام بينه وبين المورث سبب من أسباب الميراث، وستأتي معنا أسباب الميراث.

    الثالث: التركة، فلو مات مورث وعنده مائة يرثونه، ولم تكن له تركة، فهل يكون هناك مجال للميراث؟

    والتركة هي الميراث أو الموروث، ويقصد به: كل ما تركه المورث من الأموال، كما أنه يشمل الحقوق القابلة لأن تورث، كحق مرهون لتحصيل دين.

    1.   

    شروط الإرث

    أولاً: تحقق موت المورث حقيقة أو حكماً كما سبق، وهناك موت يسمى الموت التقديري، وهو موت الجنين الذي يسقط من بطن أمه بجناية عليها.

    كأن ضرب ابن أمه على بطنها وهي حامل فسقط الجنين ميتاً، فهذا ليس بميت حقيقة قبل نزوله، ولا ميت حكماً، وإنما يسمى موته موتاً تقديرياً، والقانون المصري لم يعترف بهذا النوع، ولم يعتبر هذا النوع من القتل أو الموت؛ ولذلك لم يذكره.

    أما الشرع فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا استهل الصبي؛ صلي عليه ووُرِّث)، يعني: إذا نزل الجنين من بطن أمه وصرخ، والحكمة من الصراخ أو الاستهلال حتى يتحقق من حياته؛ لأنه لو نزل ميتاً لا ميراث له، أو لو مات في بطن أمه ونزل فلا ميراث له.

    أما لو نزل ثم مات فإنه يرث؛ لظاهر الحديث: (إذا استهل الصبي؛ صلي عليه ووُرِّث)، وميراثه لورثته.

    فإن ورث من أمه ثم مات فإن أباه يرثه.

    إذاً: ميراث الصبي تماماً كميراث رجل بلغ الستين عاماً.

    ثانياً: تحقق حياة الوارث عند موت المورث، حقيقة أو تقديراً، فالجنين في بطن أمه له حياة تقديرية، فإذا مات أبوه وله إخوة -أي: هذا الجنين- فإننا سنقدر أن هذا الحمل حي، فإما أن يتم توزيع التركة على اعتباره ذكراً، ويخصم له حظه ونصيبه، فإن كان أنثى خصم منه النصف الثاني أو مقدار الزيادة ووزعت على بقية الورثة، وهنا تقسم التركة على اعتباره أنثى، فإن كان ذكراً أخذ من أنصباء الورثة ما يوازي نصيب الذكر من كل واحد، ثم يعطى لهذا الجنين حظه كاملاً.

    وفي القانون: يجب استحقاق الإرث عند تحقق حياة الوارث وقت موت المورث، أو وقت الحكم باعتباره ميتاً، ويكون الحمل مستحقاً للإرث إذا توفر فيه ما نُص عليه في المادة كذا وكذا.

    وتطبيقاً لهذا الشرط فإذا مات الثاني ولم نعلم أيهما مات أولاً؛ فلا استحقاق لأحدهما في تركة الآخر، سواء كانا موتهما في حادث واحد أم لا.

    أليس الولد يرث أباه، والأب يرث ولده؟ لكنهما ماتا في حادث سيارة أو طائرة، ونحن لم نعلم أيهما مات قبل الآخر، فإنه لا استحقاق لأحدهما في تركة الآخر، لكن لو اتضح لنا أن أحدهما مات قبل الآخر بدقيقة واحدة؛ ثبت الميراث بينهما، بمعنى: يرث الذي مات مؤخراً الذي مات مقدماً عليه بدقيقة، يعني: لو أننا نظرنا إليه يلفظ أنفاسه ثم تبع الروح البصر، ثم نظرت إلى الثاني ففعل ذلك؛ كان الثاني هذا وارثاً لذلك الذي مات قبله بدقيقة واحدة، وإن كان أقل من ذلك؛ لأنه تحقق لدينا موت أحدهما أولاً، ثم موت الآخر؛ فيرث الآخر من الأول، ولا إشكال في ذلك.

    لكن القضية التي نحن بصددها: إذا مات مورث ووارث في حادث أو في وقت لا نعلم أيهما مات أولاً؛ فلا ميراث بينهما، كأن ذهب ولد إلى المكان الفلاني وأخوه ذهب إلى المكان الآخر مثلاً، فأتانا الخبر أن هذا مات يوم الأربعاء في صلاة الظهر، والثاني مات أيضاً في يوم الأربعاء في صلاة الظهر، فإننا سنتحقق متى كان حصول الموت؟ في الساعة كم؟ في الدقيقة كم؟ حتى نعرف أيهما مات أولاً، وبالتالي نورث الأخير من الأول، وإذا لم يثبت فلا توارث بينهما، والتركة ستكون لبقية الورثة.

    أما هذان بالذات فلا توارث بينهما ما داما قد ماتا في وقت واحد، أو خفي علينا أيهما أسبق موتاً من صاحبه.

    ثالثاً: ألا يوجد في واحد من الورثة مانع من موانع الإرث التي ذكرناها.

    1.   

    أسباب الميراث

    السبب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره.

    وفي الشرع: هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.

    وفيما يلي نذكر هذه الأسباب:

    السبب الأول: النكاح، نقصد به عقد زواج صحيح؛ حتى لا يترتب على عقد الزواج الفاسد أو الباطل آثار، فإن وقع الطلاق بعد الزواج الصحيح فإن كان معقوداً عليها فليس لها إلا طلقة واحدة وتبين بينونة كبرى، فإذا أراد زوجها أن يراجعها فبمهر جديد وبعقد جديد، يعني: يتزوجها زواجاً جديداً بمهر وعقد جديدين، ويبقى لها عنده طلقتان، أو واحدة إذا كان قد طلقها مرة ثم طلقها بعد زواجه مرة أخرى.

    أما إذا كان الطلاق بائناً فلا توارث بينهما بعده، أي: إذا كان الطلاق بائناً بينونة كبرى، أو بينونة صغرى، بمعنى: أن المرأة طلقت طلاقاً أولياً أو ثانياً، ثم انتهت عدتها؛ فهذا يسمى طلاقاً بائناً بينونة صغرى، وبالتالي فإنها تحل لزوجها الذي كانت معه بمهر جديد وعقد جديد.

    أما المرأة المطلقة طلاقاً بائناً بينونة كبرى، يعني: طلقت ثلاث طلقات، ثم انقضت عدتها من الطلقة الثالثة؛ فإنها تحل لغيره، ولا تحل له إلا إذا تزوجت بغيره، ثم طلقت طلاقاً طبيعياً بغير اتفاق ولا تحليل، وأراد زوجها الأول أن يراجعها، أو يتزوجها زواجاً جديداً بثلاث طلقات؛ فيجوز ذلك، يعني: له عليها طلقات ثلاث جدد.

    أما إذا كان الطلاق بائناً فلا توارث بينهما بعده، إلا إذا كان المطلق قد أوقع الطلاق فراراً من ميراث زوجه، بأن أوقعه في مرض موته دون أن يطلبه الآخر، وأنتم تعرفون أن هذا الأمر يحصل كثيراً، فقد يقوم الرجل بتطليق زوجته لأجل حرمانها من الميراث: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء:12].

    فلابد أن يكون طلاقاً لا يقصد به إلحاق الضرر؛ ولذلك إذا أوصى شخص مثلاً بكل أمواله فلا تنفذ هذه الوصية؛ لأن الوصية لا تحل له إلا في ضمن الثلث، ولا تجوز بالزيادة على الثلث إلا بإجازة الورثة، فلا تنفذ هذه الوصية إلا في حدود الثلث رغماً عن الورثة، وفيما زاد عن الثلث لا تنفذ إلا بإرادة وموافقة الورثة، وإلا فلا نفاذ لها.

    فهذا الرجل يطلق امرأته في مرض موته لأجل الإضرار بها وحرمانها من الميراث، فإن ماتت الزوجة قبله بعد هذا الطلاق لم يرثها، بينما هي بنفسها ترث إذا مات وهي حية، وهو لا يرثها؛ معاملة له بقصده الذي كان قد قصده.

    أما إذا مات قبلها فإنها ترثه رغم أنها مطلقة، لكنها مطلقة أولاً بقصد الضرر.

    ثانياً: مات وهي لا تزال في العدة، وأنتم تعلمون أن المرأة في العدة لها حق الميراث.

    أما إذا مات قبلها فإنها ترثه ما لم تنقض عدتها؛ معاملة له بنقيض قصده، ومن ثم جاءت المادة الحادية عشرة من القانون: وتعتبر المطلقة طلاقاً بائناً في مرض الموت في حكم الزوجة إذا لم ترض بالطلاق، يعني: إذا رضيت سقط حقها في الميراث، وإذا لم ترض وأثبتت أن هذا الطلاق إنما تم لأجل الإضرار بها؛ فإنها زوجة وترث.

    السبب الثاني: الولاء بين المالك وبين من أعتقه من عبيده، حيث يرث الأول الثاني، يعني: أن المالك هو الذي يرث العبد.

    ومعلوم أن الرق قد ألغي وحرم قانوناً؛ لأنه لا بد أن تعلموا أن هناك قاعدة: ما دام أنه لا يوجد جهاد إذاً فليس هناك رق نهائياً.

    وقد ورد في متن الرحبية أسباب ميراث الورى فقال:

    أسباب ميراث الورى ثلاثة كلٌ يفيد ربه الوراثة

    وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب

    أي: ليس هناك سبب رابع.

    وبهذا تنتهي أيضاً المقدمة في موانع الإرث، ومعنى الميراث وأسباب الميراث.

    وإن شاء الله في الدرس القادم يكون لنا مقدمة أيضاً في أصحاب الفرائض والعصبات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.