إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - المقدمة - ترجمة الإمام النووي [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الإمام النووي رحمه الله تعالى على منهج أهل السنة والجماعة، وكان يتحرى الحق ويحرص عليه، وإن جانبه في بعض الأحيان، وكان ديدنه صيانة جناب الدين، ولو لم يصب ذلك في بعض الأمور، وكون النووي عالماً من علماء الأمة فله حق على كل مسلم أن يذب عن عرضه، ويدفع التهم والطعن في عقيدته.

    1.   

    عقيدة الإمام النووي

    الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    في الدرس الماضي تناولنا الإمام النووي من حيث سيرته الذاتية وحياته العلمية، وأرجأنا في الدرس الماضي الكلام عن عقيدة الإمام النووي إلى هذا الوقت الذي نحياه ونعيشه.

    اختلاف أقوال العلماء في عقيدة الإمام النووي رحمه الله

    فنقول مستعينين بالله عز وجل في عقيدة الإمام النووي : إن العلماء وأهل العلم اختلفوا فيها، فاضطرب المترجمون للإمام النووي قديماً وحديثاً، فمنهم من نسبه للعقيدة السلفية، ومنهم من نسبه إلى عقيدة الخلفية، وهي عقيدة الأشاعرة.

    وأريد أن أنبه بادئ ذي بدءٍ أن الدراسات الأكاديمية في هذه البلاد وفي كثير من بلدان المسلمين يعدون عقيدة الأشعريين وعقيدة الماتريدية أتباع المنصور الماتريدي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا الكلام فيه تخبيط وخلط وخطأ عظيم وفاحش، أما عقيدة أهل السنة والجماعة فهي ما كان عليه الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، والتابعون كذلك والأئمة المتبوعون باعتبار كلام خفيف للإمام أبي حنيفة عليه رحمة الله تبارك وتعالى.

    فعقيدة الأشاعرة والماتريدية ليست هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وإلا فالأزهر في هذا البلد، والدراسات الأكاديمية والإسلامية واللغوية في الجامعات كجامعة القاهرة وعين شمس يعدون العقيدة الأشعرية والعقيدة الماتريدية هي عقيدة أهل السنة، فأريد أن أنبه على هذه المسألة قبل أن ننطلق في الكلام على عقيدة السلف وعقيدة الخلف.

    فالإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى حينما وقع فيما وقع فيه من تأويل وصرف النصوص عن ظاهرها، نسبه كثير من المتقدمين والمتأخرين إلى العقيدة السلفية تارة وإلى العقيدة الخلفية -وهي عقيدة الأشعرية والماتريدية- تارة أخرى، ولكن الإمام الذهبي يقول في كتاب تاريخ الإسلام في ترجمة الإمام النووي : إن مذهبه في الصفات السمعية السكوت، أي: كان يذهب إلى السكوت في الصفات السمعية وإمرارها كما جاءت، وربما تأول قليلاً في شرح مسلم ، أي ربما تعرض لتأويل الصفات في شرح مسلم .

    و السخاوي عليه رحمة الله نقل في ترجمته، وتعقبه بقوله: كذا قال. أي: الإمام الذهبي ، والتأويل كثير في كلامه، أي: ليس قليلاً وإنما هو كثير.

    ونقل السخاوي قبل ذلك عن بعض مترجميه أنه وصفه بأنه أشعري. هذا وصف صريح وصحيح بأنه أشعري، فقال في صفحة (36): وصرّح اليافعي والتاج السبكي رحمهم الله تعالى أنه أشعري.

    وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين.

    فالذي يقرأ هذه المقولة يتصور أن الإمام النووي إنما كان يسلك مسلك السلف، ولكن هذا القول الذي قاله هو الإمام السبكي ، والإمام السبكي أشعري كذلك.

    فكل مذهب يعد نفسه أنه هو مذهب السلف، فالأشاعرة يقولون: نحن سلفيون، والماتريدية يقولون: نحن سلفيون.

    فكل يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

    فهذا كلام من الإمام السبكي إذا قاله في حق الإمام النووي ، فإنما ينسبه إلى الأشعرية.

    وقال: وله الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة.

    هكذا يقول عن الأشعريين أنهم أهل السنة والجماعة، وكما اضطرب الأقدمون أيضاً في نسبة الإمام النووي إلى أي العقائد، فكذلك اضطرب المحققون والمطلعون والباحثون المعاصرون، فمنهم من وصفه بأنه كان سلفياً في اعتقاده، لكنه يؤول أحياناً إذا دعت الضرورة إلى ذلك.

    ومنهم من وصفه بأنه له أغلاط في الصفات، سلك مسلك المؤولين وأخطأ في ذلك، فلا يقتدى به في ذلك، بل الواجب التمسك بقول أهل السنة، وهو إثبات الأسماء والصفات الواردة في الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة المطهرة، والإيمان بذلك على الوجه اللائق بالله عز وجل من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ عملاً بقوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وما جاء في الآيات والأحاديث كثير يثبت عقيدة السلف.

    ومنهم من قال عنه: لا يصح اعتباره أشعرياً، أي: الادعاء بأنه أشعري كلام يحتاج إلى دليل وبرهان، ولا يصح اعتباره كذلك وإنما يقال: وافق الأشاعرة في أشياء، فليس من وافق أهل البدعة في أشياء يقال: إنه مبتدع، وهذا أصل لا بد من معرفته، فالذي يوافق من أهل السنة والجماعة أهل البدع لا يقال عنه: مبتدع، وإنما يقال: إن الأصل فيه الاستقامة، ولكنه زل في مسألة كذا وكذا، ووافق فيها أهل البدع.

    أما إذا كان من أهل البدع أصلاً فوافق أهل الحق فلا يقال بهذه الموافقة: إنه من أهل الحق، ولكن يقال: إنه من أهل الباطل، ولكنه وافق أهل الحق في مسألة كذا وكذا، هذا أصل لا بد من معرفته.

    فالذي يوافق أهل الحق وهو من أهل البدع لا تخرجه موافقته لأهل الحق في هذه المسائل عن بدعيته، فكذلك أهل الحق إذا وافقوا أهل البدع لا تخرجهم هذه الموافقة لأهل البدع عن الحق الذي هم تمسكوا به من بداية الأمر، بل الحق مسلكهم وعقيدتهم.

    فالإمام النووي كذلك، وكذلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله تبارك وتعالى.

    والناس يقولون: أنتم تقولون: إن الذي يؤول إنما هو أشعري.

    نقول: نحن لا نقول هذا ولكن نقول: التأويل مذهب الأشاعرة، وأما المؤول فيُنظر في شأنه، فإن كان التأويل ديدنه ومسلكه فلا شك أنه من الخلف، وأنه من أهل التأويل ولا كرامة، وأما إذا كان التأويل ليس من شأنه ولا من ديدنه وإنما إمرار النصوص كما جاءت في الصفات وغيرها مما تستلزمه العقيدة الصحيحة عقيدة السلف، فنقول: إنه من أهل الحق، ولكنه أحياناً يضطر إلى التأويل، فلا يخرجه هذا التأويل عن كونه من أهل السنة والجماعة، فالحافظ ابن حجر مثلاً وجه من أوجه الدفاع عنه: أنه وافق الأشاعرة في بعض المسائل، بل وافق المتصوفة في بعض المسائل التي تُنكر على المتصوفة، فلا يخرجه موافقته للمتصوفة والأشعرية في بعض المسائل عن كونه من أهل السنة والجماعة، ومما يدل على ذلك أيضاً الغارة التي شنها الحافظ ابن حجر في المجلد الأول والمجلد الأخير من كتاب فتح الباري على الأشاعرة، فكيف يكون أشعرياً ويشن الغارة على الأشاعرة؟ كيف يكون ذلك؟

    فالصواب: أن يقال: إن الحافظ ابن حجر من أهل السنة والجماعة، والمسائل التي وافق فيها الأشاعرة إنما هي خروج عن مسلكه الأساسي، وهو التزام ما كان عليه السلف، وكذلك الإمام النووي فعل.

    قال: ومنهم من نعته بأنه من أهل السنة والجماعة في جملة الاعتقاد.

    أي على سبيل الإجمال دون التفصيل؛ لأنه في التفصيل وافق الأشاعرة في بعض المسائل، أما في جملة الاعتقاد فهو من أهل السنة والجماعة، وهو إلى أهل الحديث أقرب منه إلى المتكلمين؛ وذلك لانشغاله بعلم الحديث وبالآثار.

    1.   

    التأصيلات التي ينبني عليها بيان عقيدة الإمام النووي

    والحقيقة أن التأويل وارد في كلامه كثيراً، وخاصة في شرحه لصحيح مسلم، ولكن هناك معالم ينبغي ضبطها وسردها لبيان عقيدة الإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.

    الإمام النووي ليس له كتاب مستقل في العقيدة

    فهذه القواعد وهذه التأصيلات:

    أولها: لا نعلم كتاباً مستقلاً للإمام النووي تكلم فيه عن العقيدة حتى يتضح المقال في عقيدته.

    ليس هناك كتاب أفرده شيخ الإسلام النووي لإثبات عقيدته وبيانها؛ حكم من خلال هذا الكتاب بأنه أشعري أو سلفي، فليس له إلا مجرد الكلام على الأحاديث التي وردت في صحيح الإمام مسلم في كتاب الإيمان وغيره، فهي التي يؤخذ منها كلام الإمام النووي في العقيدة، وعليها مدار كلام المتقدمين والمتأخرين في عقيدة الإمام عليه رحمة الله.

    وهناك كتاب في العقيدة نُسب إلى الإمام النووي ، وأما نسبته إليه ففيها نظر كبير، هذا الكتاب اسمه: المقاصد في بيان ما يجب معرفته من الدين من العقيدة والعبادة وأصول التصوف، فهذا الكتاب يُنسب زوراً وبهتاناً إلى الإمام النووي .

    كلام النووي على الصفات منقول من شراح صحيح مسلم الذين سبقوه

    التأصيل الثاني: أن سائر كلام النووي على الصفات منقول من شُرّاح صحيح مسلم الذين سبقوه، وخاصة من كلام عياض، وشيخه أبي عبد الله المازري .

    عياض لا شك أنه كان أشعري العقيدة، وكذلك شيخه الإمام أبو عبد الله المازري ، فالإمام النووي عليه رحمة الله حينما جمع ما جمع في شرح هذا الصحيح اعتمد جُل اعتماده على النقل من كلام عياض وكلام الإمام أبي عبد الله المازري ، وكلاهما أشعري العقيدة، فكان الإمام ينقل كلامهما دون تمحيص ولا تحقيق ولا تدقيق.

    تأويل الإمام النووي بعض الصفات تنزيهاً لله

    وأما التأصيل والقاعدة الثالثة: أوّل النووي بعض الصفات ولا سيما الفعلية منها تنزيهاً لله عن ظاهرها، وخشية تشبيهه بخلقه، ووصفه بالتجسيم، والذين سلكوا هذا المسلك خرجوا من التشبيه والتجسيم فوقعوا في التعطيل، وهذا الذي وقع فيه الإمام النووي أيضاً، ولو أثبتوا ظواهر النصوص على حقيقتها على مذهب السلف لنجوا، أثبتوها بالمعنى المعلوم والكيف المجهول الذي يليق بجلال الله عز وجل كما هو الكلام المنسوب إلى الإمام مالك، وهو في الحقيقة كلام أم سلمة رضي الله عنها أم المؤمنين قالت: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، ثم من بعدها تبنى هذه المقولة ربيعة الرأي ، وهو إمام الرأي في المدينة، ثم بعد ذلك أخذها الإمام مالك واشتهرت عنه، حينما سئل عن قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال: الاستواء معلوم.

    إذاً: السلف لا يفوضون العلم، ولا يفوضون المعنى، إنما يفوضون الكيف؛ لأنه قال: الاستواء معلوم، فالعرب يعرفون ما معنى الاستواء، (استوى) عند العرب بمعنى: (علا وارتفع) فلا يقال: استوى بمعنى: استولى، والاستيلاء هذا هو كلام المتأخرين من الأشاعرة وغيرهم، والاستيلاء يلزم منه المناهضة والمدافعة والمبارزة حتى يستولي أحد المتبارزين على الآخر، وحتى يهزمه وينتصر عليه، هذا كلام المتأخرين، وأما كلام السالفين من الصحابة وغيرهم: أن الاستواء بمعنى: الارتفاع والعلو، فهذا هو معنى قول أم سلمة : الاستواء معلوم، أي: معلوم عند العرب بمعنى: علا وارتفع، وعند الخلف بمعنى آخر وهو غير مراد لنا.

    قالت: والكيف مجهول، أي: كيفية استواء الرب سبحانه وتعالى على العرش هذه مجهولة لنا، وقد ناقشت أحد الأساتذة الكبار في الجامعات فقال: الاستواء مجهول، والكيف مجهول، قلت: لقد أتيت بطامة لم يأت بها حتى الخلف، ثم استطردنا في الكلام فقال: الكيف مجهول، فقلت له: على من؟ قال: على الله، قلت: كيف يخفى على الله عز وجل استواؤه؟ فقال: هكذا الكلام الصحيح للقاضي عبد الجبار وغيرهم. قلت: لا، فالقاضي عبد الجبار يقول: الاستواء بمعنى: الاستيلاء، وأما أنت فإنما تنفي هذا عن القاضي عبد الجبار وغيره، وإثبات هذا الكلام للقاضي لا شك أنه افتراء عليه.

    فكان عاقبتي أن طُردت من الجامعة، ووصى بي الذين يقفون على البوابة أن يراقبوني ويخرجوني، فجزاه الله خيراً، وربنا يهديه.

    إفصاح الإمام النووي بأن التأويل يستساغ إذا دعت الحاجة إليه

    التأصيل الرابع: أفصح النووي في مقدمته في كتاب المجموع -وهو من أعظم وأجل كتب الإمام النووي في الفقه، وهو أصل في مراجع كتب الفقه في المذهب الشافعي- أن التأويل يستساغ إذا دعت الحاجة إليه، وهذا على أي حال درب من دروب الاجتهاد عند الأئمة، وإن كنا لا نوافق عليه، ولكنه على أية حال موجود وله ظل عند أهل العلم، خاصة ممن كانت العقيدة عندهم غير ثابتة ثبوت الجبال الرواسي، فكانوا يلجئون للتأويل أحياناً لرد بدعة على مبتدع، وهذا الذي فعله الإمام النووي.

    قال الإمام في المجموع: اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون: تتأول على ما يليق بالله عز وجل، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين.

    وأما اصطلاح المتكلمين فله موال طويل جداً، لكن هذا اللفظ أطلقه المتأخرون على علماء في العقيدة أو المصنفات في العقائد وقالوا: سموهم المتكلمين أي: بمعنى المتكلمين في الأصول لا في الفروع.

    وقال آخرون: لا تتأول، بل يمسك عن الكلام في معناها، ويوكل علمها إلى الله تعالى.

    قوله: (ويوكل علمها) هذا كلام لا شك أنه خطأ، لكن يوكل كيفيتها إلى لله عز وجل، أما يوكل علمها فهذا هو تفويض العلم وتفويض المعنى الذي قال به الخلف دون السلف.

    ثم قال: ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك.

    قوله: (ولا نعلم حقيقة معنى ذلك). هذا كلام خطأ، وإنما الصواب: ولا نعلم كيفية ذلك، أما معنى ذلك وعلم ذلك فإننا نعلمه، فقوله: (الاستواء معلوم) يرد هذا الكلام من أصله.

    وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم، وهي أسلم، إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك، فإذا اعتقد التنزيه فلا حاجة إلى الخوض في ذلك والمخاطرة فيما لا ضرورة إليه، أو لا حاجة إليه، فإن دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأولوا حينئذ، وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا. والله أعلم.

    هذا كلام الإمام النووي ، ويفهم منه على سبيل الإجمال دون التفصيل أنه ينسب تفويض المعنى إلى السنة، وهذا كلام غير صحيح، وإنما الذي يُنسب إلى السلف وهو الحق الذي لا مراء فيه تفويض الكلام.

    قول الإمام النووي في تفويض الصفات

    يبقى التأصيل الخامس وهو: أنه يظهر من كلام الإمام النووي السابق أنه يرى تفويض المعنى، وهذا لا شك مذهب الخلف، وهذا ما صرّح به في كثير من المواطن في شرحه على الصحيح.

    وخلاصة القول وصفوته أن الإمام النووي انطلق فيما صار إليه في الأسماء والصفات من وجوه مختلفة في فهم النص، أدى إلى القول بالتفويض أو التأويل، وخاصة في الصفات الخبرية كالنزول والفرح والغضب والضحك والإتيان والمجيء ونحو هذا.

    اشتغال النووي بعلم الحديث ودفاعه عن عقيدة السلف

    فاشتغال النووي بعلم الحديث وبُعده عن علم الكلام جعله يوافق أهل السنة والجماعة في مسائل كثيرة جداً من مسائل العقيدة، السر في ذلك بركة اشتغاله بعلم الحديث؛ لأن الذي يشتغل بعلم الحديث لا بد أن يتعرض لأقوال الشُرّاح، ومعظم أهل الحديث إنما كانوا على نهج أهل السنة والجماعة إلا ما ندر.

    قال: مثل دفاعه عن عقيدة السلف في مسألة خلق الله لأفعال العباد، وإثبات رؤية الله عز وجل يوم القيامة، ودفاعه عن عقيدة السلف في حقيقة الإيمان وزيادته ونقصانه، والاستثناء فيه، وكلامه على حكم مرتكب الكبيرة وكلامه في النبوات عامة، وكذا في السمعيات، ودفاعه عن مذهب أهل السنة في الإمامة والصحابة والتفضيل بينهم.

    الإمام النووي دافع ونافح عن هذه المسائل أيما دفاع وأيما منافحة، فهذه المسائل بين أهل السنة وبين أهل البدع فيها خلاف عظيم وهوّة شاسعة على جهة الخصوص، فكون الإمام النووي يتبنى مذهب أهل السنة والجماعة في هذا وينافح ويدافع عنه ضد المعتزلة، بل وضد الأشاعرة أنفسهم الذين يُنسب إليهم الإمام النووي إنه ليدل دلالة واضحة على أن الإمام النووي لم يكن أشعرياً ولا معتزلياً، وقد تضمنت هذه التقريرات ردوداً على أهل الزيغ والضلال، وصرّح الإمام النووي بأسماء كثير من الطوائف المبتدعة والملل المنحرفة، مثل: الشيعة والرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والمرجئة والكرّامية وغيرهم.

    ونستطيع أن نقرر هنا باطمئنان أن هذا الشرح ساهم في الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح في هذه الأمور، وهو شرح الإمام النووي ، وذلك من خلال الرد على من تجنبها من أهل الكلام، ومن سلك مسلكهم معتمداً على ما قرره السابقون في مصنفاتهم المعتبرة في العقيدة وغيرها.

    ومن الجدير بالذكر هنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية حينما قرر ميل أبي حامد الغزالي إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية قال: وقد حكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه، ورد عليه أبو عبد الله المازري في كتاب أفرده..، إلى أن قال: ورد عليه الشيخ أبو البيان والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وحذّر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النووي وغيرهما.

    فكون النووي يحذر من كلام أبي حامد الغزالي في مسألة الصفات أو مسائل العقيدة على سبيل الإجمال، فلا شك أنه يرتضيه، فالذي يختلق كلاماً يلزمه أن ينافح عنه لا أن يرده وأن يسب أو يذم قائله، وهذا الذي فعله الإمام النووي أنه رد على الغزالي وأبطل قوله، مما يؤيد ويساعد ويشجّع على أن الإمام النووي إنما كان من أهل السنة والجماعة لا من أهل البدعة، وأقصى ما يقال: إنه وافق أهل البدع، أو وافق الأشاعرة والخلف في بعض المسائل عن اجتهاد منه وتأويل، فنسأل الله تعالى أن يغفر له، وأن يتجاوز عن سيئاته.

    ولا يفوتنا بهذا الصدد إلى أن نشير إلى أن الإمام النووي خالف الأشاعرة مخالفة صريحة في مسألة أول واجب على المكلف، ونصر فيها مذهب السلف فقال في المجموع الجزء الأول في بداية الكلام صفحة (24) أو (25): وأما أصل واجب الإسلام وما يتعلق بالعقائد فيكفي فيه التصديق بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يعني: التصديق على سبيل الإجمال، أي: تصديق العوام للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال دون التفصيل، فهذا الذي قاله الإمام النووي . قال: أول ما يلزم المسلم أن يصدق بكل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا التصديق إنما يعتقده اعتقاداً جازماً سليماً من كل شك، ولا يتعين على من حصل له هذا تعلم أدلة المتكلمين، أي: ليس فرض عين على كل مسلم أن يتعلم أدلة المتكلمين. والمتكلمون إنما هم المتأخرون.

    قال: هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء والمحققون من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب أحداً بشيء سوى ما ذكرناه، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن سواهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير المتفقهين والفقهاء الكف عن الخوض في دقائق الكلام مخافة من اختلال يتطرق إلى عقائدهم يصعب عليهم إخراجه، بل الصواب لهم الاقتصار على ما ذكرناه من الاكتفاء بالتصديق الجازم، وقد نص على هذه الجملة جماعات من حذاق أصحابنا الشافعية وغيرهم، وقد بالغ إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى في تحريم الاشتغال بعلم الكلام أشد مبالغة، وأطنب في تحريمه، وتغليظ العقوبة لمتعاطيه، وتقبيح فعله، وتعظيم الإثم فيه، فقال: لئن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام.

    وألفاظه بهذا المعنى كثيرة.

    سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة

    ذكرنا أن الإمام النووي كان مضطرباً في مسائل العقيدة، خاصة مسألة الصفات فما سر هذا الاضطراب؟

    قال: سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة أو أهل السنة أنه قد وافق الأشاعرة من خلال النقل عن مصنفاتهم كما ثبت نقله عن الإمام أبي عبد الله المازري وتلميذه عياض ، فلما نقل عنهم وسكت عن هذا النقل قال الأشاعرة: هو أشعري من هذه الزاوية، أنه اعتمد كلام عياض والشيخ أبي عبد الله المازري وسكت عنه مما يدل على رضاه به.

    فهذه حجة الذين ينسبون الإمام النووي إلى الأشاعرة، وأما أهل السنة والجماعة فإنهم ببركة اشتغال الإمام النووي بالحديث ومنافحته عن عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل كثيرة نسبوه إلى عقيدة السلف، ورحم الله تعالى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامهم نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع.

    ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، والأصل فيها أنها قول واحد، فتجد الواحد منهم وهو إمام كبير فحل يذكر في هذا الأصل العظيم الذي لا ينبغي أن يُذكر فيه إلا كلام واحد عدة أقوال، ومع هذه الأقوال الكثيرة لا يذكر القول الصحيح.

    ثم يقول: لعدم علمه به لا لكراهيته لِما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فالإمام النووي من الأفاضل الأبرار، بل من العلماء الأحبار، ولكن لم يوفق لمتابعة منهج أهل الآثار في بعض المسائل العقدية الواردة في بعض الأخبار. عفا الله عنا وعنه بمنه وكرمه، وجعلنا وإياه من أهل الجنة وأبعدنا عن النار إنه عزيز غفار.

    1.   

    المسائل التي خالف فيها الإمام النووي أهل السنة والجماعة

    منها: التبرك بآثار الصالحين، من المعلوم إجماع أهل السنة والجماعة على جواز بل على استحباب التبرُّك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام على جهة الخصوص؛ لأنه مقطوع بصلاحه وتقواه، فالإمام النووي خالف في ذلك وقاس على النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل صالح من الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا كلام خالف فيه جمهور أهل السنة.

    وعلى أية حال تبقى هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، ولكن الراجح فيها: عدم قياس الصالحين على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله.

    فالراجح في هذه المسألة عدم جواز التبرك بآثار الصالحين، وهذه المسألة لو أخذناها على الإمام النووي فإنما ينبغي أن نأخذها على كثير من الإخوة السلفيين في هذه الأوقات، فكثير من الإخوة يقول لك: أعطني قميصك يا أخي! هذا بركة منك! أو دعني أشرب سؤرك هذا بركة منك! أو أنا وضعت قدمي مكان قدمك اقتفاء لأثرك وتبركاً بك!

    فهذا الكلام كله هو الكلام الذي أنكره السلف في مسألة التبرُّك، فأنت تقول أيها المسلم: أتمنى أن أحصل على كوفية أو عمامة أو قميص أو حذاء من أحذية الشيخ الفلاني أو الرجل العلاني. فهذه بركة منه..! ومن الممكن أن تعتقد في والدك الصلاح، فتحجز آثاره بعد موته ثم لا تتصرف فيها عشرات الأعوام من باب التبرك بآثار الوالد، وبآثار الشيخ، وبآثار الزعيم وهلم جراً، فكل هذا مما أنكره كثير من السلف.

    وإذا كنا نعيب الآن على بعض أهل العلم أنهم تبنوا جواز التبرك بآثار الصالحين فإن كثيراً ممن يعيبون على الشيخ فلان أو الشيخ علان هذا الأمر إنما هم واقعون فيه.

    ومما خالف فيه الإمام النووي أيضاً عقيدة أهل السنة: ذكره للتأويل في صفة الغضب والرضا والسخط والكراهية، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء، وذكر تأويله صفة النور وقوله: إن السلف يؤولون المعنى، وكذلك تأويله للصورة، وذكر تأويله الصورة والإتيان، وتأويله الضحك، وتجويزه قراءة القرآن على القبور، وتأويله الحب والبغض، وتأويله علو الله عز وجل، وتأويله النزول، وتأويله اليد، وشد الرحال إلى قبور الصالحين والمواضع الفاضلة أجازه الإمام النووي ، وذكر تأويله دنو الله وقربه.

    وكذلك تكلم بكلام يخالف أهل السنة والجماعة في مصير أولاد المشركين في الآخرة.

    وتأويله الضحك، وكلامه في الخضر وما يتعلق به من المسائل، وكلامه في حرمة المشايخ من التبجيل والتعظيم الزائد، وذكر تأويله الأصبع، وقوله: إن الصفات من باب المتشابه أو من باب المجاز، وتأويله النفس، وذكر تأويله الفرح وسماع الأموات، وذكر تأويله الساق.. وغير ذلك من المسائل التي ينبغي أن توضح، وهذا ما يفتح الله عز وجل به علينا في أثناء الشرح إن كنا سنتعرض لشرح الإمام النووي على صحيح مسلم.

    1.   

    الأسباب التي أدت إلى وقوع الإمام النووي في مخالفة أهل السنة في بعض مسائل العقائد

    أما الأسباب التي أدت إلى وقوع الإمام النووي في هذه الأخطاء فهي كثيرة:

    منها: أنه سار في شرحه في مسائل الصفات على نهج المازري، وكذلك على نهج القاضي عياض ، وهذا الذي قلناه وصرّحنا به في درسنا، والإمام النووي لم يكن محققاً في باب العقائد؛ وذلك لانشغاله بالحديث وانشغاله بالفقه، فلم يكن بلغ مبلغاً متيناً في مسائل العقيدة أو كما يقولون: في أبواب الكلام أو مسائل الكلام.

    ذكرت مقولة في كتاب المهمات. قال: اعلم أن الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله حينما تأهل للنظر والتحصيل. أي أنه لم يتأهل بعد، ولكنه رأى من المسارعة إلى الخيرات أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفاً ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنفيه تحصيلاً، وتحصيله تصنيفاً. أي: أنه يعيب على الإمام النووي أنه بادر وسارع إلى الكتابة وإلى التصنيف والتأليف قبل أن يتأهل، خاصة في هذا العلم.

    وقد كتب الإمام النووي في الفقه وشرح كتب الصحيح كـالبخاري ولم يتمه، وكذلك صحيح مسلم وأتمه، وكان لزاماً عليه أن يتعرض لبعض المسائل العقدية خاصة في كتب الإيمان والتوحيد، وأن يتعرض إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، فإنه تعرض لكثير من المسائل التي خالف فيها المبتدعة أهل السنة والجماعة.

    فقال: الإمام النووي لم يكن تأهل بعد للكتابة في هذه المسائل؛ فاستعجل وصنّف وكتب في هذا الباب ولمّا يتأهل بعد، فهذا الذي أوقعه فيما أوقعه فيه من شر، ومن مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة.

    هذا كلام نستفيد منه أن المرء ينبغي عليه ألا يتعرض لهذا الأمر إلا بعد أن يتأهل لما يكتب ويصنّف، وكذلك إذا تأهل ينبغي عليه ألا يخرج إلى الناس بما عنده من علم وكتابة إلا بعد أن يجيزه الشيوخ، ورحم الله تعالى الإمام مالكاً حيث قال: ما جلست في مجلسي هذا -أي: مجلس الإفتاء- إلا بعد أن أجازني سبعون عالماً من أهل المدينة، بخلاف ما نحن عليه الآن، فإن هناك آلافاً من الإخوة يقولون لأخ مثلهم: أنت شيخ وأنت عالم وأنت محقق وأنت مدقق، وهذا بخلاف ما كان عليه أهل السنة سابقاً، فإنما كان يجيز العلماء التلاميذ، وأما الآن فإن التلاميذ يجيزون بعضهم البعض.

    قال: وأما الرافعي فإنه سلك مسلك الطريقة العالية -أي: المحمودة- فلم يتصدر للتأليف إلا بعد كمال انتهائه، أي: بعد تحصيله للعلم، وكذا ابن الرفعة رحمة الله عليهما.

    السبب الثالث هو: أن الإمام النووي عليه رحمة الله ولد في عصر قريب عهد بانتشار مذهب الأشاعرة، ومن المعلوم أن ظهور أي مذهب يجعل له الغلبة على عقول الناس خاصة إذا تبناه الحُكّام.

    فإن مذهب المعتزلة مثلاً حينما ظهر أقنع به أصحابه دولة بني العباس، فكان هذا سبباً لظهور مذهب الاعتزال، وأثر ذلك على أصحاب الحق كالإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فعانوا ما عانوه، وقاسوا ما قاسوه بسبب نصرة الحكام لهذا المذهب، وفي هذا الزمان مذهب التصوف ومذهب التشيُّع كذلك منتشر لا أقول بسبب التبني، وإنما محمي عند الطلب إلى حد ما، فإنهم يقولون: احرسوا مولد السيدة زينب، احرسوا مولد الحسين ، احرسوا مولد السيد البدوي ، حتى يأتي هذه الموالد الملايين -فاجتماع هذه الملايين لا شك أن فيه فتناً عظيمة لعوام الناس ورعاء الناس وسقطهم.

    فكذلك مذهب الأشاعرة انتشر وفاح وذاع في عصر ولد فيه الإمام النووي وطلب فيه العلم، مما كان له التأثير العظيم على كثير من علماء ذلك الزمان، منهم عياض وأبو عبد الله المازري، ونحن نعلم أن الإمام النووي تأثر بهما أيما تأثر في شروحه وفي كلامه وفي عقيدته، بخلاف تلميذه ابن العطار فقد كان متأخراً عنه في السن، وتأثر بالإمام النووي تأثيراً عظيماً، حتى كان يقال عن ابن العطار: هذا مختصر النووي ، أو هذا النووي الصغير.

    فالإمام ابن العطار تأثر بشيخه الإمام النووي ، ولكنه تهيأ للإمام ابن العطار ما لم يتهيأ لشيخه الإمام النووي ؛ وذلك لأن جُل شيوخ الإمام النووي من الأشاعرة فتأثر بهم، وهذا التأثر طبيعي، والإنسان جزء من مجتمعه، يتأثر ويؤثر، أما ابن العطار فقد تهيأ له من الشيوخ والعلماء ما لم يتهيأ لشيخه الإمام النووي ، فقد تهيأ للإمام ابن العطار ابن تيمية عليه رحمة الله وكفى به، ولا أقول: إنه أدرك ابن تيمية ، ولكني أقول: إنه تأثر به وبتلاميذه، منهم الإمام الذهبي ، فقد كان الإمام الذهبي أخاً لـابن العطار من الرضاعة، فلو لم يكن لـابن العطار من أئمة السنة إلا الذهبي لكفاه، ويظهر ذلك في كلام ابن العطار في مسائل العقيدة وغيرها.

    فقال: فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحب، والبغض، والفرح، والضحك وجد اعتقاد حقيقته من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله سبحانه ورسوله من غير إضافة ولا زيادة عليه، ولا تكييف ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتضعه عليه، والإمساك عما سوى ذلك.

    هذه هي عقيدة السلف، وهذا الكلام: (ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب) ينسف كلام الإمام النووي في مسائل الصفات.

    فحين يصدر هذا الكلام من ابن العطار تلميذ الإمام النووي لا بد أن هناك سراً عظيماً، وهو تأثر الإمام ابن العطار بغير الإمام النووي في مسائل العقيدة.

    وقال ابن العطار : وقد نفى بعضهم النزول وضعّف الأحاديث أو تأولها خوفاً من التحيز أو الحركة أو الانتقال الملازمين للأجسام، والمحدثون والمحققون أثبتوها وأوجبوا الإيمان بها كما يشاء سبحانه.

    فهذا كلام من الإمام ابن العطار يثني به على المحققين، الذين هم علماء السلف.

    وحاصل ما يمكن الانتهاء إليه: أن المجتمع له تأثير وتأثر بأبنائه، فالإمام النووي لم يتهيأ له ما تهيأ للإمام ابن العطار ؛ ولذلك نجد هذا واضحاً في عقيدة ابن العطار وغير واضح في عقيدة شيخه الإمام النووي.

    1.   

    قواعد ينبغي أن يحرص عليها المرء في حكمه على أمر من الأمور

    وحتى نخلص إلى بيان موقفنا من تأويلات الإمام النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما لا بد من تقعيد وتأصيل، وهذه القواعد وهذه الأصول كثيرة جداً ومردها إلى خمسة أصول

    لو علمناها لن نقع إن شاء الله فيما يقع فيه كثير من الناس، وخاصة الإخوة السلفيون الذين يطلقون ألسنتهم بغير علم، ولا خوف من الله عز وجل في كثير ممن تثار حولهم شبهة، وربما لا أصل لها ولا دليل عليها، ولكنها إشاعة قيلت فتلقفها كثير من الإخوة، ثم نشروها، وقديماً قالوا: لا تكون إشاعة عند المصريين إلا ولها ظل.

    أي: أن الإشاعة تكون أولاً ولا حقيقة لها، ثم يكون قدر الله عز وجل الكوني أن هذا الأمر لا بد أن يكون؛ وذلك لانتشاره وذيوعه عند الإخوة المصريين، ما دامت الإشاعة قامت فلا بد أن يكون هناك حقيقة لها حتى وإن لم يكن لها حقيقة في الأصل.

    الخوف من الله عز وجل عند الكلام في الآخرين

    فأما القاعدة الأولى التي ينبغي أن يحرص عليها المرء في حكمه على الرجال والأشخاص، وعلى الكتب والمصنفات، وعلى الجماعات، وعلى الأمم وغير ذلك هي: الخوف من الله عز وجل عند الكلام في الآخرين.

    حرّم الله عز وجل الغيبة في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال في كتابه: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة عنه: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) أي: ظلمته وجرت عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم حرّم ذلك في حجة الوداع كما ورد في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ، وحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا -أي: يوم عرفة- في شهركم هذا -أي: شهر ذي الحجة- في بلدكم هذا -أي: في بلد الله الحرام مكة المكرمة- قال: ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد).

    بل جاءت الأحاديث ببيان أشد مما سبق، فجعلت الخوض في عرض المؤمن أشد من أن ينكح الرجل أمه كما ورد في حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) أي: أن تطلق لسانك في عرض أخيك.

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ولكن بالحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج).

    وعن ابن عمر أيضاً رضي الله عنهما مرفوعاً قال: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبّع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته).

    فهذه النصوص -في الحقيقة- كلها تدل دلالة واضحة على أنه ينبغي عليك أن تحرص على أن تراقب الله عز وجل في أقوالك وأفعالك، خاصة في التي لها تعلق بغيرك من بني البشر.

    حسن الظن بالمسلم

    والقاعدة الثانية التي ينبغي أن يضعها العبد نصب عينيه عند الكلام في الآخرين: هي حسن الظن بالمسلم، أي: تقديم حسن الظن على سوء الظن، وقديماً قال الإمام محمد بن سيرين : احمل أخاك على أحسن الوجوه، حتى إن لم تجد له مساغاً فقل: لعل له عذراً، فإن لم تجد عذراً قط فقل: لعل له عذراً لا أعلمه. وهذا لا شك باب عظيم من أبواب تقديم حسن الظن بالمسلمين.

    فالأصل في هذه القاعدة -وهي تقديم حسن الظن بالمسلمين- قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] أي: إن بعض هذا الكثير إثم، فمن أساء الظن بإخوانه فلا شك أنه قدّم هنا سوء الظن في إخوانه.

    وهناك حديث ضعيف جداً، بل قيل: إنه موضوع بلفظ: (سوء الظن عصمة)

    نعم. وإن كان هذا حديثاً لا يثبت ولا يصح إلا أنه كلام صحيح المعنى مع الأعداء والمنافقين، فسوء الظن بهم عصمة من شرورهم وفتنتهم، أما في المسلمين فالأصل حسن الظن بهم.

    وأمر المسلم في الأصل قائم على الستر وحسن الظن؛ ولذلك أمر الله عز وجل المؤمنين بحسن الظن عند سماعهم لقدح في إخوانهم المسلمين، بل وشدد النكير على من تكلم بما سمع من قدح في إخوانه دون تثبت ولا روية.

    الكلام في الناس بعلم وعدل وإنصاف

    القاعدة الثالثة هي: الكلام في أعراض الناس ينبغي أن يكون بعلم وعدل وإنصاف، والأصل في هذه القاعدة قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]، وقال الله تعالى: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85] ونحو ذلك من الآيات.

    الإمام ابن جرير الطبري عليه رحمة الله يقول في تفسير هذه الآية: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد! ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصّروا فيما حددت لكم من أحكام وحدود في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا فيه إلى حدي واعملوا فيه بأمري.

    فكأن الله عز وجل يوجه المؤمنين إلى أن يقوموا بالعدل والإنصاف والحكمة سواء مع الكفار أو مع المسلمين، وأما قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم عليهم وفي رأيكم فيهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم من العداوات، ولكن الزموا العدل والإنصاف.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، قوله: (بعلم) أي: بتثبت وروية وبيان قبل أن تنطلق الألسنة، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع.

    ولذلك أهل البدع يقولون: إن أهل السنة والجماعة أرحم لنا من رحمة بعضنا البعض؛ لأن أهل البدع أهل ظلم وجور وطغيان وبغي، حتى على بعضهم البعض إذا انفردوا، وأما أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة فإنما بعثهم الله تعالى رحمة للخلق جميعاً، كما بعث الأنبياء رحمة للخلق جميعاً؛ لأن أهل السنة والجماعة إنما هم امتداد للدعوة وللرسالة التي أرسل الله بها الأنبياء والمرسلين من نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.

    قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة الفضيل بن عياض : إذا كان مثل كبراء السابقين قد تكلم فيهم الروافض والخوارج، ومثل الفضيل يتكلم فيه! فمن الذي يسلم من ألسنة الناس؟ لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله، لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع.

    ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس جداً يتضح فيه منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله تعالى يغفر له خطأه.

    فالذي يجتهد وينوي أن يصل إلى حقيقة الأمر، وإلى مرضاة الله عز وجل، ومرضاة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يخطئ الطريق ويصل إلى نتيجة غير مرضية عند الله عز وجل وعند رسوله، فلا شك أن هذا مجتهد مأجور إن كان من علماء الاجتهاد، فمثل هذا غداً يغفر الله له، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن تحرى الباطل فأصابه.

    وهذا كلام ينبغي أن يُحفظ: (ليس من تحرى الحق فأخطأه كمن تحرى الباطل فأصابه) فإن الثاني من أهل البدع والأول من أهل الحق، وإن خالف الحق فيما اجتهد فيه.

    ومن خلال النصوص السابقة نعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم في غيره إن احتاج إلى ذلك من جهة الشرع إلا بعلم وعدل وإنصاف، فالله تعالى يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] ومن تكلم في غيره بظلم وزور فقد خالف قول الله عز وجل: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] والمقصود بالعدل في وصف الآخرين: هو العدل في ذكر المساوئ والمحاسن، فإذا ذكرت مساوئه فلا تنس محاسنه وفضائله والموازنة بينهما.

    وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) فإن أخطأ المرء وتاب فلا تذكر له خطأه وتنسى توبته؛ لأن التوبة تجب ما كان قبلها، والإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجبُّ ما كان قبلها، والحج يجب ما كان قبله.. أليست كل هذه مكفّرات؟ فالتوبة مكفّرة، فلا أحد يسلم من الخطأ، فلا ينبغي أن تُدفن محاسن المرء لخطئه، كما أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل خبثاً.

    ولذلك ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يغفل عن المحاسن لوجود بعض المساوئ، كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو بغضاء بينه وبين من يصفه، فالله عز وجل قد أدّبنا بأحسن أدب وأكمله؛ فقال سبحانه: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85].

    وإنك لتجد كثيراً ممن يذم غيره بذكر مساوئه إنما ذلك مبعثه هو البغضاء والحسد والضغينة والشحناء التي بين الاثنين، وربما يكون ذلك مخالفاً له في الدين والاعتقاد، أو في المذهب والانتماء.

    مثال من الواقع: لو أننا ذكرنا لك أيها السلفي! رجلاً من الإخوان المسلمين، أو من الجماعة الإسلامية، أو من جماعة الجهاد، أو من جماعة التكفير، أو رجلاً من الصوفية، فإنه لا بد أن ينطلق لسانك بما لا ينطلق به لسانك إذا ذُكر لك يهودي أو نصراني، وهذه حقيقة لكنها مرة، فينبغي التثبت، وينبغي أن تأخذ لسانك بيدك وتكف عن الانطلاق في أعراض إخوانك، وإن كانوا أخطئوا فلا بد أن يكون لهم محاسن وأن يكون لهم سيئات، فإذا حملك لسانك على ذكر مساوئ أخيك فينبغي من خوفك من الله عز وجل أن تذكر أن له محاسن وفضائل أيضاً، فليس الإنسان كله شر إلا أن يكون كافراً، وليس الإنسان كله خير وإن كان مسلماً، فإن فيه أيضاً بعض الزيغ والأخطاء؛ لأن هذا مما جبل الله عز وجل الخلق عليه، وظهر هذا في كلام نبيه صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) وهذا كلام يدل على عمومه وإجماله كلمة (كل)، وهذا من لفظ العموم يشمل المسلم ويشمل الكافر، ولكن حينما كان ذلك مخصوصاً بالمسلم دل على أن المسلم أيضاً لا يكون كله خير، وإنما يقع في الباطل أحياناً فيتوب، ويتوب الله عز وجل على من تاب.

    إن منهج الإمام ابن تيمية كذلك في العدل ووصف الآخرين كمنهج الإمام الذهبي ، فهو في غاية الجودة والروعة، ولو أنك ضممت كلام الإمام ابن تيمية إلى كلام الإمام الذهبي لكان منهجاً مستقيماً سليماً معبّراً عن أهل السنة والجماعة في نقدهم وحكمهم على الآخرين، وحكمهم على الكتب والمصنفات، بل وعلى الأمم بأسرها.

    فإنهما من أهل الاستقراء ومن أهل الحكمة والعدل والإنصاف، ويدل على ذلك كلام علمائنا الكبار العظام في أهل البدع، بل أخرج علماء السنة وروى الكثير من علماء الحديث عن كثير من أهل البدع؛ لما في هؤلاء -أي أهل البدع- من عدل وإنصاف وصدق، فهذه البدعة التي وجدت عند فلان أو علّان من المحدثين لم تمنع البخاري مثلاً من أن يعتمد حديثه في صحيحه، ولم تمنع مسلماً من أن يعتمد حديثه في صحيحه؛ لما لهذا المبتدع من عدل وإنصاف وصدق وأمانة في روايته، فأخذوا ما عنده من خير، وردوا ما عنده من باطل، وطرحوه في النار، وهذا هو الضابط الذي حكم به أهل السنة والجماعة على الآخرين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك الإمام الذهبي ، فمنهج الذهبي العدل والإنصاف في وصف الآخرين، هو منهج علمي دقيق، وهو منهج أهل السنة والجماعة في أحكامهم على غيرهم، وهو نابع من قوله أيضاً: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85].

    ولذلك ينبغي لمن رام الإنصاف واستشرف إليه بعينيه ونفسه ألا يحيد عن هذا المنهج السوي، وأن يتقي الله عز وجل في وصفه لغيره، ولا يتكلم إلا بعدل وإنصاف. والله الموفق لما فيه الخير والصلاح.

    العبرة بكثرة الفضائل

    أما القاعدة الرابعة التي ينبغي أن يلتزمها العبد في الحكم على الآخرين فإنها: العبرة بكثرة الفضائل.

    وهذا كلام في مجمله: أن كل إنسان له خير وشر، فإن غلب خيره على شره غُفر له شره، وإن غلب شره على خيره دل على فساد نيته وسوء طويته، فلا شك أن من غلب شره كان الأصل فيه الشر، فإنه لا يُغفر له ذلك، وأما إذا غلب خيره على شره فإنه من أهل الصلاح وأهل السنة، يتمنون له ويرجون الله عز وجل أن يغفر له هذا الذي وقع فيه من باطل وشر.

    يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله: والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.

    وكلمة ابن رجب هي بمثابة المنهج الصحيح في الحكم على الشخص، ومنهج السلف هو اعتبار الغالب على المرء من الصواب والخطأ، والنظر إليه بعين الإنصاف.

    والإمام الذهبي يقول: ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن.

    وقال أبو الحسن الصفار : سمعت أبا سهل الصعلوكي ، وسئل عن تفسير أبي بكر القفال ؟ فقال: قدّسه من وجه، ودنسه من وجه.

    فلو نحن سألناك مثلاً عن تفسير الفخر الرازي قلنا لك: الفخر الرازي معتزلي، فما بالك بتفسيره؟ تقول: لن نقبله، بل إن الرازي يلف في خرقة ويلقى في الجحيم؛ لأنه معتزلي.

    انظر إلى هذا الرجل قال: قدّسه من وجه ودنّسه من وجه، أي: أنه ذكر فضله أولاً، وما أصاب فيه أولاً، ثم ذكر بعد ذلك مساوئه، فقال: قدّسه من وجه ودنّسه من وجه، أي: دنسه من جهة نصره للاعتزال.

    الذهبي يقول: والكمال عزيز، وإنما يُمدح العالم بكثرة ما له من الفضائل، فلا تُدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها، وقد يغفر الله له لاستفراغه الوسع في طلب الحق. ولا قوة إلا بالله.

    فالإمام الذهبي له أسلوب في سير أعلام النبلاء أو في التاريخ الكبير في الكلام عن العلماء المبتدعين بالذات من أهل البدع والزيغ والضلال، كـابن عربي مثلاً، فـابن عربي لا يحتمل إنسان منا أن يقرأ كلامه، لكن الذهبي في التاريخ الكبير يقول: نحن نبغضه ولا نحبه، ونخالفه ولا نوافقه، ولكن لعله تاب قبل أن يموت.

    وأنا أقول هذا القول أيضاً في أبي حامد الغزالي، فإن أول قراءتك كتاب جزء الاعتقاد وإحياء علوم الدين: تقول: هذا الكلام لا يقوله إلا إنسان كافر، ولكن لو نظرت إلى كلام النقاد المحققين لوجدت الأمر فيه عجلة وسرعة، فهناك أعذار كثيرة جداً قد قدّمها العلماء المحققون في أمثال أبي حامد وابن عربي وغيرهم، فهناك أئمة كبار عظام في مذاهبهم قد تكلم عنهم الذهبي بكلام، فتجد، لو ذُكر لك ابن عربي تقول: ذلك الغبي، ذلك الكافر، فنحن نعلم أنه مبتدع، لكن على أية حال هو من أهل الذكاء ومن أهل العلم، وإنما خالف عقيدة أهل السنة، والله عز وجل يتولى الناس برحمته وفضله.

    وقال الإمام الذهبي في ترجمة ابن حزم : وصنّف في ذلك -أي: في نفي القياس- كتباً كثيرة وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفة جماعة من الأئمة، وهجروها ونفروا منها، وأُحرقت كتبه في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقاداً واستفادة، وأخذاً ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين، فتارة يطربون، وتارة يعجبون، ومن تفرده يهزءون.

    وفي الجملة فالكمال عزيز، ويحسن النظم والنثر.

    وفيه دين وخير؛ لأنا رأينا شيخاً أمسك ابن حزم وقال فيه كلاماً لا يجرؤ أن يقوله في البابا.

    قال: وفيه دين وخير، ومقاصد جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكباً على العلم، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار.

    الإمام ابن حزم إذا قرأت مصنفاته وكانت لك معه معاناة وقراءة وطول بحث في كتبه لأقسمت غير حانث أنه ما صنّف كتبه إلا لأجل إثبات أنه ما من مسألة في دين الله عز وجل إلى وعليها دليل، وهذا شرف يكفيه، أنه يدلك على أنه ما من مسألة في عقيدتك ولا مسلكك ولا أخلاقك ولا زهدك ولا ورعك ولا فقهك إلا وعليها دليل من كلام الله عز وجل، أو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو من كلام الصحابة المجمع عليهم.

    التفريق بين من يبتغي الحق ويخطئه وبين من يبتغي الباطل ويصيبه

    وننتقل إلى القاعدة الخامسة التي ينبغي أيضاً أن يلتزمها العبد في الحكم على الآخرين، فهي: معاملة من أخطأ في طلب الحق، كيف نتعامل مع من طلب الحق فأخطأ فيه؟

    إن واقعنا العملي يوضح لنا أن الذي يبتغي الحق ويخطئ فيه كالذي يبتغي الشر ويصيبه، وهذا هو منهجنا وحياتنا العملية، لكن السلف كانوا على غير ذلك تماماً، فإن من تحرى الحق وأخطأ فيه ليس كمن تحرى الباطل فأصابه، يقول الله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، فالله عز وجل قد علّم المؤمنين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوه بهذا الدعاء، علّمهم وأدّبهم كيف يدعون ربهم، وكأنه قال: قولوا: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، أي: لا تأخذنا بذنبنا إذا كان هذا الذنب مبعثه الخطأ والنسيان، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز لأمتي عمّا حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل).

    وثبت عن ابن ماجه وابن حبان وغيرهما من حديث أم الدرداء وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وفي رواية أم الدرداء : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان والاستكراه)، وهذا معنى قوله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] إلى آخر الآيات، وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عباس أن الله عز وجل قال عند كل دعاء من هذا: قد فعلت، أو قال: نعم.

    رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قال: قد فعلت، رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، قال: قد فعلت، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ، قال: قد فعلت، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286]، قال: قد فعلت، وفي رواية عند مسلم قال: نعم.

    فهذا يدل على أن الله عز وجل يغفر المعاصي إن صدرت عن خطأ أو عن نسيان وجهل.

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له ذلك تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله عز وجل لنبيه وللمؤمنين: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286].

    ثم يقول: فإن اجتهد الإنسان في طلب الحق من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في ذلك؛ فهو مغفور له بنص الآية السابقة، كما أنه إذا استفرغ العالم وسعه في طلبه للحق من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض مسائل الاعتقاد فإنه لا يبدّع ولا يهجر من أجل خطئه، وإن كان يقال: إن قوله قول مبتدع، ومن هنا تعلم أنه لا تلازم بين البدعة وبين فاعلها؛ لأنه قد يفعل المرء فعلاً هو من أفعال أهل البدع، ولكنه لا يدري ولا يعلم أن هذا الفعل أو هذا القول هو من أفعال المبتدعة أو أقوالهم.

    فالذي يقول مقولة أهل البدع، أو يفعل فعل أهل البدع لا يبدّع ولا يُهجر إلا بتحقق الشروط وانتفاء الموانع من قيام الحجة عليه، وتبليغ العلم إليه، وانتفاء الجهالة، وانتفاء الإكراه.. وغير ذلك مما يمكن أن يتصور أنه ما وقع فيما وقع فيه إلا نتيجة الجهل مثلاً أو نتيجة الإكراه وغير ذلك، أو النسيان أو الخطأ أو التأويل، فربما وقع هذا من باب التأويل.

    والتأويل عند العلماء له أيضاً شروط وأحكام لعلنا نتعرض لها في أثناء شرحنا للصحيح.

    قال: فكما أن القول الكفر لا يلزم منه أن يكون صاحبه كافراً، فكذلك لا يلزم أن يكون قائل البدعة مبتدعاً.

    يعني: ربما يتلفظ المرء بقولة هي قولة كفر، لكن هذا لا يلزم منه أن يكون القائل كافراً، إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، ولو أننا كلما أخطأ الإمام في اجتهاده خطأ مغفوراً له فيه، لاستفراغ الوسع في طلبه للحق ومن مصادره الصحيحة قمنا عليه وبدّعناه وهجرناه لما سلم لنا كثير من العلماء.

    ولو أن كل إنسان أخطأ رُد كله، لكان أول المردودين أنت.

    وقال الشاعر:

    من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

    وأما من أخذ دينه من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذ دينه من طريقة أهل الكلام، من طريقة المتصوفة، أو من المعتزلة أو الأشاعرة، أو الماتريدية، وغير ذلك من المذاهب والفرق الضالة، فلا شك أنه يأخذ دينه من غير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهذا مبتدع في مصدره وفي قوله ومعتقده.

    يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: ولو أنه كلما أخطأ إمام خطأً في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له، قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر المروزي ، ولا ابن منده ، ولا من هو أكبر منهما، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.

    قد يبرع أحدهم في مسألة معينة ولا يبرع في مسألة أخرى

    وأما القاعدة السادسة وهي آخر القواعد: فقد يبرع أحدهم في مسألة معينة ولا يبرع في مسألة أخرى، يبرع أحد العلماء في علم دون علم آخر، فيفيد هنا ولا يفيد هناك، فيصيب هنا ويخطئ هناك، وهذا ما قررناه في منهج الإمام النووي ، فإنه برع في مسألة الفقه ومسألة الحديث، ولكنه لم يبرع في مسألة الكلام في العقيدة ولا في مسائل الأصول.

    فقال: فقد يبرع أحدهم في العلم، والآخر في الجهاد، والآخر في الدعوة وهكذا.

    يقول الإمام الذهبي : والكتابة مسلمة لـابن البواب كما أن أقرأ الأمة أبي بن كعب ، وأقضاهم علي ، وأفرضهم -أي: أعلمهم بالفرائض- زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالتأويل -أي: التفسير- ابن عباس ، وأمينهم -أمين هذه الأمة- أبو عبيدة ، وعابرهم محمد بن سيرين -أي: الذي يعبر الرؤيا ويفسّرها- وأصدقهم لهجة أبو ذر ، وفقيه الأمة مالك ، ومحدثهم أحمد بن حنبل ، ولغويهم أبو عبيد ، وشاعرهم أبو تمام ، وعابدهم الفضيل بن عياض ، وحافظهم سفيان الثوري ، وأخباريهم الواقدي ، وزاهدهم معروف الكرخي ، ونحويهم سيبويه ، وعروضيهم الخليل ، وخطيبهم ابن نباتة ، ومنشئهم القاضي الفاضل ، وفارسهم خالد بن الوليد رحم الله تعالى الجميع ورضي عنهم.

    فينبغي في هذا الأصل أن يعنون ويبوّب بباب يجب إعطاء كل ذي حق حقه، فهذه هي القواعد التي ينبغي أن يشار إليها، وأن يرجع إليها في الحكم على الآخرين.

    1.   

    القول الفصل في الإمام النووي

    إذا علمنا هذا فينبغي أن نرجع إلى خاتمة درسنا في هذه الليلة وهو ما موقفنا من الإمام النووي ؟

    بعد هذه القواعد وهذه الأصول، وهذه الأعذار التي يجب أن تلتمس من حسن الظن، والخوف من الله عز وجل، ما عقيدتنا؟ وما هو القول الفصل في الإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.

    على أية حال الإمام النووي لا يحتاج منا إلى مدح وثناء، فما من إنسان ترجم له إلا ومدحه وأثنى عليه خيراً، وكتب الله عز وجل له القبول في مصنفاته؛ فانتشرت في حياته في ربوع الأرض شرقاً وغرباً، فهو لا يحتاج منا إلى مدح، ومن نحن حتى نمدحه؟ ولكن في هذا المقام لا بد أن ننبه إلى مسألة عظيمة من المسائل المهمة: وهي أن الله عز وجل قد أيد هذا الدين برجال ذبّوا عنه في مختلف الميادين في الجهاد والدعوة والعلم وإن كانوا قد انحرفوا قليلاً أو كثيراً عن مسلك ومعتقد أهل السنة.

    فأضرب لذلك مثالاً بالإمام أبي بكر البيهقي عليه رحمة الله، ذلك المحدّث الفقيه الجليل.

    فقيل في حق البيهقي : إن الشافعي عليه رحمة الله له فضل على كل من تشفّع -يعني: الإمام الشافعي فضله وختمه واضح على كل من اتبع مذهبه- إلا الإمام البيهقي ؛ لأنه هو الذي نشر ونصر مذهب الإمام الشافعي في الفقه والحديث، وصنّف فيه المصنفات العظيمة جداً، كما صنّف ابن عبد البر في مذهب الإمام مالك ، وكما صنّف السرخسي في مذهب الإمام أبي حنيفة ، وكما صنّف ابن قدامة وغيره في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، فهؤلاء طلاب وتلاميذ لهؤلاء الأئمة العظام إنما هم الذين نشروا مذاهبهم.

    هذا الإمام البيهقي أيضاً كان فيه بعض انحراف عن عقيدة أهل السنة، وكذلك ابن عساكر الذي صنّف مصنفات لا يمكن لمن سبقه ولا لمن أتى من بعده أن يصنّف مثلها، وكفاه شرفاً وفخراً وفضلاً أنه صنّف كتاب التاريخ، ولو طُبع هذا الكتاب طبعة كاملة لبلغ مائتي مجلد أو أكثر من ذلك.

    وكذلك العز بن عبد السلام ، ومعلوم جرأته وشجاعته في الحق، والتزامه السنة ومذهب المحدثين إلا أنه كان أيضاً يخالف إلى مذهب الأشاعرة في كثير من الأحيان، ولنا أسوة بسلفنا الصالح والأئمة، فإنهم رووا عن الكثير من المبتدعة أحاديث؛ لعلمهم أنهم أصحاب عدل وإنصاف وصدق وأمانة، ونجتنب التشهير والتطويل.

    قال: فإن هذا ليس من منهج السلف وإنما نكتفي ببيان بدعته وردها إذا تعرضنا لها، أي إذلالنا واحترامنا لأهل العلم الذين انحرفوا عن منهج السلف أحياناً لا يحملنا على أن نقبل كل ما أتوا به، وإنما من نصيحتنا لهؤلاء ومن نصيحتنا لديننا ولعلمنا ولمن يتعلم منا أن نأخذ ما وافقوا فيه الحق وأن نرد ما خالفوا فيه الحق، وهذا كله في حق العالم إذا لم تغلب عليه البدع والأهواء، وعلمنا منه حرصه على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحري الحق من الكتاب والسنة، إلا أنه لم يصبه بشبهة ما أو غير ذلك، وهكذا يكون الأمر مع النووي .

    إذاً: الإمام النووي كان يتحرى الحق، ولكنه كان يجانبه أحياناً، فلا يأتي أحد فيقول: الإمام النووي أشعري أو الإمام النووي من أهل البدع، والحافظ ابن حجر من أهل البدع، فوالله لقد بلغني أن شخصاً يقول: إن المجلد الأخير من فتح الباري ينبغي أن يحرق أو يلقى في المزابل، وأنا أتصور أنه من حقي الآن أن أقول: إنه فلان من الناس، ولكني أتوقف في هذا وإن كان قد بلغني هذا القول عن ذلك القائل بالخبر المتواتر، ولكني أتورع عن نسبة هذا القول إليه الآن والحذر منه؛ لكوني لم أسمعه شخصياً، فالمقولة التي قيلت في الإمام ابن حجر بسبب موافقته أحياناً للأشعرية عن خطأ أو تأويل مقولة فيها فظاظة وجهالة وسوء خلق وسوء أدب مع علمائنا الأفاضل الكبار العظام.

    ويكفي الحافظ ابن حجر كتاب الفتح إن لم يكن له غيره، فإنه والله منَّ الله عليه، وفتح عليه وعلى هذه الأمة، ولن يتناول أحد صحيح البخاري بالشرح والبيان والتفصيل بمثل ما تناوله الحافظ ابن حجر ، فعلى الجميع رحمة الله تبارك وتعالى.

    ونختم بكلام لـشيخ الإسلام نفيس غاية النفاسة، ذكر فيه الحكم على العالم المتأول الذي من عادته وديدنه الوقوف عند الحق، ولكن لم يصبه في بعض الأمور. قال: وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء بل ولا رخص الفقهاء، يعني: إذا كان لا ينبغي لك أن تتبع رخص الفقهاء، فمن باب أولى لا ينبغي لك أن تتبع الزلات، وهي السقطات التي خالفت الحق مخالفة صريحة، ويعجبني رسالة صُنّفت بعنوان: (زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء)، وسموه سفيهاً، وما أكثر السفهاء في هذا الزمان، تجد من يستفتيك في مسألة فتقول له: مكروه أو حرام، فيقول: أليس فيه كلام غير هذا؟ ألم يجز هذا أحد؟ فهو يأتي ليبحث عمن أجاز ولم يأت لأخذ الحكم الشرعي، وإنما يريد كرتاً أخضر يسير به في حياته.

    ولذلك الإمام أحمد بن حنبل قال: من تتبع رخص الفقهاء فقط اجتمع فيه الشر كله.

    فإذا كان هذا الكلام في الرُخص وهو أيسر أقوال الفقهاء، فما بالكم بمن يتتبع الزلات والسقطات؟ فلا شك أن هذا المنهج ليس هو منهج أهل السنة والجماعة.

    قال: وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل؛ فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطئوا، كما قال تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، وقال الله تعالى: قد فعلت.

    وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه من أولياء، وأمرنا ألا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فنقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10].

    وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه من هذه الأمور، ونعظّم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين، لا سيما أهل العلم منهم.

    لأنه إذا ثبت في ذمتك حق أو حقوق لعامة المسلمين فلا شك أن العلماء لهم حقوق مغلّظة على عامة المسلمين، وكذلك أخرج الحافظ ابن عساكر في كتابه لكثير من السلف أنهم قالوا: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصهم معلومة.

    أقول قولي هذا. وأستغفر الله لي ولكم.

    وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه. وسلم تسليماً كثيراً.