اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - المقدمة - ترجمة الإمام النووي [2] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - المقدمة - ترجمة الإمام النووي [2] - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
كان الإمام النووي رحمه الله تعالى على منهج أهل السنة والجماعة، وكان يتحرى الحق ويحرص عليه، وإن جانبه في بعض الأحيان، وكان ديدنه صيانة جناب الدين، ولو لم يصب ذلك في بعض الأمور، وكون النووي عالماً من علماء الأمة فله حق على كل مسلم أن يذب عن عرضه، ويدفع التهم والطعن في عقيدته.
عقيدة الإمام النووي
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.في الدرس الماضي تناولنا الإمام النووي من حيث سيرته الذاتية وحياته العلمية، وأرجأنا في الدرس الماضي الكلام عن عقيدة الإمام النووي إلى هذا الوقت الذي نحياه ونعيشه.
 اختلاف أقوال العلماء في عقيدة الإمام النووي رحمه الله
فنقول مستعينين بالله عز وجل في عقيدة الإمام النووي : إن العلماء وأهل العلم اختلفوا فيها، فاضطرب المترجمون للإمام النووي قديماً وحديثاً، فمنهم من نسبه للعقيدة السلفية، ومنهم من نسبه إلى عقيدة الخلفية، وهي عقيدة الأشاعرة.وأريد أن أنبه بادئ ذي بدءٍ أن الدراسات الأكاديمية في هذه البلاد وفي كثير من بلدان المسلمين يعدون عقيدة الأشعريين وعقيدة الماتريدية أتباع المنصور الماتريدي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا الكلام فيه تخبيط وخلط وخطأ عظيم وفاحش، أما عقيدة أهل السنة والجماعة فهي ما كان عليه الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، والتابعون كذلك والأئمة المتبوعون باعتبار كلام خفيف للإمام أبي حنيفة عليه رحمة الله تبارك وتعالى.فعقيدة الأشاعرة والماتريدية ليست هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وإلا فالأزهر في هذا البلد، والدراسات الأكاديمية والإسلامية واللغوية في الجامعات كجامعة القاهرة وعين شمس يعدون العقيدة الأشعرية والعقيدة الماتريدية هي عقيدة أهل السنة، فأريد أن أنبه على هذه المسألة قبل أن ننطلق في الكلام على عقيدة السلف وعقيدة الخلف.فالإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى حينما وقع فيما وقع فيه من تأويل وصرف النصوص عن ظاهرها، نسبه كثير من المتقدمين والمتأخرين إلى العقيدة السلفية تارة وإلى العقيدة الخلفية -وهي عقيدة الأشعرية والماتريدية- تارة أخرى، ولكن الإمام الذهبي يقول في كتاب تاريخ الإسلام في ترجمة الإمام النووي : إن مذهبه في الصفات السمعية السكوت، أي: كان يذهب إلى السكوت في الصفات السمعية وإمرارها كما جاءت، وربما تأول قليلاً في شرح مسلم ، أي ربما تعرض لتأويل الصفات في شرح مسلم .و السخاوي عليه رحمة الله نقل في ترجمته، وتعقبه بقوله: كذا قال. أي: الإمام الذهبي ، والتأويل كثير في كلامه، أي: ليس قليلاً وإنما هو كثير.ونقل السخاوي قبل ذلك عن بعض مترجميه أنه وصفه بأنه أشعري. هذا وصف صريح وصحيح بأنه أشعري، فقال في صفحة (36): وصرّح اليافعي والتاج السبكي رحمهم الله تعالى أنه أشعري.وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين.فالذي يقرأ هذه المقولة يتصور أن الإمام النووي إنما كان يسلك مسلك السلف، ولكن هذا القول الذي قاله هو الإمام السبكي ، والإمام السبكي أشعري كذلك.فكل مذهب يعد نفسه أنه هو مذهب السلف، فالأشاعرة يقولون: نحن سلفيون، والماتريدية يقولون: نحن سلفيون.فكل يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكفهذا كلام من الإمام السبكي إذا قاله في حق الإمام النووي ، فإنما ينسبه إلى الأشعرية.وقال: وله الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة.هكذا يقول عن الأشعريين أنهم أهل السنة والجماعة، وكما اضطرب الأقدمون أيضاً في نسبة الإمام النووي إلى أي العقائد، فكذلك اضطرب المحققون والمطلعون والباحثون المعاصرون، فمنهم من وصفه بأنه كان سلفياً في اعتقاده، لكنه يؤول أحياناً إذا دعت الضرورة إلى ذلك.ومنهم من وصفه بأنه له أغلاط في الصفات، سلك مسلك المؤولين وأخطأ في ذلك، فلا يقتدى به في ذلك، بل الواجب التمسك بقول أهل السنة، وهو إثبات الأسماء والصفات الواردة في الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة المطهرة، والإيمان بذلك على الوجه اللائق بالله عز وجل من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ عملاً بقوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وما جاء في الآيات والأحاديث كثير يثبت عقيدة السلف.ومنهم من قال عنه: لا يصح اعتباره أشعرياً، أي: الادعاء بأنه أشعري كلام يحتاج إلى دليل وبرهان، ولا يصح اعتباره كذلك وإنما يقال: وافق الأشاعرة في أشياء، فليس من وافق أهل البدعة في أشياء يقال: إنه مبتدع، وهذا أصل لا بد من معرفته، فالذي يوافق من أهل السنة والجماعة أهل البدع لا يقال عنه: مبتدع، وإنما يقال: إن الأصل فيه الاستقامة، ولكنه زل في مسألة كذا وكذا، ووافق فيها أهل البدع.أما إذا كان من أهل البدع أصلاً فوافق أهل الحق فلا يقال بهذه الموافقة: إنه من أهل الحق، ولكن يقال: إنه من أهل الباطل، ولكنه وافق أهل الحق في مسألة كذا وكذا، هذا أصل لا بد من معرفته.فالذي يوافق أهل الحق وهو من أهل البدع لا تخرجه موافقته لأهل الحق في هذه المسائل عن بدعيته، فكذلك أهل الحق إذا وافقوا أهل البدع لا تخرجهم هذه الموافقة لأهل البدع عن الحق الذي هم تمسكوا به من بداية الأمر، بل الحق مسلكهم وعقيدتهم.فالإمام النووي كذلك، وكذلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله تبارك وتعالى.والناس يقولون: أنتم تقولون: إن الذي يؤول إنما هو أشعري.نقول: نحن لا نقول هذا ولكن نقول: التأويل مذهب الأشاعرة، وأما المؤول فيُنظر في شأنه، فإن كان التأويل ديدنه ومسلكه فلا شك أنه من الخلف، وأنه من أهل التأويل ولا كرامة، وأما إذا كان التأويل ليس من شأنه ولا من ديدنه وإنما إمرار النصوص كما جاءت في الصفات وغيرها مما تستلزمه العقيدة الصحيحة عقيدة السلف، فنقول: إنه من أهل الحق، ولكنه أحياناً يضطر إلى التأويل، فلا يخرجه هذا التأويل عن كونه من أهل السنة والجماعة، فالحافظ ابن حجر مثلاً وجه من أوجه الدفاع عنه: أنه وافق الأشاعرة في بعض المسائل، بل وافق المتصوفة في بعض المسائل التي تُنكر على المتصوفة، فلا يخرجه موافقته للمتصوفة والأشعرية في بعض المسائل عن كونه من أهل السنة والجماعة، ومما يدل على ذلك أيضاً الغارة التي شنها الحافظ ابن حجر في المجلد الأول والمجلد الأخير من كتاب فتح الباري على الأشاعرة، فكيف يكون أشعرياً ويشن الغارة على الأشاعرة؟ كيف يكون ذلك؟فالصواب: أن يقال: إن الحافظ ابن حجر من أهل السنة والجماعة، والمسائل التي وافق فيها الأشاعرة إنما هي خروج عن مسلكه الأساسي، وهو التزام ما كان عليه السلف، وكذلك الإمام النووي فعل.قال: ومنهم من نعته بأنه من أهل السنة والجماعة في جملة الاعتقاد.أي على سبيل الإجمال دون التفصيل؛ لأنه في التفصيل وافق الأشاعرة في بعض المسائل، أما في جملة الاعتقاد فهو من أهل السنة والجماعة، وهو إلى أهل الحديث أقرب منه إلى المتكلمين؛ وذلك لانشغاله بعلم الحديث وبالآثار.
التأصيلات التي ينبني عليها بيان عقيدة الإمام النووي
والحقيقة أن التأويل وارد في كلامه كثيراً، وخاصة في شرحه لصحيح مسلم، ولكن هناك معالم ينبغي ضبطها وسردها لبيان عقيدة الإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
 سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة
ذكرنا أن الإمام النووي كان مضطرباً في مسائل العقيدة، خاصة مسألة الصفات فما سر هذا الاضطراب؟قال: سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة أو أهل السنة أنه قد وافق الأشاعرة من خلال النقل عن مصنفاتهم كما ثبت نقله عن الإمام أبي عبد الله المازري وتلميذه عياض ، فلما نقل عنهم وسكت عن هذا النقل قال الأشاعرة: هو أشعري من هذه الزاوية، أنه اعتمد كلام عياض والشيخ أبي عبد الله المازري وسكت عنه مما يدل على رضاه به.فهذه حجة الذين ينسبون الإمام النووي إلى الأشاعرة، وأما أهل السنة والجماعة فإنهم ببركة اشتغال الإمام النووي بالحديث ومنافحته عن عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل كثيرة نسبوه إلى عقيدة السلف، ورحم الله تعالى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامهم نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع.ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، والأصل فيها أنها قول واحد، فتجد الواحد منهم وهو إمام كبير فحل يذكر في هذا الأصل العظيم الذي لا ينبغي أن يُذكر فيه إلا كلام واحد عدة أقوال، ومع هذه الأقوال الكثيرة لا يذكر القول الصحيح.ثم يقول: لعدم علمه به لا لكراهيته لِما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.فالإمام النووي من الأفاضل الأبرار، بل من العلماء الأحبار، ولكن لم يوفق لمتابعة منهج أهل الآثار في بعض المسائل العقدية الواردة في بعض الأخبار. عفا الله عنا وعنه بمنه وكرمه، وجعلنا وإياه من أهل الجنة وأبعدنا عن النار إنه عزيز غفار.
المسائل التي خالف فيها الإمام النووي أهل السنة والجماعة
منها: التبرك بآثار الصالحين، من المعلوم إجماع أهل السنة والجماعة على جواز بل على استحباب التبرُّك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام على جهة الخصوص؛ لأنه مقطوع بصلاحه وتقواه، فالإمام النووي خالف في ذلك وقاس على النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل صالح من الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا كلام خالف فيه جمهور أهل السنة.وعلى أية حال تبقى هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، ولكن الراجح فيها: عدم قياس الصالحين على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله.فالراجح في هذه المسألة عدم جواز التبرك بآثار الصالحين، وهذه المسألة لو أخذناها على الإمام النووي فإنما ينبغي أن نأخذها على كثير من الإخوة السلفيين في هذه الأوقات، فكثير من الإخوة يقول لك: أعطني قميصك يا أخي! هذا بركة منك! أو دعني أشرب سؤرك هذا بركة منك! أو أنا وضعت قدمي مكان قدمك اقتفاء لأثرك وتبركاً بك! فهذا الكلام كله هو الكلام الذي أنكره السلف في مسألة التبرُّك، فأنت تقول أيها المسلم: أتمنى أن أحصل على كوفية أو عمامة أو قميص أو حذاء من أحذية الشيخ الفلاني أو الرجل العلاني. فهذه بركة منه..! ومن الممكن أن تعتقد في والدك الصلاح، فتحجز آثاره بعد موته ثم لا تتصرف فيها عشرات الأعوام من باب التبرك بآثار الوالد، وبآثار الشيخ، وبآثار الزعيم وهلم جراً، فكل هذا مما أنكره كثير من السلف.وإذا كنا نعيب الآن على بعض أهل العلم أنهم تبنوا جواز التبرك بآثار الصالحين فإن كثيراً ممن يعيبون على الشيخ فلان أو الشيخ علان هذا الأمر إنما هم واقعون فيه.ومما خالف فيه الإمام النووي أيضاً عقيدة أهل السنة: ذكره للتأويل في صفة الغضب والرضا والسخط والكراهية، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء، وذكر تأويله صفة النور وقوله: إن السلف يؤولون المعنى، وكذلك تأويله للصورة، وذكر تأويله الصورة والإتيان، وتأويله الضحك، وتجويزه قراءة القرآن على القبور، وتأويله الحب والبغض، وتأويله علو الله عز وجل، وتأويله النزول، وتأويله اليد، وشد الرحال إلى قبور الصالحين والمواضع الفاضلة أجازه الإمام النووي ، وذكر تأويله دنو الله وقربه.وكذلك تكلم بكلام يخالف أهل السنة والجماعة في مصير أولاد المشركين في الآخرة.وتأويله الضحك، وكلامه في الخضر وما يتعلق به من المسائل، وكلامه في حرمة المشايخ من التبجيل والتعظيم الزائد، وذكر تأويله الأصبع، وقوله: إن الصفات من باب المتشابه أو من باب المجاز، وتأويله النفس، وذكر تأويله الفرح وسماع الأموات، وذكر تأويله الساق.. وغير ذلك من المسائل التي ينبغي أن توضح، وهذا ما يفتح الله عز وجل به علينا في أثناء الشرح إن كنا سنتعرض لشرح الإمام النووي على صحيح مسلم.
 سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة
ذكرنا أن الإمام النووي كان مضطرباً في مسائل العقيدة، خاصة مسألة الصفات فما سر هذا الاضطراب؟قال: سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة أو أهل السنة أنه قد وافق الأشاعرة من خلال النقل عن مصنفاتهم كما ثبت نقله عن الإمام أبي عبد الله المازري وتلميذه عياض ، فلما نقل عنهم وسكت عن هذا النقل قال الأشاعرة: هو أشعري من هذه الزاوية، أنه اعتمد كلام عياض والشيخ أبي عبد الله المازري وسكت عنه مما يدل على رضاه به.فهذه حجة الذين ينسبون الإمام النووي إلى الأشاعرة، وأما أهل السنة والجماعة فإنهم ببركة اشتغال الإمام النووي بالحديث ومنافحته عن عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل كثيرة نسبوه إلى عقيدة السلف، ورحم الله تعالى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامهم نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع.ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، والأصل فيها أنها قول واحد، فتجد الواحد منهم وهو إمام كبير فحل يذكر في هذا الأصل العظيم الذي لا ينبغي أن يُذكر فيه إلا كلام واحد عدة أقوال، ومع هذه الأقوال الكثيرة لا يذكر القول الصحيح.ثم يقول: لعدم علمه به لا لكراهيته لِما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.فالإمام النووي من الأفاضل الأبرار، بل من العلماء الأحبار، ولكن لم يوفق لمتابعة منهج أهل الآثار في بعض المسائل العقدية الواردة في بعض الأخبار. عفا الله عنا وعنه بمنه وكرمه، وجعلنا وإياه من أهل الجنة وأبعدنا عن النار إنه عزيز غفار.
الأسباب التي أدت إلى وقوع الإمام النووي في مخالفة أهل السنة في بعض مسائل العقائد
أما الأسباب التي أدت إلى وقوع الإمام النووي في هذه الأخطاء فهي كثيرة:منها: أنه سار في شرحه في مسائل الصفات على نهج المازري، وكذلك على نهج القاضي عياض ، وهذا الذي قلناه وصرّحنا به في درسنا، والإمام النووي لم يكن محققاً في باب العقائد؛ وذلك لانشغاله بالحديث وانشغاله بالفقه، فلم يكن بلغ مبلغاً متيناً في مسائل العقيدة أو كما يقولون: في أبواب الكلام أو مسائل الكلام.ذكرت مقولة في كتاب المهمات. قال: اعلم أن الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله حينما تأهل للنظر والتحصيل. أي أنه لم يتأهل بعد، ولكنه رأى من المسارعة إلى الخيرات أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفاً ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنفيه تحصيلاً، وتحصيله تصنيفاً. أي: أنه يعيب على الإمام النووي أنه بادر وسارع إلى الكتابة وإلى التصنيف والتأليف قبل أن يتأهل، خاصة في هذا العلم.وقد كتب الإمام النووي في الفقه وشرح كتب الصحيح كـالبخاري ولم يتمه، وكذلك صحيح مسلم وأتمه، وكان لزاماً عليه أن يتعرض لبعض المسائل العقدية خاصة في كتب الإيمان والتوحيد، وأن يتعرض إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، فإنه تعرض لكثير من المسائل التي خالف فيها المبتدعة أهل السنة والجماعة. فقال: الإمام النووي لم يكن تأهل بعد للكتابة في هذه المسائل؛ فاستعجل وصنّف وكتب في هذا الباب ولمّا يتأهل بعد، فهذا الذي أوقعه فيما أوقعه فيه من شر، ومن مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة.هذا كلام نستفيد منه أن المرء ينبغي عليه ألا يتعرض لهذا الأمر إلا بعد أن يتأهل لما يكتب ويصنّف، وكذلك إذا تأهل ينبغي عليه ألا يخرج إلى الناس بما عنده من علم وكتابة إلا بعد أن يجيزه الشيوخ، ورحم الله تعالى الإمام مالكاً حيث قال: ما جلست في مجلسي هذا -أي: مجلس الإفتاء- إلا بعد أن أجازني سبعون عالماً من أهل المدينة، بخلاف ما نحن عليه الآن، فإن هناك آلافاً من الإخوة يقولون لأخ مثلهم: أنت شيخ وأنت عالم وأنت محقق وأنت مدقق، وهذا بخلاف ما كان عليه أهل السنة سابقاً، فإنما كان يجيز العلماء التلاميذ، وأما الآن فإن التلاميذ يجيزون بعضهم البعض.قال: وأما الرافعي فإنه سلك مسلك الطريقة العالية -أي: المحمودة- فلم يتصدر للتأليف إلا بعد كمال انتهائه، أي: بعد تحصيله للعلم، وكذا ابن الرفعة رحمة الله عليهما.السبب الثالث هو: أن الإمام النووي عليه رحمة الله ولد في عصر قريب عهد بانتشار مذهب الأشاعرة، ومن المعلوم أن ظهور أي مذهب يجعل له الغلبة على عقول الناس خاصة إذا تبناه الحُكّام.فإن مذهب المعتزلة مثلاً حينما ظهر أقنع به أصحابه دولة بني العباس، فكان هذا سبباً لظهور مذهب الاعتزال، وأثر ذلك على أصحاب الحق كالإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فعانوا ما عانوه، وقاسوا ما قاسوه بسبب نصرة الحكام لهذا المذهب، وفي هذا الزمان مذهب التصوف ومذهب التشيُّع كذلك منتشر لا أقول بسبب التبني، وإنما محمي عند الطلب إلى حد ما، فإنهم يقولون: احرسوا مولد السيدة زينب، احرسوا مولد الحسين ، احرسوا مولد السيد البدوي ، حتى يأتي هذه الموالد الملايين -فاجتماع هذه الملايين لا شك أن فيه فتناً عظيمة لعوام الناس ورعاء الناس وسقطهم.فكذلك مذهب الأشاعرة انتشر وفاح وذاع في عصر ولد فيه الإمام النووي وطلب فيه العلم، مما كان له التأثير العظيم على كثير من علماء ذلك الزمان، منهم عياض وأبو عبد الله المازري، ونحن نعلم أن الإمام النووي تأثر بهما أيما تأثر في شروحه وفي كلامه وفي عقيدته، بخلاف تلميذه ابن العطار فقد كان متأخراً عنه في السن، وتأثر بالإمام النووي تأثيراً عظيماً، حتى كان يقال عن ابن العطار: هذا مختصر النووي ، أو هذا النووي الصغير.فالإمام ابن العطار تأثر بشيخه الإمام النووي ، ولكنه تهيأ للإمام ابن العطار ما لم يتهيأ لشيخه الإمام النووي ؛ وذلك لأن جُل شيوخ الإمام النووي من الأشاعرة فتأثر بهم، وهذا التأثر طبيعي، والإنسان جزء من مجتمعه، يتأثر ويؤثر، أما ابن العطار فقد تهيأ له من الشيوخ والعلماء ما لم يتهيأ لشيخه الإمام النووي ، فقد تهيأ للإمام ابن العطار ابن تيمية عليه رحمة الله وكفى به، ولا أقول: إنه أدرك ابن تيمية ، ولكني أقول: إنه تأثر به وبتلاميذه، منهم الإمام الذهبي ، فقد كان الإمام الذهبي أخاً لـابن العطار من الرضاعة، فلو لم يكن لـابن العطار من أئمة السنة إلا الذهبي لكفاه، ويظهر ذلك في كلام ابن العطار في مسائل العقيدة وغيرها. فقال: فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحب، والبغض، والفرح، والضحك وجد اعتقاد حقيقته من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله سبحانه ورسوله من غير إضافة ولا زيادة عليه، ولا تكييف ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتضعه عليه، والإمساك عما سوى ذلك.هذه هي عقيدة السلف، وهذا الكلام: (ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب) ينسف كلام الإمام النووي في مسائل الصفات.فحين يصدر هذا الكلام من ابن العطار تلميذ الإمام النووي لا بد أن هناك سراً عظيماً، وهو تأثر الإمام ابن العطار بغير الإمام النووي في مسائل العقيدة.وقال ابن العطار : وقد نفى بعضهم النزول وضعّف الأحاديث أو تأولها خوفاً من التحيز أو الحركة أو الانتقال الملازمين للأجسام، والمحدثون والمحققون أثبتوها وأوجبوا الإيمان بها كما يشاء سبحانه.فهذا كلام من الإمام ابن العطار يثني به على المحققين، الذين هم علماء السلف.وحاصل ما يمكن الانتهاء إليه: أن المجتمع له تأثير وتأثر بأبنائه، فالإمام النووي لم يتهيأ له ما تهيأ للإمام ابن العطار ؛ ولذلك نجد هذا واضحاً في عقيدة ابن العطار وغير واضح في عقيدة شيخه الإمام النووي.
 سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة
ذكرنا أن الإمام النووي كان مضطرباً في مسائل العقيدة، خاصة مسألة الصفات فما سر هذا الاضطراب؟قال: سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة أو أهل السنة أنه قد وافق الأشاعرة من خلال النقل عن مصنفاتهم كما ثبت نقله عن الإمام أبي عبد الله المازري وتلميذه عياض ، فلما نقل عنهم وسكت عن هذا النقل قال الأشاعرة: هو أشعري من هذه الزاوية، أنه اعتمد كلام عياض والشيخ أبي عبد الله المازري وسكت عنه مما يدل على رضاه به.فهذه حجة الذين ينسبون الإمام النووي إلى الأشاعرة، وأما أهل السنة والجماعة فإنهم ببركة اشتغال الإمام النووي بالحديث ومنافحته عن عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل كثيرة نسبوه إلى عقيدة السلف، ورحم الله تعالى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامهم نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع.ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، والأصل فيها أنها قول واحد، فتجد الواحد منهم وهو إمام كبير فحل يذكر في هذا الأصل العظيم الذي لا ينبغي أن يُذكر فيه إلا كلام واحد عدة أقوال، ومع هذه الأقوال الكثيرة لا يذكر القول الصحيح.ثم يقول: لعدم علمه به لا لكراهيته لِما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.فالإمام النووي من الأفاضل الأبرار، بل من العلماء الأحبار، ولكن لم يوفق لمتابعة منهج أهل الآثار في بعض المسائل العقدية الواردة في بعض الأخبار. عفا الله عنا وعنه بمنه وكرمه، وجعلنا وإياه من أهل الجنة وأبعدنا عن النار إنه عزيز غفار.
قواعد ينبغي أن يحرص عليها المرء في حكمه على أمر من الأمور
وحتى نخلص إلى بيان موقفنا من تأويلات الإمام النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما لا بد من تقعيد وتأصيل، وهذه القواعد وهذه الأصول كثيرة جداً ومردها إلى خمسة أصوللو علمناها لن نقع إن شاء الله فيما يقع فيه كثير من الناس، وخاصة الإخوة السلفيون الذين يطلقون ألسنتهم بغير علم، ولا خوف من الله عز وجل في كثير ممن تثار حولهم شبهة، وربما لا أصل لها ولا دليل عليها، ولكنها إشاعة قيلت فتلقفها كثير من الإخوة، ثم نشروها، وقديماً قالوا: لا تكون إشاعة عند المصريين إلا ولها ظل.أي: أن الإشاعة تكون أولاً ولا حقيقة لها، ثم يكون قدر الله عز وجل الكوني أن هذا الأمر لا بد أن يكون؛ وذلك لانتشاره وذيوعه عند الإخوة المصريين، ما دامت الإشاعة قامت فلا بد أن يكون هناك حقيقة لها حتى وإن لم يكن لها حقيقة في الأصل.
 قد يبرع أحدهم في مسألة معينة ولا يبرع في مسألة أخرى
وأما القاعدة السادسة وهي آخر القواعد: فقد يبرع أحدهم في مسألة معينة ولا يبرع في مسألة أخرى، يبرع أحد العلماء في علم دون علم آخر، فيفيد هنا ولا يفيد هناك، فيصيب هنا ويخطئ هناك، وهذا ما قررناه في منهج الإمام النووي ، فإنه برع في مسألة الفقه ومسألة الحديث، ولكنه لم يبرع في مسألة الكلام في العقيدة ولا في مسائل الأصول.فقال: فقد يبرع أحدهم في العلم، والآخر في الجهاد، والآخر في الدعوة وهكذا.يقول الإمام الذهبي : والكتابة مسلمة لـابن البواب كما أن أقرأ الأمة أبي بن كعب ، وأقضاهم علي ، وأفرضهم -أي: أعلمهم بالفرائض- زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالتأويل -أي: التفسير- ابن عباس ، وأمينهم -أمين هذه الأمة- أبو عبيدة ، وعابرهم محمد بن سيرين -أي: الذي يعبر الرؤيا ويفسّرها- وأصدقهم لهجة أبو ذر ، وفقيه الأمة مالك ، ومحدثهم أحمد بن حنبل ، ولغويهم أبو عبيد ، وشاعرهم أبو تمام ، وعابدهم الفضيل بن عياض ، وحافظهم سفيان الثوري ، وأخباريهم الواقدي ، وزاهدهم معروف الكرخي ، ونحويهم سيبويه ، وعروضيهم الخليل ، وخطيبهم ابن نباتة ، ومنشئهم القاضي الفاضل ، وفارسهم خالد بن الوليد رحم الله تعالى الجميع ورضي عنهم.فينبغي في هذا الأصل أن يعنون ويبوّب بباب يجب إعطاء كل ذي حق حقه، فهذه هي القواعد التي ينبغي أن يشار إليها، وأن يرجع إليها في الحكم على الآخرين.
القول الفصل في الإمام النووي
إذا علمنا هذا فينبغي أن نرجع إلى خاتمة درسنا في هذه الليلة وهو ما موقفنا من الإمام النووي ؟بعد هذه القواعد وهذه الأصول، وهذه الأعذار التي يجب أن تلتمس من حسن الظن، والخوف من الله عز وجل، ما عقيدتنا؟ وما هو القول الفصل في الإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.على أية حال الإمام النووي لا يحتاج منا إلى مدح وثناء، فما من إنسان ترجم له إلا ومدحه وأثنى عليه خيراً، وكتب الله عز وجل له القبول في مصنفاته؛ فانتشرت في حياته في ربوع الأرض شرقاً وغرباً، فهو لا يحتاج منا إلى مدح، ومن نحن حتى نمدحه؟ ولكن في هذا المقام لا بد أن ننبه إلى مسألة عظيمة من المسائل المهمة: وهي أن الله عز وجل قد أيد هذا الدين برجال ذبّوا عنه في مختلف الميادين في الجهاد والدعوة والعلم وإن كانوا قد انحرفوا قليلاً أو كثيراً عن مسلك ومعتقد أهل السنة.فأضرب لذلك مثالاً بالإمام أبي بكر البيهقي عليه رحمة الله، ذلك المحدّث الفقيه الجليل.فقيل في حق البيهقي : إن الشافعي عليه رحمة الله له فضل على كل من تشفّع -يعني: الإمام الشافعي فضله وختمه واضح على كل من اتبع مذهبه- إلا الإمام البيهقي ؛ لأنه هو الذي نشر ونصر مذهب الإمام الشافعي في الفقه والحديث، وصنّف فيه المصنفات العظيمة جداً، كما صنّف ابن عبد البر في مذهب الإمام مالك ، وكما صنّف السرخسي في مذهب الإمام أبي حنيفة ، وكما صنّف ابن قدامة وغيره في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، فهؤلاء طلاب وتلاميذ لهؤلاء الأئمة العظام إنما هم الذين نشروا مذاهبهم.هذا الإمام البيهقي أيضاً كان فيه بعض انحراف عن عقيدة أهل السنة، وكذلك ابن عساكر الذي صنّف مصنفات لا يمكن لمن سبقه ولا لمن أتى من بعده أن يصنّف مثلها، وكفاه شرفاً وفخراً وفضلاً أنه صنّف كتاب التاريخ، ولو طُبع هذا الكتاب طبعة كاملة لبلغ مائتي مجلد أو أكثر من ذلك.وكذلك العز بن عبد السلام ، ومعلوم جرأته وشجاعته في الحق، والتزامه السنة ومذهب المحدثين إلا أنه كان أيضاً يخالف إلى مذهب الأشاعرة في كثير من الأحيان، ولنا أسوة بسلفنا الصالح والأئمة، فإنهم رووا عن الكثير من المبتدعة أحاديث؛ لعلمهم أنهم أصحاب عدل وإنصاف وصدق وأمانة، ونجتنب التشهير والتطويل.قال: فإن هذا ليس من منهج السلف وإنما نكتفي ببيان بدعته وردها إذا تعرضنا لها، أي إذلالنا واحترامنا لأهل العلم الذين انحرفوا عن منهج السلف أحياناً لا يحملنا على أن نقبل كل ما أتوا به، وإنما من نصيحتنا لهؤلاء ومن نصيحتنا لديننا ولعلمنا ولمن يتعلم منا أن نأخذ ما وافقوا فيه الحق وأن نرد ما خالفوا فيه الحق، وهذا كله في حق العالم إذا لم تغلب عليه البدع والأهواء، وعلمنا منه حرصه على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحري الحق من الكتاب والسنة، إلا أنه لم يصبه بشبهة ما أو غير ذلك، وهكذا يكون الأمر مع النووي .إذاً: الإمام النووي كان يتحرى الحق، ولكنه كان يجانبه أحياناً، فلا يأتي أحد فيقول: الإمام النووي أشعري أو الإمام النووي من أهل البدع، والحافظ ابن حجر من أهل البدع، فوالله لقد بلغني أن شخصاً يقول: إن المجلد الأخير من فتح الباري ينبغي أن يحرق أو يلقى في المزابل، وأنا أتصور أنه من حقي الآن أن أقول: إنه فلان من الناس، ولكني أتوقف في هذا وإن كان قد بلغني هذا القول عن ذلك القائل بالخبر المتواتر، ولكني أتورع عن نسبة هذا القول إليه الآن والحذر منه؛ لكوني لم أسمعه شخصياً، فالمقولة التي قيلت في الإمام ابن حجر بسبب موافقته أحياناً للأشعرية عن خطأ أو تأويل مقولة فيها فظاظة وجهالة وسوء خلق وسوء أدب مع علمائنا الأفاضل الكبار العظام.ويكفي الحافظ ابن حجر كتاب الفتح إن لم يكن له غيره، فإنه والله منَّ الله عليه، وفتح عليه وعلى هذه الأمة، ولن يتناول أحد صحيح البخاري بالشرح والبيان والتفصيل بمثل ما تناوله الحافظ ابن حجر ، فعلى الجميع رحمة الله تبارك وتعالى.ونختم بكلام لـشيخ الإسلام نفيس غاية النفاسة، ذكر فيه الحكم على العالم المتأول الذي من عادته وديدنه الوقوف عند الحق، ولكن لم يصبه في بعض الأمور. قال: وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء بل ولا رخص الفقهاء، يعني: إذا كان لا ينبغي لك أن تتبع رخص الفقهاء، فمن باب أولى لا ينبغي لك أن تتبع الزلات، وهي السقطات التي خالفت الحق مخالفة صريحة، ويعجبني رسالة صُنّفت بعنوان: (زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء)، وسموه سفيهاً، وما أكثر السفهاء في هذا الزمان، تجد من يستفتيك في مسألة فتقول له: مكروه أو حرام، فيقول: أليس فيه كلام غير هذا؟ ألم يجز هذا أحد؟ فهو يأتي ليبحث عمن أجاز ولم يأت لأخذ الحكم الشرعي، وإنما يريد كرتاً أخضر يسير به في حياته.ولذلك الإمام أحمد بن حنبل قال: من تتبع رخص الفقهاء فقط اجتمع فيه الشر كله.فإذا كان هذا الكلام في الرُخص وهو أيسر أقوال الفقهاء، فما بالكم بمن يتتبع الزلات والسقطات؟ فلا شك أن هذا المنهج ليس هو منهج أهل السنة والجماعة.قال: وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل؛ فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطئوا، كما قال تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، وقال الله تعالى: قد فعلت. وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه من أولياء، وأمرنا ألا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فنقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10].وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه من هذه الأمور، ونعظّم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين، لا سيما أهل العلم منهم.لأنه إذا ثبت في ذمتك حق أو حقوق لعامة المسلمين فلا شك أن العلماء لهم حقوق مغلّظة على عامة المسلمين، وكذلك أخرج الحافظ ابن عساكر في كتابه لكثير من السلف أنهم قالوا: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصهم معلومة.أقول قولي هذا. وأستغفر الله لي ولكم.وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه. وسلم تسليماً كثيراً.
 قد يبرع أحدهم في مسألة معينة ولا يبرع في مسألة أخرى
وأما القاعدة السادسة وهي آخر القواعد: فقد يبرع أحدهم في مسألة معينة ولا يبرع في مسألة أخرى، يبرع أحد العلماء في علم دون علم آخر، فيفيد هنا ولا يفيد هناك، فيصيب هنا ويخطئ هناك، وهذا ما قررناه في منهج الإمام النووي ، فإنه برع في مسألة الفقه ومسألة الحديث، ولكنه لم يبرع في مسألة الكلام في العقيدة ولا في مسائل الأصول.فقال: فقد يبرع أحدهم في العلم، والآخر في الجهاد، والآخر في الدعوة وهكذا.يقول الإمام الذهبي : والكتابة مسلمة لـابن البواب كما أن أقرأ الأمة أبي بن كعب ، وأقضاهم علي ، وأفرضهم -أي: أعلمهم بالفرائض- زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالتأويل -أي: التفسير- ابن عباس ، وأمينهم -أمين هذه الأمة- أبو عبيدة ، وعابرهم محمد بن سيرين -أي: الذي يعبر الرؤيا ويفسّرها- وأصدقهم لهجة أبو ذر ، وفقيه الأمة مالك ، ومحدثهم أحمد بن حنبل ، ولغويهم أبو عبيد ، وشاعرهم أبو تمام ، وعابدهم الفضيل بن عياض ، وحافظهم سفيان الثوري ، وأخباريهم الواقدي ، وزاهدهم معروف الكرخي ، ونحويهم سيبويه ، وعروضيهم الخليل ، وخطيبهم ابن نباتة ، ومنشئهم القاضي الفاضل ، وفارسهم خالد بن الوليد رحم الله تعالى الجميع ورضي عنهم.فينبغي في هذا الأصل أن يعنون ويبوّب بباب يجب إعطاء كل ذي حق حقه، فهذه هي القواعد التي ينبغي أن يشار إليها، وأن يرجع إليها في الحكم على الآخرين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - المقدمة - ترجمة الإمام النووي [2] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net