إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [2]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كانت مراحل القرون الثلاثة الأولى في جملتها مراحل غلبة لهدي السلف في الاعتقاد، مع حصول النزاع في القرن الثالث، ثم هيمنت أقاويل أهل الكلام بعد ذلك وانحسر منهج السلف إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فانبرى لإبراز منهج السلف بالنقل والعقل، وخط بذلك معلماً بارزاً وشيد مدرسة علمية كان من آثارها تلامذته النجباء كابن القيم رحمه الله تعالى وغيره.

    1.   

    المراحل التي مرت بها مناهج السلف في تقرير العقيدة إلى زمن ابن تيمية

    مرحلة تنزل القرآن إلى نهاية القرن الأول

    قال: [ امتداد مدرسة ابن تيمية :

    لقد جمع الإمام ابن تيمية رحمه الله منهج أهل السنة والجماعة في العلم والاعتقاد والفهم والعمل والسلوك، وأحياه وحرره تحريراً بديعاً اتسم بسعة العلم وقوة الأمانة وحسن العرض ودقة الضبط، ولكن ابن تيمية سبق ولحق في هذا الميدان بجهاد علمي صادق ومتصل].

    أحب أن أشير إلى مسألة أرى أنها مهمة فيما يتعلق بجهود شيخ الإسلام ابن تيمية في خدمة عقيدة السلف، وأقدم لهذا بالتنبيه على المراحل التي مرت بها مناهج السلف في تقرير العقيدة، بمعنى: تقريرها على شكل مؤلفات ومصنفات وتبيينها للناس.

    المرحلة الأولى: هي مرحلة تنزل القرآن وإلى نهاية القرن الأول، فهذه الأساس فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يستمدون كل شيء في الدين من القرآن والسنة، ويرجعون فيما لم يدركوه إلى أهل العلم، حتى الصحابة كانوا يأخذون الدين مباشرة عن القرآن والسنة، هذا في الجملة، لكن عامتهم كانوا لا يستطيعون استنباط كل شيء في الدين، فكانوا يرجعون إلى أهل الاختصاص من الصحابة، لذلك برز من الصحابة من برز في اختصاصات شرعية تتعلق ببيان الدين للناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، كبروز علي في القضاء وزيد في الفرائض، وبروز غيرهما من الصحابة في بعض الجوانب، وهناك من كانوا مرجعاً علمياً شاملاً كـابن عباس وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وغيرهم من أئمة الصحابة، فكانوا أئمة في الدين يرجع إليهم، وكان منهجهم في تقرير العقيدة لا يعدو إظهار النص والاستنباط من القرآن والسنة ثم التعليق على النص لإيضاحه دون بسط في الشرح أو تصنيف أو مؤلفات؛ لأن الناس كانوا أقرب إلى الفطرة وأفهم للغة وأبعد عن البدع والخرافات، ولم تتشعب بهم السبل ولم تظهر الفرق، فكان الناس على هدي واحد، العقيدة عقيدة الجميع والمنهج منهج الجميع والسنة عليها الجميع، ومن شذ برز شذوذه عند العامة والخاصة، هذا في القرن الأول، فلذلك لم توجد مؤلفات، وما كان الناس بحاجة إلى مؤلفات، إنما كانوا بحاجة إلى تعليم، وقام الصحابة بذلك حق القيام، وبرزت في عهدهم بعض الطوائف، وكان شذوذها ظاهراً كالخوارج والشيعة كما هو معلوم، وسبب بروزها هو أنها تركت تلقي الدين عن العلماء، هذا هو السبب الرئيس الأول، ولا ننسى جهود ابن سبأ ، لكن ابن سبأ دخل على هذه الطائفة من الناس لأنهم لم يتلقوا دينهم عن الصحابة، والذين تلقوا دينهم عن الصحابة عصمهم الله.

    المهم أنه في القرن الأول كانت العقيدة هي السائدة، وما كانت تحتاج إلى مؤلفات ولا تحتاج إلى مصنفات ولا تحتاج إلى شيء من تقرير الأصول والمناهج الزائدة على ما في النصوص.

    مرحلة القرن الثاني

    المرحلة الثانية: مرحلة ما ظهر في القرن الثاني، وقد استجد فيها على أئمة المسلمين أمر، وهو الرد على أهل البدع، وصاحب هذا الرد ضرورة وضع الموازين والأصول الأولى في مهمات العقيدة، كالإيمان تعريفه ومسماه وزيادته ونقصانه، والقدر ومفهومه، والرؤية، وكلام الله وأسمائه وصفاته، فهذه الأمور كانت في القرن الأول تفهم جملة، وما كان الناس يتحدثون عن جزئياتها؛ لأنهم يفقهونها في الجملة.

    وأما في القرن الثاني فظهرت المرحلة الثانية، وهي ضرورة الدفاع عن هذه الأصول وإبرازها كأصول مستقلة لها حدود تعرف بها وتفهم عند الناس، ووضعت لها ضوابط معينة، وظهرت مسألة الاستدلال الشامل على هذه المسائل، بمعنى أنه اضطر أئمة الدين إلى أن يأخذوا الأدلة من الكتاب والسنة، ويبرزوها مستقلة إما على شكل كتب أو مصنفات، وإما على شكل مناظرات أو مجالس علمية في موضوع ما، كما في الرؤية، حيث استقيت نصوص الرؤية وظهرت في هذا الوقت جلية؛ لأنه ظهر من أنكر الرؤية وتكلم بذلك، وكذلك كلام الله، والقرآن، ومسألة أسماء الله وصفاته، فأبرزت النصوص المستقلة في هذا الأمر، وكذلك الوعد والوعيد، فاضطر السلف إلى أن يأخذوا نصوص الوعد ويبرزوها، ثم نصوص الوعيد ويبرزوها، وأخذوا منهجاً وسطاً -وهو منهج الحق- بين الوعد والوعيد، وهكذا بين منكري القدر والجبرية وغيرهم.

    وفي المرحلة الثانية أيضاً ظهرت المصنفات الصغيرة في جزئيات العقيدة، في الرد على فرق بعينها، وفي كتابة المسائل المحدودة المعينة، لكنها مصنفات قليلة.

    مرحلة القرن الثالث

    المرحلة الثالثة: القرن الثالث، وقد ظهر فيه اتجاه أشمل من الاتجاهات السابقة، وهو ضرورة، فحينما ظهرت البدع وظهرت لها أصول في الاعتقاد، وظهرت لها مصنفات وكتب شاملة؛ اضطر السلف إلى الكتابة في العقيدة في كتب الشاملة تجمع بين الأصول وبين النصوص المستدل بها، وبين الآثار المنقولة عن أئمة الدين الذين سبقوا في القرن الثاني والأول، وهذه المصنفات هي المصنفات الشاملة في أصول الدين في العقيدة، وهي المسماة بكتب السنن، أي: الآثار، وأغلبها في العقيدة، لا أقصد كتب الحديث، وإن كانت كتب الحديث اهتمت فعلاً بالعقيدة وبوبت لها، وهذا اتجاه جديد لم يكن يوجد في القرن الأول والثاني، والتبويب للعقائد في كتب الحديث هو -أيضاً- من سمات هذه المرحلة الثالثة، لكن من أبرز سماتها وجود المصنفات الشاملة التي تجمع بين النصوص والقواعد والمناهج والمفاهيم والتعريفات بمسائل أصول الدين والرد والمناقشة في وقت واحد، فكتب السنة الكبيرة بدأت في هذه المرحلة، مثل السنة للإمام أحمد ، والسنة لـعبد الله بن الإمام أحمد ، وكذلك مؤلفات ابن سلام وابن أبي شيبة والدارمي وغيرهم من الأئمة الذين عاشوا في ذلك العصر.

    مرحلة القرن الرابع وما بعده

    وبعد القرن الثالث جاءت المرحلة الرابعة، وهي مرحلة هيمنة كتب الكلام والمسائل الكلامية على الاتجاه العلمي في أغلب بلاد المسلمين، وهذا لا يعني أن عقيدة السلف اندثرت، بل كانت موجودة ولها رجالها ولها مصنفاتها ولها كتبها، لكن الذي ساد بين الناس في القرن الرابع وما بعده إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية هو الاتجاهات الكلامية، اتجاهات الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، حتى اتجاهات فرق الرافضة والباطنية ظهرت في تلك الفترة، وهيمنت جميعها على كثير من بلاد المسلمين، وسبب ظهور هذه الاتجاهات يرجع إلى أمور: منها ظهور دويلات الطوائف العقيدية، كدويلات العبيديين الفاطميين، ودويلات القرامطة والبويهية، ودويلات الخوارج كالرستمية، وما جاء بعدها فهذه الطوائف هيمنت على كثير من بلاد المسلمين، إذا لم نقل: إنه في هذه الفترة من القرن الرابع وما بعده كادت أن تهيمن على كل بلاد المسلمين، وهذه الهيمنة السياسية هي التي مكنت لهيمنة المذاهب الكلامية على المدارس والاتجاهات والصبغة العلمية العامة، حتى صار مذهب السلف لا يوجد إلا في رجاله، بمعنى أنه لا يتبنى سياسياً، وإلا فهو موجود في مدارسه واتجاهاته، وأهله ينافحون عنه وهم ظاهرون، بل هم المعتبرون عند الأمة في العموم، لكن مع ذلك هيمنت على أكثر المؤلفات والاتجاه العلمي المذاهب الكلامية إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية .

    1.   

    جهود شيخ الإسلام في إظهار مذهب السلف

    لقد انبرى شيخ الإسلام ابن تيمية لإظهار مذهب السلف إظهاراً علمياً قوياً بما آتاه الله من مواهب، فكانت جهوده تتلخص في أمور:

    الأمر الأول: استقراء أقوال السلف وإظهارها بارزة نقية واضحة ليس فيها لبس وليس فيها غبش؛ لأن آثار السلف كانت موجودة في وقته، ولكن كل يستدل بها على منهجه، حتى المتكلمون كانوا يستدلون بأقوال السلف على مناهجهم بأسلوبهم في الاستدلال، فكان هناك شيء من الغبش عند كثير من الناس، فجاء شيخ الإسلام ابن تيمية ، فكان من أعظم أعماله أنه أبرز مناهج السلف وأقوالهم وعقائدهم وما هم عليه في كل فروع الدين ومسائله وأصوله إبرازاً واضحاً جلياً.

    والأمر الثاني: أنه دافع دفاعاً لم يقم به أحد مثله، أعني: في العقيدة، فدافع دفاع المتمكن، واستعمل جميع وسائل الدفاع المباحة، ومن ذلك وسائل المتكلمين أنفسهم، والتزام مناهج السلف في اعتماد الاستدلال بالكتاب والسنة، والاستدلال بالآثار، واعتماد الإنصاف والعدل في القول، وتحري الحق، واعتماد استعمال البرهان العقلي وقلب الحجة على المنازع، وهذا مما برع فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ حيث استعمل مناهج المنازعين لأهل السنة والجماعة ضدهم، كما في درء التعارض، وفي نقض التأسيس وفي غيرهما من كثير من الكتب؛ جعل وسائلهم في تأويل مسائل الدين وفي مجانبة أقوال السلف هي الحجة عليهم، لأنهم في الغالب قلبوا الاستدلالات، وسأضرب لكم مثالاً على قلب الاستدلال عند المتكلمين ليتضح منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في إبراز هذه المسألة، فقاعدة المتكلمين -خاصة المتأخرين منهم- في وضع أصولهم التي تقوم على التأويل والمجاز والتعطيل أنهم يعتبرون النص ظنياً والعقل قطعياً، فما رأيكم في هذه القاعدة؟!

    أليست مقلوبة؟! ومع ذلك انطلت على صغار طلاب العلم وعلى بعض المتكلمين مدة طويلة، أي أن الأصل في النصوص الشرعية الظني والأصل في العقل القطعي، وهذا مصادم للفطرة والعقل السليم، لكن مع ذلك ساد، حتى صار هو القاعدة الكبرى التي يعتمد عليها المتكلمون، فـشيخ الإسلام قلب عليهم هذا الاستدلال وأقر فيه الحق، وقال: العكس هو الصحيح، فالأدلة الشرعية هي القطعية؛ لأنها معصومة ولأنها صادرة عن المعصوم، والصادر عن المعصوم معصوم، وهو القطعي، وأدلتكم العقلية ظنية؛ لأنها صادرة عن البشر، والبشر ناقص، والصادر عن ناقص ناقص.

    إذاً: أتقيسون الكامل -وهو وحي الله- بالناقص؟! بل ليس الأمر كذلك، أتجعلون الناقص هو الحاكم على الكامل؟! أيجوز هذا؟! فقلب عليهم مناهجهم.

    إذاً: فشيخ الإسلام ابن تيمية أبرز مناهج السلف وعقيدتهم على هذا الشكل، ولم يأت بجديد، ومدرسته ليست مدرسة مستقلة، ومذهبه ليس بمذهب مستقل، وقد حماه الله تعالى من أن يبتدع أتباعه له مذهباً ينسبونه إليه، وهذه كرامة له، مع أنه أتى بشيء عجيب، وقام بجهد لم يقم به مثله في وقته ولا بعده، مع ذلك لم يكن لأتباعه تعصب، ولم تكن لهم ميزة تميزهم عن أهل السنة والجماعة، بل أتباعه هم أهل السنة والجماعة، أما لمز الخصوم فهذا لا يعتد به.

    وأمر آخر أيضاً في عمل شيخ الإسلام ابن تيمية : هو أنه جمع بين التقرير والدفاع، بين تقرير العقيدة ببيانها وإيضاحها وشرحها وتفصيلها ولم يبتدع شيئاً، فكل ما قاله يستند فيه على الآثار بعد النصوص.

    والأمر الثاني: أنه دافع دفاعاً قوياً، بمعنى أنه جلَّى مذاهب السلف وبينها ونقحها مما دخلها بسبب عبث المتكلمين.

    وأمر آخر: هو أنه دافع عن كل اتهام لرجال السلف، وعن كل اتهام لرجال العقيدة، ثم فند أقوال الخصوم، فصار تراثه وعمله هو تراث أهل السنة والجماعة، ونسبته إليه إنما هي لأنه إمام من أئمة أهل السنة، لا لأنه انفرد بجهد أو جاء بجديد، أو نهج منهجاً غير منهج السلف، بل كل أصوله مبنية على مناهج السلف، لذلك لما خاصمه بعض المتكلمين في وقته فيما يتعلق ببعض التأويلات وبعض البدع تحداهم بتحد لم يجيبوا عليه إلى الآن، حيث قال: إن أصولكم لا يوجد ما يدل عليها عند السلف في القرون الثلاثة الفاضلة، وقال: أنا أمهلكم ثلاث سنين، فهاتوا لي إماماً واحداً من أئمة الدين المعتد بهم قال بقولكم الذي قلتم به في مسائل التأويل والإيمان ومسائل القدر وغيرها التي خالفتم فيها السلف، فوقفوا ثلاث سنين ولم يجيبوه، فبعد ذلك انتصرت السنة بحمد الله، ولا يزال منهج شيخ الإسلام ابن تيمية هو منهج السلف، ونسبته إليه ليست لأنه ابتدع شيئاً، إنما هي لأنه حرر مناهج السلف وبينها واستقرأها وكتب فيها ودافع عنها، فكان منهجه يتمثل في منهج أهل السنة والجماعة.

    1.   

    حقيقتان في منهج أهل السنة

    تقرير أهل السنة للاعتقاد العاصم في مسائل زلات الفرق

    قال: [ وخليق بنا أن نذكر هنا حقيقتين كبيرتين:

    الأولى: أن أهل السنة والجماعة وهم يبينون العقيدة المنجية في توحيد الله تعالى وما يلحق بها من شعب الإيمان الأخرى، يُجْلُون في الوقت نفسه ووفق المنهج المعتمد وفي ذات السياق الاعتقاد العاصم في مسائل عدالة الصحابة وتفضيل الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وخيرية القرون الأولى، والإمامة، وعدم منازعة الأمر أهله، ومضي الجهاد، والكف عن تكفير المسلمين بالمعاصي والذنوب التي هي دون الشرك الأكبر وهي مما اختلف فيه، ووحدة الجماعة، والتزام المنهج الصحيح في فهم الدين.

    إن هذا الترابط الموضوعي والمنهجي بين التوحيد وبين هذه المسائل يدل على:

    أ- أن التوحيد هو المنهج الحاكم الذي يجب أن تفهم كل مسألة في هداه.

    ب- أن الانحراف في هذه المسائل ذريعة إلى جرح التوحيد وإمراضه.

    مثال ذلك: عدالة الصحابة، فإن القدح في هذه العدالة ذريعة إلى رد آيات قرآنية أخبرت بفضل الصحابة وعدالتهم، ورد القرآن إلحاد من الإلحاد.

    جـ- أن الذين جادلوا في الباطل في القديم والحديث في هذه المسائل لم يعرفوا بصحة العقيدة].

    فيما يتعلق بعدالة الصحابة أحب أن أشير إلى ظاهرة ظهرت كثيراً في الكتاب المحدثين، وهي: التجرؤ على بعض الصحابة، على جملة منهم أو واحد أو اثنين أو أكثر باختلاف نزعات هؤلاء الكتاب، لكن أحب أن أشير إلى أمر مقرر عند السلف، وهو أن القدح في صحابي واحد -أياً كان- في دينه وعدالته هو ابتداع وعلامة نفاق، ومن قدح فهو مبتدع، بل من علامات أهل البدع القدح في بعض الصحابة، وهي من علامات الزيغ نسأل الله العافية، ولا يعني ذلك أن الصحابة معصومون، لكن الصحابة أجمعت الأمة على عدالتهم في الجملة، وعلى أن القدح في أحدهم إنما هو زيغ ونفاق، فإذا كان كذلك فهذا يعني أن هذه الظاهرة إنما هي علامة ابتداع في هذا العصر، وقد كثرت حتى بين كتاب ينتمون إلى الدعوات الإسلامية والفكر الإسلامي، ولا يتورعون عن القدح في صحابي ما أو نسبة بعض البدع إليه، كمن ينسبون بعض الأمور إلى عثمان رضي الله عنه، أو بعض الأمور إلى أبي ذر رضي الله عنه، أو إلى أبي الدرداء ، أو إلى ابن مسعود أو إلى غيرهم، وبعضهم يتهم بعض الصحابة ببعض الأهواء، حتى لو لم ينسب إليه بدعة معينة، فربما قدح فيه ليطعن في قوله أو في روايته، حتى ظهر فيمن ينتسبون إلى المتكلمين في العصر الحديث من يقول بأن الأحاديث التي رواها متأخرو الصحابة في الصفات لا تؤخذ، وهذا قدح مبطن.

    أقول هذا لأن هذه المقولات كثرت في الكتب التي بين أيدينا، وأنا أقول: الذي أعرفه من منهج السلف وأئمة الدين أن القدح في الصحابي ابتداع، وهو علامة الزيغ نسأل الله العافية.

    عقيدة أهل السنة عقيدة أئمة الدين

    قال: [الثانية: أن جمهور علماء أهل السنة والجماعة وأئمتهم من المذاهب الأربعة المشهورة وغيرها على عقيدة واحدة، وإن اختلفت في الفروع الاجتهادية، وقد كتب في ذلك علماء مشهورون من مختلف المذاهب، كالإمام الطحاوي الحنفي في عقيدته هذه، وكالإمام أحمد رحمه الله فيما نقل عنه من رسائل وإجابات في العقائد، وكالإمام البخاري ، وكـابن زيد القيرواني المالكي في رسالته المشهورة، وكالإمام عبد القهار بن طاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) وغيرهم].

    1.   

    آثار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

    قال: [لقد بارك الله في جهاد ابن تيمية رحمه الله، فجعل له أثراً صالحاً باقياً ماثلاً في مدرسة علمية وفكرية متكاملة لها منهجها وأسلوبها وطابعها.

    فمن هذا الأثر تلاميذه وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية .

    قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : فالواجب على من تلبس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشهورة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، ولو لم يكن للشيخ تقي الدين إلا تلميذه الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته.

    وقال شيخ الإسلام التفهني الحنفي: والإنسان إذا لم يخالط ولم يعاشر يستدل على أحواله وأوصافه بآثاره، ولو لم يكن من آثاره -أي: ابن تيمية - إلا ما اتصف به تلميذه ابن قيم الجوزية من العلم لكفى ذلك دليلاً على ما قلناه.

    ومن هذا الأثر كتبه الكثيرة العدد النفيسة القيمة الواسعة الانتشار.

    ومن هذا الأثر ثناء المؤمنين عليه في كل زمان ومكان].

    مما هو معروف عند أئمة السلف أن الطعن في أئمة الدين الكبار إنما هو من علامات أهل البدع، ولا يعني ذلك أن أئمة الدين الكبار معصومون كل العصمة، لكنهم يمثلون القدوة للأمة، والطعن فيهم على سبيل اللمز أو على سبيل الطعن فيما جاء عنهم أو التهكم إنما هو طعن في مذاهب السلف وفي سبيل الأمة أو الجماعة، فمثلاً: الطعن في الإمام أحمد رحمه الله من علامات أهل البدع أياً كان هذا الطعن، ولا يتصور أن يكون الطعن طعناً مباشراً، فأغلب الذين يتعرضون للأئمة الكبار يتعرضون لهم بتلبيس من الكلم، بمعنى أنا نجد أن أحدهم قد يثني على مثل الإمام أحمد فيقول: وهو إمام في الدين، وله كذا وكذا، لكنه في قوله بالصفات ذهب إلى مذهب الحشوية أو إلى مذهب كذا، فيثني ثم يلمز، وهذه من علامات أهل البدع، لا يجرئون على الطعن في الجملة في أئمة الدين أو في الإمام الواحد، إنما يثنون ثم يلمزون، ومثله الإمام البخاري والإمام مسلم أو ابن تيمية أو ابن القيم أو غيرهم من الأئمة الذين رضي أهل السنة والجماعة في الجملة هديهم وما جاءوا به وما هم عليه، وكونهم يخطئون في بعض الأمور أمر يجب أن نقول به، بمعنى أنهم قد يخطئون في بعض الأمور؛ لأنه لا يمكن أن يكونوا معصومين، إلا أن ما يقع منهم من خطأ لا يوصل إلى الطعن فيهم، هذا أمر.

    والأمر الآخر: أنهم بإمامتهم وجلالتهم قدوة المسلمين، واستهداف أشخاصهم إنما هو استهداف للقدوة، ثم هو استهداف للدين.

    والأمر الثالث: أن هناك فرقاً بين الطعن وبين النقاش، فيجوز لمن آتاه الله علماً أن يقول: أرى أن فلاناً من الأئمة لم يقصد كذا، أو: عذره في الأمر الفلاني كذا، أو: إن الدليل هو كذا، ولا يطعن في الشخص، أما إذا طعن في إمام من الأئمة فهذا علامة ابتداع، ولا يزال من أبرز علامات المبتدعة الطعن في مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد وغيرهما، وكذلك اللمز والطعن غير المباشر، كما هو موجود في بعض الاتجاهات الحديثة عند المتكلمين.

    1.   

    مدرسة ابن تيمية في العصر الحديث

    جهود الملك عبد العزيز في نشر عقيدة أهل السنة

    قال: [ مدرسة ابن تيمية في العصر الحديث.

    مضى على عصر ابن تيمية أربعة قرون تقريباً، ولم تخل هذه القرون الأربعة من داعية للحق قائم بعقيدة أهل السنة والجماعة، ولكن حدثاً وقع في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري كان له الأثر الكبير في انتشار عقيدة أهل السنة والجماعة والالتزام بمنهجهم في الفهم والتطبيق، ذلكم هو قيام الدولة السعودية في جزيرة العرب مناصرة للدعوة الإصلاحية التي نادى بها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والتي تدعو الناس إلى العودة إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والالتزام بما كان عليه سلف الأمة الصالح وتطبيق شريعة الله جل وعلا.

    لقد تهيأ لهذه الدعوة من أسباب التمكين ما لم يتهيأ لدعوات كثيرة قبلها وبعدها، وهذا من فضل الله، تهيأ لها سبب الدولة أو السلطة، وبهذا السبب الذي هيأه الله تعالى قويت الدعوة وتمكنت وانتصرت في عهد مؤسس الدولة السعودية الأولى الإمام المجاهد محمد بن سعود رحمه الله، ومن جاء بعده من بنيه وأحفاده حتى مطلع القرن الرابع عشر الهجري، حيث قام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله بما يجب القيام به تجاه عقيدة أهل السنة والجماعة وإلزام الناس بتطبيق شريعة الله والحكم بينهم بموجبها.

    يقول المشايخ محمد بن عبد اللطيف وسعد بن حمد بن عتيق وعبد الله بن عبد العزيز العنقري وعمر بن محمد بن سليم ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف رحمهم الله: ثم لما وقع الخلل من كثير من الناس من عدم القيام بشكر هذه النعمة ورعايتها ابتلوا بوقوع التفرق والاختلاف وتسلط الأعداء والرجوع إلى كثير من عوائدهم، حتى مَنَّ الله في آخر هذا الزمان بظهور الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل أيده الله ووفقه، وما مَنَّ الله به في ولايته من انتشار هذه الدعوة الإسلامية والملة الحنيفية، وقمع من خالفها وإقبال كثير من البادية والحاضرة على هذا الدين، وترك عوائدهم الباطلة، وكذلك ما حصل بسببه من هدم القباب ومحو معاهد الشرك والبدع وردع أهل المعاصي والمخالفات، وإقامة دين الله في الحرمين الشريفين زادهما الله تعالى تشريفاً وتكريماً ].

    ركائز قيام الدولة السعودية

    بمناسبة الكلام عن جهود الملك عبد العزيز رحمه الله أحب أن أشير إلى أمر هو معروف، لكن التذكير به من باب الأمانة والنصيحة.

    فنحن نعرف جميعاً أن الدولة السعودية منذ قيامها ونصرها لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قامت على ركائز:

    الركيزة الأولى: نصر الدعوة في الجملة، بمعنى أنها قامت أساساً بعهد شرعي عليه البيعة على نصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي هي دعوة أهل السنة والجماعة دعوة الحق، هذه الركيزة الأولى.

    الركيزة الثانية: قامت على نشر التوحيد، وهذا من أهم الركائز التي قامت عليها الدولة السعودية.

    الركيزة الثالثة: محاربة البدع المخالفة للدين أياً كان نوعها، كل ما يخل بالدين ويخل بعقيدة الأمة هو أمر مرفوض، فقامت الدولة على حماية عقيدة المسلمين وعباداتهم في هذا البلد من ذلك.

    الركيزة الرابعة: تطبيق شرع الله، والذي يتمثل في أمور: أولها: تحكيم شرع الله في كل شيء، وثانيها: إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثالثها: نشر الدين بنشر العلم الشرعي الصحيح وحماية الأمة من أي علم يخل بعقيدتها ودينها.

    الركيزة الخامسة: المحافظة على الحرمين، يعني: العناية بالحرمين على مقتضى الدين الصحيح، وحمايتهما من البدع وحماية المناسك من كل ما يطرأ من جهالات المسلمين وغيرها.

    وهذه الركائز هي عهد بين الدولة السعودية وبين هذه الأمة التي رضيتها ورضيت بإمامتها وبايعتها على الكتاب والسنة، وهذا العهد باق إن شاء الله وسيبقى، وأي إخلال بهذا العهد إنما هو علامة إدبار وعلامة تفرق وعلامة شر وفتنة، نسأل الله أن يعصمنا ويعصم ولاة الأمر من ذلك.

    تصنيف دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

    وقد يقول سائل: هل الإمام محمد بن عبد الوهاب إمام المرحلة الثالثة؟

    فنقول: السلف جماعة واحدة، لا يفرق بينهم الزمان، والمراحل أمور اصطلاحية فنية، فيجوز أن نقسم المراحل إلى المئات والآلاف والعشرات، ويجوز أن نلغي المراحل ونقول: مذهب أهل السنة والجماعة مرحلة واحدة من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فهذه أمور اصطلاحية، أما أن يقال: إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أكثر وجوهها العلمية والاعتقادية هي امتداد لدعوة ابن تيمية فهذا صحيح، لكن لا يعني أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب انفرد بشيء، اللهم إلا بأمور تقتضيها ظروف الزمان والمكان، فـمحمد بن عبد الوهاب أتيح له بنصر الدولة السعودية وبنصر الجماعة من أهل التوحيد ما لم يتح لشيخ الإسلام ابن تيمية ، هذا هو وجه الفرق، أما ما عدا ذلك فالاتجاه فيه واحد، وكل في اتجاه السلف، ولا ننسى أنه قامت دعوات إصلاحية على مذهب أهل السنة والجماعة في بلاد المسلمين الأخرى غير دعوة الشيخ، لكن لم يكن لها أثر كأثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

    قال: [ وكان أمر العقيدة جلياً لدى الملك عبد العزيز ؛ إذ يقول رحمه الله: يسموننا بالوهابيين ويسمون مذهبنا بالوهابي باعتبار أنه مذهب خاص، وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض، نحن لسنا أهل مذهب جديد وعقيدة جديدة، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، ونحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وكلهم محترمون في نظرنا.

    هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله عز وجل خالصة من كل شائبة منزهة عن كل بدعة ] .

    ذكرني هذا ببعض الركائز، وقد نوه بها الملك عبد العزيز رحمه الله مرات عديدة، بل هي تعتبر من أعظم الأسس التي كان يعتمد عليها عملياً ويقول بها نظرياً، وقد التزمها في سائر حياته، وهي: اعتبار أهل العلم أئمة الدين، اعتبارهم بكل معاني الاعتبار، ليس اعتبار المجاملة ولا مجرد اعتبار التقدير والاحترام، إنما اعتبار العمل والتطبيق، فكانوا هم الشيوخ، وكان كل أمر ذي بال يتعلق بالأمة يصدر عنهم، وكانت المصالح الكبرى للأمة تصدر عنهم، وهذا هو العهد الذي كان بينهم وبين الملك عبد العزيز رحمه الله، وهو عهد قد التزمه وتعهد به وتوعد من يخالفه.

    ومن الركائز التي كان كثيراً ما يحرص عليها الملك عبد العزيز تطبيق الحدود، وهذه هي التي تعتمد عليها الدولة الإسلامية أياً كانت في ترسيخ أمرها وفي حماية دينها وفي مصداقية تطبيقها لشرع الله، فأعظم مصداقية لتطبيق الشرع هي تطبيق الحدود وحماية الدين من الردة ومن انتهاك الحرمات ونهب الأموال، وغير ذلك مما يستوجب الحدود.

    فهذه من الركائز المعلومة البدهية عند عامة أهل العلم، بل وعامة أهل البلاد، فكلهم يعلم أن هذه الدولة -بحمد الله- قامت عليها، ونرجو أن تستمر عليها بإذن الله.

    جهود الملك عبد العزيز في نشر العقيدة خارج بلاده

    قال: [ وإذ يستعمل الملك عبد العزيز سلطانه في التمكين للتوحيد والعقيدة المنجية في بلاده، فإنه ينشرها خارج بلاده بوسيلتين اثنتين: الأولى بعث الدعاة، والثانية نشر كتب التوحيد الخالص، وعقيدة أهل السنة والجماعة.

    ومما أمر بنشره من كتب العقائد: العقيدة الواسطية، والتوسل والوسيلة، ومنهاج السنة، والعبودية، لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ومجموعة التوحيد، وهي مجموعة رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ سليمان آل الشيخ حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد الله العنقري والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ سليمان بن سحمان ، ولمعة الاعتقاد لـابن قدامة ، وغير ذلك من الكتب المبينة لعقيدة أهل السنة والجماعة؛ ولهذا السبب -سبب تسخير سلطة الدولة في نصرة الإسلام- وجدت الدعوة من الانتشار والتمكن ما لم تجده دعوات أخرى كثيرة فردية وجماعية، وبرز هذا الانتشار في العالم الإسلامي كله في مدارس فكرية ونشاط دعوي وجهود متصلة لإحياء تراث أهل السنة والجماعة.

    إن لانتشار الدعوة الإسلامية في تاريخ المسلمين الحديث وحياتهم المعاصرة سبباً أو أسباباً، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب دعوة الإحياء العامة لمنهج أهل السنة والجماعة التي نهض بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والتي نصرها آل سعود دولة بعد دولة وإماماً بعد إمام، منذ محمد بن سعود إلى يوم الناس هذا، فلا يزال المنهج الإسلامي يحكم حياة المملكة العربية السعودية في الاعتقاد والاجتهاد والسلوك.

    1.   

    أسباب الاهتمام بالعقيدة

    اجتماع الناس على أصول الحق

    قال: [العقيدة التوقيفية الجامعة.

    لماذا هذا الاهتمام بالعقيدة والبحث في مصادرها العلمية ومسارها التاريخي في القرون الأولى، ثم القرون: الرابع والخامس والسادس، ثم عصر ابن تيمية ، ثم ما بعد ابن تيمية إلى يوم الناس هذا؟

    والجواب عن ذلك:

    أولاً: أن أصول الحق هي التي تجمع الناس مهما تعددت أمكنتهم ومهما باعدت بينهم الأزمنة، ومهما اختلفوا في فروع الفقه.

    إن النصوص التي أشرنا إليها والتي تتكلم عن مفهوم العقيدة لدى الحنفية والحنبلية والمالكية والشافعية وعند ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والملك عبد العزيز وغيرهم من أئمة الهدى، هذه النصوص لم تتطابق في المفهوم فحسب، وإنما تطابقت في اللفظ كذلك].

    قبل أن نتجاوز الكلام عن المذاهب أحب أن أشير إلى أمر من الأمور التي قد تخفى على كثير من الذين لم يتأملوا مسار العقيدة في القرون الثلاثة الفاضلة، ويتضح هذا بخطأ ساد عند كثير من الباحثين وطلاب العلم، وهو اعتقادهم أن بعض المذاهب أو الفرق لها ارتباط بالمذاهب الأربعة على وجه ما من الارتباط.

    أقول: هذا أمر حادث بعد القرون الثلاثة الفاضلة، أما في القرون الثلاثة الفاضلة التي هي القدوة والتي زكاها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يكن للمذاهب أي ارتباط بالفرق، بل كانت المذاهب الأربعة كلها -مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - على السنة، وأئمتها جملتهم كانوا على السنة، وكانت هذه المذاهب بأتباعها -سواء العلماء وطلاب العلم والعامة- على السنة، وإن كان قد يوجد من أتباع الفرق من ينتمي إلى المذاهب، كبعض الشيعة قبل أن يكون لهم فقه مستقل، وكبعض المعتزلة والجهمية، لكن هذا أمر لا دخل له في صبغة المذاهب نفسها، فالصبغة الشرعية هي صبغة المذاهب، فكانت كلها على السنة، وهذا بإجماع، بل هو واضح جداً لا لبس فيه، فالإمام أبو حنيفة كان على السنة، وتلاميذه الأوائل كانوا على السنة، والإمام مالك كان من أئمة السنة المنافحين عنها المقررين لها، وتلاميذه الأوائل في القرون الثلاثة الفاضلة كانوا على السنة، والإمام الشافعي كذلك، والإمام أحمد لا نحتاج إلى أن نبين ذلك عنه، إذاً: اللبس إنما حدث بعد القرون الفاضلة، ففي القرن الرابع بدأ التمشعر على يد الأشاعرة، وكانوا من أتباع المذاهب، ثم في الآونة الأخيرة بعد القرن الرابع اقترنت تبعية المذاهب بتبعية الفرق بناء على حال الحكومات والسلاطين، فإذا كان السلطان -مثلاً- حنفياً وأشعرياً ربط الأحناف بالأشاعرة، وإذا كان حنفياً ماتريدياً ربط الأحناف بالماتريدية، وهكذا حتى صار الآن المفهوم عن كثير من المذاهب أنها مرتبطة بالفرق، وهذا ارتباط كله حادث، ولم يكن في العصور الأولى للمذاهب حينما كانت المذاهب مذاهب اجتهادية يقع فيها الخلاف ويرضاها المسلمون جميعاً، وبعدما تحولت إلى التعصب تحولت إلى الافتراق.

    قال: [ وهذا برهان مبني على:

    أ‌- الصدور عن الأصلين المعصومين: الكتاب والسنة.

    ب‌- صحة المنهج العلمي في الاعتقاد والفهم.

    ت‌- دقة الالتزام بالمنهج.

    فالحق هو الحق في كل زمان ومكان، فإذا صح منهج التلقي ومنهج الفهم وحصل الصدق في الالتزام اجتمع الناس على الحق، وإن فصلت بينهم التخوم والقرون، فالأنبياء والمرسلون صلى الله عليهم وسلم اجتمعوا على أصل الديانة وإن لم ير بعضهم بعضاً، وإن ظهروا في عصور تطاولت بينها الآماد، قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13]، والمسلمون مأمورون بالاقتداء بالأنبياء في الاجتماع على الأصول].

    العقيدة ميزان توقيفي لا يضطرب

    قال: [الثاني: أن العقيدة ليست مذهباً اجتهادياً، بل هي الميزان الثابت الذي لا يضطرب ولا يطيش، إن العقيدة هي معرفة مراد الله تعالى من الديانة، ومن بعث الرسل وإنزال الكتب، وخلق الجن والإنس، ثم الاستقامة على هذا والعمل بمقتضاه، والرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة في العلم بمراد الله وفي العمل بمقتضاه، ولقد اقتدى الصحابة ثم سائر القرون المشهود لها بالخيرية بالرسول صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد الحق، وندب الله الأئمة في كل عصر لتبيين الاعتقاد الصحيح الذي هو العقيدة التوقيفية الجامعة، ومن القول الفصل الدال على أن الاعتقاد الصحيح هو الفرقان بين الحق والباطل: أن الذين التزموا هذه العقيدة استقاموا على الطريقة وصلحوا وأصلحوا في العلم والدعوة والحكم والعمل والجهاد، وأن الذين شذوا عن هذه العقيدة تفرقت بهم السبل وعظم فهمهم واضطربت أقوالهم وأفعالهم، وفسدوا وأفسدوا، قال تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32] .

    يقول ابن تيمية رحمه الله: وطريقتهم - أي: أهل السنة والجماعة - هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم لكن لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)؛ صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة) .

    ويقول: ثم سأل نائب السلطان عن الاعتقاد، فقال - أي: ابن تيمية - : ليس الاعتقاد لي ولا لمن هو أكبر مني، بل الاعتقاد يؤخذ عن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه سلف الأمة، يؤخذ من كتاب الله ومن أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما من الأحاديث المعروفة، وما ثبت عن سلف الأمة.

    ويقول: فقلت لا والله ليس لـأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة الحديث، وقلت أيضاً: هذا اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثاً أو إجماعاً سلفياً، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين، وأهل الحديث والصوفية ] .

    الاستدلال بما وافق الحق من قول المخالف منهج سلفي

    لعلنا نقف وقفة تأمل عند كلام شيخ الإسلام ، وهذا الكلام الذي سأقوله كثيراً ما يردده هو وغيره من أئمة السلف الأقدمين، وذلك في مسألة الاستدلال بقول المخالف فيما يوافق فيه مما عنده من حق، وأقصد بذلك أن أئمة السلف لا يمنعون من الاستدلال بقول الصوفية فيما وافقوا فيه أهل الحق، أو تقوية الحق بأقوال المتكلمين فيما وافقوا فيه الحق، أو الاستدلال بالحق الذي عند أي فرقة أخرى إذا كان يعزز قول أهل السنة والجماعة ومنهجهم، بل هو من باب إقامة الحجة على المخالفين فيما خالفوا فيه إذا أيدناهم فيما وافقوا فيه، أقصد أن المخالف إذا أخذت عنه ما وافق فيه ألفت قلبه ليأخذ عنك فيما خالف فيه، هذا من ناحية، والناحية الأخرى هي قاعدة في الإنصاف والعدل، ليست مجرد سياسة أو مجرد منهج للتقريب والترغيب، إنما هي قاعدة شرعية تقوم على العدل والإنصاف، وأقصد بها أنه إذا كان مع الخصم أو المخالف ما يوافق الحق فيجب الاعتراف له به، سواء أكان دليلاً أم قولاً أم خلقاً أم فضيلة من الفضائل، فإذا كان مع المخالف لك والمخالف لأهل السنة والجماعة دليل صحيح أو قول صحيح أو سلوك صحيح أو فضيلة من الفضائل فلا بد من الاعتراف به إنصافاً وإحقاقاً للحق، وهذا هو الذي يقرب الناس إلى الخير ويؤلفهم.

    إذاً: هذا منهج لأئمة السلف، ولم يتفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية وإن كان كثيراً ما يعول على هذا الأمر، حتى إن بعض طلاب العلم يعجب ويظن أن شيخ الإسلام إذا ذكر أقوال الصوفية وذكر أقوال المتكلمين فكأنه بهذا أقرهم على جملة مقولاتهم الأخرى، وأقول: هذا خلل في تصورنا وليس خللاً في منهج السلف، فـشيخ الإسلام وغيره من الأئمة يأخذون ما يوافق الحق من الآخرين، وينصفونهم إذا تكلموا عنهم، ينصفونهم في القول عنهم وينصفونهم في الحكم لهم، والإنصاف لا يعد خضوعاً ولا يعد خنوعاً ولا يعد ترويجاً للمخالف، كما يظن كثير من صغار العقول، يظنون أنه إذا أنصف الخصم أو أنصف المبتدع أو اعترف بما لديه من فضيلة؛ فكأنه بذلك يهزم الحق أو أن في ذلك عليه أو على أهل الحق غضاضة، وهذا غلط مجانب للصواب وليس عليه أئمة السلف، إلا في حالات يقدرها أهل العلم إذا خشوا فتنة العامة بإنصاف المبتدع أو خشوا أموراً أخرى يقدرونها لا يقدرها الفرد ولا تكون ميزاناً ولا تكون قاعدة ولا تكون منهجاً، إنما هي أحكام شاذة قليلة قد يرد فيها أن يتغاضى صاحب الحق عما عند خصمه إذا تبين أن الفتنة بذلك تكبر وتكثر، وهذا نادر جداً ولا يصح أن نعول عليه ولا أن نجعله قاعدة.

    إذاً: أنبه على منهج أئمة الدين في هذا الأمر، ويتلخص في أمور آخذ منها ثلاثة:

    الأمر الأول: الاعتراف بما لدى الخصم من الحق، وإعلان ذلك.

    وبعض الناس يضيق، ولا تتحمل أعصابه أن يعترف بفضيلة الخصم، وهذا خلل، وهو أمر يجب أن نتجاوزه.

    الأمر الثاني: الإشادة بجوانب الفضل عند المخالف، من مبتدع أو متكلم أو متصوف أو جماعة من الجماعات في القول أو السلوك، لا كما يحصل الآن من التراشق والنبز بالألقاب بين الجماعات والدعاة مع الأسف، حيث نجدهم لا ينصفون، فإذا تكلم المخالف عن جماعة تخالفه تجده كأنه لا يعرف إلا السيئات، مع أنه يعرف حسناتهم ويعرف فضائلهم، بل بعضهم لبس عليه الشيطان إلى حد أن يقول: الفضائل هي الأصل، فأنا يهمني أن أنقد ويهمني أن أبين. ويدعي أن هذا هو النصح، وهذا منهج خطير، والمحكم في هذا الأمر هو الكتاب والسنة، فالله سبحانه وتعالى عندما ذكر اليهود والنصارى أنصفهم، وذكر أن منهم من يؤمن ومنهم من لا يؤمن، وذكر أن من اليهود الأمين ومنهم الخائن، وذكر أن في طوائف من النصارى رقة قلوب، وأخبر أن النصارى أقرب إلى الحق مع أنهم من المشركين، وكذلك منهج النبي صلى الله عليه وسلم، كان ينصف إذا تكلم، وإذا تكلم عن أهل الديانات أنصفهم وذكر ما عندهم من المحاسن ثم ذكر باطلهم، وكذلك أئمة السلف كانوا ينصفون الخصوم، بل إن الإنصاف أمر لا بد من التنويه به؛ لأن بعض الناس قد يقول: في ذهني هذه الفضائل ولا أنكرها، ونقول له: ليس المقصود أن الأمر في ذهنك، المقصود أنه إذا تكلمت فاعدل، إذا تكلمت فأنصف، وإذا قلت فاعدل، وإلا فاسكت فالسكوت خير لك، وأنا أقول: أن التنويه بأخطاء الآخرين الذين ينتسبون إلى الإسلام -حتى وإن كانوا من الضلال- دون الإشارة إلى ما فيهم من حسنات هو الظلم نفسه.

    الأمر الثالث: لا بد عند الكلام عن الخصوم -كما فعل السلف- من ذكر موافقة المخالف فيما هو حق لتقوية الحق بالاتفاق عليه، وأقصد بذلك أن أئمة الدين إذا ذكروا قولاً من الأقوال في الفقه أو في العقيدة قالوا مثلاً: وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، وهو قول المعتزلة والجهمية، وهو قول الأشاعرة .. إلى آخره، ويذكرون أئمة الضلالة لأنهم وافقوا في هذا الحق، وليس في هذا على المسلم ضير؛ لأن الحق ثابت بهم وبغيرهم، لكن كونك تقيم الحجة على أتباعهم بمثل هذا فيه تقوية للحق، فأنا إذا قلت في أي مسألة من مسائل أصول الدين: أنها قول أهل السنة والجماعة، وقد وافقهم على ذلك المعتزلة ووافقهم غلاة الصوفية ووافقهم غلاة المتكلمين؛ فأنا بذلك أقيم الحجة على أتباع الصوفية وأتباع المتكلمين، وليس في هذا غضاضة، ولا أننا عندما نذكر هذا ننوه بمحاسن أولئك، لا، المقصود تقوية الحق حتى بقول الخصم، فإذا وافقك الخصم بقول يوافق الحق فلا مانع من أن تأخذ قوله وتنوه به وتقول: يوافقني على هذا الرافضي، ويوافقني على هذا الصوفي، ويوافقني على هذا المتكلم.

    قلت هذا بمناسبة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عندما ذكر أن هذه المسألة عند جميع طوائف المسلمين من الفقهاء والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية، وكثيراً ما يقول هذا في أكثر من مقام.

    تأسيس التوجه الإسلامي المعاصر على العقيدة التوقيفية سبب من أسباب الاهتمام بها

    قال: [ ثالثاً: أن التوجه الإسلامي المعاصر نحو العودة إلى الدين يجب أن يؤسس على هذه العقيدة التوقيفية الجامعة، وأن يُرد رداً جميلاً إلى الأصول العاصمة من كل زيغ وضلال، فإن البنيان مهما علا فإنه سينهار، وإن الأفق مهما اتسع فإنه سيعتكر ويظلم، ما لم يؤسس البنيان على العقيدة المنجية، وما لم يستضئ الأفق المتسع بنورها.

    إن هذه العقيدة الحقة هي التي تُري الانبعاث الإسلامي الجديد كيف يؤمن؟ وكيف يفهم؟ وكيف يعمل؟

    وهي التي تُريهم كيف يدعون إلى الإسلام وفق المنهج الصحيح، فيفتون بعلم، ويدعون برفق، ويوقرون من سبقهم من العلماء والأئمة، ويقتدون بهم ويترضون عنهم.

    وكيف يحافظون على وحدة الجماعة، فما أكثر ما كان الإمام الداعية ابن تيمية رحمه الله يقول في كل مجلس حوار ومناقشة تقريباً: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، وربنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وأصول الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحل فيها الافتراق؛ لأن الله تعالى يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] .

    ويقول: فالواجب على كل مسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    والعلاقة وثيقة في منهج الإسلام بين توحيد الله ووحدة الجماعة، فقد تابع الرسول صلى الله عليه وسلم بين توحيد الله ووحدة الجماعة، فقال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا..) الحديث ] .