إسلام ويب

العدة شرح العمدة [63]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحكام الدين المؤجل ألا يطالب به الدائن قبل أجله، وإذا مات المدين قبل حلول الأجل لم يلزم ورثته بأدائه قبل الأجل، وإذا كان المدين معسراً وجب إنظاره، وإن كان موسراً تباع ممتلكاته ويوفى دينه، والمفلس ينفق عليه من ماله زمن الحجر إن لم يكن له كسب، ويدخل في نفقته من تجب نفقتهم عليه.

    1.   

    باب أحكام الدين

    عدم جواز المطالبة بالدين قبل حلول أجله

    قال المصنف: [ باب أحكام الدين.

    من لزمه دين مؤجل ].

    يقول شخص: أنا لي عندك (10000) أستحقها في شهر 12/2005م فإذا كنت أحتاج المال فجئتك وقلت: أنا أحتاج المبلغ قبل موعده، وأنا أضع لك من المبلغ (3000)، أي: أعطني الآن (7000) هل يجوز هذا؟

    بنص حديث البخاري يجوز، إذ إن كعب بن مالك كان له دين على أحد الصحابة لعله يسمى أبو حدرد فطلب كعب بن مالك الدين من الرجل في المسجد فعلت أصواتهما، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم الغطاء من حجرته وخرج إليهما، فقال: ما الأمر يا كعب ؟ فقال: عنده دين يماطل في السداد، قال: يا كعب ضع الشطر، أي: اترك النصف، فوضع كعب الشطر، بإرادته، لأنه مكروب ويحتاج إلى مبلغ في ذلك الوقت.

    لكن أن يستغل المقترض حاجة المقرض ويقول له: ضع كذا من المال وأنا أعطيك الباقي الآن، فهذا لا يجوز، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقضه الآن، طالما أنه قد وضع عنك الشطر، ولا يستطيع أن يقول المقترض عند ذلك: أعطني مهلة.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم لـكعب بن مالك كان على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الوجوب والإلزام، لكن إن كان الدائن يحتاج إلى مبلغ من المال فقال للمدين: أعطني المبلغ قبل أوانه، فهنا نقول: ليس للدائن أن يطالب بحقه قبل الموعد؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282]، ولذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [ من لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله ]، كأن يقترض رجل من آخر مبلغ (1000) جنيه، على أن السداد يكون في 1/12، فهل له أن يطالبه في شهر 5؟ لا؛ لأن من لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله.

    قال: [ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله؛ لأنه لا يستحق المطالبة به قبل أجله فلم يملك منعه من ماله بسببه ].

    والحجر هو: المنع من التصرف بالمال، فلو أن رجلاً مديناً لآخر بمائة ألف من الجنيهات يستحقها في 1/1/2005م، وكل ما يملكه الآن هو خمسة آلاف، فهل نستطيع أن نحجر عليه؟ لا، لأن وقت الدين لم يحن بعد.

    قال: [ ولم يحل تفليسه؛ لأن الأجل حق له فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه ].

    إي: إذا حان أجل تسديد الدين للمقرض أو الدائن المطالبة عند ذلك، أما قبل ذلك فلا يجوز له أن يشهر إفلاس المقترض.

    عدم حلول الدين بموت المدين إذا وثقه الورثة

    قال: [ ولا يحل بموته إذا وثقه الورثة ].

    بمعنى: لو أن رجلاً مات وعليه دين، ولم يأت موعد التسديد بعد، فإنه لا يحل أجل الدين بموت المدين إذا وثقه الورثة، أي: إذا اعترفوا بالدين وأقروا به، وعليه فكون الورثة قد وثقوه، إذاً لا تركة إلا بعد سداد الدين، ويؤجل توزيع التركة إلى قضاء الدين، ويظل المدين في قبره مرهوناً بهذا الدين، وعليه فالأولى القضاء، وإن لم يوثق الورثة دين مورثهم حل الدين.

    قال: [ اختاره الخرقي ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ترك حقاً فلورثته)، والتأجيل حق له فينتقل إلى ورثته، ولأنه لا يحل به ماله فلا يحل به ما عليه كالجنون ].

    أي: إذا مات المدين وحقه أن يقضي في الوقت الفلاني، فإن هذا الحق ينتقل إلى الورثة؛ لأنه حق.

    قال: [ وعنه أنه يحل -يعني: يحل الأجل بالموت- لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث ضرر أيضاً لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم بتأخير حقه وربما تلفت التركة، وعلى الروايتين يتعلق الحق بالتركة كتعلق الأرش بالجاني، ويمنع الوارث التصرف فيها إلا برضا الغريم أو يوثق الحق بضمين مليء أو رهن يفي بالحق إن كان مؤجلاً فإنهم قد لا يكونوا أملياء فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق، وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها سقط الحق كما لو تلف الجاني ].

    بمعنى: لو أن رجلاً عليه دين (5000) جنيه لرجل آخر، ثم مات المدين والدين يستحقه الآخر بعد ستة أشهر من موت المدين، فهل يحل سداد هذا الدين بمجرد موت المدين أم لا؟

    روايتان عن أحمد : الرواية الأولى: أنه لا يحل إذا وثقه الورثة، والثانية: أنه يحل بموته، وهذا هو الراجح؛ لأن تأخير سداد الدين فيه ضرر على الميت؛ لكونه سيسأل عنه في قبره، وضرر على الدائن، لتأخير حقه، وربما تلفت التركة، وضرر على الورثة، لأنهم سيمنعون من التصرف في التركة حتى يقضى الدين، ولذا فالواجب على الورثة أن يقضوا الدين قبل أن يوزعوا التركة إلا في حالة واحدة، وهي: إذا تقدم ضامن مليء وقال: الدين علي إن لم يقضوا، فهنا الضامن غارم كما في حديث أبي داود: (الضامن غارم).

    للغريم أن يمنع المدين من السفر أو الغزو تطوعاً إلا أن يوثق الدين

    قال: [ فإن أراد سفراً يحل الدين قبل مدته، أو الغزو تطوعاً فلغريمه منعه إلا أن يوثقه ].

    بمعنى: لو أن رجلاً عليه دين يستحقه الآخر في الوقت الفلاني، وأراد المدين أن يسافر سفراً بعيداً، بحيث أن موعد سداد الدين سيأتي وهو مسافر، عند ذلك يحل الدين قبل مدته، وللدائن المطالبة بحقه قبل سفر المدين، لكن إن سافر المدين وسيعود في موعد السداد للدين، فلا يستطيع الدائن أن يمنعه من السفر؛ لأنه سيكون موجوداً وقت سداد الدين.

    قوله: [ أو الغزو تطوعاً فلغريمه منعه إلا أن يوثقه ]، أي: إلا أن يضمن الدين أحد الضامنين، فهنا يكون قد وثق الدين، ولذلك الضمان والحوالة والكفالة والرهن نسميها عقود التوثيق، واختار هنا المصنف: (الغزو تطوعاً)؛ لأن الغزو إذا كان فرض عين فلا يحق له أن يمنعه؛ لأنه سيمنعه عن فرض في هذه الحالة، وإنما الواجب عليه أن يذهب ويترك وصية بدينه في موعده، بل فأي أحد عليه دين يلزمه أن يترك وصية عند رأسه بذلك؛ لأن هذه حقوق يجب أن يؤديها.

    قال: [ برهن أو كفيل مليء لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره عن محله، وإن كان لا يحل قبله ففي منعه روايتان: إحداهما: له منعه، لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر، فملك منعه منه كالأول، والأخرى: ليس له أن يمنع؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال، ولا يعلم أن السفر مانع منه عند الحلول فأشبه السفر القصير ].

    بمعنى: إذا كان لفلان على آخر دين وسيستحقه بعد سنتين، وأراد المدين أن يسافر إلى السعودية لستة أشهر، إذاً فالدين سيحل بعد السفر، فهل يحق له أن يمنعه من السفر أم لا؟

    روايتان عن أحمد : الرواية الأولى: أنه يحق له؛ لأن المسافر لا يدري متى يرجع؟ وقد يموت هناك، أو أنه بعد أن ذهب رأى أن يجدد المدة، فمنعته السلطات أن يعود في الموعد المحدد، وهذا كله وارد.

    الرواية الثانية: ليس له أن يمنعه؛ لأن الموعد سيأتي في الحال.

    والراجح: المنع؛ لأن المسافر لا يملك العودة، ولا يعرف متى سيعود؟ حتى وإن حدد الموعد فموعده في علم الله سبحانه وتعالى، أما أنه لو وثق بضامن أو كفيل فهذه مسألة أخرى.

    وجوب إنظار المعسر

    قال: [ وإن كان الدين حالاً على معسر وجب إنظاره ].

    أي: لو أن لفلان على فلان (5000) في شهر 6، ثم جاء شهر 6 فقال: إنه معسر، فالواجب أن يمهل الدائن المدين؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، وليس الإمهال معناه: أن يكون مليئاً ويقول: أنا معسر، ولابد أن تكون المهلة دون زيادة في المبلغ، وإلا فذلك هو عين الربا.

    قال: [ يعني: ولا يحبس؛ لأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (لي الواجد -مماطلة المليء- يحل عقوبته) ]، أي: مماطلة الغني ظلم، [ أما غير الواجد فلا تحل عقوبته، ولأن حبسه لا يفيد صاحب الدين، وإنما هو محض ضرر في حق المدين، وقد قال عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار) ].

    أي: أنه إن جاء الأجل المحدد لسداد الدين والمدين معسر، فما الذي يستفيده الدائن من حبس المدين؟ لاشك أن ذلك ضرر محض في حق المدين.

    وهنا مسألة فقهية وهي: أن وزارة الداخلية بفتوى الشيخ فريد واصل سمحت للمساجين بأن يعاشروا زوجاتهم في السجن، فهل يجوز هذا أم لا؟ هذه مسألة يجري فيها البحث، أي: أن المعتقل تذهب إليه زوجته فيعاشرها معاشرة الأزواج داخل السجن في مكان مخصص، والسجن هو عليه لا على زوجته، وبالتالي فما ذنب الزوجة أن تعيش سنوات بدون زوج؟ إن هذا يعرضها للفتنة، لكن فتوى الشيخ فريد واصل قد أخذت بها وزارة الداخلية الآن.

    حكم ادعاء المدين الإعسار وإقسامه على ذلك

    قال: [ وإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله ].

    أي: أنه إن شك الدائن في عسر المدين من عدمه، فله أن يحلفه ثم يخلي سبيله.

    قال: [ لأن الأصل الإعسار إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يُقبل قوله إلا ببينة ]، أي: أن الأصل في حق المدين الإعسار، إلا أن يعرف له مال قبل ذلك، ففي هذه الحالة لا يقبل قوله بالإعسار إلا ببينة، وأن المال الذي في حوزته -مثلاً- ليس ملكاً له.

    قال: [ لأن الأصل بقاء المال، ويُحبس حتى يقيم البينة على نفاد ماله وإعساره، وعليه اليمين مع البينة أنه معسر؛ لأنه صار بهذه البينة كمن لم يُعرف له مال ].

    حبس المدين الموسر وبيع ممتلكاته حتى يوفي بدينه

    قال: [ وإن كان موسراً لزمه وفاؤه، لقوله عليه الصلاة والسلام في البخاري : (مطل الغني ظلم) ]، أي: إذا كان لفلان على فلان (1000) جنيه، وأخذ المدين يماطل وهو غني، فهذا ظلم.

    قال: [ فإن أبى حُبس حتى يوفيه ]، أي: إن أبى المدين أن يوفي بالدين فإنه يُحبس حتى يوفي بدينه، فإن وفى خرج.

    قال: [ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) من المسند، فإن أصر ]، أي: على عدم السداد وهو موسر، فللحاكم أن يبيع عقاراته أو ممتلكاته ويقضي دينه، ولذلك قال المصنف: [ فإن أصر باع الحاكم ما له وقضى دينه؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: ألا إن أسيفع جهينة ] رجل كان يعمل أجيراً، [ رضي من دينه أن يقال: سبق الحاج، فادان مغرماً، فمن له مال فليحضر، فإنا بائعوا ماله وقاسموه بين غرمائه ].

    لكن إن باع الحاكم ماله فلا يبيعه كله، وإنما يبيع ما يفي بالدين فقط، وألا يبيعها بثمن بخس، بل بثمن المثل، ثم بعد ذلك يترك الرجل.

    الحجر على المدين إن كان ماله لا يفي بدينه وسأل ذلك الغرماء

    قال: [ وإن كان ماله لا يفي بدينه كله فسأل غرماؤه الحجر عليه لزمه إجابتهم ].

    أي: إن كان ماله لا يفي بالدين، كأن يكون مديناً بخمسين ألف جنيه، وكل ممتلكاته تساوي فقط عشرة آلاف جنيه، وطلب الغرماء الدائنون الحجر عليه، فلولي الأمر أن يحجر عليه.

    قال: [ لما روى كعب بن مالك : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله) رواه الخلال ، ولأن فيه دفعاً للضرر عن الغرماء فلزم ذلك لقضائهم ].

    عدم جواز تصرف المدين وقبول إقراره في ماله بعد الحجر

    قال: [وإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله، لا بيع ولا هبة ولا وقف ولا غير ذلك؛ لأنه حجر ثبت بالحكم فمنع تصرفه كالحجر للسفه ].

    قال: [ ولا يقبل إقراره على ماله لذلك ]، أي: طالما أنه محجور عليه فلا نأخذ منه كلاماً بالنسبة لماله، وإنما نحن الذين نتتبع المال، فنبيع ونحصر الممتلكات.

    تولي الحاكم بيع مال المدين وقسمته بين الغرماء

    قال: [ ويتولى الحاكم قضاء دينه، فيبيع ما يمكن بيعه، ويقسّم بين غرمائه؛ لأن ذلك هو المقصود بالحجر ].

    الغرماء في المحاسبة نسميها: قسمة الغرماء، ومعناها أن هذا الأخ وهذا وهذا..، لهم عشرة آلاف جنيه عند رجل كل ماله خمسة آلاف، إذاً نشاركهم في الخمسة آلاف نوزعها بينهم على حسب نسب دينهم، فكل يأخذ بقدر ماله، وتسمى قسمة الغرماء.

    البدء بالأخذ من مال المدين لمن له أرش جناية عليه

    قال: [ ويبدأ بمن له أرش جناية ]، أي: دية، فمثلاً: لو أن رجلاً مديناً فقأ عين رجل آخر، فهنا لا بد أن نبدأ بالديات في الحقوق، ثم الديون بعد ذلك.

    قال: [ من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من ثمنه أو أرش جنايته، وما فضل رد إلى الغرماء ].

    بمعنى: لو أن رجلاً مديناً وعنده عبد جنى عليه، كأن جدع أنفه، أو أسقط له ضرساً، ثم قُدّر هذا الضرس مثلاً في الفقه بخمسين ألف جنيه، فإن وضع في السجن وكان موسراً، ثم بيعت ممتلكاته، وكان ثمن العبد -مثلاً- عشرين ألفاً، فإننا نعطيه أقل الأمرين: إما سعره، أو أرش الجناية، ولا نعطيه أكثر من سعره.

    قال: [ ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه ].

    بمعنى: لو أن هناك رجلاً دائناً، والمدين موسر، ومع الدائن رهن، والرهن بألف جنيه وله ألفا جنيه، فنعطيه ألف جنيه وهو أقل الأمرين: ماله أو قيمة الرهن، فأنا الآن بعت الممتلكات وأوفي الديون أنا ولي الأمر لموسر في السجن، فأقول: نفترض أن هذا الرهن بألفي جنيه، وأنا عليّ ألف، فنعطي ولي الأمر الألف وهو الأقل، إذاً: يعطيه إما قيمة الرهن وإما قيمة الدين أيهما أقل؛ لأن هذه قسمة غرماء فلا يجوز أن أُعطى أكثر من حقي.

    قال: [ لأن ذلك مقدم على حق الغرماء ]، يعني: أن الرهن مقدم على حق الغرماء، [ لأن حقه تعين في الرهن، وإن بقي منه بقية ردها إلى الغرماء، وله أسوة الغرماء في بقية دينه، يعني: صاحب الرهن، وإن لم يف ثمن الرهن بدينه شارك الغرماء في بقية دينه ]، أي: أن الذي له رهن يأخذ القيمة الأقل، والباقي هو شريك مع الغرماء، كأن يأخذ ألف جنيه من قيمة الرهن، وهو شريك مع الغرماء في الألف الجنيه الأخرى، وذلك إن كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين.

    حكم من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس

    قال رحمه الله تعالى: [ ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه فهو أحق به].

    والمعنى: لو أن رجلاً مديناً لك ولغيرك بمبلغ من المال ثم أفلس، فللحاكم -إذا ماطل الرجل في السداد- أن يحبسه ويبيع ممتلكاته، ثم يوفي الديون بقسمة الغرماء وحسب سعر الممتلكات.

    ثم هب أن رجلاً أعطى آخر حقيبة بألف جنيه، والحقيبة هذه لا تزال عنده كما هي، إذاً فهو صاحب الحق، فإذا أراد الحاكم أن يبيع ممتلكات هذا المفلس فللرجل أن يسترد حقيبته هذه، ولذا قال المصنف:

    [ من وجد متاعه الذي باعه بعينه فهو أحق به]، أي: أنه يسترد متاعه الذي عند المفلس، لأنه أحق به.

    لكن؛ متى يسترد الدائن المتاع؟ أي: متى يسترد الدائن السلعة التي باعها للمدين، مع العلم أنها لا زالت عنده كما هي لم تتغير، وهو قد أفلس؟

    الجواب: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به)، متفق عليه، ولا يكون أحق به إلا بشروط: أحدها: أن تكون بحالها سالمة لم يتلف بعضها، فإن تلف بعضها أو باعه المفلس أو وهبه أو وقفه فله أسوة الغرماء، لقوله عليه السلام: (من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به)، والذي تلف بعضه لم يوجد بعينه ]، أي: أن يوجد المتاع كما هو بعينه لم يتصرف فيه المدين، كأن وقفه أو وهبه أو باع بعضه أو قطع بعضه أو أتلف بعضه أو استخدم بعضه، فلابد أن يوجد المتاع كما هو لم يتصرف فيه بأي تصرف على الإطلاق.

    قال: [ الشرط الثاني: أن لا يزيد زيادة متصلة -هذه مسألة خلافية- كالسِّمن، والكبر، وتعلم صنعة، فإن وجد ذلك منع الرجوع؛ لأنه فسخ بسبب حادث فمنعته الزيادة المتصلة كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول ]، أي: لو أن رجلاً أعطى آخر خروفاً بتسعمائة جنيه بالآجل، ثم أفلس هذا المشتري أو المدين والخروف لازال عنده، لكنه قد أعلف هذا الخروف حتى كبر وسمن، فما حكم رد المتاع في هذه الحالة؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد : الرواية الأولى: الرد، والفرق للمفلس، أي: أن الخروف يوم أن اشتراه كان بتسعمائة جنيه، والآن سعره 1500 جنيه، فيرد المتاع (الخروف) مع ستمائة جنيه للمفلس؛ لأن هذه الزيادة من حقه، والخراج بالضمان، والمشتري ضامن للسلعة بالثمن الذي اشتراها به، وهذا في حال الزيادة المتصلة، وأما الزيادة المنفصلة فلا مشكلة فيها، كأن ينتج عن هذا الخروف خروفاً آخر، وإنما المشكلة هي الزيادة المتصلة؛ لأنها ترتبط بذات المتاع، كأن يعطيه رجل آخر عبداً أمياً لا يجيد القراءة ولا الكتابة، ثم تعلم عند هذا المفلس القراءة فحينما يسترد هذا الدائن متاعه يسترده والفرق للمفلس، وهذه هي الرواية الأولى عن أحمد والرواية الثانية: عدم الرد في حالة الزيادة المتصلة.

    قال: [ وعنه: أن الزيادة لا تمنع الرجوع للخبر؛ ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة كالرد بالعيب، فأما الزيادة المتصلة فلا تمنع الرجوع؛ لأنه يملك الرجوع في العين دونها، والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب ].

    قال: [ الشرط الثالث: أن لا يكون البائع أخذ من ثمنها شيئاً، فإن قبض بعضه فلا رجوع له؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما رجل باع سلعته فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قد قبض من ثمنها شيئاً فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء) ]، أي: إن قبض الدائن أو البائع بعض الثمن فلا حق له في استرداد متاعه عند بيع الحاكم لمال المفلس، كأن يأخذ مقدماً مائتين من الجنيهات عند بيعه للمتاع، والباقي في وقت آخر، فلا يجوز له أن يسترد عين المتاع، وإنما يسترد القيمة أسوة الغرماء.

    قال: [ الشرط الرابع: أن لا يتعلق بها حق غير حق المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع؛ لأنه تعلق به حق غيره أشبه ما لو أعتقها ]، أي: أن لا يتعلق بها حق غير حق المفلس، بمعنى: بعد أن انتقلت ملكية السلعة إلى المدين تصرف فيها، مثلاً: شارك فيها، أو قال لآخر: الحقيبة هذه ملكي اشتريتها بالأجل هل تأخذ نصفها؟ فاشترى نصفها، فأصبحت الآن الحقيبة فيها شركاء متشاكسون، أو وهبها أي شخص آخر، أو أوقفها أو تصرف فيها أي تصرف يترتب عليه حقوق أخرى، هذه الحقوق الأخرى لا يجوز معها رد هذه الحقيبة بعد ذلك.

    قال: [ الشرط الخامس: أن يكون المفلس حياً، فإن مات فله أسوة الغرماء، رواه أبو داود ، ولأن الملك انتقل عن المفلس فأشبه ما لو باعه ]، أي: إن المفلس صاحب الدين يشترك مع الغرماء في توزيع الدين، وليس له حق رد المتاع.

    قسمة المال الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم

    قال: [ ويقسم الباقي بين الغرماء ]، أي: يقسم الباقي بين الغرماء (الدائنون) قسمة غرماء، فلو أن رجلاً اسمه (زيد) استدان من عمرو (25.000)، ومن علي (10.000)، ومن بكر (15.000)، ومن خالد (50.000) فيكون مجموع ما على زيد لهؤلاء الدائنين (100.000)، فأفلس زيد وباع الحاكم ماله فبلغ (50.000)، فيعطي خالداً النصف، أي: (25.000)، ويعطي عمراً نصف الباقي، أي (12.500)، ويعطي بكراً (7.500)، ويعطى علياً الباقي، أي (5.000)، وهذه تسمى قسمة غرماء، بحيث ننظر كم نسبة المبلغ الأصلي من نسبة المال الذي باعه الحاكم ثم نضربه في ما لكل واحد من الدائنين.

    النفقة على المفلس ومن تلزمه نفقته حتى يفرغ من تقسيم ماله

    قال: [ وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة ]، أي: لو أن ولي الأمر جاء إلى رجل مفلس وباع ممتلكاته -ومعلوم أن بيع الممتلكات لن يتم بين عشية وضحاها، وإنما سيتم في زمن لا بأس به، والمفلس هذا له زوجة وأولاد يحتاج إلى من ينفق عليهم- فينفق عليه ولي الأمر وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة.

    قال: [ وذلك أنه إذا حجر عليه ]، والحجر هو: منع التصرف في الملك؛ لأنه ربما قد يكون سفيهاً أو مديوناً للآخرين.

    ثم قال: [ فإن كان ذا كسب يفي بنفقته ونفقة من تلزمه نفقته فنفقته في كسبه ]، والمعنى: هب أن هذا الرجل المديون المفلس يعمل بأجر يومي أربعين جنيهاً، إذاً فعمله يفي بنفقته ونفقة من يعول، ولذا فلا ينفق عليه الحاكم، لأن له عمل يتكسب منه.

    قال: [ لأنه لا حاجة إلى إخراج ماله وهو يكسب ما ينفقه؛ ولأنه مستغن بكسبه عن ماله، فلم يجز أخذ ماله كما لم يجز أخذ زيادة عن النفقة، وإن كان كسبه دون نفقته كملناها من ماله ]، أي: إن كان أجره في اليوم عشرين جنيهاً وينفق في اليوم أربعين جنيهاً، فنكمل نفقته من ماله ونعطيه عشرين أخرى من ماله؛ حتى ينفق على نفسه وعلى من يعول.

    قال: [ وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله في مدة الحجر وإن طالت؛ لأن ملكه قبل القسمة باقٍ وقد قال عليه السلام: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) ]، فتأمل الشريعة الإسلامية وهي تدعو إلى أن ننفق على المديون المفلس إلى أن ننتهي من بيع ماله، لذا كان لابد على ولي الأمر أن يضمن حد الكفاف لكل فرد في المجتمع، فيوفر لكل واحد في المجتمع مسكناً ودابة ومأكلاً ومشرباً، لأنه مسئول أمام الله عز وجل عن ذلك، فهذا عمر بن عبد العزيز جمع الزكاة ثم زوج الشباب، لأنه عرف أنه مسئول أمام الله عز وجل، وعليه فحينما يحكم الإسلام يعم الخير ويسود الرخاء، حتى المديون المفلس -كما ذكرنا- حينما أبيع ما يتملكه لا بد من أن أنفق عليه طيلة مدة البيع وإن طالت.

    وحديث: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) حديث عظيم جداً؛ لأن بعض الناس هداهم الله قد يأكل المشوي ويأتي إلى بيته بالفول والطعمية للزوجة وللأبناء! فهذا رجل لا يعرف كيف يوفي الحقوق أو حق الله عز وجل في زوجته وأولاده، والآخر قد يسافر إلى مكان آخر ويأتي بذهب يساوي ستة آلاف جنيه، وزوجته ربما قد تأخذ ملابس من جيرانها وهو يلبس أحسن الملابس! وهذا موجود يا عبد الله في كثير من البيوت، لذا خير الدراهم درهم ينفقه الرجل على أهله، والصدقة على الأقارب صدقة وصلة رحم.

    قال: [ ومعلوم أن فيمن يعوله من تجب عليه نفقته وتكون ديناً عليه وهي الزوجة، فإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة فكذلك على حق الغرماء ] ولأن الحي آكد حرمة من الميت؛ لأنه مضمون بالإتلاف، [وتقديم تجهيز الميت ومؤنته على دينه ]، يعني: إن مات المديون أو المفلس فتجهيزه وتكفينه يكون على دينه، باعتباره نفقة تجب للميت، وهذا تعليل عند المصنف في قوله هذا.

    وجوب الحق من عدمه للمفلس بشاهد

    قال: [ وإن وجب له حق -أي: للمفلس حق عند فلان- بشاهد فأبى أن يحلف لم يكن لغرمائه أن يحلفوا ] كالزوجة إذا طلقها زوجها وتريد أن نحدد لها نفقة، ففي هذه الحالة ننظر إلى دخل الزوج، فإن قالت الزوجة: أقسم بالله أنه يحصل على ألفين من الجنيهات شهرياً. فلا نأخذ بيمينها؛ لأنها صاحبة مصلحة، وصاحب المصلحة لا يؤخذ برأيه ولا بيمينه، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وذلك أن المفلس في الدعوى كغيره، فإذا ادعى حقاً له شاهد عدل وحلف مع شاهده ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء ]، أي: أن المفلس هو الذي يقول: معي ألف جنيه وعندي شاهد على ذلك، ويحلف المفلس والشاهد، عند ذلك يثبت المال وتتعلق به حقوق الغرماء.

    قال: [ وإن امتنع -أي: المدين عن الحلف- لم يجبر، لأنه قد لا يعلم صدق الشاهد، وقد يعلم كذبه، ولا يملك الغرماء أن يحلفوا مع الشاهد؛ لأنهم يثبتون ملكاً لغيرهم تتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز كما لم يجز لزوجته أن تحلف لإثبات ملك زوجها لتتعلق نفقتها به، وفارق الورثة؛ لأنهم يثبتون ملكاً لأنفسهم إذا حلفوا بعد موت مورثهم ].

    1.   

    الأسئلة

    حكم الزيادة على أصل الدين

    السؤال: والدي أخذ من المصلحة التي يعمل بها قرضاً مقداره (3000) جنيه وسددها (3500) جنيه، فما حكم هذا؟

    الجواب: هذا هو الربا بعينه، والله تعالى أعلم.

    حكم الضمان على من أراد قرضاً من البنك

    السؤال: هل يجوز أن أكون ضامناً لزميل يريد أن يأخذ قرضاً من البنك؟

    الجواب: هذه مصيبة؛ لأنه أولاً: يضمن على معسر، ثانياً: أنه يضمن رباً، ثالثاً: أنه يجازف بدخله لأجل رباً.

    وقد جاءني أخ كريم منذ شهر عنده شلل في قدميه وفي يديه وهو يبكي، مع أنه يعمل في مصلحة حكومية، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أنا ضامن على رجل قد هرب من البلاد، وكذلك الضامن الذي معي أيضاً قد هرب وفُصل من عمله، ولم يبق إلا أنا، ومرتبي بالكامل محجوز عليه منذ خمس سنوات، وأنا متزوج وأعول أربعة، ولا أقدر على العمل فماذا أفعل؟ فقلت له: ما الذي جعلك تضمن رباً في بنك؟

    فيا عبد الله! اتق الله، فإن هذه مساعدة على الإثم والعدوان، ومعاونة على الربا وأكل الحرام، فلا تضمن في قرض ربوي أبداً.

    بيان متى تستحق الزوجة مؤخر الصداق

    السؤال: متى تستحق الزوجة مؤخر الصداق؟

    الجواب: تستحق الزوجة مؤخر الصداق بأحد هذه الآجال الثلاثة:

    الأول: مطالبة الزوجة.

    الثاني: الطلاق.

    الثالث: الموت، أي: عند موت الزوج يصبح مؤخر الصداق ديناً في التركة.