إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحمن صالح المحمود
  4. خصائص أهل السنة والجماعة في السلوك والأخلاق

خصائص أهل السنة والجماعة في السلوك والأخلاقللشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للأخلاق في ديننا الإسلامي منزلة رفيعة، ومكانة كريمة، فقد بعث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، فكان صلى الله عليه وسلم في ذلك هو القدوة العظمى والأسوة الحسنة، ويكفيه في ذلك شهادة ربه سبحانه وتعالى. ثم جاء صحابته من بعده فضربوا في ذلك بسهم وافر، ونهلوا من ذلك حتى ضربوا بعطن، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. والأخلاق أصل معاملة المؤمن مع ربه، وهي الرابطة المتينة بينه وبين إخوانه، وهي خير أسلوب يدعى به غير المسلمين من الملل الأخرى، فكم من أمة أسلمت بسبب حسن الخلق، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

    1.   

    أهمية السلوك والأخلاق في الإنسان المسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى وحسن الأخلاق. بعون الله تعالى وتوفيقه سنعرض لبعض الخصائص التي يتميز بها المسلم في باب الأخلاق وفي باب السلوك. وتعلم -أخي الكريم- أهمية موضوع الأخلاق والسلوك في الحياة، وأهميته بالنسبة للمسلم خاصة، وبالنسبة للداعية إلى الله بشكل أخص؛ لأن الأخلاق والسلوك في حياة الإنسان المسلم أصل علاقته بربه، وأصل علاقته بأهل بيته، وأصل علاقته بالمؤمنين من حوله، وأصل علاقته بغير المؤمنين من الأمم الأخرى، وكم من خلق تمسك به صاحبه رفعه الله سبحانه وتعالى به درجات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم). كم من خلق يرتفع بصاحبه ليكون في منازل عليا عند الله سبحانه وتعالى! وكم من صفة تميز بها المؤمن كانت سبباً في هداية شخص أو أمة، وهكذا. فالأخلاق لها أهميتها، ومن ثم جاءت هذه الكلمات التوجيهية -أسأل الله أن يثيب الجميع عليها- جاءت لتبين أصول الأخلاق، ولتبين أيضاً ما يضاد الأخلاق الإسلامية من الصفات التي يجب أن يتنزه عنها المؤمن.

    1.   

    خصائص أهل السنة في السلوك والأخلاق

    هناك بعض الملحوظات حول هذا العنوان: الأولى: أننا حينما نقول: (خصائص) فإن المقصود بها الصفات الجامعة التي يتميز بها المؤمن، ولا نقصد بذلك استيعاب مسائل الأخلاق المتعددة التي تكلم عنها العلماء وألفوا فيها تآليف متعددة. الثانية: أننا حينما نقول (أهل السنة) لا نقصد بذلك أن هذه الخصائص إنما يختص بها فئة معينة، وإنما المقصود أن هذه الخصائص تميز بها أعلام أهل السنة وأئمتها، وإلا فكل مؤمن ومؤمنة وكل مسلم ومسلمة سار على الدرب الصحيح اعتقاداً على مذهب أهل السنة والجماعة أخلاقاً وسلوكاً وكان متبعاً في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه من أهل السنة، ومن ثم فحينما نطلق أهل السنة أو حينما نطلق صفات المؤمن فالغاية منهما واحدة، ولكننا نشير إلى خصائص أهل السنة، أي: الصفات التي تميز بها أئمة أهل السنة ودعاتها والمنافحون عنها رحمهم الله تعالى، وجعلنا ممن يسلك سبيلهم ويقتفي أثرهم. الثالثة: العنوان فيه: (في السلوك والأخلاق)، وهذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السلوك والأخلاق بينهما تداخل، فإذا أطلق السلوك لوحده، فقيل: فلان سلوكه حسن دخلت فيه الأخلاق، كذلك أيضاً الأخلاق أو الخلق لوحده إذا أطلق وقيل: فلان خلقه حسن دخل فيه السلوك، وإذا جمع أحدهما مع الآخر فإن السلوك يكون أعم من الخلق؛ لأن الأخلاق صفات يتخلق بها الإنسان فهي خلق له، ولكن السلوك يشمل جوانب الأخلاق ويشمل الأمور الأخرى في طبيعة حياة الإنسان قد يقال: إنها لا تدخل في باب الأخلاق.

    1.   

    مناهج المنحرفين في تحديد السلوك والأخلاق

    كثيراً ما نقرأ في الساحة كتباً تتحدث عن الأخلاق، وهذه الكتب التي تتحدث عن الأخلاق كتب متنوعة مختلفة المشارب، فأيها يوافق منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب؟ هذا الذي أردنا بيانه هنا؛ لأن هناك عدة مسالك ومناهج في باب الأخلاق تخالف منهج أهل السنة والجماعة، ومنها المنهج الفلسفي. والمنهج الفلسفي هو الذي يربط الخلق برابطة عقلية أو مادية بحتة، فتجدهم أحياناً يجعلون مناط الأخلاق حسنها وسيئها هو العقل، وهذا تحكم، بينما منهج أهل السنة والجماعة في الأخلاق أن يجعلوا مناطها هو الشرع، وصحيح أن الشرع لا يمكن أن يخالف العقل الصحيح السليم. تجد بعض المناهج يجعل غاية الخلق هو اللذة، وهذه مناهج عقلية موجودة، وهناك دعاة لها من أصحاب الإباحية وغيرهم. وهناك من يرى أن عماد الخلق هو المنفعة، وهذه هي أخلاق الغربيين الآن. هذه الأخلاق لا تقوم على مبدأ الدين وإنما تقوم على المنفعة، ومن العجيب أن كثيراً منا يعجب بما يتصفون به من صفة الصدق في بيعهم وشرائهم، ولكنهم يجهلون أن هذه الصفة إنما هي صفة مادية بحتة، يريد أصحابها منها منفعة عاجلة، فهو يريد أن يكون صادقاً حتى يربح أكثر؛ لأنه يعلم أنه لو كذب لفضح ولبارت تجارته. وهناك منهج آخر منحرف وهو المنهج الصوفي الذي يريد أن يربي الإنسان على الانقطاع عن هذه الحياة، وذلك من خلال ما يريد أن يصل إليه من جلب أو كسب صوفي أو غير ذلك، ويظن أصحاب هذا الخلق أن عماد الأخلاق أن تنقطع عن هذه الحياة فلا تختلط بالناس ولا تدعو إلى الله، ولا تكون ممن يعمر هذا الكون كما أمر الله سبحانه وتعالى عمراناً فيه نصرة للمؤمنين وقوة ودافع لهم للجهاد في سبيل الله ولدعوة الناس إلى دين الله، بل يريد أن يحصرهم في هذا النطاق الضيق. إذاً هذا منهج منحرف، ومن أجل ذلك كان لا بد أن نبين المنهج الإسلامي ومنهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى في هذا الباب الذي هو باب الأخلاق والسلوك.

    1.   

    اهتمام أهل السنة والجماعة ببيان الأخلاق وأهميتها

    القضية الثالثة: هي مسألة مدى اهتمام أهل السنة والجماعة في بيان هذه الأخلاق وأهميتها، وهذا جزء أصيل من منهجهم. فأهل السنة والجماعة -وعلى رأسهم القائد القدوة رسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه من بعده، ثم التابعون لهم- بينوا لنا هذه الأخلاق وشرحوها. ومن هنا فإن عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتت بكلمة جامعة، ما قالت: كان خلقه الصدق، وخلقه الحياء، وخلقه الشجاعة. لا، بل أرجعتهم إلى مصدر أصيل في الأخلاق، فقالت: (كان خلقه القرآن)عليه الصلاة والسلام. إذاً -معنى ذلك أن من أراد أن يبحث عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتمسك بالقرآن فسيجد فيه تفصيلاً لأخلاقه صلى الله عليه وسلم، ومن ثم ليقتد بها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان مثال الخلق الرفيع عليه الصلاة والسلام. لقد دون أهل العلم وأهل الحديث رحمهم الله تعالى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مما دونوه واهتموا به بيان الأخلاق والسلوك. لقد دونوا العقائد، ودونوا الأحكام الشرعية، ودونوا أيضاً الأخلاق والسلوك وبوبوها وفصلوها، وذكروا فيها الأحاديث والروايات الواردة، وانظر إلى أي كتاب من كتب السنة، فإنك ستجد تلك الأبواب مخصصةً لبيان الفضائل والأخلاق. فـالبخاري رحمه الله تعالى في صحيحه كتاب اسمه (كتاب الأدب)، وكتاب اسمه (كتاب الرقائق)، وكتاب اسمه: (الزهد)، بل إنه رحمه الله تعالى ألف كتاباً منفرداً لم يحصره في الصحيح سماه (كتاب الأدب المفرد). وسمي (المفرد) لأنه أفرد عن صحيح البخاري ، وهذا اهتمام منه رحمه الله تعالى بهذه القضية المهمة؛ لأنها أساسية في حياة المؤمن، وفي حياة الداعية، وفي حياة واعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً الإمام مسلم وأصحاب السنن رحمهم الله تعالى، ومن جمع في هذا الباب سواء على طريقة تبويب الأبواب كـالبخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة، أو على طريقة المسانيد والمعاجم كالإمام أحمد والطبراني وغيرهما فإنهم يذكرون في ثنايا معاجمهم ومسانيدهم الأحاديث الدالة على الفضائل. وهكذا اهتم العلماء في بيان هذا وألفوا كتباً مفردة في الآداب والزهد والرقائق وغير ذلك، بينوا ما يجب على المؤمن من خلق، ونحن يجب أن نعلم أننا لا نتحدث عن تفاصيل الأخلاق حديثاً مفصلاً، وإنما نذكر كيف كان أهل السنة والجماعة يؤصلون هذه الأخلاق ويبينونها، بل إن ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى -وهو من علماء الحديث المشهورين- جمع أجزاءً حديثيةً تزيد على مائتي جزء، وهذه الأجزاء تجدها في الغالب أحاديث في باب الأخلاق، جزء في باب التواضع، وجزء في باب الصمت، وجزء في باب الصحبة، وجزء في باب الصدق، وجزء في باب التزكية، وهكذا، وجمع فيها بين الأحاديث المرفوعة وبين الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان فيما يرويه من الروايات المسندة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مظنة الضعف ويحتاج إلى تحقيق وتمحيص حديثي.

    1.   

    أصول الأخلاق التي يتميز بها المؤمنون

    نحن نعلم جميعاً أن الإنسان إذا نظر في تاريخ السلف رحمهم الله تعالى وفي أحوالهم وتعاملهم وآثارهم يجدهم قد تخلقوا بأخلاق وتأدبوا بآداب كانت تلك الأخلاق والآداب سبباً في محبة الناس لهم وتأثيرهم في الناس وشيوع ذكرهم في الخير، وكانت سبباً في نشر دين الله، وفي مجاهدة المبطلين والمنحرفين؛ لأن أخلاقهم كانت أخلاقاً إسلامية مبنية على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأخلاق التي بنيت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم جعلتهم على هذه الحالة وعلى هذه الصفة من التأثير والاشتهار بالذكر بالخير عند الناس، ولم يقتصر الأمر على هذا بل صاروا يؤثرون على غيرهم وهم في قبورهم. يقرأ الإنسان قصة وموقف إمام من الأئمة، فإذا ما قرأها وتبينها تأثر بها، وربما دمعت عيناه، هذا التأثر وهم في قبورهم إنما منبعه ما كان عندهم من خلق، كانوا صادقين فيه فيما بينهم وبين الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأسس التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام

    إن أخلاق السلف رحمهم الله تعالى وأخلاق كل مؤمن يحب أن يسير على منهاجهم تقوم على أسس:

    الإيمان بالله تعالى من الأسس التي تقوم عليها الأخلاق

    الأساس الأول: الإيمان بالله. وهذا أساس مهم جداً؛ لأن أي خلق يتمسك به الإنسان ويتخلق به لا يكون مبنياً على الإيمان فإن هذا الخلق لن ينفع صاحبه، وإن نفعه فسيكون نفعه عاجلاً لا آجلاً، كأخلاق الكفار، فإن الله تعالى يقول عنهم: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]. والنبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: (الرجل يقاتل حميةً، ويقاتل لأن يرى مكانه، ويقاتل للمغنم، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) انظر إلى الفرق! ذاك شجاع خاض المعركة وتحدثت عنه وسائل الإعلام وسطرت الكتب تاريخ قيادته وشجاعته، ولكنه خلق جاء من كافر، وأي عمل وأي خلق لا يكون مبنياً على الإيمان بالله والإخلاص له فإنما هو خلق لا ثمرة له في الدار الآخرة، ولا تأثير فيه إلا ذلك التأثير النفعي العاجل، وهكذا في بقية الأخلاق التي قد يتخلق بها غير المؤمنين، لكن المؤمنون يتخلقون بأخلاق بنيت على أساس الإيمان بالله، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب المربوط بالله إيماناً به وإخلاصاً وتصديقاً له لا بد أن يؤدي بالإنسان إلى أن يمتثل في جوارحه ولسانه ورجله ويده، وكل ما يمكن أن يتصرف به يمتثل به على منهاج واضح؛ لأنه يقصد بذلك وجه الله تعالى، وهذا هو الفارق الأصيل بين أخلاق الكفار وأخلاق المؤمنين، وهذا هو الفارق الأصيل بين خلق المؤمن المتمسك بدينه وبين ذلك المنحرف الذي قد يتخلق بخلق لكن لا يقصد به وجه الله تعالى.

    النية من الأسس التي تقوم عليها الأخلاق

    الأساس الثاني: النية. بمعنى أن الإنسان وهو يتخلق بالخلق ويعامل الآخرين أو يقول أو يفعل أو يتصرف أو ينفق أو يجاهد أو يسافر أو يفعل أي شيء تجد عمله هذا مربوطاً بالنية، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولهذا تجد السلف رحمهم الله تعالى كان الواحد منهم إذا فجأه الأمر لا يفعله بسرعة، وإنما يقول: دعني قليلاً لأنوي. هذا هو الفارق بين أخلاق المؤمنين الذين يقصدون بأعمالهم وجه الله تعالى وبين غيرهم، الفارق هو تلك النية. تجد الكافر ينفق على أولاده، وينفق على من تجب نفقته عليه من أقاربه، تجده قد يحسن إلى الناس، وقد يفعل الخير، لكنك تجد هذه الأعمال التي يفعلها بغير نية لا يكتب له شيء من أجرها. وكذلك أيضاً من عمل من المؤمنين عملاً بغير نية، أو قصد به غير وجه الله تعالى فإنه لا يُقبل منه، ويُرد على صاحبه، لكن المؤمن هو الذي إذا أعطى وإذا منع وإذا قال وإذا تصدق يقصد بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، ولذلك نجد أن المؤمن إن سار أو مشى أو فعل يستشعر أن أفعاله كلها يؤجر عليها؛ لأنه يقصد بها وجه الله. ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من الصدقة ما تضعه في في امرأتك، ومعنى هذا أن هذه النفقة الواجبة عليك إذا نويت بها تؤجر عليها.

    ارتباط الخلق بدليل الوحي

    الأساس الثالث: أن الخلق مربوط بالدليل من الكتاب والسنة، وهذه ميزة مهمة جداً. تجد المؤمنين الصادقين المتبعين دائماً يسأل عن الدليل، هل فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل أمر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل ورد هذا في القرآن العظيم؟ المؤمن يتبع، ويجتنب كل ما نهي عنه، ولا يأتي ويجعل الأخلاق مبنية على عادات الناس وما يهواه الناس وما تهواه القبيلة والمجتمع. وإنما يجعل مناط أخلاقه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولقد كان أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم والأئمة من بعدهم في أخلاقهم وسلوكهم يبحثون دائماً عن الدليل في تفاصيل الخلق من كل جوانبه، سواء منها ما يتعلق بأمور عظمى كمهمة الوالي والإمام وقائد الجهاد في سبيل الله، أو ما يتعلق بأقل القليل كمعاملة الإنسان لخادمه أو أولاده أو غير ذلك. هذه هي الأسس الثلاثة التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام.

    1.   

    أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم والأئمة من أهل السنة

    نأتي بعد ذلك إلى أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم، وتميز بها الأئمة من أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وأحب أن أنبه إلى أن هذه الصفات البارزة إنما اخترناها لأهميتها أولاً، ولكونها أخلاقاً جامعة ثانياً، ولحاجة المؤمنين والمسلمين الذين يحبون أن يتبعوا أولئك الأئمة في أخلاقهم ثالثاً، مع العلم أن هذه الأخلاق قد يدخل بعضها في بعض، وسأشير إليها باختصار. والنصوص الدالة على الصدق كثيرة جداً في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر الله تبارك وتعالى قصة الثلاثة الذين خلفوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من غزوة تبوك، أولئك الثلاثة الذين لم يفعلوا فعل المنافقين ويحلفوا بالكذب، وإنما صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرنا تبارك وتعالى عنهم بقوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118]، فنزلت هذه التوبة لهم، وبشروا رضي الله عنهم وأرضاهم بذلك، يقول كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه فرحاً مستبشراً لأن الله تاب عليه وأنزل توبته من فوق سبع سماوات، يقول: (فما حدثت نفسي بعد ذلك في أي كذب فيما بقيت من عمري، وأسأل الله أن يرزقني الثبات على ذلك إلى أن ألقاه). فماذا قال الله تعالى بعد ذكر قصة هؤلاء الذين تاب الله عليهم؟ قال بعدها مباشرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]. والصدق من أبرز صفات المؤمنين، ولقد برزت في أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى بروزاً عظيماً. فلماذا هي من أهم الصفات؟ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: (هل يكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم. هل يكون بخيلاً؟ قال: نعم. هل يكون كذاباً؟ قال: لا)، وهذا يعطيك أهمية الصدق في حياة المسلم، بحيث يصدق الإنسان مع ربه تبارك وتعالى ولا يخادع نفسه، فإذا خلا بنفسه بينه وبين ربه تخلى عن نظر الخلق وإعجاب الخلق ومدح الخلق وقول الخلق، إذا وقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى ليصدق مع ربه في إيمانه وفي إخلاصه وفي أعماله وفي أقواله وفي تصرفاته كلها؛ لأنه قد يخدع الخلق، لكنه لا يمكن أن يخدع ربه سبحانه وتعالى، يصدق مع نفسه ويصدق مع الآخرين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، وكيف برزت عند أئمة أهل السنة والجماعة صفة الصدق؟ برزت حينما أخذوا يبلغون وحي الله تبارك وتعالى إلى من بعدهم، القرآن محفوظ، لكن السنة النبوية دخل فيها الكذب، فقام أئمة أهل السنة والجماعة ليتحروا في هذا الجانب تحرياً شديداً، ويكون المقياس الأساسي والشرط الأكبر لقبول الرواية مع الشروط الأخرى هو أن يكون الرجل صادقاً. لقد بلغ من تحريهم رحمهم الله تعالى أن الإمام البخاري صاحب الصحيح رحمه الله تعالى ذهب مسافراً إلى شيخ من الشيوخ ليروي عنه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل المدينة لا يعرف أين الشيخ، فلما دخل في أحد شوارعها وجد رجلاً مع فرس وهو يريد أن تلحق به الفرس، ووجد أنه قد رفع ثوبه كأنه يحمل في حجره شيئاً، فرأى الفرس تلحق به، فلما وصل إلى بيته أمسك بالفرس وفتح حجره وإذا به خالياً ليس فيه شيء، فلما نظر البخاري إلى هذه الفعلة قال له: أريد فلان بن فلان. فقال له الرجل: وماذا تريد منه؟ قال: لا أريد منه شيئاً سوى أني حدثت أنه يروي عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. وذكر الحديث، فقال هذا الرجل: أنا فلان، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا. فماذا صنع البخاري ؟ البخاري أبى أن يروي عنه، وقال: إذا كان الرجل يكذب على بهيمته فأخشى أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً أئمة أهل السنة رحمهم الله دونوا السنة وتحروا فيها، وكان الصدق صفتهم وكان الصدق ديدنهم في جميع أمورهم رحمهم الله تعالى. ولذلك -كما يقال-: لا تجد كذاباً إلا وقد فضحه الله سبحانه وتعالى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للصدق في جميع أقوالنا وأفعالنا.

    التواضع وشروطه وجوانبه

    الصفة الثانية: التواضع. والتواضع قد يفهم أحياناً على غير وجهه الصحيح، فيظن أن التواضع خمود وخضوع وفقط، وليس الأمر كذلك، التواضع: هو الخضوع للحق والانقياد له، ولو كان على نفسك. وهو أيضاً: قبول الحق من كل من جاء به ولو كان أقل منك. وهو أيضاً -بعد ذلك- لين الجانب وخفض الجناح. وينبغي أن نعلم! أن التواضع مثل غيره من الأخلاق له شروط، لكن أبرزها شرطان: الأول: الإخلاص. أي: الإخلاص لله في تعاملك، فلا تتخلق بهذا الخلق ليقال كذا، وإنما تتخلق به إخلاصاً لله. الثاني: القدرة. لأن الإنسان قد يتواضع قهراً، لكن يبرز التواضع ويظهر من القادر. ثم بعد ذلك ينبغي أن نعلم أن هذا التواضع يظهر في سلوك وأخلاق المؤمنين من خلال عدة جوانب أشير إليها باختصار: الجانب الأول: التواضع الأعظم والأكبر، وهو الانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، سواءٌ أكان في كتاب الله أم في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا سمة بارزة من سمات المؤمنين برزت على يد أعلام أهل السنة والجماعة. إذا نظرنا إلى بعض أخلاق المستكبرين ممن يقال له: ما أعدله. ما أحسنه. ما أفضله. وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان تجد أمثال هؤلاء إذا أتى أحدهم حديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم يستكبر، فيقول: الرسول قال هذا في عهود قديمة، وقد تغيرت العصور. أو غير ذلك. نقول: لا. إن من سمات التواضع عند المؤمن أنه يسلم وينقاد لما جاء به الكتاب والسنة، وهذا تواضع. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، وكم من إنسان لا يستسلم للرسول صلى الله عليه وسلم حين يسمع مثل هذا الحديث وأشباهه، لكن المؤمن الصادق هو الذي يسلم، فقط يقول: هل صح؟ هل ثبت؟ هل جاء الدليل؟ أما ما عدا ذلك فيسلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أمر من الأمور ولا يعترض. ثم إن المؤمن بعد تسليمه ينتقل إلى العمل بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يعترض على الحديث النبوي بعقله ولا بذوقه ولا بقول شيخه ولا بغير ذلك، وهذا هو التواضع الذي يتسم به المؤمن، لكن تجد المستكبر يأتي ويلوك بعقله وذهنه ليرد حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأين هذا من التواضع؟! بينهما فرق كبير. الجانب الثاني في باب التواضع: تواضع المسلم مع أخيه المسلم. فيقول عليه الصلاة والسلام: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله..)، إلى آخر النصوص الواردة في هذا الباب. إذاً تواضع المؤمن لأخيه المؤمن. الجانب الثالث في باب التواضع: قبول الحق ممن جاء به، وهذه قضية مهمة جداً، لو فتشنا في منهج علماء الإسلام رحمهم الله تعالى لوجدنا أنهم كانوا يقبلون الحق ممن جاء به أياً كان، لكن تفتش عن حالنا اليوم فتجد -ولا حول ولا قوة إلا بالله- تغيراً، لا يقبل الحق أبداً إلا إذا جاء من طائفته، أو إلا إذا جاء من أهله، أو إلا إذا جاء من ابن جلدته أو ابن عمه، وهذا كله خلاف التواضع، المؤمن هو الذي يقبل الحق ممن جاء به، جاءك أخوك المسلم بالحق بدليله فاخضع له، وهذه من سمات أئمة أهل السنة والجماعة وأخلاقهم التي تميزوا بها في تطبيقهم العملي وسلوكهم الأخلاقي في حياتهم. الجانب الرابع من جوانب التواضع: قبول العذر من أخيك إذا أخطأ عليك فإذا خالف لك أمراً تقبل عذره، ولا شك أن المؤمن الصادق الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه هو الذي يبحث لأخيه عن العذر، وذلك فيما أخطأ به عليه، لكن ما كان خطؤه للأمة فإن الإنسان يبين الحق بدليله ولا ضير في ذلك، وقد كان العلماء رحمهم الله تعالى يناقش بعضهم بعضاً، ويرد بعضهم على بعض في مسائل من العلم، ولم يكن يهجر بعضهم بعضاً، إلا إذا كان هناك سبب من بدعة أو غير ذلك.

    ربط القول بالعمل

    الصفة الثالثة: ربط القول بالعمل. وهو أن يوافق قوله فعله، وأن لا يكون من الذين قال الله فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2]، فتش عن السلف المؤمنين في تاريخهم رحمهم الله تعالى تجدهم يربطون القول بالعمل، إذا قالوا عملوا، ولا تخالف أقوالهم أعمالهم، وهذه سمة مهمة جداً في باب الأخلاق، لا تختص بخلق معين، ولا بصفة معينة، وإنما هي سمة عامة في خلق المؤمن أنه لا يخالف قوله فعله. ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح عند مسلم- قال: (لم يكن نبي قط إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يتبعون أمره ويهتدون بسنته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون)، وفي بعض الألفاظ: (ثم يخلف بعد ذلك خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون). إذاً هذه سمة من سمات المؤمنين، أن كل قولهم يوافق أفعالهم، ونعلم جميعاً أهمية ذلك التأثير على الآخرين، إذا وجد الإنسان يخالف قوله فعله ترك ولم يتأثر به في هذا الخلق أو في هذه الصفة أو نحو ذلك.

    العدل

    الصفة الرابعة: العدل. والعدل ورد به القرآن، فجاء مرة بالأمر بالعدل، وجاء مرة باسم الميزان، ومرة باسم القسط، وهذا كله لبيان أن العدل مهم جداً، وهذه صفة برزت وظهرت في عامة أهل الإسلام رحمهم الله تعالى، فتجد عدل الأمراء، ومن منا يجهل عدل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي كان يعدل في كل أمر من أموره، وعدل بقية الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز وغيره، وعدل أئمة أهل السنة، تجد الواحد منهم يتمثل بهذه الصفة في جميع أحواله حتى مع أقرب الناس إليه. ففي باب الولاء والبراء -مثلاً- تجده عادلاً، نحن الآن نظراً لأن أخلاقنا مهلهلة نجدنا في باب الولاء والبراء لا نعدل مع الآخرين، فنوالي هذا في الله ونعادي هذا في الله، فنحن مع أقربائنا وأبناء عمومتنا وأولادنا تقودنا العواطف والعلاقات وغيرها، فقد نوالي من لا يستحق الولاء، وقد نعادي من يستحق الموالاة، وكم من شخص تجده بين أقربائه يرحب به ويوسع له في المجالس، ويستقبل إذا جاء، ويودع إذا سافر، وتذبح له الولائم ويحترم ويقدر، ومع ذلك هو من الذين لا يصلون لله ركعة، هل يعقل هذا؟! أين الولاء والبراء؟ تجد هذا الشخص نظراً لأمور وأمور يختلف عندهم المقياس في التعامل معه. وإنما ضربت بهذا المثل لأن العدل في أمور كثيرة، سواء أكان مع الرعية أم في الإنفاق أم في غير ذلك، ولذلك تجد أن كثيراً من الأئمة من خوفهم أن لا يوفوا العدل حقه يستعيذون ويفرون من القضاء، وإلا فالقاضي العادل والإمام العادل إذا اتقيا الله ما استطاعا فإن الله سبحانه وتعالى لا يحرمهما الأجر المضاعف. ينبغي أن نعلم أن العدل ليس معناه المساواة في كل شيء، وإنما العدل أن تعطي كل ذي حق حقه، والله سبحانه وتعالى فضل المجاهدين على القاعدين بقوله: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ... الآية [النساء:95]. وكذلك كل من كان في باب الولاء والبراء أقرب إلى الله وأتقى لله فإنك تزيده أنت ولاءً ومحبةً في الله، ومن كان أقل فقد يقل عندك الولاء والمحبة له.

    الحياء

    الصفة الخامسة: الحياء. والحياء أيضاً يشبه التواضع في كونه يفهم على غير وجهه الصحيح؛ لأن بعض الناس يظن أن الحياء أن تشاهد المنكر وتخجل من أن تنكره، أو أن تكون في موقف ينبغي أن تقول فيه كلمة الحق فلا تقولها، وهذا ليس حياءً وإنما هو خور. الحياء: هو الخلق الذي يبعث على ترك المستقبح من الأمور المحرمة ونحوها. ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم -كما نعلم جميعاً- قال في الحديث المشهور: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، ويقول أيضاً في حديث شعب الإيمان: (والحياء شعبة من شعب الإيمان)، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث رواه الترمذي والإمام أحمد والحاكم وهو حديث حسن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله حق الحياء. قال: فقلنا: يا رسول الله! إنا نستحيي والحمد لله. قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ميز الحياء بمثل قوله: (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء). وهذا الحديث إسناده حسن رواه ابن ماجة والطبراني وغيرهما. وأيضاً ورد في البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الحياء لا يأتي إلا بخير). إذاً الحياء خلق وصفة في النفس تمنع صاحبها من أن يقع في المعاصي والمحرمات، ولهذا نجد الشاعر يقول: ورب قبيحة ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء وينبغي أن يعلم أن الحياء الذي يحمل الإنسان على أن يتخلق بالأخلاق الحسنة ويبتعد عن الرذائل أن لا يكون مانعاً للإنسان عن قول كلمة الحق والجهر بها. كما أن الحياء لا ينبغي أن يمنع الإنسان عن طلب العلم، ولهذا روى البخاري في صحيحه تعليقاً عن مجاهد رحمه الله أنه قال: (لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر). فالمستحي تأتيه المشكلة والمسألة وغيرها ويخجل أن يسأل عنها، فيمنعه حياؤه عن تفهم مسائل العلم فلا يتعلم، والمستكبر هو الذي يأنف بنفسه أن يسأل هذا السؤال، فيمنعه كبره عن تعلم العلم. وهذه الصفة -صفة الحياء- قد تتمثل في بعض الناس بشكل واضح، كـعثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فإنه قد عرف من حيائه ما عرف، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غطى فخذه حين دخل عليه عثمان وسئل: دخل أبو بكر ثم دخل عمر ولم تغط فخذك، فلما دخل عثمان غطيته! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) رضي الله عنه وأرضاه.

    الشجاعة

    الصفة السادسة: الشجاعة: والشجاعة معناها أن الإنسان يواجه الأخطار لتحقيق الخير للأمة، وتتمثل الشجاعة في أمور، على رأسها الجهاد في سبيل الله، فالذي يقدم نفسه في سبيل الله رخيصةً هو الشجاع؛ لأنه بذل روحه خالصة لربه تبارك وتعالى، ولذلك كان من صفات الشجعان أنهم يثبتون ولا يفرون من الزحف. ومن الشجاعة أن يقول قولة الحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو أدى ذلك إلى لومه أو إيذائه، ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وذكر خير الشهداء (رجل تكلم بكلمة الحق عند إمام جائر فقتله). ومن الشجاعة أيضاً أن يرجع الإنسان إلى أخطائه، هذه شجاعة؛ لأن الذي يقع في الخطأ ولا يحب أن يعترف بخطئه هذا عنده جبن، ولو كان شجاعاً لكان جريئاً ولقال: نعم أنا أخطأت في هذه المسألة، والحق مع فلان أو مع غيري. ويبينها، ولقد كان الأئمة رحمهم الله تعالى على مثال عظيم من هذا، وانظر إلى أقوالهم وفتاويهم رحمهم الله تعالى، فإنهم كانوا رجاعين إلى الحق. أيها الأخ المسلم! هذه صفات بارزة متى تكاملت تكوّن لدينا الخلق الإسلامي والسلوك الإسلامي الفاضل، الذي يحمل صاحبه على أن يكون منارة يقتدى به إن تكلم وإن قال وإن فعل وإن كتب؛ لأن أخلاقه وسلوكه كلها متمثل فيها بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    السمات الإيجابية في سلوك المؤمن وأخلاقه

    هناك بعض السمات التي تميز بها المؤمن في الأخلاق، ومن هذه السمات: الإيجابية والإيجابية في سلوك المؤمن هي التي تجعله يحب المتعة للآخرين، ولا يكون أنانياً لا يريد الخير إلا لنفسه، وإنما تنظر إليه فتجده دائماً يحب الخير للناس، هذه العلامة الأولى من علامات إيجابيته. أيضاً من علامات الإيجابية البارزة فيه أنك تجده يحرص على التيسير على الناس، وهذه ناحية إيجابيه في خلق المسلم، ولا يعني ذلك أنه يتعدى الحق والدليل من أجل أن ييسر على الناس، لا، هذا عبث في دين الله لا يرضى به الإسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما، ويقول عليه الصلاة والسلام: (يسروا ولا تعسروا)، ولذلك تجد أن من منهج الإسلام في باب أصول الفقه أنه لا يقصد إلى المشقة، وبعض الناس يخطئ في هذا، ويخلط بين هذا وبين القول بأن الأجر على قدر المشقة. هناك أمور وعبادات لا تأتي إلا بمشقة يؤجر عليها، لكن الإسلام لا يقصد أولاً المشقة، فمثلاً: حينما تريد أن تزور أخاك، وهو -مثلاً- في العلية فالإسلام لا يقول لك: اذهب واتجه إلى جهة الجنوب، ودر في الرياض دورتين ثم اذهب إلى أخيك بعد ساعة من أجل أن تكون وصلت إليه بعد مشقة، لا، وإنما تأخذ أيسر السبل في الوصول إلى أخيك، إلا ما كان من أمر فيه عبادة دعا الإسلام أو الشرع إليه، ولذلك تجد من خلق المؤمن أنه يؤثر على الناس حتى بطريقة تعامله، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان فاحشاً ولا متفحشاً، فنظافة اللسان وحسن الأدب والتعامل الطيب مع إخوانك المؤمنين لا شك أنها ناحية مؤثرة، تجعل الإنسان يتأثر بسهولة وبسرعة. أيضاً منها: أن الأخلاق الإسلامية تقوى وتتناسق عند المؤمن، حتى تكاد أن تكون من طبعه، فيصبح خلقاً ثابتاً مستقراً، ولذلك تجد أن الإنسان الذي يتربى على الصدق يصبح صدوقاً، حتى إذا حكي عنه شيء مما يتعلق بما يقول يقال: فلان لا يمكن أن يقول هذا؛ لأنه رجل صادق. فتصير سمة بارزة معروفة عنه. وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه سمي بـالصديق، فلو جاء إليه شخص ليقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل كذا فما تتوقع رد فعل أبي بكر ؟ رد الفعل البدهي أنه سيصدق، وهكذا في بقية الأخلاق الإسلامية تتحول إلى سلوك مستمر ثابت يتميز به هذا الشخص، وهذه واضحة جداً. ثم إن سلوك المؤمن سلوك متكامل لا يطغى فيه جانب على جانب، وهذه سمة مهمة جداً، تجد عند المؤمن الشجاعة، وتجد عنده التواضع، وتجد عنده الحياء، وتجد عنده القوة في الحق، وتجد عنده الذلة لأخيه المؤمن، فهو خلق متكامل، هذا التكامل في الخلق هو الذي يجعل الإنسان داعية إلى الله سبحانه وتعالى بأخلاقه، والرسول صلى الله عليه وسلم لما لقيه أحد الصحابة قبل أن يسلم قال: (فلما رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب). إذاً هذه السمة تبرز في خلق المؤمن إذا تخلق بها. ثم إن الحب في الله والبغض في الله يتمثل في أخلاق عديدة، في تعامل المسلمين مع إخوانهم، في إيثارهم، وإفشاء السلام لهم، والتبسم في وجوههم، والقصد في الحب والبغض. وأحب أن أقف عند عدم المبالغة في الحب والبغض قليلاً، أقول: قد ورد في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في صحيح الجامع الصغير، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)، وهذا توسط، لكن بعضهم إذا أحب غالى، وإذا كره وأبغض غالى، وقد يكون هذا في إخوانه المؤمنين، لا، كن معتدلاً، ولا يكون الاعتدال إلا من التوازن في نظرتك لأخيك المؤمن، انظر إلى أخيك المؤمن بكامله، قد تجد عنده من الأخلاق الفاضلة كذا وكذا وكذا، فأحبه لأجلها، وقد تجد عنده خلقاً غير فاضل، فأبغضه من أجله، لكن بعض الناس يجعل هذا الخلق السيئ وكأن أخلاقه كلها صارت سيئة، فيبغضه بغضاً تاماً، وبالعكس قد تجد من أهل الفسق وغيرهم عنده خلق فاضل فتحبه لأجل هذا الخلق وتنسى فسقه وفجوره وأموره الأخرى. التوازن الشرعي في هذا مطلوب؛ لأن هذا هو قاعدة الولاء والبراء، أن تحب المؤمن على قدر إيمانه، وأن تبغضه إذا كان مرتكباً لمعصية على قدر معصيته. وحتى لا نطيل نقف عند هذا في بيان بعض هذه الجوانب. ولا شك أن من أراد أن يكون خلقه إسلامياً أن عليه أن يجاهد نفسه بأمور: أولاً: بالعلم. باب العلم قبل القول والعمل، فيعلم ما هي أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وما هي الأمور التي أمر بها فيتعلمها ويمتثلها، ثم بعد ذلك يعمل فيجاهد نفسه في الاتباع والعمل وتمثل الأخلاق، ليعلم الإنسان المؤمن أنه حينما يمتثل الأخلاق الإسلامية فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه ويكتب له القبول. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن تمثل الأخلاق الفاضلة وتمسك بها قاصداً بها وجهه الكريم، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من سيئ الأخلاق. اللهم! وفقنا لما تحبه وترضاه في أقولنا وأفعالنا وأمورنا كلها. اللهم! إنا نعوذ بك من فتنة القول وفتنة العمل. والله أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مع مخالفة قوله فعله

    السؤال: هل يمنع من يخالف قوله فعله أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ الجواب: هذه المسألة تكلم فيها العلماء رحمهم الله تعالى، وقالوا عند كلامهم عن صفة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: إنه يجب أن يكون ممن يوافق قوله فعله. وذكروا أيضاً رحمهم الله تعالى أن كونه لم يعمل لا يعذر به؛ لأن أمره بذلك هو أمر واجب؛ لأنه قد أوجب الله عليه أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، أما فعله هو لذلك فهو أمر آخر منفصل عنه، هكذا قال العلماء، وينبغي أن نعلم جميعاً أن من تمام التأثير في الآخرين، ومن الأمور التي هي سبب لامتثالهم لما تأمرهم به وانتهائهم عما تنهاهم عنه أن تكون ممن يعمل بما يقول، لكن لا يمنعك عدم عملك به من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

    طرق معالجة الحدة وسرعة الغضب

    السؤال: كيف يتغلب المسلم على حدة الطبع وسرعة الغضب والغلظة في القول أو العمل، وكيف يجعلها تنقلب إلى خلق حسن؟ الجواب: بعض الناس يروي حديثاً ضعيفاً عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الحدة تعتري كبار علماء أمتي) أو نحو ذلك؛ لأن بعض الناس إذا شاهد أحداً عنده حدة جاء يستشهد بهذا الحديث الضعيف. فالحدة ليست خلقاً فاضلاً، فإذا كان الإنسان في خلقه حدة فعليه أن يبحث عن أنواع العلاجات التي يعالج بها هذا الخلق، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى الرجل المغضب بأن يتوضأ وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فتحاول في مواقف أن تجعل لنفسك وقفة تراجع فيها نفسك عند الغضب بحيث تنتقل من حالة إلى حالة، وهذا الانتقال يعطي الإنسان فرصة للتراجع، واسأل ربك تبارك وتعالى وادع أن يخفف عنك هذه الحدة.

    أهمية التربية بالقدوة والتأثير بها

    السؤال: ما مدى أهمية التربية بالقدوة كمصدر من مصادر اكتساب الأخلاق الحميدة، أرجو بيان ذلك نظراً لإغفال الكثير لهذا الجانب في وقتنا الحاضر؟ الجواب: لا شك أن القدوة أساس في التأثير، والإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها بالقدوة، فقد كان المسلمون من الصحابة ومن غيرهم في تعاملهم مع الآخرين في شتى أمور الحياة كان الواحد منهم قدوة، وكم من إنسان دخل في هذا الدين بسبب تأثره بخلق واحد من أخلاق المؤمنين، ولذلك تجد أن الإنسان قد يتأثر بموقف عملي أكثر بكثير مما لو ألقيت عليه عدة خطب أو قرأ عدة كتب، فالقدوة لها أساس، والإنسان الذي يقتدي بغيره إنما يقتدي به لأنه رأى الخلق متمثلاً به عملياً، وهذا التمثل العملي هو أن يوافق قوله فعله، أي: أن يكون قدوة.

    إرشادات إلى كتاب في الأخلاق

    السؤال: ما هو أحسن كتاب في الأخلاق؟ الجواب: لا أذكر كتاباً؛ لأن الكتب التي ألفت في باب الأخلاق كتب قد يكون عليها ملاحظات، فمثلاً: (أدب الدنيا والدين) للماوردي جيد يستفاد منه، لكن ليس منهجه متكاملاً من جهة الثبات على الكتاب والسنة في صفائها. كذلك الغزالي في (إحياء علوم الدين)، يتحدث عن بعض جوانب الأخلاق، لكن تجد عنده نقصاً كبيراً في أخلاق مهمة، كما تجد فيه أيضاً أحاديث ضعيفة ونحو ذلك. و حاول بعض طلبة العلم أن يجمع رسائل في باب الأخلاق، كرسالة (التواضع)، ورسالة (الحب في الله والبغض في الله) ونحو ذلك. أقول: إن هذه الرسائل التي تجمع على الدليل وتمحيص الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبيان صحيحها من ضعيفها هي مصدر جيد. علماً بأن الأساس للأخلاق هو ما جاء في كتاب الله وفيما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، خاصةً في الصحيحين ونحوهما. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.