اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خصائص أهل السنة والجماعة في السلوك والأخلاق للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


خصائص أهل السنة والجماعة في السلوك والأخلاق - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
للأخلاق في ديننا الإسلامي منزلة رفيعة، ومكانة كريمة، فقد بعث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، فكان صلى الله عليه وسلم في ذلك هو القدوة العظمى والأسوة الحسنة، ويكفيه في ذلك شهادة ربه سبحانه وتعالى.ثم جاء صحابته من بعده فضربوا في ذلك بسهم وافر، ونهلوا من ذلك حتى ضربوا بعطن، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.والأخلاق أصل معاملة المؤمن مع ربه، وهي الرابطة المتينة بينه وبين إخوانه، وهي خير أسلوب يدعى به غير المسلمين من الملل الأخرى، فكم من أمة أسلمت بسبب حسن الخلق، والتاريخ خير شاهد على ذلك.
أهمية السلوك والأخلاق في الإنسان المسلم
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى وحسن الأخلاق. بعون الله تعالى وتوفيقه سنعرض لبعض الخصائص التي يتميز بها المسلم في باب الأخلاق وفي باب السلوك. وتعلم -أخي الكريم- أهمية موضوع الأخلاق والسلوك في الحياة، وأهميته بالنسبة للمسلم خاصة، وبالنسبة للداعية إلى الله بشكل أخص؛ لأن الأخلاق والسلوك في حياة الإنسان المسلم أصل علاقته بربه، وأصل علاقته بأهل بيته، وأصل علاقته بالمؤمنين من حوله، وأصل علاقته بغير المؤمنين من الأمم الأخرى، وكم من خلق تمسك به صاحبه رفعه الله سبحانه وتعالى به درجات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم).كم من خلق يرتفع بصاحبه ليكون في منازل عليا عند الله سبحانه وتعالى! وكم من صفة تميز بها المؤمن كانت سبباً في هداية شخص أو أمة، وهكذا. فالأخلاق لها أهميتها، ومن ثم جاءت هذه الكلمات التوجيهية -أسأل الله أن يثيب الجميع عليها- جاءت لتبين أصول الأخلاق، ولتبين أيضاً ما يضاد الأخلاق الإسلامية من الصفات التي يجب أن يتنزه عنها المؤمن.
 

خصائص أهل السنة في السلوك والأخلاق
هناك بعض الملحوظات حول هذا العنوان: الأولى: أننا حينما نقول: (خصائص) فإن المقصود بها الصفات الجامعة التي يتميز بها المؤمن، ولا نقصد بذلك استيعاب مسائل الأخلاق المتعددة التي تكلم عنها العلماء وألفوا فيها تآليف متعددة.الثانية: أننا حينما نقول (أهل السنة) لا نقصد بذلك أن هذه الخصائص إنما يختص بها فئة معينة، وإنما المقصود أن هذه الخصائص تميز بها أعلام أهل السنة وأئمتها، وإلا فكل مؤمن ومؤمنة وكل مسلم ومسلمة سار على الدرب الصحيح اعتقاداً على مذهب أهل السنة والجماعة أخلاقاً وسلوكاً وكان متبعاً في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه من أهل السنة، ومن ثم فحينما نطلق أهل السنة أو حينما نطلق صفات المؤمن فالغاية منهما واحدة، ولكننا نشير إلى خصائص أهل السنة، أي: الصفات التي تميز بها أئمة أهل السنة ودعاتها والمنافحون عنها رحمهم الله تعالى، وجعلنا ممن يسلك سبيلهم ويقتفي أثرهم. الثالثة: العنوان فيه: (في السلوك والأخلاق)، وهذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السلوك والأخلاق بينهما تداخل، فإذا أطلق السلوك لوحده، فقيل: فلان سلوكه حسن دخلت فيه الأخلاق، كذلك أيضاً الأخلاق أو الخلق لوحده إذا أطلق وقيل: فلان خلقه حسن دخل فيه السلوك، وإذا جمع أحدهما مع الآخر فإن السلوك يكون أعم من الخلق؛ لأن الأخلاق صفات يتخلق بها الإنسان فهي خلق له، ولكن السلوك يشمل جوانب الأخلاق ويشمل الأمور الأخرى في طبيعة حياة الإنسان قد يقال: إنها لا تدخل في باب الأخلاق.
 

مناهج المنحرفين في تحديد السلوك والأخلاق
كثيراً ما نقرأ في الساحة كتباً تتحدث عن الأخلاق، وهذه الكتب التي تتحدث عن الأخلاق كتب متنوعة مختلفة المشارب، فأيها يوافق منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب؟ هذا الذي أردنا بيانه هنا؛ لأن هناك عدة مسالك ومناهج في باب الأخلاق تخالف منهج أهل السنة والجماعة، ومنها المنهج الفلسفي. والمنهج الفلسفي هو الذي يربط الخلق برابطة عقلية أو مادية بحتة، فتجدهم أحياناً يجعلون مناط الأخلاق حسنها وسيئها هو العقل، وهذا تحكم، بينما منهج أهل السنة والجماعة في الأخلاق أن يجعلوا مناطها هو الشرع، وصحيح أن الشرع لا يمكن أن يخالف العقل الصحيح السليم. تجد بعض المناهج يجعل غاية الخلق هو اللذة، وهذه مناهج عقلية موجودة، وهناك دعاة لها من أصحاب الإباحية وغيرهم. وهناك من يرى أن عماد الخلق هو المنفعة، وهذه هي أخلاق الغربيين الآن. هذه الأخلاق لا تقوم على مبدأ الدين وإنما تقوم على المنفعة، ومن العجيب أن كثيراً منا يعجب بما يتصفون به من صفة الصدق في بيعهم وشرائهم، ولكنهم يجهلون أن هذه الصفة إنما هي صفة مادية بحتة، يريد أصحابها منها منفعة عاجلة، فهو يريد أن يكون صادقاً حتى يربح أكثر؛ لأنه يعلم أنه لو كذب لفضح ولبارت تجارته. وهناك منهج آخر منحرف وهو المنهج الصوفي الذي يريد أن يربي الإنسان على الانقطاع عن هذه الحياة، وذلك من خلال ما يريد أن يصل إليه من جلب أو كسب صوفي أو غير ذلك، ويظن أصحاب هذا الخلق أن عماد الأخلاق أن تنقطع عن هذه الحياة فلا تختلط بالناس ولا تدعو إلى الله، ولا تكون ممن يعمر هذا الكون كما أمر الله سبحانه وتعالى عمراناً فيه نصرة للمؤمنين وقوة ودافع لهم للجهاد في سبيل الله ولدعوة الناس إلى دين الله، بل يريد أن يحصرهم في هذا النطاق الضيق. إذاً هذا منهج منحرف، ومن أجل ذلك كان لا بد أن نبين المنهج الإسلامي ومنهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى في هذا الباب الذي هو باب الأخلاق والسلوك.
 

اهتمام أهل السنة والجماعة ببيان الأخلاق وأهميتها
القضية الثالثة: هي مسألة مدى اهتمام أهل السنة والجماعة في بيان هذه الأخلاق وأهميتها، وهذا جزء أصيل من منهجهم. فأهل السنة والجماعة -وعلى رأسهم القائد القدوة رسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه من بعده، ثم التابعون لهم- بينوا لنا هذه الأخلاق وشرحوها. ومن هنا فإن عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتت بكلمة جامعة، ما قالت: كان خلقه الصدق، وخلقه الحياء، وخلقه الشجاعة. لا، بل أرجعتهم إلى مصدر أصيل في الأخلاق، فقالت: (كان خلقه القرآن)عليه الصلاة والسلام. إذاً -معنى ذلك أن من أراد أن يبحث عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتمسك بالقرآن فسيجد فيه تفصيلاً لأخلاقه صلى الله عليه وسلم، ومن ثم ليقتد بها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان مثال الخلق الرفيع عليه الصلاة والسلام. لقد دون أهل العلم وأهل الحديث رحمهم الله تعالى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مما دونوه واهتموا به بيان الأخلاق والسلوك. لقد دونوا العقائد، ودونوا الأحكام الشرعية، ودونوا أيضاً الأخلاق والسلوك وبوبوها وفصلوها، وذكروا فيها الأحاديث والروايات الواردة، وانظر إلى أي كتاب من كتب السنة، فإنك ستجد تلك الأبواب مخصصةً لبيان الفضائل والأخلاق. فـالبخاري رحمه الله تعالى في صحيحه كتاب اسمه (كتاب الأدب)، وكتاب اسمه (كتاب الرقائق)، وكتاب اسمه: (الزهد)، بل إنه رحمه الله تعالى ألف كتاباً منفرداً لم يحصره في الصحيح سماه (كتاب الأدب المفرد). وسمي (المفرد) لأنه أفرد عن صحيح البخاري ، وهذا اهتمام منه رحمه الله تعالى بهذه القضية المهمة؛ لأنها أساسية في حياة المؤمن، وفي حياة الداعية، وفي حياة واعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً الإمام مسلم وأصحاب السنن رحمهم الله تعالى، ومن جمع في هذا الباب سواء على طريقة تبويب الأبواب كـالبخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة، أو على طريقة المسانيد والمعاجم كالإمام أحمد والطبراني وغيرهما فإنهم يذكرون في ثنايا معاجمهم ومسانيدهم الأحاديث الدالة على الفضائل. وهكذا اهتم العلماء في بيان هذا وألفوا كتباً مفردة في الآداب والزهد والرقائق وغير ذلك، بينوا ما يجب على المؤمن من خلق، ونحن يجب أن نعلم أننا لا نتحدث عن تفاصيل الأخلاق حديثاً مفصلاً، وإنما نذكر كيف كان أهل السنة والجماعة يؤصلون هذه الأخلاق ويبينونها، بل إن ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى -وهو من علماء الحديث المشهورين- جمع أجزاءً حديثيةً تزيد على مائتي جزء، وهذه الأجزاء تجدها في الغالب أحاديث في باب الأخلاق، جزء في باب التواضع، وجزء في باب الصمت، وجزء في باب الصحبة، وجزء في باب الصدق، وجزء في باب التزكية، وهكذا، وجمع فيها بين الأحاديث المرفوعة وبين الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان فيما يرويه من الروايات المسندة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مظنة الضعف ويحتاج إلى تحقيق وتمحيص حديثي.
 

أصول الأخلاق التي يتميز بها المؤمنون
نحن نعلم جميعاً أن الإنسان إذا نظر في تاريخ السلف رحمهم الله تعالى وفي أحوالهم وتعاملهم وآثارهم يجدهم قد تخلقوا بأخلاق وتأدبوا بآداب كانت تلك الأخلاق والآداب سبباً في محبة الناس لهم وتأثيرهم في الناس وشيوع ذكرهم في الخير، وكانت سبباً في نشر دين الله، وفي مجاهدة المبطلين والمنحرفين؛ لأن أخلاقهم كانت أخلاقاً إسلامية مبنية على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأخلاق التي بنيت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم جعلتهم على هذه الحالة وعلى هذه الصفة من التأثير والاشتهار بالذكر بالخير عند الناس، ولم يقتصر الأمر على هذا بل صاروا يؤثرون على غيرهم وهم في قبورهم. يقرأ الإنسان قصة وموقف إمام من الأئمة، فإذا ما قرأها وتبينها تأثر بها، وربما دمعت عيناه، هذا التأثر وهم في قبورهم إنما منبعه ما كان عندهم من خلق، كانوا صادقين فيه فيما بينهم وبين الله سبحانه وتعالى.
 

الأسس التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام
إن أخلاق السلف رحمهم الله تعالى وأخلاق كل مؤمن يحب أن يسير على منهاجهم تقوم على أسس:
 ارتباط الخلق بدليل الوحي
الأساس الثالث: أن الخلق مربوط بالدليل من الكتاب والسنة، وهذه ميزة مهمة جداً. تجد المؤمنين الصادقين المتبعين دائماً يسأل عن الدليل، هل فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل أمر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل ورد هذا في القرآن العظيم؟ المؤمن يتبع، ويجتنب كل ما نهي عنه، ولا يأتي ويجعل الأخلاق مبنية على عادات الناس وما يهواه الناس وما تهواه القبيلة والمجتمع. وإنما يجعل مناط أخلاقه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولقد كان أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم والأئمة من بعدهم في أخلاقهم وسلوكهم يبحثون دائماً عن الدليل في تفاصيل الخلق من كل جوانبه، سواء منها ما يتعلق بأمور عظمى كمهمة الوالي والإمام وقائد الجهاد في سبيل الله، أو ما يتعلق بأقل القليل كمعاملة الإنسان لخادمه أو أولاده أو غير ذلك. هذه هي الأسس الثلاثة التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام.
أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم والأئمة من أهل السنة
نأتي بعد ذلك إلى أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم، وتميز بها الأئمة من أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وأحب أن أنبه إلى أن هذه الصفات البارزة إنما اخترناها لأهميتها أولاً، ولكونها أخلاقاً جامعة ثانياً، ولحاجة المؤمنين والمسلمين الذين يحبون أن يتبعوا أولئك الأئمة في أخلاقهم ثالثاً، مع العلم أن هذه الأخلاق قد يدخل بعضها في بعض، وسأشير إليها باختصار.والنصوص الدالة على الصدق كثيرة جداً في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر الله تبارك وتعالى قصة الثلاثة الذين خلفوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من غزوة تبوك، أولئك الثلاثة الذين لم يفعلوا فعل المنافقين ويحلفوا بالكذب، وإنما صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرنا تبارك وتعالى عنهم بقوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118]، فنزلت هذه التوبة لهم، وبشروا رضي الله عنهم وأرضاهم بذلك، يقول كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه فرحاً مستبشراً لأن الله تاب عليه وأنزل توبته من فوق سبع سماوات، يقول: (فما حدثت نفسي بعد ذلك في أي كذب فيما بقيت من عمري، وأسأل الله أن يرزقني الثبات على ذلك إلى أن ألقاه). فماذا قال الله تعالى بعد ذكر قصة هؤلاء الذين تاب الله عليهم؟ قال بعدها مباشرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].والصدق من أبرز صفات المؤمنين، ولقد برزت في أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى بروزاً عظيماً. فلماذا هي من أهم الصفات؟ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: (هل يكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم. هل يكون بخيلاً؟ قال: نعم. هل يكون كذاباً؟ قال: لا)، وهذا يعطيك أهمية الصدق في حياة المسلم، بحيث يصدق الإنسان مع ربه تبارك وتعالى ولا يخادع نفسه، فإذا خلا بنفسه بينه وبين ربه تخلى عن نظر الخلق وإعجاب الخلق ومدح الخلق وقول الخلق، إذا وقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى ليصدق مع ربه في إيمانه وفي إخلاصه وفي أعماله وفي أقواله وفي تصرفاته كلها؛ لأنه قد يخدع الخلق، لكنه لا يمكن أن يخدع ربه سبحانه وتعالى، يصدق مع نفسه ويصدق مع الآخرين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، وكيف برزت عند أئمة أهل السنة والجماعة صفة الصدق؟ برزت حينما أخذوا يبلغون وحي الله تبارك وتعالى إلى من بعدهم، القرآن محفوظ، لكن السنة النبوية دخل فيها الكذب، فقام أئمة أهل السنة والجماعة ليتحروا في هذا الجانب تحرياً شديداً، ويكون المقياس الأساسي والشرط الأكبر لقبول الرواية مع الشروط الأخرى هو أن يكون الرجل صادقاً. لقد بلغ من تحريهم رحمهم الله تعالى أن الإمام البخاري صاحب الصحيح رحمه الله تعالى ذهب مسافراً إلى شيخ من الشيوخ ليروي عنه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل المدينة لا يعرف أين الشيخ، فلما دخل في أحد شوارعها وجد رجلاً مع فرس وهو يريد أن تلحق به الفرس، ووجد أنه قد رفع ثوبه كأنه يحمل في حجره شيئاً، فرأى الفرس تلحق به، فلما وصل إلى بيته أمسك بالفرس وفتح حجره وإذا به خالياً ليس فيه شيء، فلما نظر البخاري إلى هذه الفعلة قال له: أريد فلان بن فلان. فقال له الرجل: وماذا تريد منه؟ قال: لا أريد منه شيئاً سوى أني حدثت أنه يروي عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. وذكر الحديث، فقال هذا الرجل: أنا فلان، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا. فماذا صنع البخاري ؟ البخاري أبى أن يروي عنه، وقال: إذا كان الرجل يكذب على بهيمته فأخشى أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً أئمة أهل السنة رحمهم الله دونوا السنة وتحروا فيها، وكان الصدق صفتهم وكان الصدق ديدنهم في جميع أمورهم رحمهم الله تعالى.ولذلك -كما يقال-: لا تجد كذاباً إلا وقد فضحه الله سبحانه وتعالى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للصدق في جميع أقوالنا وأفعالنا.
 الشجاعة
الصفة السادسة: الشجاعة:والشجاعة معناها أن الإنسان يواجه الأخطار لتحقيق الخير للأمة، وتتمثل الشجاعة في أمور، على رأسها الجهاد في سبيل الله، فالذي يقدم نفسه في سبيل الله رخيصةً هو الشجاع؛ لأنه بذل روحه خالصة لربه تبارك وتعالى، ولذلك كان من صفات الشجعان أنهم يثبتون ولا يفرون من الزحف. ومن الشجاعة أن يقول قولة الحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو أدى ذلك إلى لومه أو إيذائه، ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وذكر خير الشهداء (رجل تكلم بكلمة الحق عند إمام جائر فقتله). ومن الشجاعة أيضاً أن يرجع الإنسان إلى أخطائه، هذه شجاعة؛ لأن الذي يقع في الخطأ ولا يحب أن يعترف بخطئه هذا عنده جبن، ولو كان شجاعاً لكان جريئاً ولقال: نعم أنا أخطأت في هذه المسألة، والحق مع فلان أو مع غيري. ويبينها، ولقد كان الأئمة رحمهم الله تعالى على مثال عظيم من هذا، وانظر إلى أقوالهم وفتاويهم رحمهم الله تعالى، فإنهم كانوا رجاعين إلى الحق. أيها الأخ المسلم! هذه صفات بارزة متى تكاملت تكوّن لدينا الخلق الإسلامي والسلوك الإسلامي الفاضل، الذي يحمل صاحبه على أن يكون منارة يقتدى به إن تكلم وإن قال وإن فعل وإن كتب؛ لأن أخلاقه وسلوكه كلها متمثل فيها بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
السمات الإيجابية في سلوك المؤمن وأخلاقه
هناك بعض السمات التي تميز بها المؤمن في الأخلاق، ومن هذه السمات: الإيجابية والإيجابية في سلوك المؤمن هي التي تجعله يحب المتعة للآخرين، ولا يكون أنانياً لا يريد الخير إلا لنفسه، وإنما تنظر إليه فتجده دائماً يحب الخير للناس، هذه العلامة الأولى من علامات إيجابيته. أيضاً من علامات الإيجابية البارزة فيه أنك تجده يحرص على التيسير على الناس، وهذه ناحية إيجابيه في خلق المسلم، ولا يعني ذلك أنه يتعدى الحق والدليل من أجل أن ييسر على الناس، لا، هذا عبث في دين الله لا يرضى به الإسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما، ويقول عليه الصلاة والسلام: (يسروا ولا تعسروا)، ولذلك تجد أن من منهج الإسلام في باب أصول الفقه أنه لا يقصد إلى المشقة، وبعض الناس يخطئ في هذا، ويخلط بين هذا وبين القول بأن الأجر على قدر المشقة. هناك أمور وعبادات لا تأتي إلا بمشقة يؤجر عليها، لكن الإسلام لا يقصد أولاً المشقة، فمثلاً: حينما تريد أن تزور أخاك، وهو -مثلاً- في العلية فالإسلام لا يقول لك: اذهب واتجه إلى جهة الجنوب، ودر في الرياض دورتين ثم اذهب إلى أخيك بعد ساعة من أجل أن تكون وصلت إليه بعد مشقة، لا، وإنما تأخذ أيسر السبل في الوصول إلى أخيك، إلا ما كان من أمر فيه عبادة دعا الإسلام أو الشرع إليه، ولذلك تجد من خلق المؤمن أنه يؤثر على الناس حتى بطريقة تعامله، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان فاحشاً ولا متفحشاً، فنظافة اللسان وحسن الأدب والتعامل الطيب مع إخوانك المؤمنين لا شك أنها ناحية مؤثرة، تجعل الإنسان يتأثر بسهولة وبسرعة. أيضاً منها: أن الأخلاق الإسلامية تقوى وتتناسق عند المؤمن، حتى تكاد أن تكون من طبعه، فيصبح خلقاً ثابتاً مستقراً، ولذلك تجد أن الإنسان الذي يتربى على الصدق يصبح صدوقاً، حتى إذا حكي عنه شيء مما يتعلق بما يقول يقال: فلان لا يمكن أن يقول هذا؛ لأنه رجل صادق. فتصير سمة بارزة معروفة عنه.وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه سمي بـالصديق، فلو جاء إليه شخص ليقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل كذا فما تتوقع رد فعل أبي بكر ؟ رد الفعل البدهي أنه سيصدق، وهكذا في بقية الأخلاق الإسلامية تتحول إلى سلوك مستمر ثابت يتميز به هذا الشخص، وهذه واضحة جداً. ثم إن سلوك المؤمن سلوك متكامل لا يطغى فيه جانب على جانب، وهذه سمة مهمة جداً، تجد عند المؤمن الشجاعة، وتجد عنده التواضع، وتجد عنده الحياء، وتجد عنده القوة في الحق، وتجد عنده الذلة لأخيه المؤمن، فهو خلق متكامل، هذا التكامل في الخلق هو الذي يجعل الإنسان داعية إلى الله سبحانه وتعالى بأخلاقه، والرسول صلى الله عليه وسلم لما لقيه أحد الصحابة قبل أن يسلم قال: (فلما رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب). إذاً هذه السمة تبرز في خلق المؤمن إذا تخلق بها. ثم إن الحب في الله والبغض في الله يتمثل في أخلاق عديدة، في تعامل المسلمين مع إخوانهم، في إيثارهم، وإفشاء السلام لهم، والتبسم في وجوههم، والقصد في الحب والبغض. وأحب أن أقف عند عدم المبالغة في الحب والبغض قليلاً، أقول: قد ورد في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في صحيح الجامع الصغير، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)، وهذا توسط، لكن بعضهم إذا أحب غالى، وإذا كره وأبغض غالى، وقد يكون هذا في إخوانه المؤمنين، لا، كن معتدلاً، ولا يكون الاعتدال إلا من التوازن في نظرتك لأخيك المؤمن، انظر إلى أخيك المؤمن بكامله، قد تجد عنده من الأخلاق الفاضلة كذا وكذا وكذا، فأحبه لأجلها، وقد تجد عنده خلقاً غير فاضل، فأبغضه من أجله، لكن بعض الناس يجعل هذا الخلق السيئ وكأن أخلاقه كلها صارت سيئة، فيبغضه بغضاً تاماً، وبالعكس قد تجد من أهل الفسق وغيرهم عنده خلق فاضل فتحبه لأجل هذا الخلق وتنسى فسقه وفجوره وأموره الأخرى.التوازن الشرعي في هذا مطلوب؛ لأن هذا هو قاعدة الولاء والبراء، أن تحب المؤمن على قدر إيمانه، وأن تبغضه إذا كان مرتكباً لمعصية على قدر معصيته. وحتى لا نطيل نقف عند هذا في بيان بعض هذه الجوانب. ولا شك أن من أراد أن يكون خلقه إسلامياً أن عليه أن يجاهد نفسه بأمور: أولاً: بالعلم. باب العلم قبل القول والعمل، فيعلم ما هي أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وما هي الأمور التي أمر بها فيتعلمها ويمتثلها، ثم بعد ذلك يعمل فيجاهد نفسه في الاتباع والعمل وتمثل الأخلاق، ليعلم الإنسان المؤمن أنه حينما يمتثل الأخلاق الإسلامية فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه ويكتب له القبول. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن تمثل الأخلاق الفاضلة وتمسك بها قاصداً بها وجهه الكريم، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من سيئ الأخلاق. اللهم! وفقنا لما تحبه وترضاه في أقولنا وأفعالنا وأمورنا كلها. اللهم! إنا نعوذ بك من فتنة القول وفتنة العمل. والله أعلم.
 الشجاعة
الصفة السادسة: الشجاعة:والشجاعة معناها أن الإنسان يواجه الأخطار لتحقيق الخير للأمة، وتتمثل الشجاعة في أمور، على رأسها الجهاد في سبيل الله، فالذي يقدم نفسه في سبيل الله رخيصةً هو الشجاع؛ لأنه بذل روحه خالصة لربه تبارك وتعالى، ولذلك كان من صفات الشجعان أنهم يثبتون ولا يفرون من الزحف. ومن الشجاعة أن يقول قولة الحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو أدى ذلك إلى لومه أو إيذائه، ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وذكر خير الشهداء (رجل تكلم بكلمة الحق عند إمام جائر فقتله). ومن الشجاعة أيضاً أن يرجع الإنسان إلى أخطائه، هذه شجاعة؛ لأن الذي يقع في الخطأ ولا يحب أن يعترف بخطئه هذا عنده جبن، ولو كان شجاعاً لكان جريئاً ولقال: نعم أنا أخطأت في هذه المسألة، والحق مع فلان أو مع غيري. ويبينها، ولقد كان الأئمة رحمهم الله تعالى على مثال عظيم من هذا، وانظر إلى أقوالهم وفتاويهم رحمهم الله تعالى، فإنهم كانوا رجاعين إلى الحق. أيها الأخ المسلم! هذه صفات بارزة متى تكاملت تكوّن لدينا الخلق الإسلامي والسلوك الإسلامي الفاضل، الذي يحمل صاحبه على أن يكون منارة يقتدى به إن تكلم وإن قال وإن فعل وإن كتب؛ لأن أخلاقه وسلوكه كلها متمثل فيها بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة

 إرشادات إلى كتاب في الأخلاق
السؤال: ما هو أحسن كتاب في الأخلاق؟ الجواب: لا أذكر كتاباً؛ لأن الكتب التي ألفت في باب الأخلاق كتب قد يكون عليها ملاحظات، فمثلاً: (أدب الدنيا والدين) للماوردي جيد يستفاد منه، لكن ليس منهجه متكاملاً من جهة الثبات على الكتاب والسنة في صفائها. كذلك الغزالي في (إحياء علوم الدين)، يتحدث عن بعض جوانب الأخلاق، لكن تجد عنده نقصاً كبيراً في أخلاق مهمة، كما تجد فيه أيضاً أحاديث ضعيفة ونحو ذلك. و حاول بعض طلبة العلم أن يجمع رسائل في باب الأخلاق، كرسالة (التواضع)، ورسالة (الحب في الله والبغض في الله) ونحو ذلك. أقول: إن هذه الرسائل التي تجمع على الدليل وتمحيص الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبيان صحيحها من ضعيفها هي مصدر جيد. علماً بأن الأساس للأخلاق هو ما جاء في كتاب الله وفيما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، خاصةً في الصحيحين ونحوهما. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , خصائص أهل السنة والجماعة في السلوك والأخلاق للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net