إسلام ويب

فقه القواعد الفقهية [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الفرق بين القواعد الأصولية والفقهية والضوابط

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فأشكر القائمين على هذه الدورة في دولة قطر على تهيئة هذا اللقاء بإخواني طلبة العلم في هذه المجالس، سائلاً الله جل وعلا أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع، من نظم وحضر وحاضر إنه جل وعلا مجيب الدعاء.

    وبين أيدينا رسالة نافعة للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وست وسبعين من الهجرة النبوية، والشيخ رحمه الله تعالى له مؤلفات كثيرة بسط فيها العلم، وقربه لطلبته مع تحقيق قوي، فجمع بين بسط العلم وتقريبه والتحقيق فيه، فلذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمؤلفات الشيخ رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

    وبين أيدينا هذه المنظومة للشيخ رحمه الله تعالى التي جمع فيها ما تيسر من القواعد الفقهية، فذكر قواعد فقهية كثيرة نافعة ينبغي لطالب العلم أن يحسن فهمها، حتى يفهم علم الفقه الذي ينبني على فهم هذه القواعد.

    ونحتاج إلى أن نفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية والقواعد المذهبية والضوابط، وعندما نقول: هذه قاعدة فقهية أو نقول هذا ضابط أو نقول هذه قاعدة أصولية، أو نقول: هذه قاعدة في مذهب أحمد ، أو قاعدة في مذهب الشافعي ، أو قاعدة في مذهب مالك ، أو في مذهب أبي حنيفة ، فنحتاج إلى أن نفرق بين هذه القواعد.

    والقاعدة في اللغة هي الأساس الذي يبنى عليه الشيء، فقاعدة البيت أي: أساسه من إسمنت وحديد يوضع في جوف الأرض.

    والقاعدة الفقهية هي التي تقصد في هذه الدروس، وعندنا قاعدة أصولية، وعندنا ضابط، وعندنا قاعدة مذهبية.

    التعريف بالقاعدة الأصولية

    أما القاعدة الأصولية، وهي التي يتكلم عنها علماء أصول الفقه؛ فهي القاعدة التي تؤخذ من الأدلة الإجمالية أو من دلالات الألفاظ.

    كقولهم: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، هذه تسمى قاعدة أصولية، هذه القواعد تذكر في كتب أصول الفقه.

    فقواعد الأمر للوجوب أخذت من قول الله جل وعلا في كتابه الكريم: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] قال ذلك في الذين يتركون أمره عليه الصلاة والسلام.

    وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] هذه كذلك آية أخرى في أن الأمر للوجوب.

    وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فهذا دليل أيضاً يدل على أن الأمر للوجوب.

    هذا كما تقدم ليس بحثنا في هذه الدروس، هذا محل البحث فيه في كتب أصول الفقه.

    التعريف بالقاعدة الفقهية والضابط

    أما القاعدة الفقهية: فهي حكم شرعي كلي تندرج تحته مسائل كثيرة في أبواب متفرقة، كقولهم: الأمور بمقاصدها أو الأعمال بالنيات، فتجد مسألة في الطهارة تندرج في هذه القاعدة، فيشترط للوضوء النية، وتجد مسألة كذلك في الزكاة، وتجد مسألة في الصلاة.

    إذاً مسائل كثيرة شتى في أبواب متفرقة، وتلاحظ أن هذه القاعدة هي حكم شرعي، بخلاف القاعدة الأصولية فإن الحكم الشرعي يؤخذ منها.

    أما القاعدة الفقهية فهي حكم شرعي اندرجت تحته مسائل كثيرة في أبواب متفرقة.

    وقولنا: (في أبواب متفرقة) هذا احتراز من الضابط، فالضابط في باب واحد.

    وعلى ذلك فالضابط حكم شرعي كلي تندرج تحته مسائل في باب واحد.

    فعندما نقول: إن أحكام سجود التلاوة كأحكام سجود الصلاة من جهة أنه يشترط لها الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة وأن يقال فيها ما يقال في سجود الصلاة، هذا يسمى بالضابط؛ لأنه تدخل فيه مسائل في باب واحد، وهو باب سجود التلاوة.

    فالضابط حكم شرعي كلي، تندرج تحته مسائل عدة لكن في باب واحد، فهذا يسمى بالضابط، إذاً ليس لنا أن نسمي الحكم الشرعي الكلي الذي تدخل فيه مسائل في أكثر من باب أن نسميه بالضابط، لأن الضابط يكون في باب واحد.

    وأما القاعدة المذهبية: فهي قاعدة تعنى بجمع مسائل شتى في أبواب الفقه لكنها مرتبطة بمذهب معين، فتقول: هذه قاعدة في مذهب الإمام أحمد ، كما في القواعد لـابن رجب ، أو في الأشباه والنظائر للسيوطي في مذهب الإمام الشافعي ، فهذه قواعد وضوابط تعنى بجمع المسائل بغض النظر عن الراجح، وترتبط بمذهب معين فتسمى بالقواعد المذهبية.

    إذاً تحرر لنا موضوع درسنا، وأنه في القواعد الفقهية، وأن القواعد الفقهية هي أحكام شرعية كلية تندرج تحتها مسائل عدة في أبواب متفرقة.

    1.   

    القواعد الفقهية الكلية

    وعندنا خمس قواعد كلية تندرج تحتها مسائل كثيرة جداً، تسمى بالقواعد الكلية الكبرى.

    القاعدة الأولى: قاعدة الأمور بمقاصدها، أو: الأعمال بالنيات.

    هذه القاعدة الكلية الكبرى مأخوذة من قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

    القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك.

    القاعدة الثالثة: لا ضرر ولا ضرار.

    القاعدة الرابعة: المشقة تجلب التيسير.

    القاعدة الخامسة: العادة محكمة.

    هذه تسمى بالقواعد الكلية الكبرى، وتندرج فيها مسائل كثيرة جداً.

    1.   

    مأخذ القواعد الفقهية

    والقواعد الفقهية قد تؤخذ من النص، كقاعدة الأمور بمقاصدها، فإنها تؤخذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه.

    إذاً: القاعدة الفقهية قد تؤخذ من النص، وقد تؤخذ من الإجماع كقاعدة: لا اجتهاد مع النص.

    الثالثة: أن تؤخذ بالاستنباط، كقاعدة: المشقة تجلب التيسير.

    إذاً: هذه القواعد الفقهية قد تؤخذ من النص، وقد تؤخذ من الإجماع، وقد تؤخذ بطريقة الاستنباط.

    1.   

    شرح مقدمة الناظم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بسم الله الرحمن الرحيم ].

    ابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه كان يفتتح رسائله بالبسملة، كما في رسالته في الصحيحين إلى هرقل عظيم الروم.

    [ الحمد لله ]:

    الحمد هو ذكر محاسن المحمود محبة له وإجلالاً، وكذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يفتتح خطبه بالحمد.

    وأما ما جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كل كلام لا يبدأ بالحمد فهو أقطع)، فإن هذا الصواب أنه مرسل، والمرسل نوع من أنواع الحديث الضعيف، ولكن -كما تقدم- كان عليه الصلاة والسلام يفتتح خطبه بالحمد.

    قال رحمه الله:

    [ الحمد لله العلي الأرفق وجامع الأشياء والمفرق ]

    فهو جل وعلا يجمع الأشياء بأوصاف مشتركة ويفرق بينها، فهناك أوصاف تفرق وهناك أوصاف تجمع، فالإنسان والحيوان بينهما أوصاف كثيرة مشتركة، ولذا فإن الرجل إذا ذهب عقله كان كالحيوان تماماً.

    ولذا فإن الذي يفرق بين الإنسان والحيوان هو العقل الذي هو مناط التكليف، والذي لأجله علمه الله جل وعلا البيان.

    فلابد أن يعتني طالب العلم بمعرفة الأشياء التي تجمع والأشياء التي تفرق؛ حتى لا يلتبس عليه الأمر، ولذا فإن علم الفروق من العلوم المهمة جداً لطالب العلم، فتجد بعض طلبة العلم لا يحسن معرفة الفروق فيقع في أخطاء، وأوضح هذا بمثال، يقول العلماء: إن من تجاوز الميقات ولو جاهلاً أو ناسياً فإن عليه دماً إلا أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه.

    إذاً لم يعذروه بالنسيان والجهل، فإذا تجاوز الميقات وهو ساهٍ فلم يحرم يقولون له: إما أن ترجع إلى الميقات أو تذبح دماً، ويقولون: على الصحيح من أتى محذوراً من محذورات الإحرام ناسياً فلا شيء عليه، وبعضهم يفرق بين المحذور الذي فيه إتلاف كالحلق والمحذور الذي لا إتلاف فيه كالطيب. فيعذر في الثاني دون الأول.

    فتجد من لا يفرق بين الأمرين فيقال له: هذا محذور فهو من باب التروك، وهذا واجب فهو من باب الأفعال ليس من باب التروك، فإحرامك من الميقات هذا من باب الأفعال، فمن نسي فلم يأت به فعليه أن يأتي به أو يجبره بدم كالذي يترك التشهد الأول في الصلاة، يجبره بسجود السهو.

    لكن الذي يصلي وعلى ثوبه نجاسة هذا من باب التروك، ولذا فإن أصح القولين أننا نقول: إنه لا يعيد صلاته إذا صلى وعلى ثوبه نجاسة ناسياً أو جاهلاً؛ لأن هذا من باب التروك.

    قال رحمه الله:

    [ ذي النعم الواسعة الغزيرة ]

    قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34].

    قال رحمه الله

    [ والحكم الباهرة الكثيرة

    ثم الصلاة مع سلام دائم على الرسول القرشي الخاتم

    وآله وصحبه الأبرار الحائزي مراتب الفخار ]

    الفخار يعني: الشرف.

    [ اعلم هديت أن أفضل المنن علم يزيل الشك عنك والدرن ]

    أفضل ما يمن به الله جل وعلا على العبد العلم النافع الذي يزيل الشك عنه والدرن، يعني: يزيل مرض الشبهات فتكون ذا يقين، ويزيل مرض الشهوات فتكون تقياً تاركاً للشهوات.

    والدرن: الأوساخ.

    فالعلم النافع يزيل الله عز وجل به عن العبد هذين المرضين: مرض الشبهات ومرض الشهوات اللذين يفسدان على المرء قلبه.

    قال رحمه الله:

    [ ويكشف الحق لذي القلوب ويوصل العبد إلى المطلوب ]

    قوله: (ويكشف الحق لذي القلوب) أي: فيكون العبد على بصيرة من أمره، قد انكشف له الحق، قال جل وعلا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:115].

    قوله: [ ويوصل العبد إلى المطلوب ]؛ المطلوب هو رضا الله جل وعلا وجنته.

    قال رحمه الله:

    [ فاحرص على فهمك للقواعد جامعة المسائل الشوارد ]

    فالقواعد الفقهية تجمع المسائل الشوارد، وهي تجمع مسائل كثيرة -كما تقدم- من أبواب متفرقة.

    قال رحمه الله:

    [ فترتقي في العلم خير مرتقى وتقتفي سبل الذي قد وفقا ]

    هكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، أعني: أن يأخذ بالعلم من طريقه الذي سلكه من قبله من أهل العلم، فإذا تعلم هذه القواعد وكان أيضاً قد تعلم علم أصول الفقه، واشتغل بالعلم من طريقه الذي سلكه من كان قبلنا من أهل العلم؛ فإنه يصل بإذن الله.

    قال رحمه الله:

    [ وهذه قواعد نظمتها من كتب أهل العلم قد حصلتها ]

    فهذه القواعد التي نظمها الشيخ قد حصلها من كتب أهل العلم لكنه نظمها ليقربها.

    قال رحمه الله:

    [ جزاهم المولى عظيم الأجر والعفو مع غفرانه والبر ]

    1.   

    شرح قاعدة الأمور بمقاصدها

    تعريف النية وحكم التلفظ بها

    [ النية شرط لسائر العمل بها الصلاح والفساد للعمل ]

    هذه القاعدة هي أولى القواعد الخمس الكبرى وهي قاعدة الأعمال بالنيات أو الأمور بمقاصدها، فما هي النية؟

    النية هي: قصد القلب وعزمه، ولذا فإنا نقول: إن النية محلها القلب، فلا يشرع التلفظ بها لا سراً ولا جهراً.

    قولنا: (لا سراً) أي كمن يحرك لسانه وينطق بالحروف بحيث يسمع نفسه فقط كالذي يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية، فإنه يسر، بمعنى: يحرك لسانه وينطق بالحروف بحيث يسمع نفسه عند جماعة كثيرة من أهل العلم، وبعضهم يكتفي بالنطق بالحروف وإخراجها من مخارجها.

    وقولنا: (ولا جهراً) أي بأن يسمع غيره.

    أما الجهر بالنية فهو بدعة عند عامة أهل العلم، فقول الرجل إذا أراد أن يصلي بحيث يسمع جاره: اللهم إني أريد أن أصلي صلاة الظهر، هذا جهر بالنية، وهو بدعة عند عامة العلماء.

    وأما الإسرار بها فأصح القولين وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذلك لا يشرع أيضاً، وأنه بدعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقت النية

    مسألة أخرى: النية يصح أن تقارن العمل، فتقول عندما تصف للصلاة: الله أكبر. وتنوي الصلاة، وتكون نيتك مقارنة للتكبير، بحيث إن جميع حروف التكبير تشملها النية.

    فإن سبقت النية العمل نظرنا: فإن سبقت النية بزمن يسير عرفاً، فنقول: إنها تجزئ، يعني: قبل أن يصلي بزمن يسير نوى الصلاة، ثم إنه ذهل عن صلاته فما شعر إلا وقد قال: الله أكبر؛ لكنه نوى الصلاة قبل دخوله فيها بزمن يسير في العرف، فهذه النية تجزئ كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره.

    فإن سبقته بزمن طويل في العرف، مثاله: رجل توضأ في البيت ثم خرج بنية الصلاة، ثم إنه ذهل في أمر فما شعر إلا وهو يصلي، هذا يحصل بحيث إنه يكون قد نوى قبل زمن طويل، قد يكون ربع ساعة أو نصف ساعة، وهذا زمن طويل في العرف، فمن العلماء كالحنابلة من قال: إنه لا يجزئ، ومن العلماء من قال: إنه يجزئ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو الراجح ما لم يقطع هذه النية، لأن هذا يدخل في عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، وهذا قد نوى العبادة، ولم يقطع هذه النية.

    ومعنى: (لم يقطعها) يعني: أراد ألا يصلي.

    مثاله: رجل توضأ وهو في بيته ثم إنه أراد أن لا يصلي، أي أنه قطع نية الصلاة، ثم بعد ذلك صلى بلا نية، فهذا قد قطع نية الصلاة.

    ويظهر ذلك بمثال أوضح فيما يتعلق بالصوم: فبعض الناس ينوي من أول رمضان أن يصوم الشهر كله، ثم إنه يسافر فيقطع هذه النية فنقول: إذا عدت إلى بلدك أو أردت أن تصوم في السفر فلابد أن تستأنف نية جديدة، لأنه قد قطع نيته.

    أما إذا لم ينو القطع فتكفي هذه النية للشهر كله في أصح القولين.

    إذاً نقول: إن الراجح أن النية إذا وقعت قبل العبادة بزمن طويل في العرف ولم يقطع هذه النية فإنها تكفي لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات).

    قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما خرج إلى المسجد إلا وهو يريد الصلاة، لأن بعض الناس قد يقع في الوسوسة، فنقول: أنت لم تخرج من بيتك إلى المسجد إلا وأنت تريد الصلاة.

    إذاً نقول: إن قارنت النية الفعل أجزأت هذه النية، وإن سبقته بزمن قصير في العرف أجزأت، وإن سبقته بزمن طويل في العرف ولم ينو القطع فأصح القولين أنها تجزئ أيضاً.

    النية شرط للعمل لا للترك

    من المسائل أيضاً: أن النية كما قال الشيخ هنا: (شرط لسائر العمل) أي: فخرج الترك.

    فعندنا فعل وعندنا ترك، فالترك لا تشترط له النية، وأما الفعل فتشترط له النية.

    فمثلاً: هذا رجل غسل بدنه بنية التبرد فقط، ثم تبين أنه جنب، فهل يجزئه هذا الغسل؟ لا يجزئه.

    فإن كان في بدنه نجاسة فغسل بدنه بنية التبرد فزالت النجاسة، فهل يطهر بدنه، أم نقول: إنه لم ينو فلا يطهر بدنه؟

    الجواب: إن بدنه يطهر؛ لأن إزالة النجاسة من باب التروك، فلا تشترط لها النية.

    كذلك لو أنه غسل ثوبه وهو لا يدري أن في ثوبه نجاسة، فطهر الثوب من هذه النجاسة ولم ينو تطهيره، فهل يطهر الثوب أم نقول لابد أن تغسله مرة أخرى بنية التطهير؟

    نقول: يجزئك، ويطهر الثوب من غير نية؛ لأن هذا من باب التروك.

    إذاً: التروك لا تشترط لها النية، وأما الأفعال فتشترط لها النية، ولذا قال الشيخ هنا: (النية شرط لسائر العمل).

    إذاً عندنا الآن عدة مسائل:

    الأولى: أن النية محلها القلب، فلا يشرع الجهر بها ولا الإسرار.

    الثانية: أنها تقارن العمل، فإن سبقته بزمن قصير عرفاً أجزأت، وإن سبقته بزمن طويل عرفاً فقولان: أصحهما أنها تجزئ ما لم ينو القطع.

    المسألة الثالثة: أن النية شرط للعمل لا الترك، فالتروك لا تشترط لها النية.

    النية تميز العبادات عن العادات وتميز رتب العبادات

    المسألة الرابعة: أن النية شرعت للتمييز، فهي تميز المعمول له، وتميز العبادة عن العبادة، وعن العادة.

    أولاً: تميز المعمول له: وهذا هو الإخلاص، وهذا بحثه في كتب السلوك وفي كتب التوحيد ومعناه أن تخلص عملك لله جل وعلا.

    هذا رجل يصلي لكنه قد يريد بصلاته ثواب الله وقد يريد الدنيا، فالنية تميز المعمول له، وهذا هو الإخلاص.

    ثانياً: النية تميز العبادة عن العبادة:

    ذلك: رجل استيقظ لصلاة الصبح فدخل المسجد فصلى بنية تحية المسجد ركعتين، فلما انتهى من الركعتين التفت فإذا بالناس يخرجون من المسجد، فعلم أن الصلاة قد أديت، فقال: إذاً تحية المسجد هي صلاة الفجر، فهل يجزئه ذلك؟

    الجواب: لا. لأن هذه عبادة وهي تحية المسجد، وصلاة الفجر عبادة أخرى.

    مثال آخر: رجل تصدق بعشرة آلاف ريال بنية التطوع، فلما قبضها الفقير تذكر المتصدق أن عليه زكاةً لم يخرجها، فقال: هذه عن زكاة مالي، فنقول له: لا يجزئك ذلك؛ لأن هذه عبادة وهذه عبادة.

    ثالثاً: تميز العبادة عن العادة:

    مثاله: رجل ترك الطعام والشراب بنية الصوم، هذه عبادة، وآخر ترك الطعام والشراب للصحة، فهذه عادة.

    رجل اغتسل بنية التبريد، وآخر اغتسل بنية رفع الحدث، نقول: هذه عبادة وهذه عادة.

    إذاً: النية هي التي تميز بين العبادة والعادة، وتميز بين العبادة والعبادة الأخرى. وتميز العمل للمعمول له جل وعلا، وهذا الإخلاص.

    النية شرط للعمل الصالح

    من المسائل أيضاً: أن النية شرط للعمل الصالح، أي: العبادة:

    وعلى ذلك فإذا كان العمل ليس بعبادة لم تشترط له النية، فليست شرطاً فيما ليس بعبادة من العمل، مثل قضاء الدين فليس بعبادة، وإن كان إذا نوى العبادة فيه أثيب.

    وعلى ذلك فلو أنك ذهبت إلى غريم صاحبك، فقلت: خذ هذا المال عن الدين الذي لك في ذمة صاحبي، فأخذه برئت ذمة صاحبك مع أنه لم ينو قضاء الدين ومع ذلك فإنها تبرأ.

    أما العبادة فلابد فيها من نية، فمثلاً: هذا رجل ذهب إلى جمعية لأمر فوجد أن عندهم صدقة فطر، فأعطاهم ألف ريال عن مائة نفس، عشر ينفق عليها وتسعون لا ينفق عليها، لكنهم من أصحابه وإخوانه الذين لا ينفق عليهم، ثم أخبرهم وقال: إني قد أخرجت عنكم صدقة الفطر، فهل يجزئ ذلك؟ الجواب: لا يجزئ، لأن صدقة الفطر عبادة، لابد أن ينويها من يخرجها، لكن أولادك الذين تنفق عليهم وكذلك امرأتك التي تنفق عليها تكفي نيتك؛ لأن الصدقة واجبة عليك أنت، لأنك أنت الذي ينفق.

    هذا رجل آخر أتاه جباة الزكاة، فقالوا: إن عليك في مالك كذا، فأعطاهم إياه وقالوا: لمن هذا المال؟ قال: هذا لأخي، قالوا: إن عليه كذا، فأعطاهم عنه من ماله، فنقول: يجزئ حتى ينوي أخوه لأنها زكاة، لكن لو أخذها الجباة من مال أخيك، فهؤلاء قد أخذوها من ماله، فهم جباة وقد أخذوا الحق ممن هو عليه فيجزئ، لكن عندما تتبرع أنت لأخيك فتقول: هذه زكاة عني وهذه زكاة عن أخي، فنقول: لابد أن ينوي، لأن النية شرط لسائر العمل، بها الصلاح والفساد للعمل.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.