مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة البقرة

742230

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

7990

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

5983

4

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2598

(...)
5

قصص الأنبياء - قصة ابر..

2515

طارق السويدان
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1533

محمد المنجد
7

دعاء ختم القرآن الكريم..

1463

8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1434

9

خطبة عيد الفطر

1406

سعد البريك
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1328

بين لطائف اللغة ونصوص الشريعة، تتنقل بنا هذه المادة، في حديث عن أحكام التمني والتحسر، وضوابط (لو) و (لولا).

تتخلل ذلك أحاديث عن بعض الشخصيات كالحطيئة والحجاج، وكابن المسيب وابن جبير، وبعض الإضافات التي تضمنتها الأسئلة بعد المحاضرة.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعــد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ومع أحاديث من صحيح البخاري في كتاب التمني، يتساءل ويسأل الأكثر! عن لفظٍ يُطلقه كثير من الناس، ما صحة هذا اللفظ؟ وما مدى مصداقية هذا اللفظ؟ وهل يعارض هذا اللفظ القضاء والقدر؟ وما هو موقف القرآن والسنة من هذا اللفظ؟

قال رحمه الله تعالى: باب ما يجوز من اللَّو وقوله تعالى: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [هود:80] ما هي كلمة "لو"؟ والبخاري سرد أحاديث على "لو ولولا" هل يجوز لك أن تقول: لو؟ لو فعلت كذا لكان كذا وكذا؟

عندما تمرض فتقول: لو أني ذهبت إلى الطبيب قبل مرضي لما مرضت؟ يرسب ابنك، فتقول: لو أني ذاكرت مع ابني أو راجعت له دروسه ما رسب، هل هذا جائز أم لا؟

ذلك ما سوف يجيبنا عليه الإمام البخاري، وسوف يحلق بنا المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث لندخل رياضاً يانعة، ولنسمع أقوال أهل العلم وهم يحللون هذه الألفاظ (لو ولولا).

 قول لوط لقومه: ( لوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة )

قال: وقوله تعالى: لوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة [هود:80].

لوط عليه السلام هو الذي قال هذه المقالة، لما هجم عليه المجرمون يريدون ضيوفه من الملائكة، وكان قوم لوط قوم سوء -أهل فاحشة- فلما رآهم خرج إليهم، وقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] أما عندكم إيمان؟ أما عندكم عقول؟

ثم تأسف وتحسر! وقال من شدة الغضب: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [هود:80] لو أستطيع أن أقارعكم وأجاولكم وأصاولكم هذا اليوم لفعلت، ثم انتقل وقال: أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80].

ما هو الركن الشديد؟

الأسرة القوية، قال: يا ليت عندي قوة في نفسي هذا اليوم، أو يا ليت عندي أسرة قوية وعشيرة مؤيدة لأخمدكم هذا اليوم.

قال عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ هذه الآيات: {رحم الله أخي لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد} والركن الشديد هو الله عز وجل فيقول: كأن الرسول عليه الصلاة والسلام تعجب! كيف يقول: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، وكأنه نسي الله من الغضب، ولا أقوى وأجل وأعظم من الله!! لكنه قالها مع الغضب.

 " لو " في حديث عن يوسف

والرسول عليه الصلاة والسلام كان يتابع بعض قصص الأنبياء باستغراب، وربما علق عليه الصلاة والسلام، قرأ سورة يوسف يوم وصل يوسف السجن ويوم عاد الرسول إلى الملك، فقال عليه الصلاة والسلام: {رحم الله يوسف! لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي} كأنه يقول: يوسف أفضل منا على هذا، ويوسف عليه السلام رفض أن يخرج من السجن إلا ببراءة، قال الملك: أريد أن أستخلصه لنفسي، قال: لا. ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50].

يقول: لا أخرج حتى يكتب لي براءة أني ما خنت وما أخطأت وما تعديت؟ وفي الأخير خرج ببراءة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أكبر قيمته.

 " لو " في حديث عن موسى والخضر

وقرأ صلى الله عليه وسلم سورة الكهف، وتابع القصة باستغراق بين موسى والخضر عليهما السلام، فلما انتهت القصة، قال عليه الصلاة والسلام وهو يتبسم: {رحم الله موسى! لوددنا أنه صبر وقص علينا من نبأهما} يقول: ليته مكث قليلاً حتى يزداد علماً بهذه السيرة والرحلة العجيبة الغريبة.

 حديث البخاري في باب ما يجوز من اللو

ثم قال البخاري: باب ما يجوز من اللو؛ لأنه ورد عند مسلم وابن ماجة وأبي داود وأحمد بألفاظ متباينة، يقول عليه الصلاة والسلام: {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل} فالآن هل يجوز لنا مع هذا النهي في الحديث أن نطلق "لو" وأن نتلفظ بها؟ هذا ما سيظهر لنا من مقصود البخاري.

قال حدثنا علي بن عبد الله.

علي بن عبد الله هو: المديني شيخ الإمام البخاري، إمام كبير وأمير المؤمنين في الحديث، كان حفظه للحديث كالسحر، يقول البخاري على جلالته في الإسلام: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.

قال: حدثنا سفيان بن عيينة، سفيان في السند اثنان: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وكلاهما جليلان، وحماد في السند اثنان: حماد بن سلمة وحماد بن زيد وكلامها جليلان أيضاً.

حدثنا: أبو الزناد، عن القاسم بن محمد، قال: { ذكر ابن عباس المتلاعنين، فقال عبد الله بن شداد: أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت راجماً امرأة من غير بينة؟ قال: لا! تلك امرأةٌ أعلنت} الشاهد هنا "لو".

أما قصة هذا الحديث فهو أنه أتى رجل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله! إذا وجد الرجل مع امرأته رجلاً آخر ماذا يفعل؟

فكره عليه الصلاة والسلام هذه المسألة؛ لأنها لم تقع بعد والإنسان يطلب ستر الله وعفوه وكرمه، فكره صلى الله عليه وسلم المسألة، ولم يجب عليه الصلاة والسلام الرجل، فوقع الرجل في هذه المغبة والمسألة، فذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فشكى امرأته إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: {البينة وإلا حد في ظهرك، قال: يا رسول الله! والله ما كذبت ولا كُذبت، قال: البينة وإلا حد في ظهرك} أنت قاذف والقاذف يجلد ثمانين جلدة، قال: {يا رسول الله! ما كذبت ولا كُذبت} وخرج يسأل الله أن يجعل الله له مخرجاً، إما أن يجلد وتفارقه زوجته؛ لأنه قاذف، وإلا أن يقيم البينة، وتُرجم زوجته، فأنزل الله عز وجل الحل لهذا الملاعنة في سورة النور، فاستدعاها صلى الله عليه وسلم واستدعاه، ووعظه بالله وذكَّره بلقائه وموعوده والعرض عليه، فلاعن وتقدم، ثم أخذها وذكرها بموعود الله والعرض على الله، والوقوف بين يديه، فتقدمت، وفي الأخير قال عليه الصلاة والسلام: {انظروا لها وقد حملت! إن أتت به كيت وكيت فهو شبيه بزوجها، وإن أتت به كيت وكيت فهو شبيه بالرجل الذي رميت به} فوضعت بالرجل التي رميت به، نسأل الله العافية!

قال عليه الصلاة والسلام: {والذي نفسي بيده! لولا ما سبق من الكتاب لكان لي ولها شأن} أي: لولا آية سورة النور لكان لي ولها شأن -يعني: الرجم- وقال عليه الصلاة والسلام: {لو كنت راجماً امرأة من غير بينة} أي: لرجمتها، فـ"لو" هنا استخدمها صلى الله عليه وسلم.

 شروط جواز استخدام " لو "

يجوز استخدام (لو) بشروط: ألا تعارض مشيئة الله تبارك وتعالى، فإذا عارضت القضاء والقدر حرم استخدام (لو) فلا يقع إنسان في حادث ومصيبة، فيقول: لو فعلت كذا وكذا؛ لما وقعت عليك المصيبة، هذا معارضة للقضاء والقدر، لكن لك أن تتحسر على أمر فات عليك، تقول: لو كنت في شبابي، أو لو استقبلت من شبابي ما استدبرت؛ لتبت إلى الله عز وجل، هذا تأسف على العمل الصالح وقد جوَّزه بعض أهل العلم.

فيجوز إطلاقها لمن جزم بمشيئة الله سبحانه وتعالى وهذا رأي ابن حجر العسقلاني في الفتح.

وإن كان العمل للاستقبال فيجوز ذلك، وهو قول القاضي عياض المالكي، تقول: لو أتت العطلة الصيفية لحفظت القرآن، أما الماضي فلا يجوز عند القاضي عياض، لكن سوف يرد عليه أهل العلم برد وهو ما كان فيه مصلحة وفائدة، كان يتحسر عليها ويقول: لو أني استطعت أن أذهب إلى الجهاد لذهبت وفي الحديث: {لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي} فالرسول عليه الصلاة والسلام تحسَّر على أمر فات ومضى.

نواصل مع البخاري في صحيحه ثم نأتي إلى المسائل التي في الحديث.

قال عطاء: أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء، فخرج عمر رضي الله عنه، فقال: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر يقول: {لولا أن أشق على أمتي -أو على الناس- لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة} الحديث.

(لولا) هنا ليست كـ(لو) فإن لو أداة امتناع الشيء لامتناع غيره، تقول: لو أتاني الضيف لأكرمته، فما أكرمته لامتناع مجيئه، لو ذاكر الطالب لنجح، امتنع نجاحه لامتناع مذاكرته.

تأتي (لو) على معانٍ: تأتي بمعنى: إن الشرطية، كقوله سبحانه وتعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [البقرة:221] أي: وإن أعجبتكم، فـ(لو) تأتي شرطية.

وتأتي للتقليل: التمس ولو خاتماً من حديد، وفي الحديث: ( أن امرأة أتت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فعرضت نفسها؛ ليتزوجها المصطفى صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها، فأتى رجل فخطبها، فقال عليه الصلاة والسلام: أعندك شيء؟ قال: لا، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب فلم يجد شيئاً، فقال: أعندك شيء من القرآن؟ قال: نعم. قال: ماذا عندك؟ -في بعض الروايات- قال: سورة البقرة، قال: زوجتك إياها بما معك من القرآن) والشاهد: التمس ولو خاتماً من حديد، فـ(لو) هنا للتقليل.

ولو أني بليت بهاشمي     خئولته بنو عبد المدان

لهان عليَّ ما ألقى ولكن      تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

يقول الشاعر: يا ليت الذي يخاصمني على مستواي! لكنه رجل متبذل، يخصمني وهو رجل حقير صغير، حتى إن ابن القيم كما في شفاء العليل في "كتاب القدر" يقول: بلينا -والله- بالمبتدعة أفراخ الصابئة وأذناب المجوس! أي: أنهم يهاجمون أهل السنة والجماعة.

ثم قال: ولو أني بليت بهاشمي: أي: من بني هاشم، من أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

خئولته بنو عبد المدان: وهي أسرة كبيرة من العرب.

لهان علي ما ألقى: أي لو كان خصمك فيه قوة، لهان عليك.

ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني: والعرب يصيبها المضض إذا كان خصمه حقيراً ثم أذله، ولذلك يجدون مضاضة أن يذلهم الحقير.

الحارثي أحد شعراء العرب وعظمائهم في نجران، أتت إليه امرأة عجوز فضربته على وجهه، لأنه قتل ابنها، قال: ليتها صاحبة معصم تكون ضربتني على وجهي، كأنه يقول: عجوز وتضربني؛ لأنه مكتف مقيد كالأسد، قتل ابنها وقتل أشراف قومها، ثم رسم قصيدة يقول:

وتضحك مني شيخة عبشمية      كأن لم تر قبلي أسيراً يمانيا

إلى آخر القصة، والشاهد: أن (لو) تستخدم للتقليل.

وتستخدم (لو) للعرض تقول: لو تنزل عندنا أكرمناك، لو تأتينا أتحفناك، ولو تسعدنا شرَّفناك.

وتستخدم للحصر: لو فعلت كذا لكان أحسن، لو ذاكرت كان أفيد، لو صليت كان أنفع، لو ذكرت الله كان أعظم لأجرك.

وتستخدم بمعنى (هلاّ) قال تعالى: لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77].

في الرحلة الطويلة لموسى عليه السلام مع الخضر وكان فيها أعاجيب، كما قال تعالى عن الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً [الجن:1] العفاريت يقولون: القرآن عجبٌ، وكثير من الناس لا يعجبون من القرآن! وفي آخر المطاف نزل الخضر وموسى عليهما السلام فاستطعما أهل القرية فلم يطعموهما بسبب اللؤم والبخل:

لا يقبض الموت نفساً من نفوسهم     إلا وفي يده من نتنها عودُ

عيد بأية حال عدت يا عيد      بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ

إلى أن يقول:

إني نزلت بكذابين ضيفهم     عن القرى وعن الترحال محدودُ

جود الرجال من الأيدي وجودهم     من اللسان فلا كانوا ولا الجودُ

فالخضر رأى الجدار يكاد أن يسقط فقام فبناه، قال موسى: سبحان الله! قوم حملونا بالسفينة بغير أجر وخرقت السفينة، وقوم لم يطعمونا وبنيت لهم الجدار قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77] قال: هلاَّ من باب الأدب.

وتستخدم: للتمني، قال سبحانه: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:102] لكن ما تنفعهم كرة؟ يقول أهل الجحيم في الجحيم: ياليت لنا عودة إلى الدنيا، لكن (لولا) للتمني.

وتستخدم شرطية جزائية: لو جئتني أكرمتك، ولو ذاكرت نجحت.

قال أحد العرب وقد سرقت إبله من قبيلة مخاصمة محاربة، فذهب إلى قومه فقال: أنجدوني!

كانوا جبناء حتى أن بعض القبائل العربية قبل الإسلام كانت القبيلة تقية ورعة، قالوا: فيها جبن، حتى أن الحطيئة يسب قبيلة يقول:

قُبِّيلة لا يغدرون بذمة      ولا يظلمون الناس حبة خردل

يقول: ماشاء الله! ما أحسن هذه القبيلة، لسكونها ووقارها وورعها لا يغدرون بالناس، وهذا من جبنها، وهو يعني: الذم، فذهبت القبيلة إلى عمر رضي الله عنه، فقالت: يا أمير المؤمنين! سبنا وشتمنا، قال عمر: عليّ به! فأتي بـالحطيئة، وقد كان من كبار الشعراء؛ لكنه بذيء اللسان، وفي مجلس عمر دخل أمير أهل العراق الزبرقان بن بدر قال: سبني يا أمير المؤمنين! وأتى ثانٍ وثالث، قال: سبني يا أمير المؤمنين! قال عمر: ماذا يقول فيكم أيتها القبيلة؟ قالوا:

يقول:

قبيلة لا يغدرون بذمة      ولا يظلمون الناس حبة خردل

قال عمر: ياليتني كنت كذلك، وعمر يدري أنه يسبهم؛ لأنه يعرف الذم.

يا أمير المؤمنين إنه يقول:

ولا يردون الماء إلا عشية      إذا صدر الوراد عن كل منهل

يقول: من الخوف والجبن لا يزاحمون على الماء إلا بعد صلاة المغرب، قال عمر: ذلك أبعد للزحام.

وعمر يمررها كلها لكنه يأتي بأمور لا تسمح، وفي الأخير قال للزبرقان: ماذا قال فيك الحطيئة؟

قال: يقول فيّ:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها      واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

قال عمر: ما سبك! يقول: اجلس في بيتك فإنك مطعوم ومكسي، قال: أنا خادم، قال: لا. قال: ويقول:

أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم      ولا يرى طارق للحر كاليأس

قال: صدق ما سبك! قال: اسأل حسان، وحسان هو طبيب المهنة، "أعطوا القوس باريها" فأتى حسان فجلس، فذكر عمر له البيت، فقال حسان: ما سبه وإنما سلح عليه!

فقال: عمر: أنزلوا الحطيئة في بئر، فأنزلوه فيها، فأخذ يصيح كالثعلب من آخر البئر، وألقى قصيدة أبكت عمر رضي الله عنه وأرضاه، يقول:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ     زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

يقول: يا أمير المؤمنين! يا عمر بن الخطاب! أجلستني في قعر البئر وأطفالي في الصحراء، بماذا تلقى الله، وتقول لله عز وجل في أطفالي.

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ      زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

ضيعت كاسبهم في قعر مظلمة     فاغفر عليك سلام الله يا عمر

إلى آخر القصيدة.. فبكى عمر وأطلقه، وشرى أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، قال: حرام عليك أن تهجو أحداً، فلما مات عمر كان يريد أن يهجو؛ فيتذكر عهد عمر فيسكت حتى مات، فما هجا أحداً بفضل الله.

المقصود: أن هذا الرجل سلبت إبله فذهب إلى قبيلته فاستنجد القبيلة، فقالوا: لا ننصرك، سبحان الله! فألقى قصيدة رائعة يقول فيهم:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي     بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

يقول: لو كنت من القبيلة تلك، ما أخذوا إبلي؛ ولكن أنا منكم، أنتم فسلة يا ضعاف.. إلى أن يقول:

قوم إذا الشر أبدى ناجديه لهم      هبوا إليه زرافات ووحداناً

لا يسألون أخاهم حين يندبهم       في النائبات على ما قال برهاناً

انظر إلى الشجاعة! لا يقول: إذا أتى رجل يصيح فيهم: يا قومنا أجيبوا داعي الله! تعالوا فقد أحيط بي، فيقولون: أعطنا بينة، هل يشهد معك أربعة أنهم أخذوا إبلك الشاهد أن "لو" تأتي: للتمني.. وتأتي في مواضع أخرى.

أما "لولا" التي يقول فيها ابن حجر: هي أداة امتناع لوجود، كما في الحديث: (لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ما معنى هذا؟

يقول عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وجدت المشقة فامتنع الأمر.

قال عطاء: فخرج عمر رضي الله عنه وأرضاه، والرسول عليه الصلاة والسلام كان منشغلاً في بيته -غالباً- وقت صلاة العشاء، فلما انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم أتى النساء والصبيان، لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كانوا أهل مهنة، فأبطأ عليهم صلى الله عليه وسلم وهم أهل أشغال في النهار، فنام كثير منهم، فأتى عمر وكان رضي الله عنه جريئاً، فقال: يا رسول الله! يا رسول الله! يا رسول الله! نام النساء والصبيان، فخرج صلى الله عليه وسلم تقطر ظفائره بالماء، وفي لفظ: أنه وضع خاتمه على ناصيته الشريفة يزيل الماء، وقال: (لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهو صلى الله عليه وسلم لا يريد المشقة، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] فهو عليه الصلاة والسلام يتجنب كل ما فيه مشقة، ويكره التنطع والتعمق والتشديد على الناس.

قام الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان يُصلي من الليل، فوجد قوماً يُصلَّون بصلاته صلى الله عليه وسلم، فترك الصلاة في الليلة الرابعة، قالوا: لماذا يا رسول الله؟ قال: خشيت أن تكتب عليكم. وفي الحديث: (كان يترك كثيراً من العمل خشية أن يكتب على الأمة) عليه أفضل الصلاة والسلام.

كان يقوم في الصلاة يريد إطالتها فيسمع بكاء الطفل من آخر المسجد، فيخفف الصلاة لما يعلم من وجد أمه عليه.

لكن كيف يرقد النساء والصبيان ثم يقومون للصلاة ولم يتوضئوا؟

قال أهل العلم: يحمل الحديث على محملين:

الأول: أنهم نعسوا ولم يرقدوا، والنعاس يسمى رقاداً، أي: أول الرقاد يسمى نعاساً ولم يكن متمكناً.

والأمر الثاني: أن في الحديث أمراً مسكوتاً عنه، ومن يخبرنا أنهم توضئوا أم لا؟ وإلا فالحديث على ظاهره -إن شاء الله- على قول من قال: إن النوم لاينقض الوضوء.

عن عبد الرحمن وهو الأعرج قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) وفي رواية البخاري (مع كل وضوء) وهذا الأمر يقتضي الحث والندب على السواك، ويعلم أن السواك ليس بواجب على الناس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم...) فانتفى الأمر والوجوب لما فيه المشقة.

وعن أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: ( واصل النبي صلى الله عليه وسلم آخر الشهر وواصل أناس من الناس، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو مدَّ بي الشهرُ لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم، إني أظل يُطعمني ربي ويسقيني).

معنى الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام صام يوماً من الأيام ثم واصل، والمواصلة هنا، أي: مواصلة الليل بالنهار، فالرسول صلى الله عليه وسلم صام الليل مع النهار، فأتى أناس من الصحابة يريدون المواصلة، فقال عليه الصلاة والسلام: (أنا لست كهيئتكم! أني أظل يطعمني ربي ويسقيني) فواصل، فقال صلى الله عليه وسلم: (لو مد بي الشهر لواصلت بكم...) يعني: تحدٍّ حتى يظهر من يستطيع أن يصبر ممن لا يستطيع أن يصبر، كالمنكل بهم صلى الله عليه وسلم.

ومعنى: (إني أظل يطعمني ربي ويسقيني) ليس معناه: أنه يطعمه الطعام، ويسقيه الشراب، فإنه ليس بصائم على هذا، لكن معناه: أنه يطعمه سبحانه وتعالى من المعارف والإشراقات والوحي والنور والحكمة ما يشبع به.

يقول الأندلسي:

فقوت الروح أرواح المعاني      وليس بأن طعمت ولا شربتا

أي: إن قوت القلب هو أرواح المعاني والألفاظ والإبداعات ودلالات الألفاظ، والمعاني: هي التي تشبعك، وليس الطعام والشراب كما عند كثير من الناس.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يُطْعم بالوحي، ويُسقى بالحكمة، فلا يظمأ.

قال ابن القيم عند هذه: نعم، هذا ما يدير الله عليه من المعاني والحكم، ثم أتى بأبيات، وهي لأحد العرب يخاطب محبوبته حاكياً عن ناقته لكنَّ ابن القيم قلب هذه الأبيات وجدها لتكون في حب العبد لمولاه تبارك وتعالى، يقول:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها      عن الشراب وتلهيها عن الزاد

لها بوجهك نور تستضيء به      ومن حديثك في أعقابها حادي

إذا تشكت كلال السير أسعفها      سوق القدوم فتحيا عند ميعاد

وهي من أحسن الأبيات، ذاك الشاعر يقول: أمشي بناقتي فتكل، فأُحدثها بأخبارك فتتشجع -انظر إلى الكذب الكثير- قال: فإذا أظلم الليل رأت من الأنوار فتوقت ومشت.

الشهرزوري يقول عنه ابن خلكان: له أبدع قصيدة عند العرب في معنى النور يقول:

لمعت نارهم وقد عسعس الليل      ومل الحادي وحار الدليل

فتأملتها وفكري من البين      عليل وطرف عيني كليل

وهذا كما قال سبحانه وتعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء:224-227].

(إني أظل يطعمني ربي ويسقيني) قال: "لو مد" والشاهد من الحديث (لو) وهي أداة امتناع لامتناع.

 نبذة عن حياة سيد التابعين

سعيد بن المسيب، حيا الله سعيد بن المسيب سيد التابعين بلا مرية، اختلف أهل العلم أيهم سيد التابعين؟ قالوا: سعيد بن المسيب، أو الحسن البصري أو أويس القرني، قالوا: أما في الزهد فـأويس؛ فإن فيه أحاديث، وأما في العلم والنقل والفقه فـسعيد بن المسيب، وأما في أعمال القلوب والرقائق فـالحسن البصري.

وسعيد بن المسيب قرشي زهري، كان قوي الشخصية إلى الحد الذي يفوق الحصر، رفض أموراً كثيرة عُرِضَت عليه، جلد وابتلي ورفع الله منزلته، كان يجلس بعد الفجر، وكانت ثيابه بيضاء، وكان يعتني بالطيب والسواك والوضوء، وكان يستقبل القبلة، قالوا: كان يجلس متربعاً حتى يؤذن لصلاة الظهر وهو يذكر الله، وقيل عنه: إنه كان يصوم كثيراً من الأيام، وما رئي إلا قليل من الأيام وهو مفطر.

ويقول: والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام أربعين سنة، وما نظرت إلى ظهر أحدٍ في الصلاة إلا إلى الإمام، قال: ولما وقعت معركة الحرة، التي دبرها يزيد بن معاوية، ولو أن بعض المؤرخين ينفي هذه المعركة عن يزيد، ويبرئ ساحته من المعركة، لكنه أرسل مسرف بن عقبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء} في لفظ: {لا يكيد أحد المدينة إلا أنماع كما يذوب الملح في الماء} فأرسل جيشاً من دمشق فدخل المدينة، فاستباحها ثلاثة أيام، وقتل أبناء المهاجرين، والأنصار، وخرجوا من المسجد خائفين، قال سعيد: -كما في سيرته- [[ فبقيت في المسجد كلما حضر وقت الصلاة أسمع الأذان من قبره صلى الله عليه وسلم]] هكذا ورد وهذه الرواية هذه صحيحة.

يقول سعيد: سمعت أبا هريرة يقول: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال} وصال الليل بالنهار، وقد فعله بعض الصحابة والتابعين، ولكن هذا مردود عليهم بالسنة، قال الذهبي: فعرضنا عبد الله بن الزبير وكان من أقوى الناس على العبادة، يمر به ليلة -كما في سيرته- فيجعل الليل من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر قائماً يقرأ، والليلة الثانية راكعاً إلى صلاة الفجر، والليلة الثالثة ساجداً إلى صلاة الفجر، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء بسند صحيح عنه: كان يصوم سبعة أيام ليلاً ونهاراً ويفطر في اليوم الثامن، سبعة أيام سرداً، ويفطر على سمن الأبقار، وكان عابداً من الدرجة الأولى، طاف بالبيت يوم أن اقتحم السيل الحرم، فطاف في السيل رضي الله عنه وأرضاه، ولم يكن كبير جثمان وإنما كان نحيفاً، ذكر أنه كان إذا خطب ارتجت له نواحي الحرم من صلابة صوته وشجاعته، وهو الذي قتله الحجاج: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134].

إذاً ورد النهي عن الوصال والسرد، وسرد الأيام -أي: صيام الدهر- منهي عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد}.

أي: أنه ينهى أن يصوم الإنسان كل الأيام وعليه بالسنة أن يصوم ويفطر، أما السرد فمنهي عنه، وأما الصحابة الذين فعلوا ذلك؛ فيحمل على أنه ما بلغهم النهي، رضي الله عنهم وأرضاهم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدار أمن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فما بالهم لم يُدخلوه في البيت؟

قال: إن قومك قَصُرت بهم النفقة -أو قَصّرت بهم النفقة- قلت: فما شأنُ بابه مرتفعاً؟

قال: فعل ذاك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية، فأخاف أن تُنكرَ قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه في الأرض).

 المعنى الإجمالي لحديث بناء الكعبة

يقول عليه الصلاة والسلام لما قالت له عائشة رضي الله عنها وأرضاها: يا رسول! هل الجدار هذا من الكعبة؟ قال: نعم، قالت: فلماذا لم يدخل بالكعبة؟ قال: إن قومك -أي: قريش الكافرة- وهذا فيه جواز إطلاق القوم الوثنيين في النسبة، أن تقول للمسلم: قومك ولو كانوا مشركين، والله يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ [هود:25] وقال في صالح: إلى قومه، وقال في هود: إلى قومه، فسَّماهم أقواماً لهم بنسبة العنصر والنسب لا بنسبة الديانة والخلق والعقيدة.

قال: {إن قومك قصرت بهم النفقة} ما وجدوا مالاً ليدخلوا هذا الجدار في الكعبة، قالت: فلماذا الباب مرتفع؟ أما ترى باب الكعبة كيف ارتفع إلى أعلى؟

قال عليه الصلاة والسلام: فعل ذلك قومك عمداً، ليدخلوا من شاءوا ويتركوا من شاءوا.

كيف يدخلوا من شاءوا؟

الآن لا يدخل الكعبة إلا بسلم فكان يجتمع أربعون لا يمكن أن يدخل غيرهم من أهل الرأي والمشورة المسنين منهم، فإذا دخل واحد ليس من أهل الندوة أو أهل الرأي، ضربوه في صدره فيقع على قفاه، وأما بني هاشم فيدخلون ولو كانوا صغاراً؛ فإنهم الأسرة المجيدة، القوية وأسرة الريادة، وأما غيرهم فلا يدخل إلا الكبار.

فقال صلى الله عليه وسلم: {ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، أن يدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض} أي: لفعلت.

 قضايا في حديث بناء الكعبة

في هذا الحديث قضايا:

أولها: مخاطبة الناس على قدر عقولهم، فالرسول عليه الصلاة والسلام يخاف من الكفار يوم أسلموا أن يبدل شيئاً من الكعبة فيقول الكفار: انظروا! حتى الكعبة ما تركها حتى بدَّلها، فترتد وتنكر قلوبهم، فتركها صلى الله عليه وسلم.

ولذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: [[إنك لست مُحدِّثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة]] ولذلك حق على الداعية والمتكلم أن يُقدِّر قدر المجتمع والبيئة التي يعيش فيها، لا يأتي إلى أناس لا يعرفون الأبجديات في الإسلام، ويقول: ذهبت القدرية، والمعتزلة والمرجئة، والجهمية، والأشاعرة إلى كذا، وذهب أهل السنة إلى كذا، عقولهم لا تدرك هذه المستويات من الدقة والخلافات والتعمق، فهذا أمر لا بد أنُ ينتبه له.

قال علي رضي الله عنه [[w=8000267>حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]] فحق علينا أن نُحدِّث الناس بما يعرفون.

والقضية الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم: {فأخاف أن تنكر قلوبهم}.

إن على الداعية أن يتَّلمس المنافذ للدخول إلى القلوب، لكن لا يأتي إلى أمور كأنها غيبيات ما سمعوا بها فتنكر قلوبهم، فيصابون بكبت نسأل الله العافية.

والقضية الثالثة: لما حدثت عائشة رضي الله عنها ابن الزبير بهذا الحديث وهو خليفة -تولى الخلافة ست سنوات- هدم البيت، وأدخل الجدار في الكعبة، فأتى عبد الملك يطوف بالكعبة، فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

لقد كان الناس حديثو عهد بجاهلية، ولكن لما ماتوا أتى ابن الزبير في خلافته، فأدخل الجدار داخل الكعبة، لكن عبد الملك بن مروان قتل ابن الزبير، صلبه عند الحجون بواسطة الحجاج، فغضب حتى لا تكون الكعبة من مشاريع ابن الزبير، فنقضها وأعادها على البناء الأول، وأخذ عبد الملك يقول: كذب ابن الزبير، ألا يستحي من الله، يقول: إنه سمع عائشة تقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية، لأدخلت الجدر في البيت، وألصق بابه في الأرض} فقال العلماء بجانبه: صدق ابن الزبير، قالت عائشة هذا عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

ولما أتى هارون الرشيد بمشروع آخر لتوسعة الكعبة استشار الإمام مالك، فكتب له الإمام مالك: يا أمير المؤمنين! لا تفعل ذلك، فإن فعلت ذلك؛ أصبحت الكعبة لعبة للملوك، كلما أتى إنسان غضب على الذي قبله، قال: باسم الله! تُهدم الكعبة وتُبنى من جديد، فتوقف هارون الرشيد بهذا الرأي السديد الحازم، فبقيت على أصلها كما كانت في عهده صلى الله عليه وسلم.

 إحراق الكعبة

يقال: إن الكعبة أحرقت مرتين:

المرة الأولى: لما أرسل عليها الحجاج بن يوسف الظالم قذائف المنجنيق، ركب الراجمات على جبل أبي قبيس، ثم أخذ يُطلق المنجنيق وهي حجارة كبرى تقدر برأس الإنسان، وكان يسحبها أربعة جنود، وكان لها شيء من جلود وحديد وسبائك وأعواد قوية، فإذا سحبت عادت القذيفة ثم أطلقت، فضربت البيت، وقد كان ابن الزبير في داخل البيت عائذاً بالله سبحانه وتعالى، وكان يسمى "عائذ البيت" فوقعت فاحترقت الكعبة، فلمع بارق في الجو، وارعد الرعد، حتى سمع للرعد زلزلة في جبال مكة، فخاف الجنود وتوقفوا، فقال الحجاج: ما عليكم! هذه ذنوب تهامة.

والمرة الثانية في عهد جعفر الصادق، يقال: كان يصلي فانطلقت شرارة من نار من بيت قريب من الكعبة فوقعت في لباس الكعبة فاحترقت.

 سعيد بن جبير والحجاج

وما دام أننا تعرضنا للحجاج، فلا بأس أن نعيش مع الحجاج للاستفادة من قصته مع سعيد بن جبير أحد التابعين الأخيار، من الذين لهم أحاديث في هذا الباب، وكان من الناقمين على ظلم الحجاج.

كان مع العلماء في بئر جمان، فهرب من الحجاج وبقي هارباً، قيل: سبع أو ثمان سنوات، فظفر به الحجاج، وأتي به، وأدخل على الحجاج كما في تحفة الأحوذي في المجلد الأول- قال له الحجاج: من أنت؟ قال: أنا سعيد بن جبير. قال: بل أنت شقي بن كسير، جعل مكان سعيد: (شقي) ومكان جبير: (كسير) قال: أمي التي سمتني أعلم، قال: شقيت أنت وشقيت أمك.

ثم قال الحجاج: والله لأصلينك في الحياة ناراً تلظى -يقول ذلك لأحد العباد والزهاد والعلماء الكبار- قال سعيد بن جبير: لو أعلم أن ذلك إليك لاتخذتك إلهاً، قال الحجاج: علي بالعود، فأتي بجارية مغنية فضربت العود، فبكى سعيد بن جبير، قال الحجاج: أتبكي من الطرب؟

قال: لا والله. لكن الجارية خلقت وسخرت لغير ما خلقت له، وعود قطع من شجرة فسخر لغير ما خلق له، قال: عليّ بالذهب والفضة، فنثروها بين يديه، فقال: سعيد بن جبير: إن كنت جعلت هذا المال لتدرأ به عذاب الله فنعم ما فعلت، وإن كنت أخذته رياء وسمعة فوالله لتحاسبن عنه عند الله يوم القيامة.

فقال الحجاج: خذوه، ووجهوه إلى غير القبلة؛ فقال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] قال: اطرحوه أرضاً، قال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] قال: لو كنت مظلوماً لانتصرت، قال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42] فلما أرادوا ذبحه قال: يا قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج! يا قاصم الجبابرة اقصم ظهرالحجاج، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي.

فلما ذبح سعيد بن جبير ذكر بعض أهل السير أن رأسه كان يتدهده ويقول: (الله الله) فأتى الحجاج فدخل باب الإمارة وحك يده، فامتلأ جسمه بلاء من دعوة سعيد بن جبير، فوضع نفسه على السرير وأخذ يخور كما يخور الثور شهراً كاملاً، لا يأكل ولا يشرب، وورم جسمه، وخرج منه دمل يحكه فينزل منه قيح وصديد ودم، يقول: والله ما مرَّت بي ليلة إلا رأيت كأني أسبح في الدم.

ويقول: لقد رأيت كأن القيامة قامت، فرأيت عرش الله بارزاً، ورأيت كأن الله حاسبني فقتلني عن كل إنسانٍ قتلةٍ، إلا سعيد بن جبير فقد قتلني به سبعين مرة، وهذا في تراجم سعيد في سيرة الحجاج، هذا على ذكر الحجاج وأمره إلى الله عز وجل، وهو من عصاة الموحدين أمره إلى الله لا نشهد له بجنة ولا نشهد عليه بنار، وقد ذكر في ترجمته: أنه مر على قبره ومعه بعض قرابته وقيل: أخوه، فسمعوه يصيح في القبر -نسأل الله العافية- فقال أحد أقاربه: رحمك الله يا أبا محمد! تقرأ القرآن في الحياة وتقرأ القرآن في القبر.

أين هذا القرآن.. لكنه يريد أن يعتذر له.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار).

في هذا الحديث يُحبب الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة ويُقدِّمها على النصرة، فالمهاجرون أفضل بلا شك من الأنصار، قال تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ [التوبة:117] فقدم المهاجرين على الأنصار، ويوم توفي عليه الصلاة والسلام اجتمع الأنصار، وقالوا: الخلافة فينا، فأتى أبو بكر وهم في سقيقة بني ساعدة وهم في ضجة قال: ما لكم؟ قالوا: فينا الخلافة، قال: لا. قالوا: منا أمير ومنكم أمير، قال: لا. ثم تكلم أبو بكر بكلام أشفى العليل وأروى الغليل، وقال: بدأ الله بنا في القرآن وقدَّمنا عليكم، جزاكم الله من أهل وعشيرة خيراً، نحن الأمراء وأنتم الوزراء،فرضيوا وبايعوا أبا بكر رضي الله عنهم جميعاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار) وفي صحيح البخاري: (آية الإيمان حب الأنصار) والأنصار هم من ناصر الرسول عليه الصلاة والسلام في دعوته يوم أتى المدينة، وكل من عادى الأنصار أذابه الله عز وجل كما يذوب الملح في الماء، ولذلك أتى الشاعر الأخطل التغلبي الفاجر، فقال:

ذهبت قريش بالمكارم والنـدى     واللوم تحت عمائم الأنصار

فابتلاه الله عز وجل بسوء الخاتمة، لأنه تنقَّص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

إذاً: لا تظن بأنه يكون محظوراً عليك استخدام "لو" فهي مقروءة كثيراً في القرآن، قال سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف:188] فأمره أن يقول: "لو" وهذا لا ينافي القضاء والقدر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يُؤمن بمشيئة الله، فمن آمن بمشيئة الله وأن تصاريف الأمور بيده سبحانه فلا بأس عليه.

وقال عليه الصلاة والسلام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي)؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساق الهدي، فما أحل من إحرامه صلى الله عليه وسلم، وقال للصحابة: احلوا من احرامكم بعمرة، أي: اجعلوها عمرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟

لأنهم لا يستسيغون هذا وهو صلى الله عليه وسلم محرم، فأخبرهم أنه قد ساق الهدي، والذي يسوق الهدي من بلده يبقى في إحرامه، فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي) ففيه التحسر على الأمر الفاضل الذي فاتك، فلك أن تتحسر عليه إذا كان فيه منفعة دينية شرعية تليق بك، ويقول عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري: (ورجل يقول: لو أن الله آتاني مثل فلان، أو مثل ما آتى فلان، لعملت مثل ما عمل) وقد جعل الرسول عليه الصلاة والسلام الناس أربعة: رجل عنده مال وعلم يعمل به ما يرضي الله، فهذا مأجور مشكور، ورجل ليس عنده مال ولكن عنده علم، فقال: لو أن الله عز وجل آتاني مالاً لفعلت به مثل ما فعل فلان، فهو مأجور وهما في الأجر سواء -مفهوم الحديث: ورجل جاهل آتاه الله مالاً فعمل به في المعاصي، فهو مأزور مدحور، ورجل رابع لم يؤته الله مالاً، وهو جاهل فقال: لو آتاني الله مالاً لفعلت به مثل ما فعل فلان، فهما في الوزر والإثم سواء.

فالرجل الأول: أخذ شيئاً أو تمنى شيئاً لا يعاند به القضاء والقدر ولا المشيئة وفيه خير، والثاني: تمنى هذا.

أما مواطن "لو" في القرآن، قال سبحانه وتعالى: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران:154] قال المنافقون في معركة أحد لبعضهم البعض: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:168] جلس فريق من المنافقين، وقالوا لإخوانهم من المنافقين: لا تخرجوا إلى أحد، ننذركم الحرب، لو كنا نعلم أن هناك نصراً أو فائدة لخرجنا، فلما خرجوا وقتلوا قالوا: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168] وهذا خطأ وفيه معارضة للكتاب والسنة، وقد ذمها الله عز وجل؛ لأنها عارضت القضاء والقدر، ويقول سبحانه وتعالى راداً عليهم: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154] فأخبر سبحانه وتعالى أن القضاء والقدر سبق أنه يغلب كل غلاَّب، وأنه لا يغلب القضاء والقدر أحد.

وقال سبحانه وتعالى عن المنافقين: لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ [التوبة:42] في معركة تبوك يقولون: يا ليتنا نستطيع أن نخرج معكم، لكن كذبوا ليس لهم همة ولا مقصود ولا مطلوب، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، ويعلم الله أنهم يستطيعون، يقول أحدهم: ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49].

ويقولون: لو استطعنا يا رسول الله لخرجنا معك، لكننا لا نستطيع، وقالوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ [آل عمران:167] لأنهم كذبوا وعارضوا القضاء والقدر: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168].

وقال سبحانه وتعالى: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] والبروج هي: الحصون أو القصور، والمشيدة هي: التي ترمز بالشيد من حصانتها، فالله يقول: يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة [النساء:78] وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة:109] فلو جاءت هنا في القرآن على الجواز، ولكن هناك للذم.

إذاً "لو" تجوز في ثلاثة مواطن:

أولها: إذا لم تعارض قدر الله ومشيئته.

الأمر الثاني: إذا كانت للاستقبال، جاز استخدامها.

الأمر الثالث: إذا كانت لمصلحة دينية وفائدة شرعية فاتت العبد، كما لو فاتت الصلاة على العبد وقال: لو أني استيقظت، لو أني فعلت... أو لو أن لي منبه لتنبهت وتحسَّر على هذا الأمر، فهذا جائز.

أما استخدامها بعد العجز وعدم بذل الأسباب، فهذه محرمة، كمثل من كان لا يذاكر فرسب، فيقول: لو أني ذاكرت لنجحت، فهذا عارض القضاء والقدر بـ(لو) ثم بكسبه فعل أمور محرمة.

يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه مسلم: (المؤمن القوي) القوي في كل شيء؛ في الإرادة والبذل والعزيمة وليس في الجسم؛ لأن الله لم يذكر الأجسام في القرآن إلا في موطنين.

موطن ذكر أنها مِنّة للملك طالوت على بني إسرائيل، فقال: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247] لأن الملك يحتاج إلى جسم.

والموطن الثاني: ذكره في مذمة للمنافقين، فقال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4].

لا بأس بالقوم من طول ومن قصر      جسم البغال وأحلام العصافير

قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير) الخيرية موجودة وأصل الخير فيهما موجود، لكن التفاوت النسبي الإضافي عند المؤمن القوي الذي يحبه الله عز وجل، مؤمن قوي في دعوته، قوي في تأثيره، قوي في إرادته، أحب إلى الله عز وجل من المؤمن الضعيف.

الآن عمر بن الخطاب أحب إلى الله عز وجل من آلاف مؤلفة من المؤمنين الذين ضعفوا في الإيمان. عمر قوي في جسمه، كان يمشي كأنه راكب على فرس، وقوي في إرادته، وفي مشيته.

مر أناس في سكة من سكك المدينة من الشباب الذين لم يهتدوا، والشاب إذا اهتدى وقلَّ علمه يبدأ بأمور ربما لا تنضبط كثيراً على السنة، فأخذوا يتماوتون في مشيتهم، نكسوا رءوسهم وكسروا أجنحتهم ومشوا في السكة، يظنون أن هذه تدخلهم في العشرة المبشرين بالجنة، فقالت عائشة: من هؤلاء؟

قال الناس: هؤلاء قوم اهتدوا تائبين إلى الله عز وجل، هؤلاء نُسَّاك عباد، قالت: [[كذبوا والله! لقد كان عمر أخشى لله، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع]].

فأما إذا مشى أسرع: فإنه كان يتفلت تفلتاً كأنه رضي الله عنه وأرضاه الصخرة إذا نزلت من الجبل.

يقول امرؤ القيس:

مكر مفر مقبل مدبر معاً     كجلمود صخر حطه السيل من عل

وقال المتنبي:

أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا سقت فإني الجوداء

لم يجد أحداً يمدحه، فمدح نفسه!!

وكان عمر رضي الله عنه إذا خطب يسمع صوته من في السوق.

وكان إذا ضرب أوجع: إذا ضرب الأعداء أو أهل البدع أو أهل المعاصي أو عزر رضي الله عنه وأرضاه، تطير الشياطين من الرءوس بضربه، وقد كان من أضرب الناس حتى في المعركة بالسيف، ومن ضمن ما ذكره الشُّراح في كتبهم -وتحتاج إلى سند- أن عمر رضي الله عنه وأرضاه عطس والحلاق يحلق له رأسه عند الجمرات فأغمي على الحلاق.

وقد سمعت -في شريط- لأحد الخطباء وهو يخطب يوم الجمعة يقول: عمر رضي الله عنه وأرضاه لقوة إيمانه ويقينه، لما أدخل القبر أتاه الملكان يسألناه! فانتفض من قبره، وقال للملكين: من ربكما؟!

وهذه مبالغات تحتاج إلى أسانيد ومن أخبره ومن دخل مع عمر رضي الله عنه وأرضاه.

إن ما نحفظه عن عمر رضي الله عنه وأرضاه هو الصدق والإخلاص والعدل والإيمان والحب والطموح.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: (احرص على ما ينفعك) يصاب الإنسان بعاملين مؤثرين: (الكسل والعجز) العجز في القلب، والكسل في الأعضاء، وإذا أصيب الإنسان بالعجز والكسل؛ فاغسل يديك منه فليس فيه خير، من بذر بذرة "ليت"، نبتت له شجرة "لعل" يقطف فيها ثمراً يُسمى الخيبة والندامة، وأكثر ما تمر "سوف" على أهل العجز والكسل، تقول له: احفظ القرآن؟ يقول: سوف أحفظ إن شاء الله، و"سوف" هذه تأخذ معه عشر سنوات! لماذا لا تصلي جماعة؟

قال: إن شاء الله سوف أصلي ويفتح الله عليّ.

فالعجز في القلب، والكسل في الجوارح، ولذلك تجد بعض الناس وهو ضعيف البنية لكنه قوي الإرادة، وتجد بعض الناس من أكبر الناس جسماً -على العكس- لكنه ضعيف الإرادة والتفكير.

قال: (احرص على ما ينفعك) قال أهل العلم: الحرص على المنفعة هو: أن تبذل كل سبب ليحصل لك النفع، العلم لا يأتي إلا بسبب، المال والرزق لا يأتي إلا بسبب، الاستقامة والتوجه والالتزام لا يأتي إلا بسبب، أما إنسان يقول: لو أراد الله أن يهديني لاهتديت، سبحان الله! جبري في المعصية قدري في الطاعة، يقول لك: لماذا كذبت على الله وسرقت؟ قال: لأن الله كتب عليَّ أن أسرق، قلنا له: سلمنا لك جدلاً! ولكن، لماذا تركت -جدلاً- صلاة الفجر -مثلاً- في وقتها؟

قال: حتى يقدر الله لي ذلك.

( احرص على ما ينفعك واستعن بالله) يقول أهل العلم كـابن تيمية: إن الحرص والسبب لا بد فيه عون من الله عز وجل، والمداومة على (إياك نعبد وإياك نستعين) والناس في (إياك نعبد وإياك نستعين) على ثلاثة أقسام:

قسم يعبدون الله ويستعينون به، وهؤلاء مؤمنون.

وقسم يعبدون الله ويستعينون بغيره، وهؤلاء فجرة.

وقسم يستعينون بالله ويعبدون غيره، وهؤلاء مشركون.

كان بعض المشركين يستعين بالله ويعبد غيره، وبعض الفجرة يعبد الله ويستعين بغيره، والمؤمن يعبد الله ويستعين بالله سبحانه وتعالى، والعبادة لا بد فيها من الاستعانة، وإذا لم يعنك الله عز وجل؛ فلن تستطيع أن تعمل أي عمل، قال مطرف بن عبد الله: والله لو كان الإيمان وأردت أن أدخله هنا إلى قلبي؛ ثم لم يرد الله عز وجل ما دخل الإيمان قلبي أبداً.

(واستعن بالله ولا تعجز) كرَّر صلى الله عليه وسلم "لا تعجز"؛ ليبين لنا سبب الكسب وطلب الإرادة منه؛ لأن للعبد مشيئة تحت مشيئة الله عز وجل، والعبد يوم يعلم الله توجهه وحرصه يعصمه الله عز وجل، أهل النجاح والتفوق، وأهل الكسب والأخذ والعطاء ما منحهم الله ما لديهم إلا لأنهم توجهوا إليه -سبحانه وتعالى- وطلبوا ما عنده.

ومن أعظم الكسب: الدعاء، وترك المعاصي، والاستغفار، والسهر على المصلحة، حتى يحصل لها صاحبها.

(وإذا أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان) الشاهد من الحديث: لماذا تفتح "لو" عمل الشيطان؟

قال القاضي عياض وابن حجر: لأن "لو" إذا حدثت وسوس العبد وقال: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ فشك في قضاء الله وقدره، فدخل في الارتياب، وهو فعل الشيطان، ولذلك تجد الناس يتسخطون في القضاء والقدر.

ابن الراوندي -وتكتب ابن الريوندي محيي الدين الكلب المعفَّر- وكثيراً ما أذكر قصته لأنه يعترض على القضاء والقدر، رأى أعرابياً عنده بستان، وعنده خيالة، وعبيد ومال، فالتفت إلى السماء وقال: هذا العبد عنده كذا! وأنا الذي أكيل الدنيا ما أعطيتني شيء؟ ثم رمى بالخبزة في نهر دجلة، فابتلاه الله عز وجل في حياته ودنياه، لأنه اعترض على القضاء والقدر.

لذلك يقول بعض الناس: يا رب! لماذا قدرت عليَّ كذا؟ ماذا فعلت يا رب؟ سبحان الله! جلَّ الله سبحانه وتعالى! بل يفعل ما يريد سبحانه وتعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] سبحانه ما أجله! إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

ومقامك من القضاء والقدر -وهي تدور حول كلمة "لو"- ثلاث مقامات:

الأول: أن تؤمن أنه من عند الله عز وجل.

الثاني: أن تشكر الله عز وجل على النعمة.

الثالث: أن تحمد الله أنه لم يجعل المصيبة في دينك واستقامتك.

قال الإمام البخاري: باب: قوله صلى الله عليه وسلم: ليت كذا وكذا.

ليت هنا للتمني، وتحمل معنى: الترجي، والحديث عن عائشة رضي الله عنها قالـت: أرق النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت السلاح، قال: من هذا؟ قال سعد: يا رسول الله! جئت أحرسك، فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه) قال أبو عبد الله: وقالت عائشة: قال بلال:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة      بوادٍ وحولي إدخر وجليل

فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم.

في الحديث قضايا: أرق: أي أصابه الأرق وهو: السهاد ونفران النوم عن النائم.

قال المتنبي:

أرق على أرق ومثلي يأرق      وجوى يزيد وعبرة تترقرق

وسكن نابغة ذبيان بدار العرب، فقال:

فبت كأن العائدات تركن لي      فراشاً به يغلو فراشي ويقشب

حلفت يميناً غير ذي مثنوية      ولا علم إلا حسن ظن بصاحب

والمقصود: أن الأرق هو شيء ينتاب الإنسان قبل نومه، يطرد النوم عنه ويُسمى عند بعضهم: بالسهاد.

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا      وعادك ما عاد السليم المسهدا

فلما أرق صلى الله عليه وسلم وكان حول المدينة يسكن كثير من اليهود قتلة الأنبياء، قال: (يا ليت رجلاً صالحاً ) -أي: أميناً- وقيل: إنه بعد الصباح دخل المدينة (يحرسني الليلة) ما هو الجمع بين هذا الحديث وقوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

قالوا: هذه الآية متأخرة عن الحديث، فلما نزلت: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] ترك صلى الله عليه وسلم الحرس وبقي في رعاية الله عز وجل.

قال: "ليت" هي الشاهد، وهنا تمنى عليه الصلاة والسلام فدل على أن هذا جائز، ولك أن تتمنى الخير، أو أي أمر.

(ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت السلاح) سعد لابس للسلاح متهيئ لحراسته صلى الله عليه وسلم، وسعد هو ابن أبي وقاص، وله منقبة أنه صالح؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: رجل صالح، بل هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وصاحب القادسية، وخال الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي فداه بأبيه وأمه يوم أحد.

(من هذا؟ قال: سعد يا رسول الله! جئت لأحرسك، فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه) والغطيط هو صوت يردده النائم.

قال أبو عبد الله، أي: البخاري.

وقالت عائشة قال بلال، لما هاجر بلال من مكة إلى المدينة، وأصيب بالحمى -والحمى تؤثر في الإنسان حتى في الكلام- فسألته عائشة رضي الله عنها فقالت: يا بلال! كيف تجدك؟

قال بلال رافعاً عقيرته وكان صوته جميلاً ندياً يسري إلى القلوب، ولذلك كان مؤذناً.

فقال:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة      بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل

قال البخاري: فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فسكت وسكوته إقرار، لأن بلال يقول: ألا ليت شعري، يقول بلال: يا ليتني بين أودية مكة، ولذلك حن الصحابة لـمكة، فلما سمع صلى الله عليه وسلم هذه الأبيات، قال: اللهم إن إبراهيم دعا لـمكة بالبركة، اللهم إني أدعو للمدينة في مدها وصاعها بالبركة، اللهم اجعل ضعفي ما جعلته من البركة في مكة في المدينة، اللهم انقل حمى المدينة إلى ذي الجحفة، فانتقلت الحمى هناك.

وهذه الأبيات أرق وألطف ما سمع في الأدب العربي، وليست لـبلال وإنما هي لشاعر جاهلي، تأخر على بابه وجيرانه وخلانه فبدى على جبل في مكة فقال:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة      بوادٍ وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل

الإذخر: شجر، والجليل: قيل شجر وقيل ثمر، ولكن كأنه جبل.

وهل أردن يوماً مياه مجنة: مجنة سوق من أسواق العرب في مكة.

وهل تبدون لي شامة -جبل- وطفيل -جبل آخر- وهذا من الحنين إلى الديار، وهذا من أحسن ما ذكرته العرب، قال الأصمعي: أبكت العرب في شعرها العجوز على شبابها.

انتهينا من شاهد البخاري أنه يجوز استخدام "ليت"، فلك أن تقول: ليت فلاناً أتانا هذه الليلة، وليت ابني ذاكر هذه الليلة، وليتنا قرأنا شيئاً من القرآن، هذا جائز، ولم ينازع فيه العلماء كما نازعوا في "لو" التي مرت معنا.

.

 خروج آدم وحواء من الجنة

السؤال: ما رأيك في مقولة علماء النفس إن السبب في إخراج أبينا وأمنا من الجنة هو دافع التملك؟

الجواب: هكذا فليكن الكذب!! وهذا قول الذين لا يعلمون، وعلماء النفس ليسوا مفتين في الإسلام، ولا يفتون في القضايا الشرعية، بل يفتون في فنهم، ويبقون حتى نحتاج إلى علمهم، ولا نزري بهم، فلهم ملكة خاصة بهم، لكن سمعنا من يقول: إن من يكثر القراءة في كتب علماء النفس يصاب بمرض، وأقصد علماء النفس الكفار، أما علماء النفس المسلمين فلا يدخلون في هذا، فلهم أجر وقدم صدق، ونحسبهم والله عز وجل حسيبهم أن فيهم الأخيار والذين يريدون الخير.

لقد وجد علم النفس عند الناس، فالآن ماذا نفعل؟

يأتي الأوروبيون والأمريكان بتربية، فنقول: نعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق، ليس عندنا إلا حديث فقط!

وإذا أتوا بعلم النفس؛ نقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! لا، بل ديننا فيه تربية، وعلم نفس، وكل ما يتعلق ببني الإنسان، فنخرج لهم علم النفس من القرآن، لكن إذا أتوا يطعنون في القواعد والأصول عندنا نقول: توقفوا بارك الله فيكم، مكانك تحمدي أو تستريحي.

وأما قول الأخ السائل فهذا ليس بصحيح، وهذا خطأ، وإنما أخرج آدم عليه السلام من الجنة بسبب معصيته، كما ذكر سبحانه وتعالى، فقال: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] لم يقل: (تملك وحب التملك) وإنما قال: فغوى، كيف يعاندون القرآن؟ ألا يستحون على وجوههم.

 بعض أخطاء الكُتَّاب

السؤال: كاتب يكتب عن الصحابة رضي الله عنهم، وله كتاب اسمه ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وخلافته، فيها حقائق لا يقولها مسلم عن الصحابة؟

الجواب: هذا الرجل يؤخذ من كلامه ويرد، وهو يحتاج إلى تعليم في الحديث النبوي، وإلى توجيه إن كان حياً أو إن كان ميتاً، ومثله أخوه وابن عمه وابن خالته عباس محمود العقاد، الذي هو مشهور عندنا كثير، أتى فتكلم بكلام يقول: معاوية كان يلعب بأهل الشام على هواه! حتى صلى بهم الجمعة يوم الأربعاء، سبحان الله! هذه في معاوية في الميزان، ألا يستحي من الله! فـمعاوية أحد الصحابة، ثم يأتي بالرسول عليه الصلاة والسلام أشرف وأعظم من خلق الله، فيأتي يقارن بينه وبين نابليون في العسكرية، وفعل ذلك سعيد حوى -سامحه الله- في كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قارن بين المصطفى الذي وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] وبين كلب فرنسي، إذا نظرت إليه وأنت متوضئٌ انتقض الوضوء، فيقول: هذا في الحربية كذا، وهذا صاحب نظرية الاطلاع واكتساح المعركة والمواقع العدائية،وما أدري ماذا فعل، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا، أما يستحي من الله! تقارن بين الرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء!

والعقاد له فلتات، لكنه كاتب في القمة، له كتاب ما يقال عن الإسلام يتكلم فيه عن خصائص الإسلام ويرد على أباطيل خصومه وهو من أحسن كتبه، ولديه حسنات في كتبه مثل كتاب عبقرية عمر، صفات الرجل الممتاز، ومفتاح شخصية عمر، لكنه أتى بأمور لا يوافق عليها، مثل قوله في ترجمة علي: علي صدوق لأنه شجاع، وشجاع لأنه صدوق، ومعاوية أسد هصور وعلي جمل صبور. أتشبه الصحابة بالحيوانات!

هؤلاء خير جيل أخرج للناس، لا بد من توقيرهم واحترامهم رضي الله عنهم، إذاً فلينتبه لهذا الكاتب.

وأدهاهم وأظلمهم وأغشهم طه حسين الذي يدعونه عميد الأدب العربي! كذبوا على الله، بل الشيخ علي الطنطاوي أحسن منه أسلوباً وأحسن فكرة وأنقى عقيدة، وأحسن إبداعاً، والله ما أعلم أني قرأت لأحد مثل الشيخ علي الطنطاوي من الأدباء والمفكرين العصريين في جودة الأسلوب، وإن شئتم فاقرءوا قصص من التاريخ، ونحن المسلمون، فيجعلون طه حسين عميد الأدب العربي؛ لأنه عميل فرنسا في الأدب، لا والله، المازني خير منه، والرافعي أحسن وأحسن وأجود لكنه أسلوبه يعقد، لكنه أقرب إلى أهل الإسلام بل دافع عن فكرة الإسلام كثيراً، وعباس محمود العقاد أحسن من طه حسين، وأمر المرين طه حسين بل هو أمر من الثلاثة:

وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ     بصاحبك الذي لا تصحبينا

توفيق الحكيم، توفيق السفيه الخلق والتكلف والرأي العفن نعوذ بالله، صاحب المسرحيات المزرية بالإسلام، وصاحب السفه بعد أن كبر، فهذا أمره إلى الله: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].

خير منه في الساحة سيد قطب والشيخ علي الطنطاوي، وأبو الأعلى المودودي في كتاباتهم وكذلك، أبو الحسن الندوي الزاهد العابد المؤثر، صاحب الثمانين عاماً الذي طاف العالم بأدبه، حتى يقول في مسيرة الحياة: والله لقد ألقيت كلمة في الكويت، لقد رأيت الناس يصرعون ويغمى عليهم ويرشون بالماء. ولقد صدق فهو من أكثر الناس تأثيراً حتى في قلمه، وممن يقرأ لهم كذلك محمد قطب وسعيد حوى،إلا بعض الكتب لـسعيد حوى مثل كتاب تربيتنا الروحية، فيعرض عنه ويسجر به في النار، لأنه صوفي من غلاة الصوفية، رحمه الله وتجاوز الله عنه لحسناته الكثيرة.

 الحجاج في الميزان

السؤال: هل الحجاج أول من وضع النقط على الحروف في القرآن والتشكيل، ما صحة هذا القول؟

الجواب: هذا القول صحيح، الحجاج هو الذي أمر بوضع النقط وهذه من حسناته، ومن حسناته أنه كان يقرأ القرآن كثيراً، وكان المصحف في جبته والسيف معلق، وكان السيف يشتغل وهو يقرأ القرآن، لكن أين تأثير القرآن على الحجاج؟

يقول الحسن البصري: يقرأ الحجاج القرآن على أناس فيهم جذام لا يسمعون، يقرأ على أناس معهم من النبط -ويل للنبط من شر قد هبط- ويبطش بطش الجبارين، ويلبس لباس الوعاظ، ويفعل فعل الفسقة، فأمره إلى الله.

ومن حسناته أنه كان كريماً، كان يبذل المال بذلاً، وكان يدعى إلى مائدته في الإفطار فحيضرها الألوف في الغداء.

ومن حسناته: أنه أقام الجهاد، وتتَّبع الخوارج فلم يترك لهم عيناً ولا أثر، لكنه سفك دماء العلماء، وأهان كثيراً من الصحابة، وقتل كثيراً من الأبرياء، فعلمه عند الله عز وجل.

يقول: نام ليلة فنهض ثم رفع رأسه، قال لحرسه: الله أكبر! فاجتمعوا عنده، قال: أجمعوا لي كل من كان خارجاً من بيته هذه الساعة وأودعوه في السجن، فأتوا يجمعون الناس، فأتوا إلى رجل قد انعزل عن الناس ويقرأ القرآن في المسجد، وحينما كانوا يجمعون الناس قال وهو يقرأ في المصحف: إنه عمل غير صالح -ابن نوح- أو عَمِلَ غير صالح، استدعوا لي القارئ فلان بن فلان من المسجد، فأتوا به فظن الحرس أنه متهم فسجنوه ستة أشهر في هذا الآية، فأتى الحجاج فقال: أخرجوا المتهمين، قال: أنت لماذا سجنت؟

قال: كنت أقضي حاجتي في الصحراء فقبضوا عليّ الحرس، قال: اجلدوه، وأنت لماذا سجنت؟

قال: سجنني ابن نوح عليه السلام، قال: لماذا؟

قال: لأنه عمل عملاً غير صالح، قال: أطلقوه، هذا الحجاج بن يوسف الثقفي.

 المسيَّب أم المسيِّب

السؤال: ما هو الصحيح سعيد بن المسيَّب أو سعيد بن المسيِّب؟

الجواب: المشهور سعيد بن المسيَّب بالفتح أما المسيب بالكسر فنقلت عنه مقولة لكني لم أقرأها في كتب الحديث والتراجم، يقول: سيب الله من سماني المسيَّب، أي: بصفته أنه ضائع مسيب، وليس بضايع بل محفوظ عند الله، ولكن لم تصح عنه هذه المقالة، وهي خاطئة، وليست بثابتة عنه، والصحيح أنه ينطق سعيد بن المسيَّب، ضبطها البخاري ومسلم وأهل السنن والمسانيد.

 قراءة سورة الكهف يوم الجمعة

السؤال: ما صحة حديث قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟

الجواب: هذا الحديث رواه الدارقطني بسند صحيح، وصححه الأرنؤوط في زاد المعاد وغيره من العلماء، فهو صحيح، فاقرأها ولا عليك، ينير الله لك عشرة أيام بلياليهن.

وفي الختام: أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، والحمد لله رب العالمين.

نسخة نصية للطباعة , احرص على ما ينفعك للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2695758451
عدد مرات الحفظ
682304371

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009