إسلام ويب

الصرخة الأخيرةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اليهود أعداء الله.. أعداء الرسل والأنبياء.. أعداء التاريخ.. أعداء القيم والأخلاق الفاضلة وفي هذه المادة عرض سريع لتاريخهم الأسود مع الله عز وجل ومع الأنبياء وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    اليهود أهل مكر وغدر

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً. وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

    اليهود يدسون السم للنبي صلى الله عليه وسلم

    أيها الناس: انتهى صلى الله عليه وسلم من خيبر بعد أن طوقها، يوم خان أهلها، ونقضوا الميثاق، وأساءوا المعاملة، وتجرءوا على العهود، انتهى من حصار خيبر منتصراً فاتحاً، وكان جائعاً -بأبي هو وأمي- جائعٌ وجبال الدنيا تعرض عليه ذهباً وفضة، جائعٌ والقناطير المقنطرة توزع على يديه لفقراء المسلمين، احمر وجهه من الجوع، وقد فتح الخزائن، وفتح القناطير المقنطرة، فأتته امرأة من اليهود ودعته إلى طعام، وهو أكثر الناس بل إمامهم في التواضع، يقول: {لو دُعيتُ إلى كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت}.

    دعته لطعام -حكمة من الله ليظهر الله أستارهم، وليهتك أسرارهم، وليظهر عوارهم- فأجاب معه ستة من الصحابة، وقدمت له اليهودية شاةً مصلية مشوية، وقالت: تفضل كل، وقد سألت الناس: أي عضوٍ من الشاة يعجبه أن يأكل؟ قالوا: يأكل الذراع، فحشت الذراع سماً أزرق حتى أصبح سماً زعافاً لا يُطاق، فأقبل عليه الصلاة والسلام يأكل ليتألف قلبها وهو القريب السهل المتواضع، الذي عطف الله عليه الأرواح وجمع عليه الأنفس، رفع الذراع، ولاكه بأسنانه، ووضع فمه الطاهر الشريف على الذراع، ولما أصبح ذراع الشاة في فمه؛ أنطق الله ذراع الشاة بإذنه وقدرته، فقال الذراع: يا رسول الله! لا تأكلني أنا مسمومة سمتني اليهودية لتقتلك، فلفظه ورماه.

    يا ألله! محمدٌ يقتل؟! محمدٌ يغتال؟! محمدٌ تدبر له مجزرة؛ لترتكب أعظم مقتلة في تاريخ الناس، وأعظم جريمة في مسيرة البشرية، وأعظم غيلةٍ في تاريخ الكون؟

    إذا قتل محمد؛ فلتمت العدالة، ولينته السلام، ولتقتل الحرية، وليكفن التاريخ، وليدفن الدهر، قال الذراع: لا تأكلني يا رسول الله! سمتني اليهودية، فرمى بالذراع، ولكن السم سرى في جسمه بأبي هو وأمي؛ ليرزقه الله مع النبوة الشهادة، ليكون سيد الأنبياء والشهداء، وإمام الأولياء، ورسول من خلق الأرض والسماء، جُمعت له المحاسن:

    هذا الذي جاء والأبحار مالحةٌ     فمز فيها فصار الماء كالعسلِ

    هذا الذي ردَّ عيناً بعدما فقئت     وريقه قد شفى عين الإمام علي

    من الذي دبر له المقتلة، والمجزرة، والغيلة؟

    إنهم الذين يقتلون شيوخنا في فلسطين.

    إنهم الذين يبقرون بطون النساء في فلسطين.

    إنهم الذين يهدمون مساجدنا في فلسطين. قتلة الأنبياء.

    اليهود يسبون الله ويقتلون الأنبياء

    ماذا قالوا عن الباري جلَّ في علاه، الذي تفرد بالجمال والكمال والجلال، الغني؟ يقولون: فقير! الغني فقير! يقولون عن الواحد الأحد: فقير!

    أوحى الله لموسى فقال: يا موسى! قل لبني إسرائيل: أفقيرٌ أنا وأنا أغنيت من في السماوات والأرض؟!

    أفقيرٌ أنا وأنا أطعمت الكائنات، وأنا أطعمت المخلوقات؟!

    أفقيرٌ أنا -يا موسى- ويدي سحاء الليل والنهار؟!

    أرأيت ما أنفقت من يوم خلقت السماء والأرض فإنها لم تنقص مما في يميني.

    يقول كما في الحديث القدسي: {يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وأنسكم وجنكم، قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل واحدٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر}.

    واليهود يقولون: الله فقير! اسمع رد القرآن قال: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران:181] الحمد لله فقد سمع الله، ويكفي أنه سجل عليهم أنه سمع، وشهد، يكفي سمعنا كلامهم، وسجلناه عندنا وعرفناه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181] ما هو الرد؟ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا [آل عمران:181] والله! وعزة الله! وكلمات الله! إنها تسجل عليهم لتحفظ في يومٍ ليس فيه شفيع ولا خلة ولا نصير ولا مولى.

    ثم قال سبحانه وأدهى من ذلك، وأعتى، وأطغى، وأظلم: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ [آل عمران:181] وهذا سحب ملفات الماضي، يقول: أدهى وأعتى وأجور وأطغى وأظلم وأبطش: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ [آل عمران:181].

    ألم يدبروا لقتل لمحمد صلى الله عليه وسلم وقتلوا أربعمائة نبي، على رأسهم زكريا ويحيى، شدخوا رءوسهم، وقتلوهم، ونشروهم، وسفكوا دماءهم؟

    الأنبياء يقتلون؟! وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ [آل عمران:181].

    هم الذين دبروا المكيدة.

    ثم قال سبحانه وتعالى: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:181-182] ثم التفت القرآن إليهم: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [آل عمران:183] قال سبحانه وتعالى: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:183] إن كنتم صادقين أنكم لا تتبعون إلا أنبياءكم فلمَ قتلتموهم؟!

    اليهود يشهدون زوراً

    أتى مجرمٌ من يهود المدينة ووصل مكة -ومحمدٌ عليه الصلاة والسلام في المدينة - ليؤدي أظلم شهادة في التاريخ، فاستقبله الوثنيون المشركون الذين أخرجوا محمداً عليه الصلاة والسلام من مكة، الذين طاردوه، وشردوه، وآذوه، وسبوه، وشتموه، وقاتلوه، وحاربوه، استقبل المجرم كعب بن الأشرف، فلما رأوه ألبسوه برداً -ألبسه الله النار والخزي- ثم استقبله كفار مكة في مجلسٍ كبيرٍ حاشد ليؤدي أظلم وأطغى وأبغى شهادة في التاريخ، قالوا: يا كعب! عندك علم التوراة، أنت عندك علم ليس عندنا -فهم أميون عرب لا يقرءون وليس عندهم كتب- نسألك يا كعب! بالذي شق البحر لموسى وأنجاه من فرعون هل أرسل الله محمداً رسولاً؟ هذا السؤال الأول.

    السؤال الثاني: نسألك يا كعب بن الأشرف! بالذي شق البحر لموسى ونجاه من فرعون هل نحن أهدى سبيلاً أم محمد؟

    اسمع الجواب، اسمع الخونة أهل الغدر والخيانة ونقض المواثيق.

    قال: ما دام أنكم سألتموني بالتوراة وبالذي شق البحر لموسى وبالذي أنجى موسى من فرعون -يعني: متحرج بلغت عنده الأمانة والذمة والورع المنتهى- ما أنزل الله على بشرٍ من شيء، قال: حتى موسى ما أتاه وحي، ولا غيره ولا سواه ولا قبله ولا بعده.

    وأما أنتم فأشهد أنكم أهدى من محمد سبيلاً.

    فأتى القرآن ليرد عليه، لا مفاوضات، لا حوار، لا جدل منطقي، لا استدراج، لا نتيجة لا مقدمة لا خاتمة، قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً [النساء:50] أبو جهل الوثني النجس النذل المشرك؛ أهدى من محمد الطاهر العادل البار؟!

    محمد المعصوم، المنزل عليه جبريل، المذكور في التوراة والإنجيل، صاحب الغرة والتحجيل أزكى منه أبو جهل؟! يا وثن يا ملعون! اسمع رد القرآن قال: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً [النساء:50] لا مفاوضات.. يقول سبحانه:.. لأنه لم يستدرجه في جدال، ولا برهان، ولا دليل، قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [النساء:52] أنت ملعون أصلاً، لا تستحق أن يسمع منك، ولا تفاوض، ولا يقال لك: أين التوراة؟ أين الإنجيل؟ يكفي أنك ملعون؛ لأنك قدمت شهادة آثمة يدوسها التاريخ بقدمه: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء:52].

    هؤلاء هم أبناء أولئك السلالة، والفصيلة، والنوع، قتلة الأنبياء الذين سبوا الواحد الأحد.

    اليهود يتهمون الله بالبخل

    أتوا إلى من خلق السماوات والأرض، إلى العادل جلَّ في علاه الذي خلق العدل، فقالوا: يد الله بخيلة، لا ينفق كثيراً على الناس، فقال سبحانه يرد عليهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] يعني: بخيلة. انتهت الشبهة بإيجاز، ذكر كلامهم للتاريخ وللدهر وللبشرية، يحفظه من يحفظه، ويعلمه من يعلمه، ويجهله من يجهله، التاريخ المفضوح المعروض للناس؛ تاريخ اليهود، قال سبحانه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] هم قالوا: يدٌ واحدة، والله له يدان اثنتان كلتاهما يمين، سحاء بالخير الليل والنهار، وكان الرد من الله فقال: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64].

    تأديب القرآن لليهود

    ثم أدب القرآن اليهود في أكثر من موطن، يبين لنا أفعالهم وشنيع تصرفاتهم، ويعرض تاريخهم الكائد المكشوف، قال: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:91] يا كعب! يا كاذب! يا مفتري ما أنزل الله على بشرٍ من شيء؟!! قال سبحانه: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى [الأنعام:91] التوراة التي في يدك تتأكل بها، وتزور على الناس، وتخادع البشر: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام:91] هذا صنيعهم في فجر تاريخ الإسلام مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

    اليهود يغدرون بالنبي صلى الله عليه وسلم

    دعوه وقالوا: نتفاوض معك يا محمد! ولا ينادونه بالرسالة تكبراً وبغياً وحسداً، يقرءون في التوراة اسمه، ورسمه، وصفته، وقالوا للأنصار: سوف يبعث لكم عربيٌ من مكة رسولٌ من عند الله؛ فلما رأوه عرفوا الصفة بالمكتوب، والصوت بالصورة، والمقروء بالمشاهد، قالوا: لا. اختلف الوصف، قال سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] بعدما وصفتم وبشرتم وأخبرتم؛ كفرتم؟!

    هذا هو محمد عليه الصلاة والسلام، دعوه للمفاوضة وذهب عليه الصلاة والسلام، ولم يأخذ حرساً، ولا موكباً، ولا خدماً، ولا حشماً، ولا جنوداً، ولا بنوداً.

    رعاية الله أغنت عن مضاعفةٍ     من الدروع وعن عالٍ من الأطم

    ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على     خير البرية لم تنسج ولم تحمِ

    كأنه وهو فردٌ من جلالته      في موكبٍ حين تلقاه وفي حشمِ

    وقد كان يحرس من الناس فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] لا تتخذ حرساً، لا يحميك إلا الله، لا تتخذ جنوداً، ولا موكباً، عناية الله تكفيك، ورعاية الله معك، والله يحوطك بعيني رعايته، فلا تتخذ أمامك ولا خلفك ولا معك من يحوطك، يحفظك الله فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

    وانطلق بلا حراسة، تعرض لعشر محاولات اغتيال ونجا منها بأعجوبه، فبقي معلماً حتى أدى الرسالة.

    فوصل اليهود معه ثلاثة، قالوا: تعال إلى الظل يا أبا القاسم! الخونة يظللونه من الشمس! فقربوه من الجدار فجلس موكلاً أمره إلى الباري، مفوضاً أمره إلى الواحد الأحد، القوي العزيز، المطلع على السرائر، الواحد الأحد: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65] أوكل أمره إلى الله: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [غافر:44-45] حسبنا الله ونعم الوكيل هي كلمة محمد صلى الله عليه وسلم، جلس ولسان الحال يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والمكيدة تُجرى على السطح، فقربوا صخرة ضخمة يدفعها أربعة منهم وقربوه من الظل، ليسقطوا الصخرة من على الجدار على رأسه، يقتل من؟ أزعيم؟! أفضل الزعماء. أعالم؟ معلم العلماء. أصالح؟ سيد الصالحين، يقتل! فقربوا الصخرة وبقي ثوانٍ لتسقط على رأسه الشريف؛ لتنتهي هذه النفس الطاهرة وهذه الروح العامرة ويقتل محمد ليبكي التاريخ، ويندب الدهر، وترثي الدنيا كل الدنيا، ثوانٍ وإذا بالوحي من السماء، قم قم، اذهب اذهب، اخرج اخرج، الموت أقبل منك، يدبرون قتلك، فوثب عليه الصلاة والسلام، وتأخر عن الظل وعن الجدار فوقعت الصخرة مكانه، فدعاهم: يا أعداء الله! وجهز جيشه لبني النضير واستلمهم صلى الله عليه وسلم وأذلهم.

    1.   

    إن تنصروا الله ينصركم

    وهاهم الآن يكررون تلك الأفعال الشنيعة، لكن هناك كان يقابلهم رجال، قابلناهم بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام، بأطهر من خلق الله، وأشجع من برأ الله، وأعدل من أوجد الله، وواجهناهم بـعمر، أعدل البرية في عهده، الذي هز الدنيا بقميصه المرقع، الذي قرقر بطنه على المنبر من الجوع عام الرمادة فقال: [[قرقر أو لا تقرقر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]]

    أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ      فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ

    رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم     وجيشك في حطين صلوا وكبروا

    تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ

    دخل بيت المقدس بثوبه الممزق، فقال له الصحابة: البس يا أمير المؤمنين؟ أين خدمك؟ أين حشمك؟ أين موكبك؟ فهز إصبعه، وقال: [[نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] واستلم المفاتيح.

    تعود لنا المقدس إذا عدنا إلى رب المقدس، إلى من أوجد بيت المقدس، تعود لنا فلسطين إذا مرغنا لرب العالمين أنوفنا في الطين.

    وأتى صلاح الدين ليقود الأمة، من هو صلاح الدين؟ ما هي بطاقته الشخصية؟ ما هو حسبه؟ ما نسبه؟ مسلمٌ، عبدٌ لله، ولي من الأكراد: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] من نصر الله؛ نصره الله، حبشياً، هندياً، تركياً، فارسياً، تركمانياً، أي بشرٍ وجنسٍ ينصر الواحد الأحد ينصره الله.

    أبو لهب القرشي الهاشمي في النار، وبلال العبد الحبشي في الجنة.

    ولا تحسب الأنساب تنجيك من لظىً     ولو كنت من قيسٍ وعبد مدانِ

    أبو لهب في النار وهو ابن هاشمٍ     و سلمان في الفردوس من خراسان

    صلاح الدين من أي بيت؟ من بيت امرأة تحفظ القرآن.

    يا نساء المسلمين! أين من حفظت ابنها القرآن؟ أين من علمت ابنها السنة؟ أين من ردعت عيون ابنها عن المقت والرذيلة والخنا والزور؟ أين من سكبت الطهر في أرواح أبنائها ليخرجوا لنا نسخاً مكررة من صلاح الدين؟

    حفظ صلاح الدين الأيوبي الكردي القرآن، وحافظ على تكبيرة الإحرام، لم تفته تكبيرة الإحرام في حياته، كان يقوم الثلث الأخير ويدعو الواحد الأحد: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160] النصر من عند الله، وكان يقرأ الموطأ، وكان محدثاً مهتدياً فنصره الواحد الأحد، ورد بيت المقدس.

    فإن بقينا على ذنوبنا وخطايانا وإسرافنا مع ربنا؛ فسوف ينشئ الله نشئاً آخر، وجيلاً آخر، متوضئاً، صالحاً، طاهراً، تالياً لكتاب الله، ليعيد لنا بيت المقدس، أما أن نأتي بعقائد هشة، وبولاءٍ منقوص، وبعدم ثقة في الباري وتفويض إليه واتباعٍ لرسوله؛ فأنَّى هذا: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]

    أمتي! أمة الإسلام! أمة محمد عليه الصلاة والسلام!

    أمتي! أمة القرآن!

    أتلقاك وطرفي حاسرٌ     أسفاً من أمسك المنصرمِ

    كيف أغفيت على الظلم ولم      تنفضي عنك غبار التهم

    ألإسرائيل تعلو رايةٌ     في حمى المهد وظل الحرمِ

    أوما كنت إذا البغي اعتدى     موجةً من لهبٍ أو من دمِ

    اللهم أعد لنا أمجادنا، وارفع أعلامنا، وسدد سهامنا، وثبت أقدامنا، ورد فلسطين محررةً إسلامية، ورد لنا المسجد الأقصى كريماً معززاً من يدِ يهود.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    اليهود قوم بهت

    الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكرا، أحمده حمداً لا ينتهي، وأصلي على النبي المعصوم، هادي البشرية، ومهدم كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين.

    دخل عليه الصلاة والسلام المدينة، أقبل فاتحاً، طرد من مكة شريداً.

    يا طريداً ملأ الدنيا اسمه     وغدا لحناً على كل الشفاه

    وغدت سيرته أسطورةً     يتلقاها رواة عن رواه

    هل درت من طاردته أمةٌ     هبلٌ معبودها شاهت وشاه

    طُرد وحيداً فريداً فقيراً فأسس دولةً في المدينة ملأت السماوات والأرض.

    عبد الله بن سلام يعلن إسلامه

    واسمعوا إلى رجلٍ من اليهود يروي أول يومٍ وصل فيه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وهو عبد الله بن سلام رضي الله عنه؛ لأنه أسلم وآمن بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام، وبشر بالجنة، وهو الذي شهد شاهدٌ من أهلها، يقول سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:10] شهد منكم شاهد، صاحب التوراة، قارئكم وعالمكم عبد الله بن سلام، شهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق، كيف استكبرتم! كيف طغيتم! كيف بغيتم! كيف كذبتم!

    قال: كنت في السوق فإذا برجلٍ يصيح في السوق: يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فانقلب السوق بما فيه.

    من الذي تكلم؟ أفصح من تكلم.

    من الذي خطب؟ أفصح من خطب.

    من الذي تحدث؟ أعدل من تحدث.

    انقلب السوق، كان إذا تكلم عليه الصلاة والسلام توقفت القلوب، وسالت الدموع، وهاجت الأرواح، واشتعلت الأنفس.

    وإذا خطبت فللمنابر هزةٌ     تعرو الندي وللقلوب بكاءُ

    قال: {أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله} هذا هو فجر التاريخ، هذا هو إمام الإنسانية، انقلب السوق، ترك صاحب البضاعة بضاعته، وصاحب السمن سمنه، وبائع الغنم غنمه، وبائع الجمال جماله، والجزار جزارته، والنجار نجارته، والبزاز بزه، وأقبلوا زرافات ووحداناً، سعوا إليه وهو معتلٍ في السوق كأنه سيفٌ مسلول أو علم منصوب، أو بدر في كبد السماء، فاقتربوا، قال ابن سلام رضي الله عنه وأرضاه يوم أراد الله أن يهديه: فاقتربت معهم، وزاحمت فنظرت إلى وجهه أولاً فإذا هو ليس بوجه كذاب، بل وجه صادق، تعرف الصادق من وجهه، وعباراته، وكلماته، وخطراته، وسكناته، ولحظاته، فنظرت إلى وجهه فرأيت النور.. البهجة.. الإشراق.. الصدق.. العدل..

    وجهه يملأ المكان نوراً.

    وجهه يملأ الأرواح سروراً.

    وجهه يملأ الأنفس حبوراً.

    وجهه فقط يهتدى به.

    يقول عمه أبو طالب:

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأراملِ

    يكفيك شاهد أن تنظر في وجهه، حتى يقول ابن رواحة:

    لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ     لكان منظره ينبئك بالخبرِ

    لا تطلب أدلة، لا تطلب براهين، انظر إلى وجهه، فقط صعِّد نظرك في هذه البسمات، والقسمات، والرسمات؛ لترى النور يفاجئك ويدخل قلبك.

    قال: فنظرت إلى وجهه فإذا هو ليس بوجه كذاب، ثم تكلم عليه الصلاة والسلام فقال: {أيها الناس! أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام -اسمع الكلمات والدرر والجواهر وكان اليهود يسمعون مع المسلمين- وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام} فقام عبد الله بن سلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فسأله من أين أنت؟ قال: من اليهود، فتعجب عليه الصلاة والسلام ورحب به وحياه، وأخبره بما أنزل الله عليه، وما ذكر الله من أخبار موسى، فإذا الرسالة نفس الرسالة، وإذا المعنى هو المعنى، وإذا الدليل هو الدليل.

    موقف اليهود من ابن سلام

    قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -يبهتون، يخونون، يغدرون، أهل زور، أهل كذب، لا تخبرهم أني أسلمت، لكن ادعهم -يا رسول الله- إلى بيتك أو إلى المشربة، واجعلني خلفك في غرفة واسألهم عني، ثم أخرج وأقول: أسلمت، واسمع ماذا يقولون، فأخذه ووضعه في غرفة وأغلق عليه، ثم دعا من اليهود عشرة من أحبارهم، ومن دجاجلتهم، من الذين يتأكلون بالتوراة، المزورين على الله ثم التاريخ، قال: كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وحبرنا وابن حبرنا، وسيدنا وابن سيدنا.

    فقيههم وعالمهم هو عبد الله بن سلام، وهؤلاء عشرة قد شهدوا، فقال صلى الله عليه وسلم: كيف لو أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك -يقولون: حماه الله من أن يسلم لك، أو يصدقك، أو يتبعك- قال: اخرج إليهم، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا، وخبيثنا وابن خبيثنا، وكاذبنا وابن كاذبنا، قال سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:10] هذا هو الشاهد، فلم لا تسلموا؟! عرف الحق وهو عالمكم، فلم لا تتبعون الحق؟ فما المعنى؟

    المعنى أننا نجابه قوماً سبوا الواحد الأحد، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بالشرائع، واغتالوا الحق، وحاربوا العدل في الأرض، فليس لنا معهم إلا أن نعود إلى الله ونفوض أمرنا إلى الله، ونلجأ إلى الواحد الأحد، ونستجير به منهم، لننتصر عليهم.

    فيا من أراد أن تنتصر الأمة! انصر الإسلام في نفسك وبيتك وأسرتك ومدرستك وناديك.

    يا من أراد أن تعود لنا أرضنا، ويُحمى عرضنا، ويُكف الظلم والذبح والقتل والتشريد عن أبنائنا! استلهموا الرشد من الواحد الأحد، اطلبوا النصر من الله، الجئوا إلى الله، جددوا التوبة معه سبحانه.

    يا ألله! كان المسلمون في القادسية، واليرموك، وعين جالوت، وحطين إذا حضروا المعركة رفعوا أكفهم إلى الله، والآن نحضر فنرفع شكاوينا إلى المجالس الكافرة، وإلى الأندية الغابرة، ونتكفف ونستجدي الأمم!

    يا ألله! صلاح الدين يوم حضر في حطين، يقاتل أعداء رب العالمين، أهل الصليب، قال لجيشه: امكثوا، لا تبدءوا المعركة حتى يصعد الخطباء في العالم الإسلامي على المنابر، فإنها ساعة استجابة، فإذا بدأ الخطيب يخطب، وتنزل النصر من السماء؛ بدأنا المعركة.

    فلما صعد الخطباء المساجد في العالم الإسلامي، ماذا فعل؟ ألقى خوذته، ومرغ وجهه في التراب، واستقبل القبلة، وبكى وناشد الله النصر، وتوجه بجيشه فأحرقوا الصليب وأهله، وفتح بيت المقدس إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160].

    أيها الناس! أسأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، وأسأله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن ينصرنا نصراً مؤزراً.

    اللهم ارفع راياتنا وأيّد بيناتنا، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا، اللهم انصرنا على قتلة الأنبياء الذين سبوك وسبوا كتبك، وآذوا رسلك.

    اللهم مزقهم، اللهم احرقهم، اللهم دمرهم، اللهم شردهم. اللهم اجعلهم عبرةً للمعتبرين، وعظة للمتعظين، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم وحد صفوفهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم ردنا إلى الكتاب والسنة رداً جميلاً، اللهم ارفع الضائقة عنا، اللهم ارفع الكرب، وفك الخطب، فأنت نعم الرب.

    اللهم إنهم استأسدوا، وبطشوا، وسفكوا، وآذوا، وسبوا، وشتموا، اللهم فنصرك الأكيد، وبطشك الشديد، يا ذا العرش المجيد.

    اللهم أهلِك يهود، اللهم اكفنا شرهم بما شئت يا رب العالمين.

    اللهم صلِّ وسلم على النبي المجتبى، والرسول المصطفى، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، جزاء ما قدم وبلغ ونصح وبيّن.

    اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسلم، وعلى أصحابه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين المهديين، ومن سار على منهجهم يا رب العالمين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.