مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة البقرة

791521

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8070

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6071

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

2706

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2613

(...)
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1538

محمد المنجد
7

دعاء ختم القرآن الكريم..

1469

8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1466

9

خطبة عيد الفطر

1410

سعد البريك
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1365

لقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وما ذاك إلا لأنهم تربوا على يد المعلم الجليل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخرجوا من مدرسة النبوة. ومن هؤلاء الخلفاء الراشدين، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الذين قادوا الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومنهم سعد بن أبي وقاص ، خال رسول الله وقائد معركة القادسية، ومنهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ومنهم أيضاً إمام العلماء معاذ بن جبل.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أيها المؤمنون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

هذا درس رمضاني بعنوان: "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"

وهؤلاء الرجال هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان، وأئمة أهل الإسلام.

أولاً: الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وأبو بكر أول الخلفاء الراشدين وأول العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم.

أبو بكر لم يملك شيئاً من ميزات الدنيا إلا أنه عبدٌ لله، وكان أول من أسلم من الرجال، وقدَّم ماله للرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان صلى الله عليه وسلم يقول: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن) عليه الصلاة والسلام.

هو تيمي من قريش، لم تكن أسرته بتلك القوية العريقة، ولكن رفعه إسلامه وإيمانه، يقول عمر: قلت في نفسي لأسبقن أبا بكر هذا اليوم، فأخذ نصف ماله فذهب به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال-: يا رسول الله! خذ هذا النصف من المال، قال: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم نصف المال، فجاء أبو بكر فتصدق بماله كله، فقال صلى الله عليه وسلم: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قال عمر: والله لا أسابق أبا بكر بعدها أبداً.

وكما هو معلوم أن النار لها سبعة أبواب أعاذنا الله من النار رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران:192].

وللجنة أبواب ثمانية؛ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداخلين من تلك الأبواب.

بشرى لنا معشر الإسلام أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (ما بين المصراع والمصراع في الباب الواحد كما بين أيلة إلى صنعاءأيلة هي بيت المقدس الذي يرضخ اليوم تحت الاحتلال، هذا مقدار الباب الواحد- وإنه يأتي يوم القيامة وهو كظيظ من الزحام) فنسأل الله أن يجعلنا ممن يزاحم في ذاك الباب، فقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: (إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة) يعني من أكثر من الصلاة حتى اشتهر بها، ولا يقصد مجرد الصلوات الخمس؛ لأن كل إنسان يصلي الصلوات الخمس، لكن يقصد عليه الصلاة والسلام الذي يتنفل حتى يعرف بالصلاة، قال: (فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! أيدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية؟ قال: نعم. وأرجو أن تكون منهم) هو يدعى يوم القيامة من الأبواب الثمانية، هو أول المصلين، ومع الصائمين في أولهم، ومع الذاكرين في مقدمتهم، ومع المجاهدين رضي الله عنه وأرضاه.

وفي الأثر المشهور: والله ما فاقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بإيمان وقر في قلبه، فميزة أبي بكر على غيره من المسلمين أنه يعبد الله كأنه يراه، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أنه قال وهو على المنبر: [[يا أيها الناس! استحيوا من الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إني لأذهب إلى الخلاء فأضع ثوبي على وجهي حياءً من الله]] بلغت منزلة مراقبته لله أنه يستحي منه في وقت قضاء الحاجة، لأنه يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وهذه درجة الإحسان.

وقد امتاز أبو بكر رضي الله عنه كذلك بالخشية، وهذا الذي ينبغي أن نستحضره في هذا الشهر الكريم، خشية الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لأن المقصد من الصيام والصلاة هو خشية الله تبارك وتعالى، فامتاز أبو بكر من بين الناس بشدة خشيته لله، يذكر عنه الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول: دخل أبو بكر مزرعة رجل من الأنصار بعد موت الرسول، وفي أثناء دخوله إذا بطائر يطير من شجرة إلى شجرة، فجلس أبو بكر يبكي، قال له الصحابة: مالك يا خليفة رسول الله؟ قال: ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت طائراً أرد الماء وأرعى الشجر ثم أموت لا حساب ولا عقاب..

فلو أنا إذا متنا تركنا     لكان الموت غاية كل حيٍ

ولكنا إذا متنا بعثنا     ويسأل ربنا عن كل شيّ

ومن ميز الصالحين هضم النفس، تجد المصلي الصائم المتصدق العابد يهضم نفسه، وتجد المعجب المغرور المنافق يمدح نفسه، قال البخاري في كتاب الصحيح: وقال الحسن البصري: "ما خافه -أي النفاق- إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق".

 من مواقف أبي بكر الصديق المشرفة

وأبو بكر رضي الله عنه وقف مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي أخطر مواقف تاريخه الرسول صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر معه، وأنا أذكر ثلاثة مواقف:

الموقف الأول في الغار:

وصاحب الغار إني سوف أذكره     وطلحة بن عبيد الله ذي الجود

دخل صلى الله عليه وسلم الغار هارباً من قريش، فأعلن الكفار حالة الاستنفار في مكة، وسدوا الطرق الداخلة إلى مكة والخارجة، فدخل عليه الصلاة والسلام مع صاحبه أبي بكر في الغار، وجلس عليه الصلاة والسلام هو وأبو بكر حتى طوق المشركون الغار.

ولكن حينما أراد الله أن يحفظ رسوله سخر عنكبوتاً فنسجت بيتاً على فم الغار، ومن العادة أن الإنسان إذا دخل الغار شق بيوت العنكبوت، وأتت الحمامة وبنت عشها في فم الغار وباضت في هذا العش، فأتى كفار قريش معهم السيوف تقطر حقداً وضغينةً على المصطفى عليه الصلاة والسلام، أرادوا الدخول وإذا ببيت العنكبوت، وإذا بعش الحمامة، فوجموا وقد نظم هذا المعنى بعضهم فقال:

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على     خير البرية لم تنسج ولم تحم

عناية الله أغنت عن مضاعفة     من الدروع وعن عالٍ من الأطم

ثم صعدوا على ظهر الغار فأخذ أبو بكر ينظر فيرى أقدامهم فيقول: يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، فيتبسم عليه الصلاة والسلام تبسم الواثق الذي امتلأ قلبه إيماناً وثقة بالله، الذي يتبسم للمستقبل، يحفر الخندق في المدينة وتقع مسحاته عليه الصلاة والسلام على الصخر ويبرق من الصخر بارق فيقول: {تفتح لي قصور كسرى وقيصر إن شاء الله} فيضحك المنافقون ويقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، ولكن والله فتحها الله عليه وفتح ما هو أكبر وأكثر، فوصلت جيوشه إلى أسبانيا وإلى السند وإلى الهند فيقول: {يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما} وخرج من الغار بسلامة الله وحفظه ورعايته: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] ولذلك يقول أحد العلماء من المفكرين: الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لـأبي بكر في النكبات: إن الله معنا، أتاه الفقر من كل جانب فقال: لا تحزن إن الله معنا، أتته بعض الغلبة أو ما تسمى بالهزائم فقال: لا تحزن إن الله معنا، اجتمع عليه اليهود والمشركون والمنافقون فقال: لا تحزن إن الله معنا.

والموقف الثاني في بدر: قام عليه الصلاة والسلام قبل معركة بدر بليلة واحدة، ومعركة بدر تصفية بين الحق والباطل، فوقف الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو في الليل حتى سقط برده من على كتفيه وهو يقول: {اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم} ثم أخذ يدعو عليه الصلاة والسلام ويبتهل إلى الله، فأتى أبو بكر فرد عليه البردة وقال: كفاك مناشدة لربك يا رسول الله! فو الله لينجزن الله لك ما وعدك.

قال أهل العلم: كان الرسول صلى الله عليه وسلم أعرف بالله، فإن الله عز وجل يحب الملحين بالدعاء، ويحب المتضرعين والباكين، ويحب الذين يخلصون ويكثرون في الدعاء، بخلاف المخلوقين فإن أحدهم إذا ألححت عليه في الطلب غضب، أما الله فإنه كلما دعوته رضي عنك، وإذا رأيت العبد يكثر من الدعاء والابتهال فاعرف أنه مؤمن، واعرف قيم الناس وميزان الناس بكثرة دعائهم.

الموقف الثالث: يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة وتبعه سراقة بن مالك فكان صلى الله عليه وسلم يمشي في الطريق ويقرأ القرآن ويلتفت، فيقول أبو بكر: يا رسول الله! الطلب وراءنا، قال: يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا، ثم دعا على فرس ذلك في قصة طويلة، قال أهل العلم: فكان أبو بكر يأتي مرة عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ومرة عن يساره ومرة أمامه ومرة خلفه، فيقول صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر! مالك مرة عن يميني ومرة عن شمالي ومرة أمامي ومرة خلفي؟ قال: يا رسول الله! أذكر الرصد -الكمين- فأتقدم ليأتيني ولا يأتيك، وأذكر الطلب فأكون خلفك وأخاف أن تؤتى عن يمينك فأتيامن، وأخاف أن تؤتى عن يسارك فأتياسر أو أتشامل أو كما قال.

وتولى الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان هزيل الجسم حتى أنه كان يوتر قبل أن ينام، لكن في قلبه همة عالية تنسف الجبال، صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولما توفي عليه الصلاة والسلام كان أبو بكر غائباً عن المدينة فقد كان له مزرعة، فكان في مزرعته في عالية من عوالي المدينة معه فرس وإذا بـالمدينة ترتج بالبكاء، واختلط بكاء النساء بالأطفال والرجال، فأعظم مصيبة في تاريخ الإنسان، موت الرسول عليه الصلاة والسلام.

وإذا أتتك من الأمور مصيبة     فاذكر مصابك بالنبي محمدِ

وأتاه الخبر وهو في المزرعة، فركب فرسه ومعه عصا، وأتى إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وإذا الناس يموجون مثل البحر لا تسمع ماذا تقول لسانك من كثرة البكاء، قال: مالكم؟ قالوا: توفي الرسول عليه الصلاة والسلام، فسكت وما كلم أحداً وقال: الله المستعان.. إنا لله وإنا إليه راجعون! فثبته الله، وشق الصفوف حتى وصل إلى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة التي هو مدفون فيها صلى الله عليه وسلم.

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه     فيه العفاف وفيه الجود والكرم

يا خير من دفنت في القاع أعظمه     فطاب من طيبهن القاع والأكم

فدخل وكشف الغطاء عن وجه الرسول عليه الصلاة والسلام فإذا هو قد مات، فقبل وجهه، ودمعت عينا أبي بكر على وجه المصطفى عليه الصلاة والسلام ثم قال له: [[بأبي أنت وأمي؛ طبت حياً وطبت ميتاً، أما الميتة التي كتبت عليك فقد ذقتها، ولكن والله لا تموت بعدها أبداً]] ثم خرج على الناس فسكتهم وأتى إلى عمر رضي الله عنه عند المنبر في المسجد، وقد سل عمر سيفه وقال: [[من زعم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد مات ضربت عنقه بهذا السيف، إنما يغيب صلى الله عليه وسلم بعض الأيام كما غاب موسى يكلم ربه]] كما يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف:142].

فأتى أبو بكر وعمر يخطب وقال: اسكت يا ابن الخطاب! ثم ارتقى أبو بكر المنبر وقال:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعــد:

فمن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ثم قرأ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]

فخر عمر مغشياً عليه من البكاء، يقول عمر بعد أن رشوه بالماء واستفاق: والله الذي لا إله إلا هو كأني ما سمعت هذه الآية إلا ذاك اليوم، ثم قام أبو بكر رضي الله عنه فخطب الناس خطبة في اليوم الثاني، فما استطاع من البكاء أن يتكلم، يتصور ذكريات الشباب والفتوة والحياة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، يتذكر من كان إماماً بهم وخطيباً، ويتذكر المسجد ومن بناه، ويتذكر هذا الدين ومن أتى به، فإذا هو قد مات، فما استطاع أن يتكلم لأنه يتدفق بالبكاء فقام عمر فتكلم كلمة أبي بكر وأثنى على أبي بكر.

 منجزات أبي بكر الصديق في عهد الخلافة

واستمر أبو بكر رضي الله عنه في الخلافة سنتين وستة أشهر وقيل أكثر أو أقل، لكنه ما بقي إلا فترة وجيزة، ومع ذلك فقد أنجز فيها منجزات نذكر بعضها ثم نخلص بدروس بعد ذلك إن شاء الله.

منها حروب الردة فقد ارتدت العرب أو أكثرها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقوم من العرب يقولون: الرسالة قد انتهت بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله قد ماتت، وقوم يقولون: الكتاب هذا قد انتهى بموت هذا الرسول ولو كان رسولاً حقاً ما مات، فارتدوا على أعقابهم كافرين، وطائفة من العرب ما ارتدوا وإنما أنكروا الزكاة، قالوا: كانت تدفع للرسول عليه الصلاة والسلام وقد مات، إذاً فلا ندفعها، حتى يقول شاعرهم:

رضينا رسول الله إذ كان بيننا      فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر

أيملكها بكر إذا قام بعده     فتلك لعمر الله قاصمة الظهر

فقام أبو بكر في يوم الجمعة وقال: [[ما رأيكم في من منع الزكاة؟ فقام عمر وقال: لا نقاتلهم ونأخذهم بالتي هي أحسن، وقال للصحابة: ما رأيكم؟ فقالوا: لا نقاتلهم، وقال للمسلمين من المهاجرين والأنصار: ما رأيكم؟ قالوا: لا نقاتلهم، وقال للعرب من المسلمين: ما رأيكم؟ فقالوا: لا نقاتلهم، فقام رضي الله عنه وسل سيفه وصعد المنبر وقال: والذي نفسي بيده لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، فقال عمر: فلما رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أنه الحق]] فقاتلهم وانتصر عليهم رضي الله عنه.

ومضى في زهدٍ وعبادةٍ، وفي تقوى لله، وكان رضي الله عنه يتميز بالخشية كما تقدم، فإنه يقوم يصلي بالناس فلا يدرون ما يقول من البكاء.

وفي صحيح البخاري لما مرض صلى الله عليه وسلم مرض الموت قال: {مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس} فتقول بنت أبي بكر عائشة: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام لم يسمعه الناس من البكاء، قال: {مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس}.

وحضرت أبا بكر الوفاة فمرض حتى مات يوم الإثنين، وفيه قال: متى توفي الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: يوم الإثنين، قال: ما هو هذا اليوم؟ قالوا: يوم الإثنين، فقبض في ذاك اليوم، ولما أتته سكرات الموت أتته ابنته عائشة فاقتربت منه وقالت: يا أبتاه! صدق الأول يوم يقول:

لعمرك ما يغني الثواء عن الفتى     إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فالتفت إليها مغضباً وقال: يا بنية! لا تقولي ذلك ولكن قولي: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [قّ:19-22].

وقال: إذا أنا مت فاذهبوا ببغلتي هذه، واذهبوا بثوبي إلى عمر وقولوا لـعمر: يا عمر! اتق الله لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي، فذهبوا إلى عمر بالبغلة والثوب -هذا ميراث أبي بكر من الدولة الإسلامية، هذا الذي خلفه من تراثه وتجارته وكان أتجر الناس، لأنه قدم كل شيء في سبيل الله- فبكى عمر حتى جلس وقال: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر.

 دروس من حياة أبي بكر رضي الله عنه

ونأخذ من هذا الدرس دروساً:

أولها: أن التفاضل بخشية الواحد الأحد، وليس بكثرة الصيام ولا الصلاة، ولا الزكاة ولو أنها من أسباب الخير؛ لكن إذا لم تؤد إلى الخشية فيبقى التفاضل بها نسبياً فأفضل الناس أخشاهم لله.

الأمر الثاني: أننا مهما فعلنا فلن نوازن ولو قلامة ظفر من فضل الصحابة رضوان الله عليهم، ولو أنفق أحدنا مثل أحد ذهباً أو فضة ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.

الأمر الثالث: أن نوافل الأعمال هي المقربة من الواحد الأحد وهي التي تقرب العبد إلى الله، لا أسرته ولا وظيفته، ولا جاهه، ولا منصبه، لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {قال الله تبارك وتعالى -في الحديث القدسي- ما تقرب إلي عبد بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه}.

الأمر الرابع: أن التوكل على الله عز وجل لا ينافي الأخذ بالأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر تحصن بالدروع وأخذ السيوف والرماح صلى الله عليه وسلم، وكذلك أبو بكر، ومع ذلك يقول: {يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟} يقول بعض العلماء: ترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع، والسلامة أن تجمع بين التوكل والسبب، وحتى نفهم هذا أضرب مثلاً بطالب يريد أن ينجح في الامتحان، قلنا له: ذاكر، فإذا ترك المذاكرة وقال: أنا أنجح متوكلاً على الله بدون مذاكرة ففي عقله شيء، وإذا اعتمد على المذاكرة ونسي الله فهذا قدح في الشرع.

وإذا قال: أنا أنجح بلا مذاكرة، ولا توكل على الله فقد قدح في العقل والشرع، ويمكن أن يصل إلى درجة النفاق، وإذا أخذ بالتوكل والسبب فذاكر وتوكل على الله، فهو المؤمن الكامل، وكذلك كان أبو بكر قال بعض أهل العلم: ومن شدة توكل أبي بكر على الله عز وجل أنه أنفق أمواله في سبيل الله وما خاف العنت، وقال بعض أهل العلم: إذا خفت لأنك ما بلغت هذا المستوى فلك أن تبقي بعض مالك، لأنه لا يصل إلى درجة أبي بكر إلا القليل من الناس، رضي الله عنه وأرضاه.

فهو أفضل الناس بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه الصديق الأكبر وأنه أول الصحابة فضلاً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي خلافاً لأهل البدعة.

وقد روى ما يقارب مائة وثلاثة وثلاثين حديثاً أو قريباً من ذلك كما في مسند الإمام أحمد ، وفيه كذلك فائدة أن العلم ليس بكثرة الرواية، وأن الخوف من الله ليس بكثرة الكلام وإنما هو بخشية الله الواحد الأحد.

أسأل الله أن يجمعنا وإياكم بـأبي بكر الصديق، وأن يرينا وجه أبي بكر الصديق، وأن يجعلنا ممن يجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق.

ثانياً: عمر بن الخطاب وسنتعلم منه الزهد:

في درس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه نتعلم الزهد والعدل والشجاعة، الزهد في سيرة رجل، والشجاعة في سيرة إمام، والعدل في سيرة حاكم، وكلها تجتمع في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

هو أبو حفص أسلم متقدماً قيل: في الثامنة عشرة من عمره أو التاسعة عشرة، كان قبل أن يسلم ميتاً لا يعرف الحياة، لأن الحياة في كتاب الله عز وجل وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم معناها الحياة بالإيمان والقرآن: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

كان شجاعاً رضي الله عنه، أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام متوشحاً سيفه يريد البطش بالمسلمين، فسمع أن أخته أسلمت فاستمع لقراءتها، ثم دخل فضربها فأدماها، فقال: ناوليني الصحف، قالت: أنت مشرك نجس لا أناولك شيئاً من القرآن حتى تتطهر، فقرأ شيئاً من القرآن، وقرأ تلك الليلة: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [طه:1-4].

فدخل الإيمان قلبه، وامتلأ بلا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فبايعه على نصرة هذا الدين، فكان إسلامه نصراً لهذا الدين، ولشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

 من فضائل عمر وسيرته

أما فضائله فكثيرة، وقبل أن أتعرض لسيرته أتعرض إلى بعض فضائله:

في الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {عرض علي الناس البارحة -يعني: في المنام- وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله -يعني ما تفسير ذلك؟- قال: الدين} فدينه رضي الله عنه أصبح سابغاً ساتراً كالثوب الأبيض عليه.

وفي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: {أتيت البارحة بلبن فشربت حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم} فهو من أعلم الناس؛ لكن بخشية الله تعالى.

أما من كراماته فما ذكر صاحب تاريخ داريا بسند صحيح قال: وقف عمر رضي الله عنه يخطب الناس يوم الجمعة، وبينما هو في الخطبة إذ قطع الخطبة فجأة ثم رفع صوته يقول: يا ساريةُ الجبلَ يا ساريةَ الجبلَ! يا ساريةُ الجبل! فلما نزل قال الصحابة: مالك؟ قال: كشف الله لي الغطاء فرأيت جيش المسلمين في العراق ورأيت العدو قد حاصر سارية فناديته أن يعتصم بالله ثم بالجبل، وبعد شهر أتى سارية منتصراً فقالوا: هل أحسست بشيء؟ قال: في يوم الجمعة من شهر كذا سمعت صوت عمر والناس على المنابر يناديني يا سارية الجبل! فاعتصمت بالله ثم بالجبل فنصرني الله.

أما سيرته فحدث عن العدل وحدث عن الخشية وحدث عن الزهد ولا حرج.

أما في الزهد فقد ضرب المثال الأروع، يقولون: من يوم تولى الخلافة إلى أن توفي وعليه ملحفة واحدة يرقعها كلما تمزقت، وقد أتى سفير فارس إلى المدينة ليفاوض عمر، فدخل المدينة مع وفدٌ على مستوى عال، يريد أن يخاطب عمر بن الخطاب الذي دوى صيته في العالم، فسأل أين قصر عمر؟ قالوا: لا قصر له، قال: أين هو؟ قالوا: هذا بيته، وإذا هو بيت من طين، فذهب إلى البيت فضرب على الباب، فقال أهل عمر: ليس هنا، التمسه في المسجد فإنه ينام الضحى في المسجد، فذهب إلى المسجد والوفد معه وأطفال المدينة وجواري المدينة يلاحقون أهل فارس لأن عليهم الديباج والحرير في منظر بهيج ما رئي في الحياة، فما وجدوه في المسجد ودل الصحابة على مكانه فوجدوه تحت الشجرة نائماً ودرته -العصا- بجانبه، فوقف عليه هذا فأخذ يرتعد وأخذ يقول: هذا الخليفة؟ قالوا: هذا الخليفة، فقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، يقول حافظ إبراهيم:

وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً      بين الرعية عطلاً وهو راعيها

فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً     ببردة كاد طول العهد يبليها

إلى أن يقول:

فقال قولة حق أصبحت مثلاً     وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها

أمنت لما أقمت العدل بينهم      ونمت نوم قرير العين هانيها

وفي عام الرمادة وهو عام القحط والجدب وقف على المنبر فقرقرت بطنه من الجوع وهو في الخطبة، فقطع الخطبة وقال لبطنه: [[قرقري أو لا تقرقري، فوالله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]].

وقال للناس في خطبة من الخطب وهو يتكلم إليهم: يا أيها الناس! اسمعوا وعوا، فقام سلمان الفارسي وقال: والله لا نسمع ولا نعي، قال: ولم يا سلمان؟! قال: أتكتسي ثوبين وتكسونا من ثوب واحد -كان يوزع من الغنائم من ثوب- فقال لابنه عبد الله: يا عبد الله! قم فأجب سلمان، قال: أما الثوب الثاني فإنه قسمي مع المسلمين أعطيته والدي، فقال سلمان: الآن قل نسمع وأمر نطع، فقال عمر: يا أيها الناس! ما رأيكم لو رأيتموني اعوججت عن الطريق هكذا، فقام أعرابي في المسجد وقال: يا أمير المؤمنين! والله لو رأيناك اعوججت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم وقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من لو مال عن الطريق هكذا لقالوا بالسيوف هكذا.

أما معالم سيرته رضي الله عنه في العدل، فإنها تأخذ مجلدات ومؤلفات، ومن شاء فليطالع ما كتب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء، فالإنجليز كتبوا في سيرته وعدله.

أما خشيته فلا إله إلا الله ما أخشاه لله! أخذ البكاء في خديه خطين أسودين، كان يقرأ غالباً في صلاة الفجر سورة يوسف، فإذا وصل إلى: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] توقف حتى يسمع له نشيج وللمسجد غمغمة من البكاء، ومر بـأبي بن كعب في صلاة التراويح، وعمر هو الذي جمع الناس وإن لم يصل معهم صلاة التراويح، بل كان يصلي في آخر الليل، وفي أثناء صلاة التراويح كان يجوب المدينة وينزل من سكة ويصعد الأخرى ويقف عند مفترقات الطرق، وعند مجامع الناس، وعند الأرامل، والأطفال، قال: والله لو أخذت شاة من المدينة لظننت أن الله يسألني يوم القيامة عنها، مر بـأبي بن كعب وهو يقرأ في صلاة التراويح: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:24-26].

قالوا: فألقى الدرة وهو في السكة يسمع القرآن ووقع على الأرض، قال ابن كثير: فعاده الناس من مرضه شهراً كاملاً رضي الله عنه وأرانا الله وجهه في مستقر الرحمة، فقد كان صادقاً مع الله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحدث أنه لو كان أحد نبياً بعده لكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأجزل مثوبته.

 زهد عمر رضي الله عنه

أما تقشفه فإنه تعلمه في مدرسة الرسول عليه الصلاة والسلام، دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم في مشربة، والرسول صلى الله عليه وسلم نائم على حصير قد أثر في جنبه، وما في المشربة -الغرفة- إلا شيء من شعير معلق، فأتى عمر ينظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجد الحصير قد أثر في جنبه فدمعت عينا عمر، فقال له صلى الله عليه وسلم: مالك يا ابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله! ملوك فارس والروم في عيش هنيء وهم أعداء الله، وأنت حبيب الله في هذا العيش، قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قال: بلى. فأخذ من ذلك درساً لا ينساه.

يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: اشتريت لحماً من السوق وذهبت به إلى أهلي، وإذا بـعمر مقبلاً فخبأت اللحم تحت إبطي -حتى الصحابة يخافون منه، لأنه يحاسب الأمراء، ويحاسب الناس؛ ممن اشتريت؟ وماذا شريت؟ وماذا تريد؟- فلقي جابراً فأمسكه فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: لحم اشتهيته فاشتريته، قال: أكلما اشتهيت اشتريت! والله إني أعلمكم بما آكل ولكني أخشى أن أعرض على الله يوم القيامة فيقال لي: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الاحقاف:20].

ودخل عليه الحارث بن زياد أحد الأمراء، وقد كان يوم عرفة يحاسب أمراءه على الأقاليم، أمير العراق، أمير الشام أمير مصر أمير اليمن، وكان يأتي بالرعية ويقول: تكلموا عن أميركم وواليكم -في حوار مفتوح- فأتى إليه الحارث بن زياد في المدينة فرأى عمر يأكل خبز الشعير بالزيت، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك أحق الناس بالعيش الهنيء والمركب الوطيء قال: ثكلتك أمك، والله لا تتولى لي ولاية، ظننت أنك تعينني على طريق الآخرة فإذا أنت تهوشني أو تهرشني على الدنيا، فعزله.

وفي المدينة وهو جالس مع الصحابة رضوان الله عليهم من بقية العشرة المبشرين بالجنة، وعلماء الصحابة وهم ملء المسجد، وإذا برجل مصري يدخل ويبكي، فقال عمر: مالك؟ قال: ابن أميرك على مصر ضربني، قال: ولم؟ قال: سابقته على فرس فسبقته فقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين، فضربني.

قال عمر: والله لأقتصن لك منه، ثم قال: عليَّ بـعمرو بن العاص فأرسل إليه وحبس المصري القبطي عنده، فوصل عمرو بن العاص وابنه محمد فجمع عمر الصحابة كلهم ثم أخذ درته، وقال للصحابة: والله لا يحول بيني وبين عمرو بن العاص أحد، هذا الوالد، أما حساب الولد فسوف يأتي فيما بعد، فقام يضربه فيقول عمرو بن العاص داهية العرب: الله الله في رأسي، فقال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً]] انظر إلى هذه الكلمة التي تسجل من نور، ثم قال للمصري: خذ العصا واضرب ابن الأكرمين، فأخذ يضربه فيصيح قال: اسكت فإنك أنت ابن الأكرمين -يستهزئ به- فلذلك علَّم رضي الله عنه بسيرته وبكلامه العدل.

 عبادة عمر رضي الله عنه

أما عبادته: فأعظم عبادة الصدق مع الله، وقف عند الجمرات في آخر حجة حجها وقال: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتةً في بلد رسولك، قال له الصحابة: من يريد الشهادة يا أمير المؤمنين يخرج إلى قتال الأعداء، ولا يقتل في المدينة قال: هكذا سألته وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت، وعاد إلى المدينة، وفي أول ليلة رأى في المنام كأن ديكاً نقره ثلاث نقرات، فذهب في الصباح إلى أسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر بن أبي طالب زوجة الشهداء، هذه المرأة الصالحة ما تتزوج رجلاً إلا ويقتل شهيداً، حتى قال بعض الصحابة: من أراد الشهادة فليتزوج أسماء، قيل تزوجها ثلاثة أو أربعة كلهم قتلوا في سبيل الله، كانت تعبر الرؤيا.

قال: يا أسماء! قالت: نعم. قال: رأيت البارحة كأن ديكاً ينقرني ثلاث نقرات فما تأويل رؤياي؟ قالت: يقتلك رجل من العجم، فاستودع الله نفسك يا أمير المؤمنين! فذهب فصعد المنبر آخر جمعة فأخذ يبكي ويقول: يا أيها الناس! من ظلمته أو شتمته أو اغتصبت شيئاً من ماله فليقتص مني قبل ألا يكون درهم ولا دينار.

وفي صباح السبت وما أدراك ما صباح السبت؛ قام ليصلي الفجر، ولما قرأ في الركعة الأولى من سورة يوسف بكى وبكى الناس فركع، وتقدم له أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر سمه شهراً كاملاً حتى أصبح الخنجر أزرق من السم، والسبب أنه حاقد، وأن وراءه عصابة من أهل فارس وأخذ له حجة أن عمر رضي الله عنه ما حكم بينه وبين مولاه، فضرب أمير المؤمنين ثلاث طعنات فوقع صريعاً على الأرض، وهو يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، فحمل، وأكمل الصلاة ابن عوف وعاد أبو لؤلؤة فقتل سبعة أو ستة ثم قتل نفسه، أما عمر فحمل على أكتاف الرجال فكان يفتح عينه وهي تمتلئ بالدموع ويقول: هل أتممت الصلاة؟ قالوا: لا. فيقول: الله المستعان، وصل إلى بيته ووضع على الأرض فوضعوا رأسه على مخدة فقال: انزعوا المخدة من تحت رأسي علَّ الله أن يرحمني، ثم قال له ابن عباس: طوبى لك يا أمير المؤمنين! أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة، أسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، قال: يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي، ثم فاضت روحه بعد أن أكمل صلاة الفجر رضي الله عنه.

وسيرته طويلة طويلة ولا يمل الإنسان من سيرة عمر، يقول ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحيهلاً بـعمر.

قل للملوك تنحوا عن مناصبكم     فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها

قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها     بفضل ربك حصناً من أعاديها

 دروس وعبر من سيرة عمر

وفي سيرته دروس:

أولها: أنه لا ينبل العبد ولا يقرب من الله إلا بالصدق والإخلاص، وقد تجلت هذه في سيرته.

الدرس الثاني: أن الزهد من أعظم الأعمال عند الله عز وجل، زهد أهل السنة لا زهد أهل البدعة، وهو الزهد في الحرام والمكروه، والزهد في المباح الذي يشغلك عن طاعة الله، قال ابن تيمية: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة.

هذه الكلمة تحفظ، لأن بعض الناس الآن يزهد في الثياب، وربما لا يشتري سيارة، ولا يسكن فلة، ثم يتعطل عن كثير من الفرائض والعبادات بسبب ترك هذه الأمور، وهذا ليس من الزهد، إذ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، أما ترك ما ينفع في الآخرة فحمق، وكل شيء لا ينفعك في الآخرة؛ مثل كثرة الثياب والسيارات، وكثرة المال إذا لم تنفق منه في مرضاة الله، أما إذا أنفقت من المال وخدمك في الآخرة ورفع درجتك فليس تركه من الزهد بل من الحمق.

الدرس الثالث: العدل؛ وهذا على مستويات أدناها أن تعدل -كما يقول ابن تيمية- بين طالبين أو بين تلميذين، لو عرض لك تلميذان لتصحح لهما فظلمت أحدهما لقيت الله يوم القيامة ظالماً، والظلم يدخل على رب الأسرة بأن يحكم بين بناته أو أطفاله فيقدم هذا ويؤخر هذا، وقد أتى والد النعمان بن بشير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أريد أن تشهد أني أعطيت النعمان هذا المال، قال: ألكل ولدك أعطيت ذلك؟ قال: لا، قال: استشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

ومن الظلم ظلم القضاة، وظلم المسئولين على كافة مستوياتهم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}.

ومن الدروس: أن الرؤيا الصالحة للمؤمن من المبشرات، ولكن لا تبنى عليها أحكام، فإذا رئيت لك رؤيا صالحة فاحمد لله، أو رأيت لرجل من الصالحين رؤيا فأخبره بها فهي من المبشرات التي تركها صلى الله عليه وسلم لنا.

ودرس أخير: أن عمر عند أهل السنة والجماعة هو في المرتبة الثانية بعد أبي بكر، ثم عثمان ثم علي؛ هذا ترتيبهم عند أهل السنة ولو خالف أهل البدعة، لأن أهل الرفض نسأل الله أن يعافينا مما أصابهم يسمون أبا بكر الجبت، ويسمون عمر الطاغوت، أولئك الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104].

ثالثاً: أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونتعلم من سيرته ثلاث مسائل:

أولها: الحياء.

وثانيها: البذل.

وثالثها: الخشوع.

الحياء والبذل والخشوع كلها في سيرة عثمان رضي الله عنه.

كان صلى الله عليه وسلم جالساً في بيته معه أبو بكر وعمر بل ورد في الرواية عن عائشة أنه كان صلى الله عليه وسلم كاشفاً عن فخذه، وقيل عن شيء من ساقه، فدخل أبو بكر فما تزحزح صلى الله عليه وسلم عن مكانه، ودخل عمر فما غير مجلسه، فلما دخل عثمان ستر صلى الله عليه وسلم رجله، فلما انتهوا قالت عائشة: يا رسول الله! دخل أبو بكر فما تغيرت، ودخل عمر فما حولت مجلسك، ثم دخل عثمان فرأيتك تسترت، قال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.

فالرجل الذي تستحي منه الملائكة هو عثمان بن عفان، يقول: والله ما مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول عنه أهل السير: ما اغتسل إلا جالساً حياء من الله، هو في الظلام يغتسل لكن معه الله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] والاغتسال واقفاً حلال ومباح، لكنه يجلس حياء من الله:

حياء من إلهي أن يراني     وقد ودعت دارك واصطفاكا

 خشوعه رضي الله عنه

ونتعلم من عثمان رضي الله عنه مع الحياء الخشوع، فقد كان ابن عباس رضي الله عنه إذا قرأ: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] يقول: ذاك عثمان بن عفان، وقال المروزي في كتابه قيام الليل: صح عن عثمان وصحح هذا السند ابن حجر في فتح الباري أنه قام بالقرآن في ركعة واحدة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر في الحرم، والقصة مفادها أنه دخل الحرم وهو متلثم لئلا يراه إلا الله، وهو أمير المؤمنين الخليفة الذي إليه السلطة العليا في الدولة الإسلامية، فدخل وكان يحفظ القرآن، فاقترب من المقام بعد صلاة العشاء فكبر، فقرأ القرآن من أوله، وانتهى ومؤذن الفجر يؤذن، في ركعة واحدة.

يقول أهل السير: وقد صح عنه أنه كان يفتح القرآن بعد صلاة الفجر فيقرأ حتى صلاة الظهر فيقول الصحابة: لو خففت على نفسك يا أمير المؤمنين! فيقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن، فهذا درس في الخشوع، والثابت عنه أنه كان يتوضأ في الليل ثم يقرأ ويصلي ويبكي، ثم يعود ينام قليلاً، فما يأتيه النوم من الخوف، ثم يقوم ويتوضأ، وهكذا حتى يطلع الفجر، فهو القانت بالقرآن، وهو المتدبر للقرآن، يقول حسان في مرثيته لـعثمان بعد أن قتل:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به     يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

يقول: هؤلاء المردة الفجرة ضحوا برجل عنوان السجود في وجهه، أشمط أي: شيخ لأنه بلغ الثمانين، يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً، وسوف نأتي إلى مصرعه في آخر هذا الدرس إن شاء الله.

 بذل عثمان رضي الله عنه

أما البذل فلا تسأل عنه، فهو من أكرم الناس يريد بذلك ما عند الله، ويشتري الجنة بماله، وله مواقف نبيلة في الإسلام لا يفعلها إلا مثله من الأخيار، وحينما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجهز جيش تبوك وهو ثلاثون ألفاً، ارتقى عليه الصلاة والسلام المنبر في شدة الحر وقال لتجار الصحابة وأغنيائهم: من يجهز جيش تبوك وله الجنة! فسكت الناس لأنه ثلاثون ألفاً يحتاج إلى إبل وخيول ومال كثير، فمن يجهزه ضمن له النبي صلى الله عليه وسلم الجنة.

وكما سبق معنا أن ابن القيم قال: أنزل الله عقداً من السماء أملاه بنفسه، ووقع عليه محمد صلى الله عليه وسلم، وقبض الثمن الله، أما الثمن فأرواح المؤمنين، وأما السلعة فالجنة، وأما الشاهد فجبريل، قال فبايع محمد صلى الله عليه وسلم الصحابة في مجلس العقد، فانفض المجلس والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع، فقال عليه الصلاة والسلام: من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فسكت الناس، فقام عثمان وسط الناس بشخصه كأنه النجم، أو كأنه العلم وسط الناس وقال: أنا يا رسول الله! فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: {اللهم اغفر لـعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم}.

يقول: لو فعل الذنوب فإن هذه الجبال من الحسنات تأتي عليها فلا يضره ما يفعل، وهو لن يفعل شيئاً؛ لأن الله ثبته بالقول الثابت، لبذله في سبيل الله وبيعه نفسه من الله، وظمئ الصحابة فقال عليه الصلاة والسلام: {من يشتري بئر رومة وله الجنة؟}.

مشاريع الخير ليست تلاوة فقط، وليست ركعات، وليست تسبيحات، وليست صلاة ليل فقط، بل هي إيصال النفع للمسلمين، وهي أن تحيي أرواحاً، وتملأ بطوناً، وتروي أكباداً، هذا هو الإسلام قال: {من يشتري بئر رومة من اليهود وله الجنة؟} فاشتراها عثمان، فكان الصحابة يشربون من عطش ويبكون ويقولون: سقى الله ابن عفان من سلسبيل الجنة، غاب عن بدر، ولماذا غاب عن بدر؟ لأنه يمرض بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد زوجه أغلى شيء في حياته بعد هذا الدين، فمرضها فماتت، فزوجه عليه الصلاة والسلام الثانية فمرضت وماتت، وأخذ صلى الله عليه وسلم في مجلس الحزن بعد موت الثانية يقول: {يا عثمان! والذي نفسي بيده لو كان عندنا غيرها لزوجناك} ثم كناه صلى الله عليه وسلم (ذا النورين) ويستحق كل خير، وتخلف عن بيعةالحديبية والسبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يفاوض كفار قريش لما أراد أن يزور مكة، فوقف له كفار قريش بالمرصاد، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من المعركة والقتل، فقال صلى الله عليه وسلم: {من يذهب يفاوض قريش؟ قم يا ابن الخطاب} يعني: عمر، فقال عمر: يا رسول الله! أنا رجل صاحب فعائل في قريش -وصدق، أي: أنا لساني وسيفي فعلت أفعاعيل، وسوف ألقى جزائي بالمرصاد، هذا معنى الكلام- وأسرتي ضعيفة يا رسول الله! فأرسل رجلاً تحبه قريش وأسرته تحميه، قال: من هو؟ قال: ابن عفان فقال عليه الصلاة والسلام: {قم يا عثمان} فقام على جمل أحمر ووصل إليهم فحبسوه في الضيافة ثلاثة أيام، وأتى الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن عثمان قتل، وما قتل ولكنهم يضيفونه وتكرمه أسرته، فقال عليه الصلاة والسلام: عليَّ بالناس، فاجتمعوا جميعاً وظن أن عثمان بل تأكد أن عثمان قتل، فبايعهم على الموت، فلا حياة ولا استقرار ولا أمن حتى ينتصف من دمائهم، فلما وصل إلى بيعة عثمان قال صلى الله عليه وسلم: {وهذه عن عثمان}.

قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:18].

وتوفي عليه الصلاة والسلام وبقي عثمان على العهد ينفق أمواله في سبيل الله، وإذا أظلم الليل وسكنت المدينة خرج وهو خليفة بالطعام على ظهره يطرق على الأيتام والمساكين والأرامل ويعطيهم الحبوب، والزبيب، والدقيق، والتمر ثم يعود يصلي إلى الفجر، يقول أحد السلف: والله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت عثمان يطعم الناس الثريد -والثريد الخبز مع اللحم- وإنه ليأكل خبز الشعير مع الزيت وهو خليفة!

كان وجهه كفلقة القمر من كثرة تلاوته للقرآن، ومن انكب على القرآن والذكر فبإذن الله بعد سنوات يكون ووجهه كالنور، لأن القرآن نور على نور: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

وصعد صلى الله عليه وسلم جبل أحد معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وقيل الزبير، فارتج جبل أحد والحديث صحيح، سبحان الله! من جعل الجبال ترتج لهؤلاء النفر، ولهؤلاء الجيل الذين ساروا على الأرض؟ لا أطهر منهم إلا الأنبياء والرسل، سبحان الله! من جعل جبل أحد كما في صحيح البخاري {يحبنا ونحبه} يقول سيد قطب: الله أكبر حتى الجبال تحب المؤمنين، والمؤمنون يحبون الجبال، نعم. وبعض الجبال تكره المؤمنين والمؤمنون يكرهونها.

{جبل أحد يحبنا نحبه} وهو من جبال الجنة، وجبل عير من النار، فالرسول صلى الله عليه وسلم يحب هذه الجبال لمعانٍ الله أعلم بها، وهذا قديم عند ا لعرب حتى يقول مجنون ليلى:

أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

يقول يأتي إلى قرية ليلى وليست فيها ليلى فيأتي يقبل الجدران، والسكك، والحوائط لأنها سكنها يقول:

وما حب الديار شغفن قلبي     ولكن حب من سكن الديارا

فالمؤمنون يحبون هذا، والشاهد أنه صلى الله عليه وسلم قال لـأحد: {اثبت فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد} وبالفعل كان عثمان من الشهداء.

 فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه

أتته شهادته وهو يقرأ القرآن على فراش الموت، عاش ثمانين سنة كلها في سبيل الله، وثار عليه ثوار والله الحكم العدل يحكم بين عباده في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ في يوم العرض الأكبر: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

صام في آخر يوم من حياته لله عز وجل، وكان كثير الصيام، ونام قبل العصر فاستيقظ وقال لأهله: أنا أفطر في الجنة إن شاء الله هذه الليلة، قالوا: كيف؟ قال: رأيت الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر وعمر فقال لي صلى الله عليه وسلم: يا عثمان! سوف تفطر عندنا الليلة، وبعد صلاة العصر بدأ الهجوم واقتحام منـزله رضي الله عنه من ثلة من الثوار المتمردين على الدولة الإسلامية من مصر، من لفائف وسفل وثوار ومتمردين مشاغبين، تجمعوا ثم اقتحموا منزله، وكانوا قبلها بيوم منعوا عنه الطعام والشراب، وحاصروه وكان صائماً فرئي كما في السير أنه قال: أتيت بدلو ماء بارد فشربت وأنا في النوم حتى رويت، وأما في اليوم الآخر من حياته رضي الله عنه فاقتحموا منزله ودخلوا عليه وهو يقرأ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137] حتى وقعت دماؤه على هذه الآية، ضرب بالسيف على رأسه، ما قاتل أبداً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {يا عثمان! إنك سوف تقمص قميصاً فإذا أراد الناس أن تنزعه فلا تنزعه} والقميص هي: الخلافة، وقال بعض أهل العلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصاه قال: لا تدافع عن نفسك، كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، فما دافع، وقال للحسن بن علي والحسين وعبد الله بن الزبير وهم يذبون عنه: أسألكم بالله إن كان لي عليكم طاعة فإني أمير المؤمنين أن تتركوني وتتركوا الناس، ولن أدافع عن نفسي، فاقتحموا عليه فضربوه بالسيف فرفع صوته فقال: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137] وسالت دماؤه على المصحف، يقول أحمد شوقي:

جرحان في كبد الإسلام ما التأما     جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمي

يقول: جرحان في الإسلام ما التأما، جرح عثمان وجرح القرآن في كبد الأمة الإسلامية لم يلتئم بعد.

ولف رضي الله عنه ودفن ليلاً في البقيع ولم يكن في مقبرة الرسول صلى الله عليه وسلم أو قريباً من الغرفة التي دفن فيها صلى الله عليه وسلم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر دفنوا متقاربين متجاورين، القبر الأول قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن عند أكتافه يبدأ رأس أبي بكر ومن عند أكتاف أو صدر أبي بكر يبدأ عمر، وأتي بعثمان ليدفن هناك فمنع الثوار دفنه فدفن في البقيع.

وفي البخاري من حديث سعيد بن المسيب أن أبا موسى قال: {خرج صلى الله عليه وسلم فالتمسناه أين يذهب قال: فوجدناه قد خرج إلى مزرعة رجل من الأنصار فأتيت فوجدته قال: فدخلت وراءه وقلت: لأكونن حارس رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم، لا يدخل أحد إلا بإذن، وهو وحده صلى الله عليه وسلم قال: فأتى إلى بئر رجل من الأنصار فدلى رجليه في البئر وجلس عليه الصلاة والسلام.

قال: ولما جلست عند الباب قلت: يا رب! تعال بأخي أبي عامر، عله أن يدرك شيئاً أو دعوة في هذه الخلوة، قال: فإذا بطارق يطرق قلت: من؟ قال: أبو بكر، قلت: انتظر أستأذن لك من رسول الله، قلت: يا رسول الله! أبو بكر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأذنت له فأتى على يمين الرسول عليه الصلاة والسلام فدلى رجليه في البئر كما فعل صلى الله عليه وسلم، -لأنهم يشاركونه في الحركات والسكنات لأنه المعلم العظيم- قال: فطرق الباب طارق، قلت: من؟ قال: عمر بن الخطاب - انظر إلى هذين يعيشان سواء، شيخا الإسلام، هذا الأول وذاك الثاني دائماً؛ حتى وضع حجر أساس مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أتى صلى الله عليه وسلم بالحجر فوضعها فقام أبو بكر فوضع الثانية وعمر وضع الثالثة فعرف الناس أن رجل الساعة أبو بكر ثم عمر وهكذا قال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأذنت له، فأتى حتى جلس عن يسار الرسول صلى الله عليه وسلم فدلى رجليه في البئر، قال: فإذا بطارق قلت: من؟ قال عثمان، قلت: انتظر استأذن لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فاستأذنت له فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه.

قال: فأتيت فقلت: ادخل يبشرك الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك، قال: الله المستعان} -وهي في صحيح البخاري، وهي كلمة حارة ومحزنة، (الله المستعان) أي: لا يستعان إلا بالله عز وجل- فدخل القف -هكذا يسمى- فوجده قد امتلأ فأتى فقابل الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر وعمر ثم دلى أرجله مقابلاً لهم.

قيل لـابن المسيب: فما أولت ذلك؟ قال: قبورهم، وأصاب فإنهم مجتمعون في مكان واحد وهو نازح في البقيع رضي الله عنه.

 دروس من حياة عثمان

وسيرته طويلة رضي الله عنه لكن أخذت منها نقاطاً نتعلم منها الخشوع والبذل والحياء.

أما الحياء فكله خير كما قال عليه الصلاة والسلام، وتعريفه من سيرة عثمان: أنه ما صدك عن المحارم، فالحياء الذي يصدك عن المحارم هو الذي يحبه الله، أما الذي يمنعك عن طلب العلم، أو التفقه في الدين، أو سؤال العلماء، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فليس من الحياء في شيء بل هو الخجل المذموم.

وفي البخاري موقوفاً على مجاهد بن جبر المفسر قال: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر، فلا ينبغي أن يكون بينك وبين العلماء حاجز؛ أن تقول: أستحي أن أسأله أو أن أناقشه في أمور منزلية، أو عائلية أو شخصية، لا. بل اسأله {إنما شفاء العي السؤال} كما قال عليه الصلاة والسلام، وقالت عائشة: [[نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين]] وكان أكثر الناس حياء موسى عليه السلام وهو القوي الأمين، حيي لكن عن المحارم، بنت الرجل الصالح -قيل شعيب وقيل غيره- لما أتت تدله على منزل أبيها قال: تعالي ورائي، انظر إلى الأمين الذي يحفظ الله في الغيب، حتى لا ينظر إلى شيء منها، فكانت وراءه فكانت تقول: خذ يمينك، خذ يسارك، الطريق من هنا، الطريق من هناك حتى وصل إلى بيت أبيها، قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26]

أما القوة فزحزح الصخرة ولا يستطيع لها عشرة، وأما الأمانة فرأته في الطريق، ولذلك رزقه الله عز وجل الرسالة الخالدة ورفع الله اسمه، وأنتم تسمعون في صلاة التراويح ما نقرأ صفحات إلا ويطالعنا حديث موسى، نعيش كما قال سيد قطب: معركة نسف وإبادة مع بني إسرائيل في هذه الليالي، يا بني إسرائيل، ولقد أرسلنا موسى، وإذ قال موسى، وواعدنا موسى، حتى قال بعض علماء الإسلام: كاد القرآن أن يكون لموسى، هذا هو الحياء المطلوب في الإسلام.

وأما البذل: فهو البذل في سبيل الله بلا رياء ولا سمعة، بعض الناس يبذل للرياء والسمعة ملايين مملينة أو ألوفاً مؤلفة، ولكنه في الخير من أبخل الناس، وهذه صفة اليهود: يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء:37]

والبذل ليس فقط بالمال، بل قد يكون بالجاه؛ بأن تبذل جاهك عند المسئول شفاعة للناس، وقد يكون بالبسمة الحانية الرقيقة لإخوانك المسلمين، وقد يكون بأن تجود بوقتك لزوارك وضيوفك وللدعوة، يقول ابن القيم عن رجل: من كرمه أنه يسامر ضيفه ولا ينام حتى ينام الضيف.

متيم بالندى لو قال سائله     هب لي فديت كرى عينيك لم ينم

أي: لو قال له الضيف أرجوك لا تنام لقال: لن أنام هذه الليلة، فهذا الكرم بالوقت، والكرم بالعلم، وهو أن يبذله لمستحقيه، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه.

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها     والجود بالنفس أغلى غاية الجود

وأما الخشوع فهو سيرة عثمان الدائمة، فالقرآن والبكاء، والمناجاة في السحر حين ينزل الله في الثلث الأخير فيعطي من سأل، ويغفر لمن استغفر، ويتوب على من تاب هي ديدنه.

سلام على عثمان في الخالدين، وألحقنا الله به في الصالحين، وأجلسنا معه في مقعد صدق عند رب العالمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

رابعاً: علي بن أبي طالب.

أبو الحسن رضي الله عنه وأرضاه رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو بمكانة هارون من موسى من الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي غزوة خيبر قال عليه الصلاة والسلام للصحابة قبل أن يناموا: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه).

قال عمر ما أحببت الإمارة إلا في تلك الليلة، لأن من مواصفات هذا الأمير أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وفي الصباح قال عليه الصلاة والسلام: أين علي بن أبي طالب؟ قالوا: يا رسول الله! هو مريض بالرمد، والله ما يرى مد يده، قال: عليَّ به، فذهبوا فأخذوا بيديه يقودونه حتى وقف بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فبصق في عينيه، لأن ريق الرسول عليه الصلاة والسلام فيه بركة، وفيه من الخير ما الله به عليم، فإذا هو يبصر وقبلها يقول: اذهب، قال: والله يا رسول الله! ما أرى مد يدي، وقال: ادن مني، فدنا فتفل في عينيه فإذا هو يبصر، وقال: اذهب علَّ الله أن يفتح عليك، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، فذهب يهرول إلى حصن خيبر فنزل له مرحب اليهودي بطل من أبطال اليهود الشجعان، والشجعان في اليهود قليل لأن اليهود من أجبن الأمم في الأرض، لكن قد تأتي نادرة، ولكل قاعدة شواذ، فجاء مرحب هذا فنزل بالسيف وعليه لأمة، وكان كبير الجسم وأخذ يرتجز ويقول:

قد علمت خيبر أني مرحب      شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الحروب أقبلت تلهب

وما درى مرحب أن أمامه علي بن أبي طالب، وما درى أن أبا الحسن له بالمرصاد، شاب يشرب الموت مثل ما نشرب الماء، فنزل علي بن أبي طالب وقال:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة

وحيدرة اسم الأسد، وللأسد عند العرب تسعة وتسعون اسماً، منها حيدرة، وقد كانت أمه تلاعبه وهو صغير وتقول: حيدرة، فقال:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة

كليث غابات كريه المنظرة

أكيلكم بالسيف كيل السندرة

فاختلفا ضربتين، ثم ضربه علي بن أبي طالب فأطار رأسه كأنه ما خلق له رأس، وعاد يكبر ويهلل ويكبر معه المسلمون ويهللون.

وخرج عليه الصلاة والسلام إلى تبوك فأراد رجلاً أميناً ليكون على أهله وقرابته وعلى نساء المدينة، فاختار علي بن أبي طالب وقال: أنت خليفتي في المدينة، فلما خرج صلى الله عليه وسلم من المدينة جاء المنافقون إلى علي، وانظر إلى أهل الغش والدسائس قالوا: ما تركك إلا تثاقلاً منك، فلبس سلاحه يريد أن يخرج إلى الغزوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلقيه وهو يبكي ويقول: يا رسول الله! تثاقلت مني وتركتني، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي) فأعاده إلى المدينة

وفي سيرة علي ثلاث مبادئ:

المبدأ الأول: مبدأ الشجاعة.

المبدأ الثاني: مبدأ الزهد.

والثالث: مبدأ الفصاحة.

 شجاعة علي رضي الله عنه

أما الشجاعة: فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يبارز جيشه جيش الكفار، انتدب علي بن أبي طالب، فحين أتى عمرو بن ود في الخندق وهو من أشجع الأبطال في العرب فقال: من يبارز؟ من يبارز؟ فسكت الصحابة، فقال علي: أنا يا رسول الله! وعلي في تلك الفترة في الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمره، فيلتفت عليه الصلاة والسلام ويقول: إنه عمرو بن ود، قال: ولو كان عمرو بن ود، وفي المرة الثانية قال: من يبارز؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: إنه عمرو بن ود، قال: ولو كان عمرو بن ود، وفي الثالثة يخرجه عليه الصلاة والسلام فخرج يكبر، فلما التقيا قال عمرو بن ود: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: حيهلاً بك يا بن شيخ الأباطح، لأن أباه أبا طالب شيخ مكة، ثم بدأ الصراع، يقول عمرو بن ود قبل المبارزة: والله ما أريد أن أهريق دمك وحلف بلاته وعزاه، فقال علي: ولكني والله الذي لا إله إلا هو أريد أن أهريق دمك، فاختلفا ضربتين وخيم الغبار على البطلين ثم انكشف الغبار وإذا علي رضي الله عنه على صدر ذاك، وذبحه كما تذبح الشاة، وعاد إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.

وفي بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم تجلى الله إلى أهل بدر قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، قال كفار قريش: أعطنا ثلاثة نبارزهم فكان منهم علي بن أبي طالب فإنه من أشجع الناس، وفي قلبه شجاعة الله بها عليم، يقولون: كان يخوض معارك العراق كما ذكر ذلك ابن جرير وغيره فكان يأتي في الضحى فيقول بالسيف هكذا فيتقاطر الدم على كفه، ويقول به هكذا فيلمع مع الشمس، وكان إذا بارز رجلاً خلع درعه ونازله بلا درع، وهو الذي يقول:

أي يومي من الموت أفر     يوم لا يقدر أم يوم قدر

يوم لا يقدر لا أرهبه     ومن المقدور لا ينجو الحذر

جلس عند جدار يقضي بين رجلين وهو الحاكم، وكان أميراً للمؤمنين، وإذا بالجدار يريد أن ينقض عليهم، فمر رجل فقال: يا أمير المؤمنين! الجدار يريد أن ينقض عليكم، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالوا: فلما قضى بين الاثنين وقام انهد الجدار مكانهم.

وكلمة (حسبنا الله ونعم الوكيل) هي شعار الموحدين، قال ابن عباس: [[حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم يوم قال له الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

فقد كان شجاعاً لأنه موقن بلقاء الله، ويعرف أنه لا يتقدم على أجله ولا يتأخر.

 زهده رضي الله عنه

أما زهده في الدنيا فحدث عنه ولا حرج، فقد عاش الفقر، أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب ابنته فاطمة التي والله لو كانت الدنيا ذهباً وفضة ما تساوي إصبعاً من أصابع فاطمة، ومحمد إقبال شاعر الباكستان يقول في فاطمة:

هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟     من ذا يساوي في الأنام علاها

أبوها محمد صلى الله عليه وسلم، وزوجها علي بن أبي طالب، أبناؤها الحسن والحسين.

أما أبوها فهو أكرم مرسل     جبريل بالتوحيد قد رباها

وعلي زوج لا تسل عنه فما     أزكى شمائله وما أنداها

إيوانه كوخ وكنز ثرائه     سيف غدا بيمنيه تياها

في روض فاطمة نما غصنان لم     ينجبهما في الكائنات سواها

أتى علي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يخطب ابنته فخجل علي ولم يتكلم في الموضوع، لأنه أمام سيد البشرية ومعلم الإنسانية ومزعزع كيان الوثنية صلى الله عليه وسلم:

حياء من إلهي أن يراني     وقد ودعت دارك واصطفاكا

فجلس، فقال صلى الله عليه وسلم: ماذا تريد يا بن أبي طالب؟ كأنك تريد فاطمة، قال: نعم. قال: هل عندك مهر تدفعه؟ قال: لا والله يا رسول الله! ما عندي شيء.

لا شيء عنده؛ لكن له قلب يؤمن بالله، وعنده رسالة خالدة، ودم يقدمه لخدمة هذا الدين، ونفس أغلى من الدنيا وما فيها، ولذلك يهون الذهب، وتهون الفضة، ويهون المنصب والوظيفة، ولا تساوي بلا إيمان الحذاء التي نطؤها.

قال: ما عندك شيء؟ قال: ما عندي شيء، قال صلى الله عليه وسلم: التمس لعلك تجد شيئاً، فنكس رأسه يفكر، لا خزائن ولا بنوك، لا شيكات ولا وظائف، ولا شيء، قال: يا رسول الله! عندي الدرع الحطمية التي أخذتها، درع مكسرة في البيت يلبسها علي في المعركة، لأنه عسكري دائماً ليل نهار.

فقال عليه الصلاة والسلام: عليَّ بها، قال علي: فأتيت بها والله ما تساوي درهمين فعقد له صلى الله عليه وسلم وقال: {بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير} وبدأ الحياة في بيت متواضع أظنه والله أعلم على طول الرجل كما وصف، وفراشه فرو متواضع يقول: {زارنا صلى الله عليه وسلم أنا وفاطمة على فرو حتى وجدت برد قدميه صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ قالوا: بلى. قال: تسبحان الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبران الله أربعاً وثلاثين عند النوم، فذلكما خير لكما من خادم}.

فهذا أحسن من جارية، وممن يخدمكم، فكان علي يأتي في الصباح إلى هذا الفرو فيضعه على الفرس، وفي الليل يفترشه وفاطمة ليناما عليه، لكن: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ [الإنسان:8-13].

هل سمعت أبلغ من هذا الكلام، والله إنه ليهزنا ويقيم شعر الرأس من بلاغته: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [الإنسان:12-13] الآيات.

يقول علي: انتهى طعامنا من البيت أنا وفاطمة فقالت في الصباح: اذهب فالتمس لنا طعاماً، وليس لديهم مزرعة ولا وظيفة ولا مال، ولا بيت مؤجر ولا مساهمات في شركات، قالت فاطمة: اذهب فالتمس لنا رزقاً علَّ الله أن يرزقك هذا اليوم -للبطون فقط- قال: فأخذت عليَّ فرواً من البرد ثم تسللت إلى أرض اليهود، فدخلت على يهودي وهو يسني على السواني، وكانوا ينزحون الماء من البئر على الجمل، فقال اليهودي: يا غلام! وهو لا يدري من هو؛ إنه أبو الحسن من عظماء الدنيا، يا غلام! قال: نعم. قال: أتنزع لي غرباً بتمرة؟ قال: نعم. أنزع فكان علي كلما نزع غرباً أعطاه اليهودي تمرة حتى ملأ يديه، ويوم ملأ يديه ذهب، فلقيه صلى الله عليه وسلم فقال: أين كنت يا بن أبي طالب؟ فأخبره، فقال: أين التمر؟ فأراه فدعا له صلى الله عليه وسلم بالبركة، وأكل منه تمرة، والبركة ما بقي من أكله صلى الله عليه وسلم تعادل الدنيا، فذهب إلى فاطمة فأخذ يأكل معها، فتلك حياة علي رضي الله عنه حياة الزهد.

ولذلك تولى الخلافة ومكث فيها خمس سنوات، وكان يأتي يوم عيد الفطر وقيل عيد الأضحى فيوزع بيت المال على الفقراء ويترك أهل بيته، يصلي ثم يكنس بيت المال، لا يترك الزبيب ولا الحبوب ولا المال، فيكنس البيت ثم يصلي ركعتين ثم يبكي ويقول: اللهم اشهد أني ما تركت درهماً ولا ديناراً ولا تمرة، وأتى في ليلة من الليالي فدخل على أهله بعد موت فاطمة في العراق فقال: هل عندكم شيء؟ قالوا: ما عندنا شيء، فخرج بسيف الرسول صلى الله عليه وسلم ذي الفقار، قال: يا أهل العراق! قاتلكم الله، أموت جوعاً وأنا أمير المؤمنين بين أظهركم، والله ما في بيتنا خبزة ولا تمرة؛ من يشتري مني هذا السيف، فلطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفعوا له بعض المال أو اقترض بعض المال رضي الله عنه.

 فصاحة علي رضي الله عنه

أما فصاحته: فهو الخطيب حقاً، خطيبٌ كالسيل، وهو لم يدرس في جامعة ولا كلية ولا مدرسة، لكن علمه الله عز وجل ا لذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وتربى في بيت النبوة، ورضع من ثدي الرسالة، يأتي يوم الجمعة فينهل بالخطبة فيبكي الناس، وتقشعر الأبدان من كلامه، لأن كلامه صادق مؤثر.

وفي ذات يوم سئل: يا أمير المؤمنين! كم بين العرش والأرض؟ لم يمترها رضي الله عنه بل قال: بين العرش والأرض دعوة مستجابة، وهذا من أحسن ما يقال، دعوة مستجابة بين العرش والأرض، ولذلك تسري في ظلام الليل ويقول الله عز وجل لدعوة المظلوم: {وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين} قيل له: كم بين الشرق والغرب؟ وهو لم يمتر الشرق والغرب، قال: مسيرة الشمس يوماً، لأنه فصيح جد فصيح، والرجل صاحب نسك، وكان يوقر الصحابة خلافاً لمن يدعي حبه الآن ممن تأثموا بحبه، لأنهم رفعوه فوق منزلته التي لا يرضاها هو، بل صح عنه بالتواتر أنه كان يقول على منبر الكوفة: خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر رضي الله عنه وعنهم.

وكان يقول: كان الرجل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حدثني بحديث استحلفته، فإن حلف صدقته؛ أي: إذا جاء صحابي إلى علي بن أبي طالب يحدثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: احلف أنك سمعت هذا الحديث، قال: فإذا حلف صدقته فعملت به ونفعني الله به ما شاء، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر -أي: أن علياً لم يستحلف أبا بكر وأبو بكر لو تكلم عن أهل الدنيا لصدق وبر -قال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {من أذنب ذنباً فتوضأ وصلى ركعتين واستغفر الله من ذاك الذنب، غفر الله له ذاك الذنب}.

فخذوا هذا الحديث هدية بالمجان، والحديث صحيح في المسند: ولا يلزمك أن تذهب إلى الحاكم وإن أصبت حداً، لا. بل كما في الحديث وأورده ابن حجر في بلوغ المرام: {من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله} فأنت إذا أذنبت ولو بذنب كالجبل ثم راجعت نفسك، ورأيت أنك تعرض على الله وأنك محاسب، وأنك ضعيف؛ فقمت فتوضأت وصليت ركعتين واستغفرت الله غفر الله لك ذاك الذنب، ومصداقه قوله وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].

وفي البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة، وأنت إذا سألت المرأة وقلت أين هو، يعني: زوجها -قالت: {غاضبته فخرج إلى المسجد} - انظر الحياة؛ لا نعيش في الخيال، بعض الناس إذا رأى إنساناً يغاضب أهله قال: هذا ليس مسلماً، كيف يغاضب أهله؟ لكن هذه حياة الواقع، ومن يعيش حياة الناس ويرى المشكلات التي تدور يرى أن الناس لن يبلغوا درجة الملائكة، {فأتاه صلى الله عليه وسلم فوجده نائماً والتراب على جنبه، فأخذ ينفضه برجله صلى الله عليه وسلم ويقول له: قم أبا تراب! قم أبا تراب!} فكانت أحب كنى علي بن أبي طالب وأحسن من أن تقول له: يا أبا الحسن، وأهل الشام لما تقاتل هو وإياهم كانوا يقولون: أبا تراب فكان يفرح بهذه الكنية، كما يقول الأول:

وعيرني الواشون أني أحبها     وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

يقول: يا ليت كل مسبة مثل هذه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كناه، وفي صحيح البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام من الليل، فذهب إلى علي وفاطمة فأيقظهما فقال: ألا تصليان، ثم رجع إلى بيته فصلى عليه الصلاة والسلام وانتظر هل يسمع الباب يفتح، وهل يسمع من يتوضأ، لأنههما قريبان منه، فما سمع فعاد فقال لـعلي: ألا تصليان؟ فقام علي يعرك عيونه من النوم ويقول: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أمسكها وإن شاء أرسلها، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ يضرب فخذه ويقول: وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54].

وتولى الخلافة بعد عثمان، وأقام زهداً وعبادة وصدقاً مع الله، فكان يأتي في ظلام الليل الدامس يصلي ويبكي، ويقول كما في حديث ضرار بن الحارث: [[يا دنيا يا دنية! طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها، زادك حقير، وعمرك قصير، وسفرك طويل، آهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ولقاء الموت]] وكان شاعراً مجيداً من أفصح الناس، لكنه ما اشتغل بالشعر، بل انصرف إلى القرآن والحديث، لأن الشعر وحده ليس برسالة، يقول في مقطوعات له من أحسن ما يقال:

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه     وإن بناها بشر خاب بانيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الموت نبنيها

فاعمل لدار غدٍ رضوان خازنها     الجار أحمد والرحمن بانيها

قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

هذه من أحسن كلمات الموحدين، وبقي على الصفاء والزهد والعبادة، وبقي يتحسر على حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

حتى مرض قبل موته بأسابيع فقال له ابنه الحسن وهو أكبر أبنائه: يا أبتاه! أوصِ لنا، واكتب لنا كتاباً فإني أخاف أن تموت الليلة، قال: والله لا أموت الليلة.

كيف يحلف أنه لا يموت الليلة؟ هل عنده صك أنه لا يموت الليلة؟ نعم. قال: والله ما أموت من هذا المرض؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد أنني لا أموت موتاً حتى تخضب هذه من هذه، يقول: أنا ما أموت على الفراش، ولن أموت إلا بالسيف، والله ما كُذِّبت ولا كَذَبْتُ، فشفي من مرضه واستمرت به الحياة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تدري يا علي من أشقاها؟ قلت: يا رسول الله! قاتل الناقة، قال: وتدري من أشقاها؟ قلت:الله ورسوله أعلم، قال: أشقاها من يقتلك} فأتى عبد الرحمن بن ملجم أحد الخوارج الخبثاء الحقراء، مبتدع ضليل مارد فاجر، أتى إلى امرأة اسمها الرباب فطلب الزواج منها وكانت جميلة فقالت: أتزوجك بشرط أن تقتل علي بن أبي طالب، فأخذ يسم سيفه بالسم شهراً كاملاً حتى أصبح السيف أزرق، ثم أتى في صلاة الفجر، وكان علي بن أبي طالب يوقظ الناس لصلاتهم، ودخل المسجد ووجد هذا الفاجر قد اضطجع على سيفه، جعله تحت بطنه في الطول وانبطح عليه، فأتى يركله بقدمه ويقول: إن هذه ضجعة أهل النار، فاستيقظ وقام علي يكبر فلما كبر لركعتي الفجر قام ذاك الفاجر فاستل السيف فضرب علياً في جبهته، ووقع الدم في لحيته ووقع على الأرض، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، ورفع إلى البيت رضي الله عنه، وأتى الناس يشهدون قال: الله الله لا يقتل إلا قاتلي، أي لا تزيدون في القتل، وأخذ أبناؤه يقولون: أوصنا، قال: أوصيكم بما وصى به إبراهيم ويعقوب بنيه: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]

جزاك الله عن الإسلام خير الجزاء، ما أحسن الكلمات! وما أصدق العبارات! وما أعطر السيرة والحياة الخالدة، ذلك هو أبو الحسن علي بن أبي طالب رابع الخلفاء.

 دروس من سيرة علي بن أبي طالب

نستفيد من هذه السيرة دروساً:

أولها: الزهد؛ وهو منزلة عالية، وهو الذي فارق بيننا وبين الصحابة، فالصحابة زهدوا في الدنيا فرفعهم الله وجعل الجنة مثواهم، ونحن أحببنا الدنيا فأخذت أوقاتنا وليالينا وأيامنا إلا من رحم ربنا.

وثانيها: أن الشجاعة في ذات الله هي المحمودة، وأنه لا يمدح الجبان، ومن استخدم شجاعته في رضى الله كانت له شرفاً في الدنيا وذخراً في الآخرة، وبعض الناس شجاعته على جيرانه وإخوانه وأرحامه، حتى أن بعض القبائل ليس لديهم كلام إلا صبحنا آل فلان، ومسينا آل فلان، وضربنا آل فلان، وقاتلنا آل فلان وهم مسلمون، فهذه ليست بشجاعة، هذه معصية يحاسبون عليها عند الله، إنما الشجاعة على الكافر عدو الله، والشجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما العنصريات، وشجاعة التفاخر على المسلمين فليست بشجاعة.

وثالثها: أن الصدق في الكلمات دليل على صدق القلوب، فصادق القلب يجعله الله صادق اللسان، ولذلك كان علي بن أبي طالب صادقاً في كلماته، يقول ابن كثير: (باب في كلماته الحاصلة التي إلى القلوب واصلة).

ورابعها: أن من تقلل من هذه الدنيا فما عند الله له خير وأبقى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] فقد ذهب علي بن أبي طالب، وذهب أبو بكر، وذهب عمر، وذهب عثمان، وذهب فرعون، وذهب قارون: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

ستعلم أينا أهدى سبيلاً     إذا عرضت على الله الأمور

خامساً: سعد بن أبي وقاص.

كنيته: أبو إسحاق، أسلم قديماً يوم سمع لا إله إلا الله محمد رسول الله، وسعد بن أبي وقاص قيل: هو الثالث في الإسلام وقيل: الرابع، وعلى كل فهو بالمنزلة العليا عند الله عز وجل، ولما أسلم غضبت أمه وكانت وثنية مشركة، فتهددته بكل شيء، وأضربت عن الطعام والشراب، وتألت ألاَّ تأكل ولا تشرب حتى يرجع ابنها عن دين الإسلام إلى الكفر، فحاول إقناعها فلم تقتنع، وحاول معها فلم تستجب، قال: [[يا أماه! والله الذي لا إله إلا هو لو أن لك ألف نفس فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني، فكلي واشربي أو دعي]] قالوا: فاستمرت ثم أكلت وشربت وأظنها أسلمت فيما بعد، والقصة في صحيح مسلم، فأنزل الله عز وجل: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15].

فلما استمر رضي الله عنه في الإسلام كان يمين الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو من خئولة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (هذا خالي فليرني امرؤ خاله) يقول: من عنده خال مثل هذا فليبرز لنا خاله الذي كخالي هذا.

كان شديد البنية، متماسكاً، قائداً عسكرياً يصلح لقيادة الجيوش، ولذلك ولاَّه عمر رضي الله عنه الجيش الإسلامي الذي فتح العراق، واجتاح دولة الأصنام والعمالة والضلالة، دولة المجوس، دولة كسرى، إمبراطورية التخلف، اجتاحها ودخل الإيوان، ولما رأى إيوان كسرى، قال: الله أكبر! فانصدع الإيوان، فقال وعيناه تدمع من الفرح، وبعض الناس عيناه تدمع من الفرح:

طفح السرور علي حتى أنني     من عظم ما قد سرني أبكاني

قال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29].

يقول سعد: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك) أي: ليكن مطعمك وملبسك وشربك حلالاً، ليستجيب الله دعاءك، وفي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم: (ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) فالمرابي والغشاش والمرتشي لا يستجيب الله دعائهم، ثم قال عليه الصلاة والسلام لسعد: (اللهم أجب دعوته وسدد رميته)

فما كان يدعو بدعوة إلا تأتي كفلق الصبح، وإذا رمى كانت بإذن الله لا تخطئ أبداً.

وفي معركة أحد كان عليه الصلاة والسلام عنده كنانة، والكنانة تشبه الحقيبة فيها السهام، فكان يأخذ صلى الله عليه وسلم السهم ويعطيه فيضرب سعد المشرك فتقع في عين المشرك أو في رأسه ولا تخطئ، فكان يتبسم عليه الصلاة والسلام، ويقول: (ارم سعد فداك أبي وأمي، ارم سعد فداك أبي وأمي).

من يقول: فداك أبي وأمي؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يظفر بكلمة فداك أبي وأمي إلا سعد، قال علي بن أبي طالب ما سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يفدي أحداً بأبويه إلا سعد بن أبي وقاص يقول: (ارم سعد فداك أبي وأمي) فكان يرمي فتصيب بإذن الله عز وجل.

وأما إجابته الدعاء: فقد كان الله يستجيب دعوته؛ لأنه كان طيب المطعم والسريرة، والعمل والأخلاق، شاب لكنه يريد الله والدار الآخرة، ولاَّه عمر رضي الله عنه على الكوفة أميراً، وكان أهل الكوفة مشاغبين، يشتكون أميرهم ولو كان من الملائكة، فقال لهم عمر: كيف أميركم؟ وكان عمر يجمع الناس في الحج من الأقاليم والمدن، ويسألهم: كيف أمراؤكم؟ فإذا شكوا من الأمير أتى بالأمير وأوقفه أمامهم وحاسبه وهم يرون، فقال: كيف سعد؟ قالوا فيه خير، ولكن شكوا بعض الأمور، فأرسل لجنة يرأسها محمد بن مسلمة أحد الأنصار الكبار الصادقين، وقال: اذهب إلى أهل الكوفة وسلهم عن سعد، فذهب يمر بمساجد الكوفة، كيف سعد بن أبي وقاص الأمير؟ قالوا: من أحسن ا لناس، عبد صالح، فذهب حتى وصل إلى مسجد من مساجد الكوفة فيها شيخ كبير أضل الله عقله، فقال: كيف سعد بن أبي وقاص؟ فقام هذا الشيخ وقال: أما إن سألتنا عن سعد بن أبي وقاص فإنه لا يخرج في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، هذه ثلاث مثالب.

فقام سعد وهو يسمع الكلام، فقال: [[اللهم إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن]] قال: فاستجاب الله دعوته، فاستمر في الحياة حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري يغمزهن في شوارع الكوفة، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد.

وخرج سعد بن أبي وقاص من المسجد بعد أن صلى الجمعة، فإذا برجل يسب علي بن أبي طالب وقد قتل علي، فقال: لا تسب أخي، قال: والله لأسبنه، قال: لأدعون عليك، فلم ينزجر فقال: [[اللهم اكفنا هذا الظالم]] هذه القصة ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء، وبينما هذا الساب الذي سب علياً واقف مكانه وإذا بجمل أتى من ناحية الكوفة لا يلوي على شيء، فتأخر الناس عنه فاقترب من الرجل ثم لطمه بيده أو برجله فإذا الرجل ميت على الأرض، وهذا سنده صحيح.

وكان سعد رضي الله عنه من أقوى القواد، ولما أرسله عمر قال: يا سعد بن وهيب! لا يغرنك قول الناس إنك خال الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، فكان يوصيه بتقوى الله عز وجل، وبطلب ما عند الله.

 سعد بن أبي وقاص في القادسية

ولما أراد عمر أن يرسل الجيش وهو ما يقارب ثلاثين ألفاً إلى القادسية للمعركة، فشاور الصحابة، فكان كثير منهم يرى أن يخرج أمير المؤمنين قائداً للجيش، فخرج عمر ولبس السلاح، وأصبح القائد عمر، ولما وصل إلى ضاحية من ضواحي المدينة نزل يستعرض الجيوش، أتت جيوش من اليمن وجيوش من الجزيرة من غطفان وتميم، فلحقه علي بن أبي طالب قال: يا أمير المؤمنين! أرى ألاَّ تخرج قائداً وابق في المدينة، فإنه إذا هزم الجيش كنت وراءهم ردءاً وعوناً لهم ومدداً، وإنك لو ذهبت وهزمت سحق الإسلام واجتيحت عاصمة الإسلام، وصدق رضي الله عنه، قال عمر: من ترى أن نولي؟

قال: نفكر، فذهب الصحابة طيلة الليل وعمر في الخيمة يفكرون من الذي يولونه مكان عمر بن الخطاب يقود الجيش، وإذا بعبد الرحمن بن عوف أقبل يهلل، فقال عمر: مالك؟ قال: وجدت الأسد في براثنه، قال: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص، قال: أصبت أصاب الله بك الخير، فأتى بـسعد فولاه رضي الله عنه فذهب، وقاد الجيش، وكانت معركة القادسية من أعتى المعارك في الإسلام، قائدها سعد بن أبي وقاص، وأصابه مرض رضي الله عنه في مقاعده حتى ما كان يستطيع أن يجلس، فكان يصعد على الحصن فيتكئ على صدره وبينه وبين الحجر وسادة، وكان يدير الجيش من فوق الحصن، ولما قطعوا جسر دجلة كانت تمر القوافل والكتائب الإسلامية؛ الخيول ثم الجمال ثم يمر الأبطال من طرف الجسر ليقاتلوا الأعداء، فقطع أهل فارس الجسر، فإذا بالناس في النهر، فغرق منهم مئات وماتوا، فنظر سعد ودعا الله عز وجل أن ينجي جيش الإسلام وقال: يا خيل الله اركبي، أي امشي في النهر، فسمعته الخيل، والجمال، وجمَّد الله النهر، فما أصبح ثلجاً تنزلق عليه الأقدام، ولا ماء تغوص فيه، وإنما أصبح كأنه يبساً، لا تخاف دركاً ولا تخشى، فمر الجيش حتى نزل في الجهة المقابلة، واستمرت المعركة ثلاثة أيام كأنها من أيام الله الكبرى التي تمر بالأمم، حتى ذهل كثير من الناس، وشاركت الفيلة، وفقد بعض الناس أبناءهم وأعمامهم، وأتى القتل الرهيب الذي لا يعلمه إلا رب السماوات والأرض، وفي تلك الأيام أرسل رستم قائد فارس: جاسوساً وقال: اذهب وادخل في جيش المسلمين وانظر ماذا يفعلون في الليل، وادخل في جيشنا وانظر ماذا يفعلون، فذهب هذا الجاسوس في الليل فدخل في جيش المسلمين فوجد فرقة تقرأ القرآن، ووجد طائفة تبكي وتدعو الله، ووجد طائفة أخرى ركعاً لله، ووجد آخرين سجداً، ووجد آخرين يتذاكرون العلم والحديث والفتيا، ووجد سعداً يبكي في الليل ويرفع يديه ويطلب الله النصر، وعاد إلى جيش فارس فوجد طائفة يعاقرون الفتيات في الزنا، ووجد آخرين بكاسات الخمر، ووجد آخرين في نوم عميق يغطون، وفي سباتهم يعمهون، فعاد فأخبر رستم فعض أصابعه، وقال: هزمنا، هذه أول الهزائم، وفي صباح اليوم الثاني قال رستم: أخرجوني لأرى المسلمين هؤلاء، فأخرجوه فنظر، فإذا هم الألوف المؤلفة ورأى سعداً إذا كبر كبروا، وإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رفعوا، وإذا سجد سجدوا، فأخذ القائد الفارسي يعض أصابعه، ويقول: علَّم محمد الكلاب الأدب، كذب عدو الله، بل علم محمد صلى الله عليه وسلم الأسود الأدب.

وفي اليوم الثالث أرسل إلى سعد قال: أرسل لي شاباً من جنودك أتكلم معه، يريد أن يعرف ما الذي حصل للعرب، فقد كانوا قبل ذلك بدواً، والآن يريدون يفتحوا أرض كسرى وقيصر.

قال سعد: من نرسل؟ قالوا: أنت أبصر، قال: قم يا ربعي بن عامر! شاب في الثلاثين من عمره، لا تغير من هيئتك شيئاً واخرج إلى رستم قائد فارس الذي يقود مائتين وثمانين ألفاً، فادخل عليه وتكلم معه، فأخذ هذا الصحابي رضي الله عنه أسماله البالية، وثيابه الممزقة، ورمحه في لفائف في قماش حتى الرمح ليس له خبء، وذهب بفرس كبير هزيل قحم عجوز، فأخذ يقوده وليس عنده حرس ولا موكب ولا أُبَّهة، ولا تاج ولا ثياب مثل ثياب الناس حتى دخل، فقيل: يستأذن عليك رسول سعد بن أبي وقاص، قال: أدخلوه، وقبل أن يدخلوه قالوا: أتى رستم فلبس تاج الذهب وألبس أمراءه والحاشية والبطارقة مثله ليرهب ربعي بن عامر، فدخل ربعي برمحه يخرق الوسائد التي وضعها ليعلمه أن الدنيا تافهة لا تساوي عندنا شيئاً، فقال له رستم: لماذا خرجتم؟ إن كنتم جياعاً أعطيناكم الأموال، وإن كنتم عراة كسوناكم، وإن كان بكم حاجة أعطيناكم حوائجكم، قال ربعي: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فقال رستم مستهزءاً: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور وهذا الرمح المثلم، وهذه الثياب الممزقة! لسان حاله: الذي يفتح الدنيا، ويصارع الدول عنده جيش، قال: فأعاد عليه الكلمة فغضب وأقسم بآلهته لا تخرج حتى تحمل تراباً من تراب إيواني هذا، وكان ساكناً في الصحراء وعنده سرادق، فحملوه في صحفة أو قصعة أو طست أو صحن تراباً فأخذه على رأسه وركب الفرس، فقال البطارقة لرستم: مالك؟ إن معنى تسليمك التراب أنه يحتل الأرض، قال: أدركوه، فذهبوا وراءه فوجدوه قد دخل في جيش المسلمين، قال سعد: ما هذا الذي على رأسك؟ قال: تراب من ترابهم، قال: نصرنا ورب الكعبة، وفي اليوم الرابع أتى سعد رضي الله عنه وقال: انتهت المفاوضات يعني باءت بالفشل، وما بقي إلا السيف الأملح، قال سعد: إني مصلٍّ الفجر وسوف أكبر بعد الصلاة تكبيرة، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فاركبوا الفرسان، فإذا كبرت الثانية فاستقبلوا الأعداء، فإذا كبرت الثالثة فالقتل، فكبر الأولى فركب الخيالة على الخيول وأهل الجمال والمغامرون والمنازلون والمبارزون، وكبر الثانية فاستقبلوا الأعداء، وكبر الثالثة فبدأ القتل، واحتدمت المعركة ثم هزموهم بإذن الله، وكان من فشلهم أنهم كانوا يسلسلون كل عشرة بسلسلة لئلا يفروا، فكان إذا قتل واحد من العشرة أخذوا يسحبونه، فإذا قتل الثاني لم يستطيعوا أن يسحبوه فيسقط معهم الثمانية فتدوسهم الخيل، حكمة بالغة، وقدرة نافذة فما تغني النذر، حتى امتلأ بهم النهر ومر سعد رضي الله عنه في كتيبته الخاصة به حتى وصل إلى المدائن أرض الخبث وعاصمة الكفر، فافتتحها ورأى إيوان كسرى الذي بقي عليه ألف سنة ففتحه بـ(الله أكبر) ثم جلس فيه يقرأ القرآن رضي الله عنه.

واستمر في حياته مجاهداً حتى عزله عمر بقرار،وكان عمر رضي الله عنه يريد أن يبقى الصحابة أصفياء أوفياء بلا دنيا ولا مهاترات، فاعتزل رضي الله عنه ورجع إلى المدينة وقال له عمر: يا أبا إسحاق! ما عزلناك خيانة فيك، ولكن أضن بك على الدنيا أو كما قال، وأتى أهل الكوفة فقالوا: سعد بن أبي وقاص لا يحسن الصلاة، فقال عمر: تعال يا سعد! يقول أهل الكوفة: إنك لا تحسن الصلاة، فضحك سعد، وقال: سبحان الله! يعيرني بنو أسد أني لا أعرف أصلي، وقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا، وصدق، قال: ماذا تفعل؟ قال: أركد في الأوليين وأخفف في الأخريين، هذا الحديث في الصحيحين، قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق.

وقتل عمر فبقي على العهد وتولى عثمان وبقي على العهد، ولما قتل عثمان اختلفت الأمة وأتت الفتنة فاعتزلها وذهب إلى الصحراء رضي الله عنه معه قطيع غنم، وصنع بيتاً من شعرٍ -خيمةً- وسكن هناك يقرأ القرآن ويبكي، فيأتي ابنه ويقول لأبيه: مالك ترعى الضأن والناس يتقاسمون الملك؟ قال: اغرب عني والله إني أولى الناس بالخلافة وإن الخلافة أولى بي من قميصي هذا، يقول: لو كنت أريد الخلافة كنت أطلبها ولكني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي} وهذا الحديث في صحيح مسلم.

ولما أتته سكرات الموت أتت ابنته عائشة وقالت: يا أبتاه! تموت في الصحراء وحدك بعد أن رافقت الرسول عليه الصلاة والسلام، وصاحبت أبا بكر وعمر وعثمان؟ قال: يا بنية! لا تبكي علي؛ والله إني من أهل الجنة، قال الذهبي معلقاً في السير: صدق.. هنيئاً له ومريئاً ونحن نقسم بالله أنه من أهل الجنة، فقد أخبرنا محمد عليه الصلاة والسلام، يقول: {أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وابن عوف في الجنة والزبير في الجنة وطلحة في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد بن نفيل في الجنة وأبو عبيدة في الجنة} فنشهد أنهم من أهل الجنة، وذهب إلى الله، فلما سمع بجنازته بكت عليه المدينة المنورة وقالت عائشة: [[مروا بسعد علينا في البيوت حتى ندعو له]] أي: أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، فمروا بجنازته والبكاء يلاحق الجنازة، لأنه فاتح القادسية، وصاحب تلك المعارك الهائلة في الإسلام، فسلمت عليه عائشة ودعت له وبكت كثيراً وذهب إلى لقاء ربه.

 دروس وعبر من حياة سعد بن أبي وقاص

ونأخذ من حياته دروساً:-

أولها: أن إجابة الدعوة مقترنة بطيب المطعم، فمن أراد أن يستجيب الله دعاءه فليكن مطعمه، وملبسه، ومشربه، ومسكنه حلالاً، وإلا فلا يطمع في إجابة الدعاء.

الدرس الثاني: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا أمرك الوالدان أو غيرهما بمعصية أو بمنكر، أو فاحشة فلا طاعة في ذلك، قال تعالى: ((وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)) [لقمان:15].

الدرس الثالث: أن الله عز وجل ادخر للمؤمن أكثر مما في الدنيا، وأن الدنيا ليست غاية؛ لأن بعض الناس مقاييسهم ضحلة، ونظرتهم ضيقة، ينظرون إلى من أمده الله بصحة أو مال أو ولد أو عقار فيقولون: هذا لمنزلته عند الله، وهذا خطأ في الفهم وضلال في التوجه، لأن الله عز وجل قد يحرم عبده المؤمن من الدنيا فيبقى فقيراً كـسعد رضي الله عنه، يقول سعد ولا بأس أن نعود إلى كلمة له: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد أتت علي أيام في أول الإسلام ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ولقد كنا نأكل من أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقنا -أصبحت مثل أشداق الجمال من أكل أوراق الشجر- قال: فانتهى ورق الشجر حتى وجدت جلد ميتة فأخذته فأحرقته بالنار ثم سحقته ثم شربته على الماء]] هل بقي وراء هذا جوع؟ ولكن ادخر الله لهم الجنة، مقعد صدق عند مليك مقتدر.

ومن سيرة سعد نأخذ أن الفضل في الإسلام بالبلاء الحسن والأسبقية، وليس بالتبجح بالكلمات، فإن أكثر الناس قدماً عند الله أكثرهم بذلاً وعطاء وعبادةً، وزهداً ودعوة وإخلاصاً وكرماً، فهذا هو المقدم عند الله، فلا للأسرة، ولا للمنصب، ولا للمال، ولا للولد.

الدرس الخامس: اعتزال الناس عند الفتن، فإذا أتت الفتن والخصومات والمشاكل في القرى أو المدن فالأسلم للمؤمن أن يعتزل الفتنة، إما أن يبقى في بيته ولا يحضر إلا الجماعات والجمعة والعيد، وإما أن يخرج إلى قرية أخرى.

وعند البخاري من حديث أبي سعيد: {يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن}.

فسلام على سعد في الخالدين، وجمعنا الله به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ونسأل الله أن يثبتنا كما ثبت عباده المؤمنين.

سادساً: ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فمن هو هذا؟

إنه شاب نشأ في عبادة الله، وهو من أذكى الناس، وفتح الله عليه فتحاً لا يدور في الخيال ولا يخطر بالبال، علمه كالبحر، حتى قيل فيه لما ذكر علمه: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21]

هو عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والده العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أسلم من صغره، وأوى إلى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان حافظاً لله منذ نعومة أظفاره، ركب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمار، وبينما هما يمشيان في الطريق إذ قال عليه الصلاة والسلام: (يا غلام! قال لبيك وسعديك قال: يا غلام! قال: لبيك وسعديك، قال: يا غلام! قال: لبيك وسعديك، قال: إني أعلمك كلمات) هذه الكلمات -أيها المسلمون- تجمع أصول الإيمان، وأصول الإسلام، وأصول الوصاية، وهو من أعظم الأحاديث في الإسلام: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك،، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء إلا قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي بسند صحيح ورواه أحمد وزاد: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً، وأن الفرج مع الكرب) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وهذا الحديث حديث عقدي في التوحيد، وفيه قضايا:

أولها: أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، والمجلد الأول من فتاوى ابن تيمية حول هذه المسألة، وهو أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، وكثير من الناس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بلسانه، ويصلي، ويصوم، ويحج، ويعتمر، ولكنه يخاف الناس أكثر من الله، ويرهب الناس أكثر من الله، ويحب الناس أكثر من الله، ويخشى أن ينقطع رزقه من طريق الناس، فيخشى الناس أكثر من خشيته لله، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) فالمسألة الأولى: أنه لا ينفع إلا الله.

والمسألة الثانية: أنه لا يضر إلا الله، والله لو اجتمعت الدنيا عن بكرة أبيها لتضرك ولم يرد الله ذلك؛ فلا يمكن أن تصاب بضرر، ومصداق ذلك: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

والقضية الثالثة: أن من يحفظ الله يحفظه الله، ومفهوم المخالفة أن من ضيع أوامر الله يضيعه الله، واقرأ تاريخ الناس، وتصفح تاريخ ابن كثير وتاريخ ابن جرير وتاريخ ابن الأثير لتجد سيرة الرجل من أول حياته، فإذا وجدته في أول حياته معرضاً عن الله لا يصلي، ويستهزئ بالقرآن، فستجد في الأخير الطامة الكبرى؛ بأن يخزيه الله خزياً ما بعده خزي، ويكتب عليه اللعنة، ويأتيه من النكال والهوان والعذاب والأذى ما الله به عليم، واقرأ سيرة الرجل الآخر الذي قيل فيه: كان صالحاً يحافظ على الصلوات الخمس، ويحب القرآن والصدقات، فستجد العاقبة له، والعاقبة للمتقين.

حفظ الله بالتقوى؛ أن تحفظ حدود الله وتحفظ جوارحك مع الله، يحفظك الله وقت الهرم، والشدة، والكرب، والحاجة، والموت، يوم العرصات، يوم الزحام، يوم العرض الأكبر على الله، فـابن عباس أخذ هذا الدرس وبدأ يحفظ الله من صغره.

 حرص ابن عباس على معرفة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته

وفي ليلة من الليالي -والحديث في الصحيحين - أحب أن يرى ما هو برنامج الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، لأنه يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، ويراه في الحج، ويراه في العمرة، لكن أحب أن يرى ماذا يفعل عليه الصلاة والسلام في البيت، فتوخى ليلة ميمونة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها خالته، فدخل بعد صلاة العشاء مباشرة، وأتى عليه الصلاة والسلام وابن عباس في الفراش وتلحف باللحاف، وتظاهر أنه نائم ولم ينم.

نامت الأعين إلا مقلة     تذرف الدمع وترعى مضجعك

أراد أن يأخذ أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه الصلاة والسلام فرآه، وكانوا ينامون مبكرين بعد صلاة العشاء، فقال لـميمونة: نام الغليم؟! والغليم تصغير الغلام للتحبيب يقول: قليبي تصغير قلبي للتحبيب، قالت: قد نام يا رسول الله! هذا الحكم على الظاهر وإلا فهو في الباطن ما نام، بل هو يسمع وينقل لنا هذه الكلمات بعد موته صلى الله عليه وسلم قال: فأتى عليه الصلاة والسلام إلى فراشة فذكر الله، وهلل وكبر ودعا، ثم سبح قال: فأخذ يسبح هوياً من الليل، أي: كثيراً من الليل، يسبح وهو على الفراش، لأنه أخشى وأبر من أوجد الله على الأرض، وأكرم من صور الله، قال: ثم نام حتى سمعت غطيطه، وفي رواية البخاري خطيطه، يعني: من النوم، وبقي ابن عباس يتابع الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم نائم، قال: فقام بعد أن نام جزءاً من الليل فجلس، ما كان عندهم سُرج ولا كهرباء، بيت من طين إذا نام الإنسان فيه كان رأسه في طرف البيت ورجلاه في الطرف الآخر، ولكنه بيت من حول مجرى الإنسانية، ومن هدى البشرية، وزعزع كيان الوثنية، بيت أشرف من صوّر الله وخلق، لأن الدنيا لا تساوي عنده شيئاً، فقد أتى جبريل عليه السلام بخزائن الدنيا من ذهب وفضة، وقال: أتريد أن أدعو الله أن يحول لك هذه الجبال ذهباً؟ قال: لا. أشبع يوماً وأجوع يوماً حتى ألقى الله.

قال ابن عباس: فاستيقظ صلى الله عليه وسلم والدنيا مظلمة، فأخذ ينظر إلى السماء صلى الله عليه وسلم ويقرأ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191].

إلى أن ختم العشر الآيات، وانظر إلى هذا الذكي اللماع كيف يحفظ الآيات والأدعية، والحركات والسكنات، وعمره بين الثامنة والعاشرة، ثم قام عليه الصلاة والسلام وابن عباس يرقب بسمعه وبصره وقلبه، قال: فخرج عليه الصلاة والسلام، ثم أتى، خرج لحاجته يريد الوضوء، فقام ابن عباس إلى شن معلق بالبيت -قربة- فسكب ماء؛ لأنه من فقهه أن من خرج لحاجته يريد ماء، فسكب في الإناء ثم وضعه ثم عاد فنام، فأتى عليه الصلاة والسلام وهو يذكر الله، فنظر إلى الماء وإلى الإناء، فقال: من وضع لي الإناء؟ يسائل نفسه لأنه في الليل وحده، ثم عرف أنه ابن عباس فقال: {اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} من الذي يدعو؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم، فهي دعوة مستجابة، فاستجاب الله له في تلك اللحظة، لأنه أبر الخلق، فقام فتوضأ عليه الصلاة والسلام، ثم أتى إلى المصلى وابن عباس لا زال يحفظ الحركات، والأدعية، والكلمات، قال: فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال: {اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت}

من يستطيع أن يستوعب مثل هذه الكلمات؟! ثم أخذ يدعو فحفظ ابن عباس، فلما استمر في الصلاة قام ابن عباس فتوضأ ثم أتى عن يسار الرسول صلى الله عليه وسلم، والسنة أن المأموم المنفرد يقف عن يمين الإمام، لكن ابن عباس أتى عن يسار المصطفى عليه الصلاة والسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم حرك يده ثم وضعها على أذن ابن عباس ففرك أذنه وهو غلام صغير، ثم حوله عليه الصلاة والسلام حتى وضعه عن يمينه في الصلاة، فصلى عليه الصلاة والسلام ما شاء أن يصلي، واستمر معه هذا الفتى وظفر بدعوة، ونستفيد من تلك الليلة أموراً:

منها: أن لقيام الليل دعاءً خاصاً، وهو هذا الدعاء الثابت في الصحيح.

ومنها: أن دعاء الاستفتاح فيه خلاف تنوع لا خلاف تضاد، فلك أن تدعو بما ورد في السنة من أدعية الاستفتاح.

ومنها: أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام لا عن يساره.

ومنها: أنه لا بأس بالحركة اليسيرة في الصلاة للحاجة.

ومنها: كما قال ابن حجر: أنه لا بأس بفرك أذن المتعلم من يد المعلم؛ لأنه أزكى له أن تفرك أذنه، لكن فرك في حدود المعقول، فلا تفركها حتى يخرج الدم فيتوب ألا يفهم، هذه بعض فوائد الحديث.

فخرج ابن عباس تلك الليلة وبدأ تأثير الدعوة في حياته: {اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} تستمر معه، كان لا يُسأل عن آية من آيات الله في المصحف إلا وينفجر كالبحر من العلم، يقول أحد تلاميذه: وقف ابن عباس يوم عرفة في الحج عند الصخرات على ناقته قال: فبدأ والحجيج أمامه ألوف مؤلفة يفسر سورة البقرة من صلاة الظهر إلى صلاة المغرب ما تلعثم، ولا سعل، ولا تنحنح، ولا توقف، قال: والله الذي لا إله إلا هو لو سمعته اليهود والنصارى لأسلموا عن بكرة أبيهم، يتفجر كالبحر ومن يوقف البحر إذا انفجر؟! كان من أفصح الناس، زد على ذلك أنه كان من أجمل الناس، قال عطاء بن أبي رباح أحد تلاميذه: والله الذي لا إله إلا هو لقد نظرت إلى القمر ليلة أربعة عشر في السماء وإلى وجه ابن عباس، فوالله الذي لا إله إلا هو لوجه ابن عباس أجمل من القمر ليلة أربعة عشر، كأن نوراً يتلألأ على وجهه من الحسن.

وكان كذلك رجلاً ذا لباس حسن، وفيه أن الإسلام لا يعترف بالدروشة؛ إنسان يريد أن يستقيم وقد أمده الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بثياب ولباس حسن، فيأتي ويأخذ مقطعات من عهد السلطان عبد الحميد ويقول: هذا هو التواضع والزهد، أسأل الله أن يرفع لي درجتي!! لا.لا يعترف الإسلام بهذا، فهذا ابن عباس كان من أخشى الناس، وكان يلبس بردة حمراء مخططة بألف دينار، ووجهه كالقمر، ثم يتطيب الطيب حتى يقول أحد التابعين: رأيت على رأس ابن عباس طيباً لو كان لأحد لكان مالاً، أي: ميزانية؛ لأن الله عز وجل مده بالمال والعلم، فكان يخرج على الناس بالبردة حتى أنكر عليه الخوارج وقالوا: كيف تلبس هذا؟ لأن الخوارج كانوا يلبسون ثياباً ممزقة، ويحتقر الصحابة صلاتهم إلى صلاتهم، وقراءتهم إلى قراءتهم، لكن لا فهم عندهم ولا استنباط، ولا فقه في الدين قال: أنا أفهم أم أنتم بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: أنت، قال: فلقد رأيته في البرود الحبرة التي تساوي كذا وكذا.

 برنامج ابن عباس اليومي

أما برنامجه اليومي فكان إذا أصبح الصباح يجلس في الحرم عند الكعبة، فيبدأ بعد صلاة الفجر يدرس أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قام فصلى ركعتين ثم قال: علي بأهل التفسير؛ فيأتي أهل التفسير من الأمة الإسلامية، فيسألونه فيتفجر كالسيل الجرار أو كالبحر الزخار، فيقول: ارتفعوا، علي بأهل الحديث، فيفتي أهل الحديث، ثم يقول: ارتفعوا، علي بأهل الفقه فيأتي أهل الفقه، ثم يقول: علي بأهل الأدب وأهل الشعر، وقد قيل في سيرته: إنه كان يحفظ ثمانية عشر ألف بيت من الشعر، ويحفظ قصائد مطولة من أول مرة، جلس عنده شاعر مكة عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فألقى عليه قصيدة مرة واحدة فقال ابن عباس: إني قد حفظتها، قال: أعدها علي، فأعادها من أولها إلى آخرها وهي التي يقول فيها:

أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكرٌ     غداة غدٍ أم رائح فمهجر

إلى أن يقول:

وغاب قمير كنت أرجو غيابه     وروح رعيان ورقد سمر

ويوم وصل البيت هذا إلى سعيد بن المسيب سيد التابعين قال: قاتل الله عمر بن أبي ربيعة صغر ما عظم الله، يقول الله: ((وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)) [يّس:39].

أي أن الله سماه قمراً وهو يقول: قمير.

 صور من كرم ابن عباس

ثم كان أكرم الناس، يقول ابن تيمية: بعض الناس يجود بالعلم وبعضهم يجود بالمال، أما ابن عباس فكان يجود بالمال وبالعلم، فقد كان يجلس في الحرم فإذا أتى وقت الإفطار قال لأهل الحرم من المسلمين جميعاً: هلموا إلى الفطور المبارك، فيأتي إلى بيوت آل العباس لأنهم من أسرة بني هاشم، أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم التي ما على الكرة الأرضية أسرة أشرف منها، لا في آسيا ولا في أفريقيا ولا في أمريكا، ولا في أستراليا؛ لا يوجد أشرف من بني هاشم، فكان يذهب بالناس فيأتون إلى لباب البر، ولباب العسل، وقد وضع على الناس فيأكلون ثم يغسلون وينزلون الحرم، فيدرسهم إلى الظهيرة ثم يصلي الظهر ثم يقول: هلموا إلى الغداء المبارك، فيذهبون وإذا اللحم بالخبز قد وضع في قدور وصحاف فيأكلون ثم يعودون إلى الحرم، فكان يبذل العلم والمال: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

ولم يكسبه علمه غروراً، لأن بعض الناس إذا تعلم اكتسب بهذا العلم غروراً وعجباً، حتى تجد بعضهم يجعل الشهادة الجامعية أو نحوها وهي لا تساوي قرشين، يعلقها في البيت على برواز من زجاج، لكن انظر إلى أثرها في واقعه وحياته وعقيدته وسلوكه ومنهجه، ماذا تنفعك هذه الشهادة؟ إن كنت تفتخر بها فالخواجة حصل على شهادات البروفيسور، والشهادة العالمية، وجائزة نوبل، وهو في مسلاخ الكلب، وأبو بكر وعمر خرجا إلى الدنيا لا يحملون شهادة أول ابتدائي، ولكنهم فجروا طاقة الإنسان، ووجهوا الإنسان، وفتحوا بإذن الله عقل الإنسان، فبعض الناس ربما يكسبه العلم عجباً، حتى وجد أن بعض الناس ما أكسبته الثقافة إلا فجوراً وعتواً وتمرداً على آيات الله، وبعضهم أكسبته الثقافة تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يقول عز من قائل في هذا الصنف: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون [الأعراف:175-176].

 صور من خشية ابن عباس

وكان ابن عباس من أخشى الناس لله، وقد ذكر عنه أهل السير والتراجم وغيرهم أنه كان يقف في الحرم من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ليقرأ آية واحدة يرددها إلى صلاة الفجر ويبكي، والآية هي من سورة النساء قول الله تبارك وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123].

فكان يبكي لأن بعض المؤمنين قالوا: ربما يخفف الله عنا لأنا من أمة محمد، مثلما يفعل الجهلة الآن؛ يرتكبون من الكبائر أمثال الجبال فإذا نصحته قال: أمة محمد مرحومة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي}.

وأنت ما تدري أيها المسكين هل تدخل في أهل الشفاعة، أم أنك تحرم من الشفاعة أصلاً، أم أنك لاستهزائك وتهتكك في الحدود وانتهاكك لحرمات الله لا يمكن أن تدركك شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام أبداً، لكن ابن عباس يقرأ هذه الآية فيتأمل.. اليهود والنصارى يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، فيقول الله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18] ما هو الرد؟ قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة:18].

لماذا أخزاكم؟ ولماذا حعل منكم قردة وخنازير؟ ولماذا لعن كثيراً منكم؟ ولماذا هزمكم في كثير من المعارك؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18]

فكان ابن عباس فيه خشية لله عز وجل، يقول عطاء: رأيت جفني ابن عباس كأنهما الشراكين الباليين من كثرة البكاء، الرجل جميل وجهه كالقمر، لكن من كثرة البكاء من خشية الله! إذا قرأ القرآن -لأنه عالم رباني- أصبحا كالشراكين الباليين في الحزام الذي يكاد ينقطع، ونسب إلى عمر أنه أخذ الدمع في خديه خطين أسودين من كثرة ما يبكي، ولذلك سبقوا غيرهم لكثرة خشيتهم لله عز وجل.

 صور من حلم ابن عباس

أما حسن أدبه، وكمال خلقه، فكان من أحلم الناس، صدره كالبحر، أتاه رجل في الحرم فسبه أمام الناس فتبسم ابن عباس، وقال للرجل: كيف تسبني وفي ثلاث خصال، قال الناس لـابن عباس ما هي الثلاث الخصال يا ابن عباس! قال: [[والله الذي لا إله إلا هو ما نزل قطر في بلاد المسلمين إلا فرحت به، وليس لي فيه ناقة ولا جمل]] انظر محبة الخير للناس، وبعض الناس الآن يكره إذا رأى جاره أو أخاه رزقه الله مالاً أو عقاراً أو ولداً، فهذا من أحقد الناس وأحسد الناس وفيه شبه من اليهود في قلبه، وقد وجد في بعض المجتمعات -والله- أن أحدهم إذا رزق بوظيفة، أو بنى عمارة فكأنها على قلبه ما كأنها على الأرض، قال ابن عباس: [[أما أنا فما سمعت بقطر نزل في أرض إلا فرحت به، وليس لي فيه جمل ولا ناقة، قال: ولا فهمت آية من كتاب الله إلا وددت أن الناس يعرفون منها ما أعرف، ولا سمعت بقاضٍ عادل إلا دعوت الله له وليس لي عنده دعوى]] فدعا الناس لابن عباس بالخير، وهذا ما يسمى صفو النفس وكمالها حتى تبلغ إلى الدرجة القصوى.

ولذلك فقد شهد صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة ثلاث مرات أنه من أهل الجنة، فنام معه صحابي ورأى صلاته فلم يجد كثرة صلاة في الليل، ولا كثرة ذكر قال: مالك؟ قال: هو ما رأيت غير أني أبيت وليس في قلبي غل على أحد، فرحم الله ابن عباس رحمة الأبرار.

سابعاً: معاذ بن جبل، أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام، كان يشهد العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع إلى قومه ويصلي بهم إماماً وهم مأمومون، ويجعل صلاته الثانية نافلة له ولهم فريضة، وفيه دليل على جواز ائتمام المفترض بالمتنفل، وأنتم ترون بعض الناس إذا أتى متخلفاً ونحن في التراويح والنافلة لا يدخلون معنا وهذا خطأ، بل الأحسن والسنة أن يدخل ولو كان مفترضاً ونحن متنفلون، فإمامة المفترض بالمتنفل واردة لحديث معاذ هذا وهو صحيح، وإمامة المتنفل بالمفترض واردة لحديث الأسود بن يزيد عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم كان في مسجد الخيف، ثم مال فوجد رجلين فأنكر عليهما يوم تركا الصلاة وقال: (مالكما؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما والناس يصلون فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهنا أربع صور صحيحة، إمامة المفترض بالمفترض وهذا بالإجماع، وهو الذي نفعله، إمامة المتنفل بالمفترض وإمامة المفترض بالمتنفل، وإمامة المتنفل بالمتنفل وكلها واردة، وعلى كل صورة حديث وإنما ذكرتها للفائدة.

وكان معاذ رضي الله عنه يطول بأصحابه إذا صلى بهم، فشكاه أحدهم بعد أن ترك الصلاة معه، وقد كان كما في بعض الروايات يقرأ سورة البقرة أو بعضها في صلاة العشاء، فأتى رجل كان يشتغل في النخل مجهداً، ثم دخل بيته فتوضأ وأتى يلحق معاذاً، فانتظر ركوعه وإذا هو يقرأ وكلما انتهى من مقطع من القرآن بدأ بالمقطع الآخر، معاذ عالم وفاهم وقلبه منشرح للعبادة نشيط، ولكن ظروف الناس تختلف؛ فيهم الضعيف والصغير وذو الحاجة والمريض، فمال هذا الرجل وانفصل فصلى وحده، ثم ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سأل معاذ عنه ماله ما صلى معنا؟ قالوا: ترك الصلاة معك وصلى وحده قال: هو منافق، فذهب الرجل فشكاه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فتغير الرسول صلى الله عليه وسلم وغضب غضباً شديداً واستدعى معاذاً ليحاكمه وقال: (أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ؟! اقرأ بالليل إذا يغشى وسبح اسم ربك الأعلى؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والصغير والمريض وذو الحاجة) فأخذها معاذ درساً في التيسير ومراعاة الناس في الإمامة، ومراعاتهم في أحوالهم وحاجاتهم، وهو العدل الذي أتى به سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لكن حمل بعضهم لسوء فهمهم إلى التخفيف المفرط الذي يضيع روح الصلاة وخشوعها وهدوءها، فهؤلاء مخطئون في صلاتهم.

وأرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، لما أتى وفد اليمن فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى أصحابه ليرسل أحدهم، ومن مواصفات الذي يرسل إلى اليمن أن يكون عالماً، وداعية وفقيهاً، وهي مجتمعه في معاذ رضي الله عنه، فهو عالم وداعية وفقيه، فأرسله صلى الله عليه وسلم وودعته أمه وهي تبكي فقال: يا أماه! أَمْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منه بد، فذهب، وودعه عليه الصلاة والسلام، وعند الترمذي أنه قال: (يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) وهو حديث حسن، وعند الذهبي في سير أعلام النبلاء بسند جيد: (يا معاذ! اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر) وبقي في اليمن حتى توفي عليه الصلاة والسلام ثم أتى إلى المدينة.

وللفائدة فهناك شريط منشور بين الناس وقد سمعتموه عن وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بصوت ملحن وهذا لا يصح، وفيه أحاديث مكذوبة وموضوعة على المصطفى عليه الصلاة والسلام، ومن ضمن الشريط قال: فدخل معاذ على أبي بكر فأنشد، قال: من بالباب؟ ثم ألقى محاضرة عند الباب، فأنشد معاذ قصيدة وأبو بكر قصيدة، وعمر قصيدة، وعثمان قصيدة، وعلي قصيدة، وكل هذا ليس بصحيح ولا حدث، والذي أتى بهذا الشريط عامي لا يفقه في الإسلام ولا في السنة شيئاً، فليتنبه له.

وقبل أن يذهب معاذ إلى اليمن كان له مع الرسول عليه الصلاة والسلام موقف، ففي الموطأ يقول: (يا معاذ أحسن خلقك للناس) ويظهر أنه كان فيه حدَّة، فالرسول عليه الصلاة والسلام أتى يداوي هذه الأمراض بعلاج من عنده عليه الصلاة والسلام علمه الله إياه، خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، فذهب هو والمصطفى عليه الصلاة والسلام والجيش، فاقتربت راحلة معاذ من راحلة الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الليل، فأخذها معاذ فرصة ليسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، فقال عليه الصلاة والسلام: (يا معاذ لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه) والحديث في الترمذي وعند أحمد بسند صحيح (تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قال: بلى. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير، الصوم جنة) يعني غطاء ووقاء وستر من النار (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا عليه الصلاة والسلام تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] -إلى آخر الآية- ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ -يعني: ما يجمع لك أمرك ذلك- قال: بلى. يا رسول الله! قال: كف عليك هذا وأخذ بلسانه -أي: احبسه وألزمه بالخير وجنبه الشر- قال: يا رسول الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال: على وجوههم- إلا حصائد ألسنتهم) وهذا الحديث أصل من أصول أهل الإسلام، وجعله النووي في الأربعين النووية، وفيه قضايا:

أولها: لا عبادة إلا بتوحيد، ولا خير ولا بر إلا بعقيدة صحيحة.

ثانيها: التدرج في التعليم، فلا تبدأ بتعليم الناس السنن وتنسى الفرائض، كأن تأتي إلى أناس لا يصلون الصلوات الخمس فتحدثهم في اللحى، وتقصير الثياب، فلو ربوا لحاهم وهم ملاحدة أو زنادقة فإن ذلك لن ينفع.

ثالثها: أن أبواب الخير طرق إلى الجنة، وأن الناس يتفاضلون بالنوافل، ولذلك قال عز من قائل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32] فالسابقون بالخيرات هم أهل النوافل، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي في الصحيحين عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) الحديث.

رابعها: أن اللبيب العاقل الفقيه قد يخفى عليه بعض المسائل، فـمعاذ خفي عليه أن الكلام من اللسان يؤاخذ به العبد، فأخبره عليه الصلاة والسلام أن أكثر ما يدخل الناس النار الألسنة، وتسعة أعشار ذنوبنا وخطايانا من اللسان، فالكذب من اللسان، والغيبة، والنميمة، والاستهزاء، والبذاءة، والفحش، واللعن، وقذف المحصنات، والبهتان، والزور، كل هذه من ذنوب اللسان، ولذلك قال بعضهم: تسعة أعشار الذنوب من اللسان والعشر يوزع على بقية الأعضاء.

 حديث معاذ في التوحيد ومسائله

ولـمعاذ حديث هو أصل في التوحيد والعقيدة، ركب مع الرسول صلى الله عليه وسلم على حمار اسمه يعفور وقيل عفير، وسيد الخلق وأبرهم وأشرفهم يركب الحمار ولكنه يقود القلوب إلى باريها.

يركب الحمار ولكنه أوجد رسالة خالدة أبد الدهر.

يركب الحمار ولكنه أرسل كتائبه ترفع لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتبني العدل والسلام والإيمان.

يركب الحمار ولكنه زرع في الدنيا الإيمان والحب والطموح.

يركب الحمار ولكنه أخرج من الجزيرة العربية الساذجة علماء وشهداء وأدباء والله ما اكتحلت عين الدهر بمثل مرآهم؛ كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له     وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

أتطلبون من المختار معجرة     يكفيه شعب من الأموت أحياه

ومن هذا يستفاد التواضع في ركوب الدابة، وفيه أن صاحب الدابة أولى بصدرها، وفي الحديث جواز الإرداف على الدابة إذا لم تتضرر، وفيه أنه لا بأس بأن يحدث الفاضل المفضول في مسائل تخص الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: {يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم} وفيه أن من لا يعلم شيئاً فليكل علمه إلى الله، وهل يجوز لنا أن نقول بعد وفاته صلى الله عليه وسلم: (الله ورسوله أعلم) كأن تسأل أنت في مسألة اليوم فتقول: الله ورسوله أعلم، وقد مات الرسول عليه الصلاة والسلام، الصحيح عند أهل العلم أنك تقول: الله أعلم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يعلم شيئاً، أما في حياته فقد كان الصحابة إذا سئل أحدهم في مسألة وصعبت عليه قال: الله ورسوله أعلم، لكن إذا سئلت أنت في مسألة ولم تعرفها فقل: الله أعلم فقط، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعلم بعد موته شيئاً، لأنه ميت في قبره موتاً الله أعلم به، لكن حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وللفائدة صح الحديث في أجساد الأنبياء ولم يصح لفظ الشهداء، وقد سمعنا بعض الخطباء يقول: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء، فزيادة الشهداء ليست صحيحة.

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه     فيه العفاف وفيه الجود والكرم

يا خير من دفنت في القاع أعظمه     فطاب من طيبهن القاع والأكم

لكن للفائدة فهو صلى الله عليه وسلم لا يشفع في قبره ولو كان يشفع كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أو يستسقى به لفعل عمر ذلك وترك العباس، فهل ذهب إلى القبر وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: قد قحطنا يا رسول الله! فادع الله أن يسقينا، لا. بل ترك ذلك وذهب إلى العباس وقال: إنك عم الرسول عليه الصلاة والسلام فادع الله أن يسقينا، وقال في دعائه: اللهم إنا كنا إذا قحطنا استسقينا برسولك فتسقينا، وإنا نستسقي إليك بعم رسولك فاسقنا، ولذلك تجد الخرافيين وأهل النقص والبدعة يشكو أحدهم مرضه كما أتى البرعي من اليمن ووقف في الروضة وهو شاعر اليمن المخرف البدعي:

وهو من أقوى الشعراء صراحة، لكنه مخرف، يقول:

يا رسول الله يا من ذكره      في نهار الحشر رمزاً ومقاما

فأقلني عثرتي يا سيدي     في اكتسابي الذنب في خمسين عاما

يقول أنا مذنب وعمري خمسون عاماً، وأريد أن تقيلني عثرتي هذا اليوم في الروضة، وهو عليه الصلاة والسلام لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا ينجح أحداً ولا يشافي أحداً ولا يمرض أحداً،ولا يغني أحداً ولا يفقر أحداً، أتى برسالة بلغها إلى الناس وانتهى، ويقول البوصيري وهو شاعر لكنه خرافي أيضاً:

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به      سواك عند حدوث الحادث العمم

إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي     فضلاً وإلا فقل يازلة القدم

يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ كل الخطأ وأساء كل الإساءة: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3]

ولذلك سر التوحيد تعظيم الله، وسر الشرك تعظيم غير الله، ومن أراد أن يتوسع في هذا الباب فعليه بالمجلد الأول من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ووالله إن هذا المجلد لو كتب بماء الذهب ما أُنصف، فإن فيه رقائق وهو يرفع القلب، ويصل القلب بالباري، ويخبرك من أنت ومن هو الله، ويفصل لك بين الخالق والمخلوق، ويفتح لك أبواباً في التوحيد ما سُمعت، وما كتبها إلا ذاك الإمام من الكتاب والسنة.

فقال: {ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى برهة وقال: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً} عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث كما يقول أهل العلم مسائل قد تربو على عشرين مسألة:

منها طرح الإمام المسألة على التلميذ ليفهم ما عنده ولو كان العالم فاهماً لها.

ومنها: أن من لا يعلم شيئاً يكل علمه إلى الله، ولذلك يخطئ كثير من طلبة العلم يوم يتقحمون الفتيا لئلا ينكسر جاه أحدهم، فيسأل عن مسألة، فيجيب لأنه إذا قال: لا أدري سيقول الناس: سبحان الله! درس في الشريعة، وأصول الدين، ولا يدري! وهذا خطأ فاحش، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [[ما أبردها على قلبي إذا سئلت مسألة لا أعرفها فقلت: لا أدري]] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

ومنها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بالتوحيد وهي رسالة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعاً وهو حق الله على العبيد كما ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد.

ومنها: أن من أتى بالتوحيد ثم أتى بذنوب فهو إلى الله؛ إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، لكنه لا يخلد في النار، فـأهل السنة يقولون: إن أهل الكبائر مسلمون ولا يخلدون في النار إن دخلوها، والخوارج أخرجوهم من الملة، وقد أخطئوا في ذلك، فصاحب الكبيرة نخشى عليه العذاب ونرجو له الرحمة من أرحم الراحمين، وقد يدخل النار سنوات أو مئات الأيام والأشهر فالله أعلم، هذا معتقد أهل السنة في أهل الكبائر، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي} وفي القرآن أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31].

وإذا سمعتم أحاديث الكفارات في السنة فهي كما قال أهل العلم من أهل السنة: كلها للصغائر، أما الكبيرة فيشترط لها التوبة، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: {الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما لم تؤت كبيرة} فأخرج هذا الاستثناء الكبيرة، ولذلك لا تكفر الكبيرة إلا بتوبة، وأما الصغائر فتكفر بما ذكر فليتنبه العبد؛ لأن بعض الناس الآن يصلون في رمضان وتجد المساجد الآن مزدحمة بالناس يصلون ويقرءون القرآن فإذا سألت بعضهم من الجهلة قالوا: لأنه كفارة ما بينه وبين رمضان الماضي، وقد ارتكب كبائر كالجبال لا يكفرها رمضان ولا يأتي عليها، فليتنبه لهذا.

وأما معاذ رضي الله عنه فشارك في اليرموك، وقاتل قتالاً شديداً، وقرأ سورة الأنفال على الناس حتى أبكاهم، وكان فصيحاً رضي الله عنه خائفاً من الله، وحضرته الوفاة في عسقلان في أرض فلسطين، وسبب ذلك أنه سأل الله أن يموت شهيداً فأتاه الطاعون {والطاعون شهادة لكل مسلم} كم صح عنه صلى الله عليه وسلم، جاءه كالدرهم في كفه فحك هذا المكان فقال له الصحابة: شافاك الله يا معاذ! قال: لا. اللهم إنك تكبر الصغير وتبارك القليل، اللهم بارك في هذه القرحة ثم قيل له: لماذا؟ قال: كرهت الحياة وسئمت العيش.

عمره يوم توفي ثلاث وثلاثون سنة فقط، كل هذا العلم والجهاد والتضحية في ثلاث وثلاثين سنة.

عليك سلام الله وقفاً فإنني     رأيت الكريم ا لحر ليس له عمر

ولو كان يعطى من أعمار بعض الناس أعطي والله مقل العيون، حضرته الوفاة وأتته سكرات الموت قبل صلاة الفجر، فقال لابنته: اخرجي وانظري هل طلع الفجر، فخرجت وقالت: لم يطلع، فعاد فقال: اخرجي وانظري هل طلع الفجر، قالت: طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، هذا اليوم الذي يستقبله معاذ أول يوم من أيام الآخرة، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7] وهذا أول يوم من المرحلة التي يقدم بها على عمله عند الله، ثم التفت وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الحياة لغرس الأشجار ولا لجري الأنهار ولا لرفع القصور، ولا لعمارة الدور وإنما كنت أحب الحياة لثلاث لمزاحمة العلماء بالركب في مجالس الذكر، ولمجالسة أقوام ينتقون لي أطيب الكلام كما ينتقى أطيب الثمر، وأن أعفر وجهي ساجداً لك في التراب وفي لفظ آخر في قصته وسيرته قال: بدل انتقاء أطايب الكلام كانتقاء أطايب الثمر قال: وأن أصوم الهواجر، وهي شدة الحر ثم فاضت روحه إلى مولاها وانتقل من الحياة في ثلاثة وثلاثين سنة كلها جهاد وعلم وعبادة: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

هذه من سيرة معاذ المختصرة، ومن أراد أن يعود إليها باستفاضة فليراجع سير أعلام النبلاء المجلد الأول للذهبي فقد دبج في سيرته كلاماً أحسن من سبائك الذهب ومن عقود اللؤلؤ والمرجان.

 دروس وعبر من سيرة معاذ

ونستفيد من سيرة معاذ دروساً:

أولها: ينبغي على الإمام كما مر معنا في الصحيحين أن يتوخى حال المأمومين قوة وضعفاً وشيخوخة وحاجة ومرضاً، فلا يطول عليهم التطويل الممل، ثم لا يقصر تقصيراً مخلاً بل يكون وسطاً كما كان عليه الصلاة والسلام.

ثانيها: أنه قد يخفى على العالم بعض الأمور فإنه قد خفي على معاذ وهو من أعلم الناس بعض المسائل وما نقص من قدره لأن علم الصحابة علم الخشية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ثم ألحقوا علم الجزئيات فقد يخفى على أحدهم جزئية ولا تنقص من قدره بل إذا قال: (لا أدري) ازداد ثقة عند الناس وتمكناً في فنه وعلمه.

ثالثها: أن العلماء يتفاضلون، وأفضل علماء الأمة فيما نعلم أو قائدهم خلا الخلفاء الراشدين معاذ بن جبل، فقد حسن عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أنه قال: {معاذ يأتي يوم القيامة أمام العلماء برتوة}.

رابعها: أن طريق الجنة عمل عندنا، وليس كما قال غلاة الصوفية من تصوف فصفا، ومن أخذ الوفاء حتى تدرع بالوفاء، هذه كلمات ما أنزل الله بها من سلطان وخزعبلات: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] طريق الجنة عندنا في سورة يونس: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

طريق الجنة عندنا في سورة الأنبياء: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103].

وطريق الجنة في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في فصلت: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:30-31].

هذا أبو إسحاق الأندلسي يوصي ابنه ويقول في طريق الجنة:

وأكثر ذكره في الأرض دأباً     لتذكر في السماء إذا ذكرتا

وناد إذا سجدت له اعترافاً     بما ناده ذو النون بن متى

إذا ما لم يفدك العلم خيراً     فليتك ثم ليتك ما علمتا

وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ     فليتك ثم ليتك ما فهمتا

وأنا أكرر مسألة هي معلومة لديكم أن الفارق بين علم السلف والخلف هي خشية الله، ولذلك لم يرتفع علماء الصحابة إلا بخشية الله، كان أحدهم لا يحفظ إلا ثلاثين حديثاً أو عشرين أو أربعين ولكنه من أعلم العلماء قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ووجد في المتأخرين من يحفظ القرآن كاملاً وآلاف الأحاديث ولكنه فاسق وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون [الأعراف:175-176].

سلام على معاذ في الخالدين، ورضي الله عنه مع الصديقين والشهداء والصالحين، وألحقنا الله به في جنة المكرمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نسخة نصية للطباعة , رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2697028923
عدد مرات الحفظ
682352585

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009