إسلام ويب

حلية طالب العلمللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلم فضيلة، وصاحبه مفضل على غيره بالنص، والعلوم لا خير فيها إلا ما ذكر بعمل الآخرة، ولطلب العلم وسائل، ولتحصيله ضوابط، ولطالبه آداب وقيود، ولأخذ العلم من الكتب والشيوخ نظام وترتيب، وفي كل ذلك مهم وأهم، وفي هذا الدرس تطواف حول ما ذكر بأسلوب يسير مفهوم.

    1.   

    الرسول الأمي

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

    الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله عليه وسلم، فأظهر الله علمه على كل علم، وأظهر رسالته على كل رسالة، ونصر مبدأه على كل مبدأ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أمَّا بَعْد: إخوتي الفضلاء الأجلة طلبة العلم.

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وإنها لفرصة سانحة أن يجلس الأخ مع إخوانه، والزميل مع زملائه، فأنتم شارة المجتمع، وأنتم واجهة الناس، وأنتم الخاصة إذا اتقيتم الله في علمكم، والمحاضرة ستكون عن حلية طالب العلم: ما هو لباسه؟ وما هو معتقده؟

    وما هي وظيفته؟

    وما هو دوره في الحياة؟

    وما هو برنامجه اليومي؟

    وما هو تحصيله؟

    وكيف يحفظ؟

    وكيف يفهم؟

    وكيف يحقق المسألة، وكيف يدعو الناس، وكيف يعاملهم؟

    وكيف يسير مع الناس؟

    كل هذه المسائل وغيرها تكون مطرح البحث إن شاء الله.

    وإني أحبكم في الله تبارك وتعالى، وإنه لا يجمعنا بكم سبب من الدنيا، ولا نسب بين الناس، ولكن سبب الدين ونسب العلم.

    إن كيد مطرف الإخاء فإننا     نغدو ونسري في إخاء تالد

    أو يفترق ماء الغمام فماؤنا     عذب تحدر من غمام واحد

    أو يختلف نسب يؤلف بيننا     دين أقمناه مقام الوالد

    قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] لمن الخطاب؟

    إنه للمصطفى صلى الله عليه وسلم، لصاحب الرسالة الغراء، والأمي الذي ما قرأ ولا كتب، ولا تعلم في مدرسة ولا دخل جامعة، ولا جلس في كتاتيب، وليس له أستاذ ولا شيخ، ما انتسب ولا انتظم في جامعة من جامعات الدنيا، لكن هكذا بلغ الأربعين سنة، فقال له الله عز وجل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وقال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48].

    أي: أنت لم تكتب ولم تقرأ، ولم تحفظ شيئاً، بل جئت من الصحراء من بين جبال مكة السود؛ لتبعث الإنسان، وترفع رأسه.

    اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] أين يقرأ؟

    أين الصحف والمجلدات؟

    أين الجرائد والمجلات؟

    أين المصنفات؟

    أين السبورة؟

    أين الأستاذ والمعلم والدفتر؟

    لا شيء.

    قال أهل العلم: كأنه يقول: اقرأ في كتاب الفضاء، اقرأ في سور ما قرأتها في كتاب، اقرأ في الشمس من خلقها؟

    أليست آية؟

    اقرأ في القمر؟ أليس فيه آية؟

    اقرأ في النجوم اللامعة كيف تبدد الظلام! أليست آية، اقرأ في خرير الماء يوم يتسلل بين الحصى، اقرأ في هفيف النسيم بين الشجر أليست آية؟

    اقرأ في السفح والغدير، والماء المرير، والجدول والرابية، اقرأ مع الطير، إنها آيات الله في الكون.

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه واحد

    فخرج عليه الصلاة والسلام من غار حراء داعياً إلى الله ما عرف معلماً إلا جبريل، قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:1-9].

    الله أكبر! ياللدنيا يوم سمعت الله أكبر، يا للبشرية يوم أنصتت إلى كلمة (الله أكبر).

    إنها والله أمور ومعجزات تحطم القلوب التي لا تعي، وتدوس الرءوس التي لا تؤمن بالله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    وانطلق عليه الصلاة والسلام فتكلم فكان أفصح فصيح، وأفتى فكان أكبر مفتٍ، وقاد الجيش فكان أعظم قائد، وساس الأمة فكان أعظم سائس، وربى الأجيال فكان أعظم مربٍ، يقول شاعر وادي النيل للمستشرقين يوم طلبوا معجزة له صلى الله عليه وسلم:

    أتطلبون من المختار معجزة     يكفيه شعب من الأموات أحياه

    أما يكفي الناس معجزة له صلى الله عليه وسلم أنه أحيا القلوب بالعلم، نزل عليه الصلاة والسلام إلى بطحاء مكة فحفظَّه الله القرآن وعلَّمه السنن، ثم قال الله له في أول الطريق: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] فقبل أن تتكلم أو تُعلِّم تَعلَّم، وقبل أن تدعو تَعلَّم، قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].

    وهذه رسالتكم يا طلبة العلم، ويا حملة خلاصة الرسالات، والواجهة الوضيئة في المجتمع، يا بسمة في جبين التاريخ؛ هذه رسالتكم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

    وأنا سوف أتعرض في هذه الجلسة لنقاط مهمة، تمر معنا في الفصل، وفي البيت، وفي الطريق، مع الناس كافة، ومع النفس والأهل خاصة:

    أولها: نبذة عن فضل العلم.

    ثانيها: الإخلاص في طلبه.

    ثالثها: التقوى.

    رابعها: العمل بالعلم.

    خامسها: التوبة والاستغفار.

    سادسها: الحفظ وكيف يكون..

    سابعها: الفهم.

    ثامنها: كيف يبدأ طالب العلم.

    تاسعها: كيف يُكوّن مكتبته.

    عاشرها: لباس طالب العلم.

    حادي عشرها: معتقد طالب العلم.

    ثاني عشرها: السنن على طالب العلم.

    ثالث عشرها: نوافل طالب العلم.

    رابع عشرها: الإنفاق من العلم، والزكاة من العلم.

    خامس عشرها: التسرع في الفتيا؛ داؤها وعلاجها.

    سادس عشرها: التصدر قبل حينه.

    سابع عشرها: خلق طالب العلم: التواضع، الشجاعة، علو الهمة.

    ثامن عشرها: علم الواقع والثقافة المعاصرة.

    هذه سوف تكون على بساط البحث ونحن نقبل أي حوار في آخر هذه الجلسة، من عقلياتكم المشرقة، ومن فهمكم السديد لنتعاون على الخير والبر والتقوى.

    1.   

    فضل العلم

    أما فضل العلم: فهو أكبر من أن يذكر فضله، وأشرف من أن ينوه بشرفه، وأعلى من أن يذكر علوه، أتقول للقمر إنه بهي وهو قمر.

    بينما يذكرنني أبصرنني     عند قيد الميل يسعى بي الأغر

    قلن: تعرفن الفتى؟ قلن: نعم     قد عرفناه وهل يخفى القمر؟

    ادعاء العلم من ليس من أهله

    قال علي رضي الله عنه، كما في جامع بيان العلم وفضله لـابن عبد البر: كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وأن يتخلى عن الجهل من هو فيه.

    والمعنى: يكفي بطلبة العلم شرفاً أن العلم يدعيه بعض الناس وهو جاهل، فإن الجاهل الذي لا يحسن الوضوء ولا الغسل من الجنابة، ولا يحسن قراءة الفاتحة إذا قلت له: ما شاء الله على علمك ونور بصيرتك وفقهك ترنح في مجلسه، وارتاح لهذه الكلمة وهو جاهل، وإذا قلت له -وهو جاهل أبكم أصم أعمى لا يعرف شيئاً- إذا قلت: يا جاهل! غضب، وربما قال: أنت الجاهل وأبوك وجدك؛ فهذا معنى كلام علي رضي الله عنه.

    قال ابن عبد البر: أحسن كلمة توارثها الناس بعد كلام النبوة، قول علي رضي الله عنه وأرضاه: [[قيمة كل امرئ ما يحسنه]] هذه درة، فقيمتك في الحياة الذي تحسنه، وميزانك في الحياة الذي تجيده، يقول أبو إسحاق الألبيري يوصي ابنه بطلب العلم في قصيدة رنانة تفضي إلى القلوب مباشرة بلا وسيلة:

    أبا بكر دعوتك لو أجبتا     إلى ما فيه حظك لو عقلتا

    إلى علم تكون به إماماً     مطاعاً إن نهيت وإن أمرتا

    ويجلو ما بعينك من عماها     ويهديك السبيل إذا ضللتا

    هو العضب المهند ليس ينبو     تصيب به مضارب من أردتا

    وكنز لا تخاف عليه لصاً     خفيف الحمل يوجد حيث كنتا

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددتا

    فبادره وخذ بالجد فيه     فإن أعطاكه الله انتفعتا

    وإن أوتيت فيه طويل باع     وقال الناس إنك قد رأستا

    فلا تأمن سؤال الله عنه     بتوبيخ علمت فهل عملتا

    إذا ألقاك فهمك في مغاوٍ     فليتك ثم ليتك ما فهمتا

    أي: إذا ألقاك علمك في المعصية والبدعة والشرك والتفلت على أوامر الله، والاعتداء على حدوده، فليتك ثم ليتك ما فهمت، وإذا تخلفت عن صلاة الجماعة وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتدبر، والتوجه إلى الله، فليتك ثم ليتك ما فهمت.

    وإذا عطلت لا إله إلا الله في قلبك وفي بيتك وفي مجتمعك، وفي أسرتك، فليتك ثم ليتك ما فهمت.

    يرفع الله أهل العلم درجات

    هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] هل يستوون؟

    عالم يتدبر الآيات ويعيش في ظلال الأحاديث، ويعيش في رياض الفقه والتفسير، أيستوي هو ورجل أغلف ما همه إلا الطعام والشراب والرقص واللهو واللعب؟ يعيش على العود وينام على العود، نغمة الموسيقى تقيمه وتجلسه وتحييه وتميته، هل يستوي هو ومن أنار الله بصيرته بالعلم؟ قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] وذكر الدرجات هنا، لأنها عظيمة لا يعلم عددها ولا عظمها ولا فخامتها إلا الحي القيوم.

    يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [المجادلة:11] فيه تنبيه على أهمية الإيمان، فعلم بلا إيمان ليس بعلم، وتوجه بلا إيمان ليس بتوجه، وثقافة بلا إيمان وبلا حب ليست بثقافة، ومعرفة بلا إيمان ليست بمعرفة، قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [المجادلة:11] أيها المسلمون وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] والعلم لا ينفع إلا بإيمان، إن الخواجة يستطيع أن يصنع الطائرة والبارجة والثلاجة، لكن كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].

    وقال تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66] إذا تزود الناس بالدراهم والدنانير والسيارات والفلل والثياب والغتر؛ فتزود أنت بالعلم النافع: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] لا تتزود من الحطام، وتزود من العلم كل يوم آية، وحديثاً، ومسألة، فإنها تُكوِّن عقلك وقلبك وفكرك، وتكون بها من السعداء يوم القيامة.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80].

    خرج قارون في حلة تعجبه نفسه، فخرج وعليه كبرياء وخيلاء وبطر، فقال أهل الدنيا السخفاء الحقراء، أهل الغناء والمجون: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] ووقف طلبة العلم من أمثالكم أيها الطلاب، فقالوا: وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80].

    العلم يفتح البصيرة ويفتق الذهن

    إن هذه الدنيا تزول ولا يعرف زوالها إلا بالعلم، إن المعصية معصية، ولا تعرف أنها معصية إلا بالعلم، وإن الخمر خمر، ولا يعرف أنه حرام إلا بالعلم، وإن الجهل جهل، ولا يعرف أنه جهل إلا بالعلم، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49].

    آيات راسخات، ومعان جليلة، وأهداف نبيلة، ومبادئ أصيلة في هذا الدين ولكن في صدور من؟ أفي صدور أهل المجون، وأهل الوسوسة، وشيوخ القمار، والمخططون على النجوم، وأهل السقع والرقع؟ كلا، إنما هي في صدور طلبة العلم.

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] من الذي يفهم الآيات، من الذي يفهم المنشورات، ومن الذي يفهم المبادئ، ويفهم العقليات، ومن الذي يرجح المصالح على المفاسد إلا طلبة العلم.

    وقد صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر} فليس ميراثه عليه الصلاة والسلام مناصب ولا وظائف، ولا ثياباً ولا دوراً، ولا عقاراً ولا قصوراً، لا والله..! فقد كان بيته من طين، وفراشه من حصير، وقعبه من خشب، وشملتة مقطعة، ولكنه بنى آلاف القلوب والأرواح.

    كفاك عن كل قصر شاهقٍ عمد     بيت من الطين أو كهف من العلم

    تبني الفضائل أبراجاً مشيدة     نصب الخيام التي من أروع الخيم

    فميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العلم.

    تعال يا من حاله في وبال     ونفسه محبوسة في عقال

    يا نائماً لم يستفق عندما     أذن في صبح الليالي بلال

    روض النـبي المصطفى وارفٌ     أزهاره فاحت بريا الجمال

    ميراثه فينا جميل الحلا     وأنتم أصحابه يا رجال

    من يرث محمداً عليه الصلاة والسلام إلا أنتم، من يحفظ كلماته الناصعة إلا أنتم، من يحفظ تركته وميراثه إلا أنتم، ومن يؤدي رسالته إلى العالم إلا أنتم.

    ففضل العلم أجل من أن يحاط به، يقول ابن كثير في تفسيره ناقلاً عن الطبراني حديثاً يجوده: {إن الله عز وجل إذا حاسب الناس جعل العلماء في ناحية من الموقف، ثم يلتفت إليهم فيقول: إني ما منحتكم العلم إلا لكرامتكم علي، أنتم تشفعون في الناس}.

    وفي بعض الآثار التي لا تصح مرفوعة: {توزن دماء الشهداء بمداد العلماء} فالعلم أفضل ما أجمع عليه العقلاء قاطبة، اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، والمسلمون والهندوس، فالجميع أجمعوا على أن العلم أفضل مطلوب؛ لكنهم اختلفوا في ماهية العلم وأهمه!

    1.   

    صفات ضرورية في طالب العلم

    .

    الإخلاص

    اعلموا -أيها الإخوة الأجلاء- أن هذا العلم الشرعي لا يحصل، ولا يبارك فيه، ولا يؤتي ثمرته، ولا يحفظ في الأذهان إلا بإخلاص، قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] وقال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى} قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] وقال أيضاً: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء:20].

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم أن أول من تسعر بهم النار، قارئ يقال له: {تعلمت العلم وقرأت القرآن فماذا فعلت فيه؟ قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فيقول الله -وهو أعلم بالسرائر- كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، إنما تعلمت ليقال عالم، خذوه إلى النار، فيؤخذ فيدهده ويجر حتى يقذف على وجهه في النار}.

    وفي حديث حسن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسافة أربعين سنة} وفي حديث عنه صلى الله عليه وسلم: {من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا فالنار النار} وفي لفظ: {فليتبوأ مقعده من النار} وكان معاذ وابن عمر يبكيان من هذا الحديث بكاء عظيماً؛ لأنه حديث مرهب ومخوف؛ لكن لمن عاش خوفه وإرعابه ورهبته.

    فالإخلاص: أن تطلب العلم لوجه الله، ولرفع الجهل عنك، فإنك إذا فعلت ذلك أعطاك الله خيراً من الدنيا وما فيها، والذي يطلب العلم للدنيا، ينال حظاً سهلاً ووظيفة، أو منصباً أو جاهاً، ولكن والله ما عند الله عز وجل من النعيم وقرة العين والكرامة، والإغداق والسرور، والحبور والدور والقصور في جنة عرضها السماوات والأرض لا يعادله أي نعيم، لكن لطلبة العلم العاملين، وهذا أمر لا بد أن يرسخ في الأذهان.

    ومن مقاصد طلب العلم بالإضافة إلى أن ترفع به الجهل عن نفسك، أن ترفع به الجهل عن أبناء أمتك، ثم تصبر على الأذى فيه، وتعمل به في حياتك ومع الناس.

    التقوى

    قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] فإن اتقيت الله علمك الله، وفي أثر في سنده نظر، ومن أهل العلم من حسنه: {من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم} فأنت إذا عملت بما علمت من الحديث اليسير أو القرآن زادك الله علماً.

    وجرب نفسك في أحاديث الأذكار، أو الأحاديث العملية، تجد أنك إذا حفظت حديثاً واحداً من أحاديث الذكر ثم ذهبت لتعمل به، وتطبقه، يمنحك الله فهماً وزيادة في الإشراق، وفي النبوغ والذكاء والفطنة والإدراك.

    فيا إخوتي في الله! لا ينقصنا علم، وأنا أجزم جزماً أن أصغر جالس في هذه الحلقة يستطيع أن يعلم أمة من الأمم، وأن يكون من أكبر الدعاة في الدنيا، إذا اتقى الله وعمل بعلمه، فنحن لا ينقصنا كثرة علم، نحن ينقصنا العمل والتقوى والإنابة والإخلاص.

    والتقوى تشمل العمل والخشية، خشية القلوب وعمل الأركان والجوارح.

    قال أحد المحدثين: ذهبت إلى بغداد لأطلب الحديث، فمات الراوي الذي أريد أن أطلب الحديث منه، فلقيني يحيى بن سعيد القطان وقال: يا فلان! إن فاتك هذا الشيخ فلا تفوتك تقوى الله.

    أي: إن فاتك شيء من العلم، أو التحصيل، أو الذكاء، أو الفطنة فلا تفوتك تقوى الله.

    وترجم الذهبي لـابن الراوندي وهو فيلسوف زنديق ملحد، كلب معثر، أكل عجين المسلمين، ألف كتاب " الدامغ على القرآن " يدمغ به القرآن، وكان من أذكياء العالم، قال الذهبي: لعن الله الذكاء بلا إيمان، وحيا الله البلادة بالإيمان، رجل بليد مؤمن خير من ذكي فاجر، فماذا ينفع الذكاء إذا دهده الإنسان وساقه على وجهه إلى النار، يؤتى به يوم القيامة، ويشنق ويعلق في نار تلظى؛ لأنه استخدم ذكاءه وفطنته في محاربة الإسلام والدين.

    فنحن لا نشكو من قلة الذكاء إنما نشكو من قلة العمل، وأبو العلاء المعري أحمد بن سليمان هذا الشاعر الفاجر اعترض على الشريعة، وكان ذكياً بارق الذكاء، نقل عنه ابن كثير وفي صحتها نظر، أنه نام على سرير فوضع تحت سريره درهماً من فضة، فقال: نزلت السماء بمقدار درهم أو ارتفعت الأرض بمقدار درهم، فهو أعمى، أعمى القلب وأعمى البصر لكنه ذكي وليس بزكي، قال: فاكتشفوا الدرهم تحت سريره كما نقل ابن كثير والعهدة على البداية والنهاية.

    إنما انظر إلى الفجور، ذكي لكن ماعنده تقوى لله عز وجل، حافظة معلومات، شاعر مصقاع، أبياته كأنها أسياخ أو سلوس من ذهب، لكن ما وفقت بترتيب وإيمان، يقول في منظومة له جميلة ظريفة طريفة، ينقل منها ابن القيم:

    يا راقد الليل أيقظ راقد السحر     لعل في القوم أعواناً على السمر

    يود أن ظلام الليل دام له     وزيد فيه سواد السمع والبصر

    وهذه من أحسن ما يقال، لكن ليته توقف على هذا، ليته أبدع في مجال الشعر، لكن انظر إلى الشعر في الساحة يوم ترك الإيمان، كيف ركب مركب الحداثة في الزندقة والإلحاد ومحاربة الإسلام، يقول: كم دية اليد قال: أهل العلم كذا، قال: في كم تقطع في الشريعة؟ قالوا: إذا سرقت ربع دينار، قال:

    يد بخمس مئين عسجد وديت     ما بالها قطعت في ربع دينار

    تناقض ما لنا إلا السكوت له     ونستعيذ بمولانا من النار

    يقدح في الشريعة، وأصول الإسلام، ويحارب الدين، يقول: لماذا هذه اليد إذا قطعت في غير الحدود وديت بخمس مئين ذهب، ولكن إذا سرقت ربع دينار قطعت، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    وانطلق له القاضي عبد الوهاب المالكي الشاعر السني الكبير وقال:

    قل للمعري عار أيما عار     جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري

    عز الأمانة أغلاها وأرخصها     ذل الخيانة فافهم حكمه الباري

    لا تقدحن بنود الشرع عن شبهٍ     شرائع الدين لم تقدح بأشعارِ

    يقول: أنت عار، أنت مسلوخ لا في وجهك حياء ولا دين، أنت فاجر القلب، تعترض على شريعة الله، النار لك، والعار لك والدمار، وهذا نموذج للفجور إذا دخل في العلم.

    ومنهم ابن سيناء كان من أذكى الناس، لكن لم يكن زكياً، أخذ عقيدته عن الصابئة أذناب المجوس، عميل ذكي، لكن ما استقبل القرآن والسنة، بل رفضهما وأخذ مبادئه وأسسه وأخلاقه من المجوس والصابئة الفراخ العملاء، فيقول ابن تيمية: إن كان صح عنه ما يقول في بعض الكلمات، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    لكن العلم إذا رشد، وكذلك الذكاء يكون كما قال تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:25].

    فهذا ابن تيمية من أذكياء العالم، عبقري عملاق، يقرأ المجلد مرة واحدة، فينتقش في ذهنه، ينظم القصيدة الواحدة من صلاة الظهر إلى صلاة العصر مائتان وثمانون بيتاً يرج بها رجاً، كتب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، يضع رِجلاً على رِجل، ويكتب التدمرية يرد بها على الفلاسفة، ونحن نقرؤها في سنة كاملة في كلية أصول الدين ولا نفهمها ونرسب فيها لأنها التدمرية تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25].

    ابن تيمية ما وجد أستاذاً يعلمه الفلسفة، فأخذ كتب الفلسفة فقرأها بنفسه ورد على الفلاسفة، كتاب سيبويه الحديد، جمله ما تفكك كأنها السلاسل، قرأ الكتاب بنفسه يوم اتقى الله، فوجد ثمانين خطأ، فرد على سيبويه مؤلف الكتاب، يقول: إذا أعجمت علي المسألة استغفرت الله ألف مرة فيفتحها الله عليّ.

    ومن الذي يفتح إلا الله، كانت يد ابن تيمية -يقولون دائماً- كأنها يد مسكين، يقولون: يمرون به في بعض الأسياب، فإذا هو وحده في السيب يبكي ويمد يده كأنها يد شحات، والشحاتة حرام إلا عند باب الله، فهي واجب من الواجبات.

    وابن تيمية يخرج إلى الصحراء، فتدمع عيناه لأنه يناجي الله ويقول:

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس في السر خاليا
    >

    هذا البيت لـمجنون ليلى، بيت طريف جميل، لكن استخدمه في غير محله، يقول مجنون ليلى في محبوبته:

    وإني لأستغشي وما بي غشوة     لعل خيالاً منك يلقى خياليا

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس في السر خالياً

    عجيب! عقل كبير وقلب كبير، أيعيش الرجل المفكر الذكي الأريب لامرأة، أو لأغنية، أو لمجلة خليعة؟! لكن ابن تيمية عاش للمبادئ الخالدة الكبرى.

    السلطان السلجوقي في دمشق يقول: يـابن تيمية أتريد ملكنا، قال: ما ملكك وملك آبائك أجدادك يساوي عندي فلساً واحداً، إنه يريد جنة وعرضها السموات والأرض، ولذلك رد هذا البيت وقلبه إلى حب الله فقال:

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنكَ النفس بالسر خالياً

    وفي الحديث: { ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه} ونحسب ابن تيمية من هؤلاء والله حسيبه. قال له رجل: كيف يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] كيف يأمر الله عباده في وقت المعركة بذكره؛ وهم مشغولون والرماح تشتعل والسيوف تتكسر، وجماجم الأبطال تقع على الأرض؟ فقال ابن تيمية: إن أهل الجاهلية من العرب تعودوا على أن يذكروا محبوباتهم وقت الأزمات أما سمعت عنترة يقول:

    ولقد ذكرتك والرماح نواهل     مني وبيض الهند تقطر من دمي

    فوددت تقبيل السيوف لأنها     لمعت كبارق ثغرك المتبسم

    فبدل هذا الهيام والعشق والوله والضياع، اذكروا الله.

    العمل بالعلم

    العلم كالمال، ألف الخطيب البغدادي كتاب اقتضاء العلم العمل، وقال: العلم كنز ككنوز المال فإذا لم ينفق منه، فوالله لا ينفع صاحبه حفظ المعلومات في الذهن، بل يصبح سلة مهملات، لأنه حفظ المتون والمجاميع، وحفظ الأشعار والقصائد والمقطوعات، لكن لا عمل، فلا يصلي الفجر في جماعة، وتسمع أذنه للحرام، وقلبه موله، لا ذكر ولا قرآن، ولا تسبيح، ولا حب لله ولرسوله حباً صادقاً قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    إنما يصلي في الجماعات العلماء، وإنما يعتقد اعتقاد السلف ويقدر الرسول عليه الصلاة والسلام حق قدره ويتدبر القرآن العلماء، وإنما يحضر مجالس الخير والعلم وينصح، ويحب للمسلمين ما يحبونه لأنفسهم العلماء، أما الجهلة فلا يفعلون ذلك.

    إن بني إسرائيل أخذوا المجلدات فحفظوها فما نفعتهم لأنهم حمير، والحمار لو وضع عليه فتح الباري، وتفسير ابن كثير، ورياض الصالحين فهو حمار، لأنه حمار هو وأبوه وجده وعمته وخالته كلهم حمير: قال تعالى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5].

    والكلب تدخله في غرفة مكيفة، فيمد لسانه ويلهث لأنه كلب، وتخرجه في الشمس فيمد لسانه ويلهث، قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].

    تقول له: اقرأ سورة طه التي لو نـزلت على الجبال لدكدكتها ولقطعت بها الأرض، ولو نزلت على الأموات، لاستفاقوا من قبورهم، فيقول: لا، القرآن له وقت! أعطني هذه المجلة، إنه يريد امرأة خليعة ماجنة سافرة داعرة، تفني الدين واليقين والعقل.

    وتقول له: اسمع هذه المحاضرة في هذا الشريط الإسلامي، فيقول: لا. الأغنية العصرية التي وردت اليوم.

    تقول: خذ السواك الذي سنه صلى الله عليه وسلم وفيه من الحكم أكثر من ثلاثين حكمة ومصلحة، فيقول: السجارة، تقول: نسمر الليلة في مدارسة صحيح البخاري وصحيح مسلم، فيسمر على اللهو والمجون، لأنها عقول ما رقت إلى الفهم الذي يريده صلى الله عليه وسلم للإنسان.

    في مناسبة ذكرت كلمة لـمحمد إقبال شاعر الباكستان -كما يقول الندوي في روائع إقبال - يقول: يا رسول الله! أنا هندي تعاطفت مع رسالتك حباً فيك، دخل حبك كل قلبي، ودخل تراب مدينتك أنفي، فخرج حب الغرب والحضارة الغربية، وخرجت من نارهم كما خرج إبراهيم الخليل من نار النمرود.

    ثم يقول: خان العرب رسالتك فتعاطفت معك.

    إن هذه المعاني لا بد أن تكون مؤصلة عند العبد وهو العمل بالعلم، فإذا لم نعمل بعلمنا فهو الخسارة والتباب، وهو والله الفناء والزلل نسأل الله العافية.

    التوبة والاستغفار

    التوبة والاستغفار تدخل في العمل بالعلم، لكن فصلتها لأهميتها، العلم لا تزداد فيه بصيرة وإدراكاً وفهماً إلا مع كثرة التوبة والاستغفار، تجلس على الكرسي وأنت تستغفر، وفي الفصل تستغفر، وفي الطريق تستغفر، وفي السيارة، وفي الغرفة، ومع زملائك، لأن الله يفتح على المستغفر، قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:11-12] وقال تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [هود:3].

    المتاع الحسن في العقل، ترى الآية والحديث يعرضان على السبورة، فتجد هذا الطالب يفهم منها ما لا يفهم هذا، وهذا أعقل منه وأذكى، لأن ذاك تقي وهذا فيه فجور ومعصية، ومفاتيح القلوب بيد الواحد الأحد.

    من الذي يفتح إلا الله، ومن الذي يهدي إلا الله، العقول تحت تصرف الله، فلا يفتح على الإنسان إلا الله عز وجل، والله يوم ذكر الفتيا في القرآن أمر رسوله أن يستغفر: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:106] هذه التوبة والاستغفار أرشد بها نفسي وإياكم قبل قراءة كتاب، أو مطالعة في مادة أو امتحان، أو مراجعة درس، أو حفظ مقطوعة، أو آية أو حديث، فأكثر من الاستغفار، ومد يديك إلى الواحد الأحد.

    الله يغضب إن تركت سؤاله     وبني آدم حين يسأل يغضب

    فسبحان من يرضى من كثرة سؤال العباد! وكلما أكثرت من سؤاله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كلما رضي عنك ورحمك وتولاك.

    1.   

    الحفظ والفهم

    كيف نحفظ المعلومات؟ وكيف نحفظ المتون؟ وكيف نحفظ القرآن؟

    أقسام الحفظ

    أولاً: هنا مبدأ لا بد أن نذكره لكم، وهو أن الحفظ على قسمين:-

    الأول: حفظ فطري جبلي.

    الثاني: حفظ سببـى كسبـي.

    فبعض الناس جبله الله من صغره على الحفظ، فعقله من أذكى العقول، كالسيف، لا يسمع آية ولا حديثاً ولا مقطوعة ولا كلمة إلا يحفظها.

    ورجل آخر لا يحفظ شيئاً، تحفظه اسمه في النهار، فينسى في العصر.

    قيل لرجل من الحمقى: ما اسمك؟ هذا الرجل عصري، أدرك الكمبيوتر، قال: أنا عقلي كمبيوتر، أحفظ اسمي واسم أبي وجدي وأخوالي في الكمبيوتر، فأي عقول هذه؟! لكن لا يلام العبد على ذلك لأننا لا نلوم على المصائب ونلوم على المعايب.

    وكما أسلفت أن التقوى والفضل عند الله لا يتوقف على الذكاء، فقد تجد بعض الناس بليداً غبياً ولكنه عند الله ذكي، وبعض الناس عبقري وذكي، لكنه عند الله عميل وعدو.

    فإذا آتاك الله ذكاءً فطرياً فنمه، وإذا لم يؤتك حافظة، فحاول أن تفهم العلم، والفهم أحب من الحفظ ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    وأنت سوف تفضل في العلم، وسوف تكون عالماً إن شاء الله ولو لم تكن حافظاً، والإمام أحمد حفظ عنه أنه كان يقول: فهم العلم أحب إلينا من حفظه، ولكن في الصغر يستغل الحفظ، ووقت الصغر أحسن للحفظ وأجدى.

    ما يبدأ بحفظه

    وأول ما يحفظ القرآن الكريم. وعجباً لمن يبدأ بالمتون ولا يحفظ القرآن، تجده في الرحبية، وفي ألفية العراقي، وهو لا يحفظ القرآن، عمامة بلا ثوب لا تصلح، القرآن ثوبك وسترك، وحياتك وحليتك فابدأ بالقرآن، وإذا حفظت القرآن فبيض الله وجهك ويكفيك من متن، إنه الكتاب الذي استهلك حقائق الدنيا، وكنوز المعمورة، ووقائع التاريخ.

    وإذا حفظت القرآن فكل شيء يجزئك مع القرآن، لكن الذي لا يحفظ القرآن، فلا يجزئه شيء عن القرآن، وهذا أمر لا بد أن يفهم، فإذا فاتك سن الصغر، فاحفظ ما تيسر من القرآن، وحفظ المفصل لا بد منه لطالب العلم، وهو من (ق إلى الناس) وهي الآيات التي تصلي بها في الجمع والجماعات والأعياد والمناسبات، وتأخذ منها إشراقك ونورك، وإبداعك وبلاغتك ودعوتك، وهي التي تربي بها نفسك ومجتمعك، فهذا المفصل الأربعة الأجزاء لا بد أن تكون في صدرك، إن فيه جمالاً يخلب العقول، ويبهر الألباب، ألا تريد أن تعيش يوماً من الأيام مع ق، والنجم إذا هوى؟ مع الرحمن والطور؟ ما أجملها خاصة في صلاة الفجر! إنها تسري إلى القلوب المؤمنة، وتؤثر في الأرواح تأثيراً بديعاً.

    ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في سورة النجم في الظلال: كنت مع زملائي أسمر في القاهرة، قال: فمرة من المرات بعد صلاة العشاء ارتفع صوت الراديو، وإذا بصوت مقرئ من المقرئين ينبعث من عند جيراننا فأنصتنا نسمع، فإذا المقرئ يقرأ بصوت حسن: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1] فأنصتنا قال: فأما أنا فسافر قلبي في رحلة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن السورة تتكلم عن الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: وتركت زملائي وهم جلوس -أو كلاماً يشبه هذا- قال: وحاولت أن أتملك نفسي؛ فأما الدموع فنـزلت، وفي الأخير رفع المقرئ صوته حين بلغ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى [النجم:39-41] يقول: والله الذي لا إله إلا هو لقد أصبح جسمي يهتز هزاً عضلياً، ونسيت نفسي.

    فهذا القرآن لا بد أن يعتنى به خاصة بعد الفجر، فيفتتح يومك بقراءة القرآن، فجرك.

    يقول الندوي في ترجمة محمد إقبال في روائع إقبال: ذهب إقبال إلى ملك أفغانستان قبل ما يقارب خمسين سنة، فقال محمد إقبال للملك الأفغاني: أريد أن أكلمك في وصية، قال: ماهي وصيتك؟ قال: هذا القرآن، أسألك أن يكون سميرك هذا القرآن، قال: فبكى محمد إقبال وبكى الملك الأفغاني، ثم قال الملك الأفغاني: يا محمد إقبال! والله الذي لا إله إلا هو لقد مرت عليّ سنوات ما يسمر معي إلا كتاب الله.

    قال ابن كثير في ترجمة المتقي لله الخليفة العباسي كان إذا صلى العشاء -وكان خليفة على المسلمين، وعلى البلاد الإسلامية قاطبة- أخذ المصحف وقال للأمراء والوزراء: أستودعكم الله، اذهبوا فأنا سميري هذا المصحف، وقد كان الخلفاء جميعاً يسمرون مع الأمراء والوزراء والشعراء والأدباء، وأهل المجون، وأما هو فيأخذ المصحف بعد صلاة العشاء ويقول: هذا سميري وكفى بالقرآن سميراً.

    قال الشاطبي في الموافقات: إن من يريد أن ينصح نفسه فليكن أنيسه وسميره القرآن، وفيه والله من العلوم التي إذا خلصنا قلوبنا من الذنوب والشوائب فتح الله علينا فتوحاً عظيمة.

    فإذا فاتك الحفظ، فكرر المختصرات، خذ لك مختصرات في الفنون، مثل: بلوغ المرام في أحاديث الأحكام، أو رياض الصالحين وهو في الواقع كتاب الخطيب والمتكلم والداعية، وزاد المستقنع في الفقه، والبيقونية في مصطلح الحديث، والرحبية في الفرائض، فهذه تقرب لك المعاني؛ فإن لم تستطع حفظ هذه المتون فكررها كثيراً، واقرأ الكتاب عشرين مرة، ليكون في متناول يدك، إذا أردت أن تبحث عن قضية أو مسألة أو حديث.

    الفهم

    الفهم: وهو نظرية التأمل والإصغاء، ولا بد منه، بل لا خير في قراءة بلا فهم، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] وقال سبحانه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

    هل تدبرنا لماذا نزل القرآن، وما يريد منا، وماذا نعمل معه؟

    أيها الأبرار، وأيها الأخيار، يا طلبة العلم! لا بد أن تكون نظرية التأمل والتدبر حية في أذهاننا.

    الحديث ينفعك بالتدبر، والفقه ينفعك بالتدبر، لقد رأينا وسمعنا وعشنا أن المذكرات التي يؤلفها البشر في الامتحانات نسهر عليها في الليل، ونضع تحت كل سطر خطين أو ثلاثة، ونستخرج منها الكنوز وليس فيها كنوز، ونقف مع الدرر وليس فيها درر، ونستخرج الجواهر وليس فيها جواهر، فإذا أتينا نقرأ القرآن يوم الجمعة نعسنا.

    نقرأ آية من هنا وآية من هنا، وقلوبنا في الوادي.

    إنه كلام رب البشر، إنه كلام من أنزل هذا القرآن على سيد البشر، كلام يحيي القلوب، ويحرك العواطف، وتجيش له الأرواح.

    فقضية الفهم -أيها الإخوة- في القرآن وفي غيره لا بد منها.

    تقرأ الحديث أولاً، ثم تستنبط منه، فإن استطعت أن تجالس زميلك وتقول: ماذا تستنبط من هذا الحديث؛ فعلت، وكذلك تناقشه ليثبت العلم.

    إن دراسة العلم للامتحان تذهب في وقت الامتحان، يخرج الطالب من الفصل وقد ترك العلم في الفصل يقول الشافعي:

    علمي معي حيثما يممت يتبعني     قلبي وعاء له لا بطن صندوق

    إن كنت في البيت كان العلم فيه معي     أو كنت في السوق كان العلم في السوق

    أي: أنا لا أغلق عليه في الصناديق بل أنا أحفظه وأفهمه وأتدبره، وقيل: إنها للفقيه منصور.

    كيف يبدأ الطالب

    كيف يبدأ طالب العلم؟

    الناس طبقات، ولكن يبدأ طالب العلم أولاً بدراسة العلم على الأساتذة والعلماء وطلبة العلم، والثانويات والمعاهد العلمية والمدارس والكليات تكفي لمن لم يجد غيرها، وفيها خير، فإذا وجدت المساجد فهي أحسن وأحسن، وإذا وجد الشيوخ في المساجد فهم أحسن وأحسن، ولكن إذا لم نجد المشايخ، فأين نبحث؟ أنترك طلب العلم؟ لا.

    بل نقول: في هذه المدارس والمعاهد والثانويات والكليات البركة والنفع الكثير، وهي تعطيك المفاتيح فقط، لكنها لا تعطيك كل العلم، فأنت إذا درست تبدأ تكوّن نفسك في بيتك -وسوف يأتي معنا كيف يكون طالب العلم مكتبته- فتبدأ بنفسك فتحفظ القرآن كما أسلفت، وتطالع تفسيراً ولو مختصراً، وأحسن التفاسير ابن كثير فتمر به مرة، وتصبر حتى تنتهي منه، وتتصور معاني القرآن، أما قراءة شذر مذر من كل بحر قطرة، فيكون الإنسان مثقفاً ولكن لا يكون عالماً، ثم تبدأ بدراسة المختصرات وتكرارها؛ مثل بلوغ المرام، ورياض الصالحين، وزاد المستقنع، والبيقونية، وألفية العراقي في الحديث، والرحبية، وأمثالها، أو ماتيسر من أي متون أخر فتطالعها، فإن استطعت أن تحفظها فكمال، وإلا فكررها كثيراً، ثم تبدأ بالمطالعة الكبرى.

    بعض الناس يقول: إن المطالعة في المجاميع كـالمغني وفتح الباري والمجموع، والمحلى، لا تنفع، لا. بل لها نفع كبير لمن كان أهلاً، فإنها تفتق ذهنك، ويشرق عليها عقلك، وتستفيد منها ملكة ودربة في مناقشة العلماء، والأخذ والعطاء والمداولة وفحص المسألة، وتحريرها وتحقيقها، ولو لم تفهم لكنه سوف يعلق بذهنك الكثير الكثير، وسوف تتحدث بطلاقة، وسوف تكون عالماً.

    يقول ابن الجوزي: لا يخلو كتاب من فائدة، فأنا أرشدك أن تقرأ كل ما وقع في يدك، وكن قارئاً ممحصاً.

    وطالب العلم يعرف ما هو الفن الذي يجيده، فبعضهم يصلح أن يكون مفسراً لا محدثاً، أو محدثاً لا فقيهاً، قال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60].

    فأنت تعرف المادة التي تجيد فيها، فأشغل بها ليلك ونهارك، إن كنت محدثاً لتخريج الأحاديث، والرجال، ومخطوطات الحديث، ومراسلة طلبة العلم، والجلوس في دروس الحديث، ومسامرة العلماء، ومناقشته المشايخ، حينها تكون محدثاً.

    فإن كنت فقيهاً فاجمع كتب ورسائل الفقه، والبحوث العصرية، والمجلات التي تعرضت للبحوث الفقهية، واحرص على المراسلة، والمكالمة مع العلماء في المسائل الفقهية حينها تكون فقيهاً.

    وإن كنت مفسراً فاجمع كتب التفسير، وابحث عن دلالات الألفاظ، وعن لغات القرآن، ومقاصده، فإنك تكون مفسراً.

    1.   

    تكوين المكتبة

    كيف يكون طالب العلم مكتبته؟

    طالب العلم الذي ليس في بيته مكتبة نقص عليه خير كثير، لأن سلاح طالب العلم المكتبة، وجماله المكتبة، ولا تسمع لقول أبيك وأمك إذا قالا: أخرج الكتب؛ فإنها أخذت علينا البيت، وضايقت علينا، أو ليس من ورائها طائل، أو أنها تلهيك عن الأعمال، وتلهيك عن المهام وعن مستقبلك في الحياة..!

    بل هي مستقبلك وكنـزك وشرفك، فإن مكتبتك يجلس معك فيها العلماء، والفقهاء والمفسرون، والأدباء، فإذا أغلقت غرفتك على نفسك مع المكتبة، فقد جالست الإمام أحمد، ومالكاً، وسفيان الثوري، والشافعي، وأبا حنيفة، وابن تيمية، وابن القيم، ومعك الشعراء ومعك الأدباء بعد العلماء.

    قيل لـابن المبارك: أين تذهب بعد صلاة العصر ولا تجلس معنا؟

    قال: أجلس مع الصحابة، وأنتم تغتابون الناس.

    قالوا: وأين الصحابة؟

    قال: أجلس مع كتبهم أستفيد.

    وليست المكتبة بكثرة الكتب، وفي بعض البيوت مجالسهم الكبرى فيها من كل الكتب، ولكن لا استفادة، يعرف العناوين وأسماء المؤلفين والمحققين ولكن إذا دخلت به داخل المجلد لا يعرف شيئاً.

    تراه يعرف مؤلف الكتاب ومتى توفي، ومن حققه، وطبعة بولاق ودار الشروق، لكن داخل الكتاب لا يدخل إليه، والعبرة بالقراءة لا بكثرة الكتب، فإن بعض طلبة العلم، عنده عشرون أو ثلاثون كتاباً قد هضمها وشربها، وأكلها، وفهمها، وأخرج منها الكنوز، وسيرها للعالمين، فهو العالم حقاً.

    والمكتبة الجيدة لا بد أن تنص على هذه القائمة من الكتب:

    أهم كتب التفسير والفقه

    أهمها القرآن الكريم: فلا بد أن يكون معك حضراً وسفراً؛ في السيارة وفي البيت والفصل، وفي كل مكان، إذا بدأت تقرأ في أي كتاب، فابدأ بالقرآن ولو ثلاث أو أربع أو خمس آيات؛ فإنه البركة والنور والإشراق، إنه مفتاح العلم.

    الثاني: تفسير ابن كثير: فلا بد أن يكون معك في المكتبة، وإن أردت أن تتوسع فـتفسير ابن جرير الطبري لكن تفسير ابن كثير فيه الكفاية.

    وتفسير القرطبي للأحكام والمسائل التي في القرآن من أحكام وفرعيات.

    وفي ظلال القرآن -مع ملاحظة بعض المسائل فيه- ربط الواقع وعلم الثقافة العصرية بالقرآن.

    الثالث: الفقه فلا بد أن يكون معك المغني والمغني مثل اسمه، فمن كان في بيته المغني فقد بلغ النصاب وعليه الزكاة إذا حال عليه الحول، ألفه ابن قدامة بدمه وروحه وعرقه وجهده وإخلاصه، فكان كتاباً بارعاً أخذ العقول، ومع المغني المحلى لـابن حزم ولا تسمع لمن أرجف ضد المحلى أو حارب المحلى أو عقد حلفاً ضد المحلى، يقول بعض أهل العلم في ترجمة ابن تيمية: وتحلى بـالمحلى وتولى منه ما تولى، فاجعل المحلى في بيتك واقرأ، وانتبه لأربعة أمور في المحلى:

    أولها: العقيدة، اغسل يديك في الأسماء والصفات، ولا يعديك فإن فيه جرباً في هذه المسألة، حيث إنه يؤول في الأسماء والصفات، فانتبه إليه.

    المسألة الثانية: لا تسمع لقوله في الغناء، فإنه يبيح الغناء.

    واجزم بتحريم الغنا كجزمي     ولا تطع قولاً لـابن حزم

    فالأحاديث ترد عليه رداً بارعاً، وقد ضعف الصحيح، ولكنه لا يسمع الغناء، فإنه زاهد عابد تقي داعية، لكن لم يظهر له تحريم الغناء، وتحريم الغناء في صحيح البخاري وغيره.

    المسألة الثالثة: أنه أنكر القياس، ومن أنكر القياس فقد ذهب عليه ما يقارب ثلث الشريعة.

    المسألة الرابعة: الرجل يقع في العلماء غفر الله له، يمر بعالم فيقول: هذا عبد أضله الله على علم، ويأتي عالم يقول: ينجس من الدم مقدار الدرهم البغلي، فيستهزئ فيقول: من بغال الكوفة أو من بغال البصرة.

    أما إبداعاته وإشراقاته، فأولاً: الرجل محدث يجرح ويعدل ويصحح ويضعف ويتكلم بجدارة وقوة.

    لما حضرنا كشفنا عن جماجمنا     ليعلموا أننا بكر فينصرفوا

    قال البقية والهندي يحصدهم     ولا بقية إلا السيف فانكسروا

    والأمر الثاني: أن الرجل أوتي عقلية فياضة.. نظار أصولي، له كتاب في الأصول من أبدع ما يكون.

    والأمر الثالث: الرجل عنده فقه واستنباط، ليس بالسهل فهو عملاق، يقول الشوكاني في البدر الطالع: ما بين ابن تيمية وابن حزم أقوى من الرجلين.

    مرة يحلق بك تحليقاً بارعاً، ومرة يسقطك على التراب، حتى يقول ابن تيمية: والله إني أعجب لذكائه وفطنته، عجبي من شواذه وغرائبه، مرة يستنبط استنباطاً كأنه اللؤلؤ والجوهر والمرجان، ومرة يأتي فيركب عليك فحماً، فهذا المحلى.

    والكتاب الثالث في الفقه: المجموع للنووي وليته كمله لكن وصل رحمه الله، إلى باب الربا فكمله الإمام السبكي وغيره من الشافعية.

    الكتاب الرابع في الفقه: التمهيد لـابن عبد البر، قال: الذهبي في ترجمة ابن حزم في سير أعلام النبلاء أربعة كتب من جمعها، وأمعن النظر فيها وأتقنها فهو العالم حقاً، التمهيد لـابن عبد البر، والمحلى لـابن حزم، وسنن البيهقي، والمغني للحنابلة، هذا جانب الفقه.

    ومن الكتب الفقهية الحديثية التي لا بد أن تكون في بيتك ومكتبتك سبل السلام، للصنعاني ونيل الأوطار للشوكاني وإذا ضممت السلسبيل للبليهي وهو تعليق على زاد المستقنع فقد أحسنت أيما إحسان.

    أهم كتب العقيدة والتاريخ والتراجم

    أما في جانب العقيدة فعليكم بثلاثة كتب لا بد أن تكون في المكتبة: كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشروح هذا الكتاب، ومعارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، وما يدور حوله، وشرح الطحاوية لـابن أبي العز.

    ثم لا تنس كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، التي تكلموا فيها عن الأسماء والصفات، وعن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وفي القضاء والقدر، وفي مسائل المعتقد، هو وابن القيم، فاجمعها وهذا يكفيك في المعتقد.

    أما في التاريخ: فعليك بـالبداية والنهاية لـابن كثير فهو كتاب فياض، وإذا حصل في يديك تاريخ الإسلام للذهبي فهو مؤرخ الإسلام وعلامة الإسلام فحسبك به، وكل الصيد في جوف الفرى.

    أما في التراجم: فعليك بـسير أعلام النبلاء، فإنه من أحسن الكتب، وتذكرة الحفاظ للذهبي، والكمال لـعبد الغني المقدسي، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب.

    أهم كتب في الحديث وشروحه

    أما الحديث -والواجب أن يقدم بعد القرآن- فعليك بكتب في الحديث، أولها: الكتب الستة فلا بد أن تكون في بيتك، ومسند الإمام أحمد فمدار رحى الإسلام على هذه الكتب، ويكفي من ذلك جامع الأصول لمن أراد أن يكون متوسط العلم في الحديث، وهو لـابن الأثير، فإنه جمع الكتب الستة، وجعل مكان سنن ابن ماجة موطأ مالك، وأضف إلى جامع الأصول مسند الإمام أحمد، وفتح الباري، ولا هجرة بعد الفتح، فلا يفوتك أبداً.

    وشرح النووي على مسلم، وتحفة الأحوذي على الترمذي، هذه في جانب الحديث، ويضاف رياض الصالحين، وبلوغ المرام، الترغيب والترهيب، وزاد المعاد.

    والخلاصة كل كتب ابن كثير وابن تيمية وابن القيم تكون في مكتبتك.

    هذه مكتبتك، وهي لا تكلفك شططاً، وليست بالكثيرة، لكن كل خير ونفع وفائدة في هذه المكتبة، فإذا قرأتها وتدبرتها، وأمعنت النظر فيها، وراجعت المسائل فيها فأنت العالم، قرة عين لك.

    1.   

    التركيب الشخصي لطالب العلم

    .

    لباس طالب العلم

    قد يقول أحدكم: هذه مسألة خفيفة، كيف تتحدث في اللباس وهو أمر ظاهري لا ينبغي أن يعتنى به؟

    فأقول: إن أمر اللباس ليس بالسهل، فإن لطالب العلم لباساً خاصاً، لا: نقول إنه لباس خاص عن المسلمين؛ لكنه شارة في اللباس، واللباس ولو أن أمره سهل لكن له مدلولات، أولاً: اجتنب من اللباس ما يزريك من المحرم والإسبال في الثياب، ولبس الأحمر الذي فيه أنوثة وميوعة ودلال، ولبس الحرير؛ لأنه مُحرَّم، فهذه ونحوها تلحقك بالازدراء وعدم الاستقامة والالتزام، فهذا أمر لا بد أن تعرفه في اللباس، لكن تلبس اللباس الذي يتوسط فيه المسلمون، وحبذا اللباس الأبيض إلا للحاجة في صيف أو شتاء أو في غيره، فإنك تلبس ماتيسر، ويكون لباسك وسطاً مقتصداً لا يلحقك بالكبراء ولا بالمنجرين الشرهاء، بل وسطاً من الناس، وتكون معتنياً بهيئتك ولطافتك ونضرتك، وتسمى الأناقة، وبعض الناس أنيق ولو كانت ثيابه رخيصة، وبعضهم ولو كانت ثيابه كثيرة غالية لكنه مبعثر، يلبس الغالي لكنه يبعثر نفسه، فالأناقة والهندام من صفات طالب العلم.

    يضاف إلى ذلك، الطيب، والسواك، والبسمة الرقيقة الشفافة التي تظهر بشجاعة وعلو همة، وثقة بالنفس، فهذه تضاف إلى اللباس الذي لا يزري بك.

    ويراعى في الثوب النظافة والاقتصاد، وقد كان الإمام أحمد يلبس ثوباً بين ثوبين؛ لا غالٍ جداً ولا رخيص رخيص، وكذلك ابن تيمية قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143].

    فهذا أمر لا بد أن يتنبه له، ولا يقال هذه أمور عادية، لا، إن هذه قوادح كبرى، إن من يأتي يخطب الناس ويتكلم في الناس فيرون ثوبه مسبلاً يخط في الأرض لا يقبلون منه، وكذلك من يلبس أحذية أتت بها الموضات الجديدة وما رخص فيها أهل العلم ولا توافق السنة، فإن في ذلك غضاضة، وإن من يلبس أحمر يلحقه بأهل التعنت والتخنث لا يقبل، وإن من يتشبه بأعداء الله الكفرة لا يقبل، فليتأكد طالب العلم من اللباس فإن أمره خطير.

    معتقد طالب العلم

    ما هو معتقد طالب العلم؟

    أيعيش طالب العلم على هامش الأحداث؟ أليس له مبدأ يعتقده؟ أليس له عقيدة مضبوطة محددة معلومة، مسيرة له، متشادة العناصر والأواصر تأخذ أهدابها بأهداب بعض، معلومة في قلبه وواقعه وذهنه، لا يحد عنها قيد أنملة؟ هذا هو الواقع، والذي ينبغي لطالب العلم أن يكون معتقده معتقد السلف الصالح.

    فلا بد أن يكون طالب العلم سلفي المعتقد، في كل ما أتى به المصطفى صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة على مذهب السلف الصالح في الثلاثة القرون، فإنهم أعلم وأحكم وأسد وأسلم، لأن ابن تيمية ينقل أن بعض المناطقة والفلاسفة وأهل علم الكلام يقولون: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم وأعلم.

    فكذبهم رحمه الله وقال: بل طريقة السلف هي أسلم وأحكم وأعلم، وطريقة الخلف أظلم وأغشم، وليس فيها خير إذا خالفت طريقة السلف، وأنت مطلوب منك أن يكون اعتقادك اعتقاد القرون المفضلة، في الأسماء والصفات وفي غيرها، واعرف أن هذه البدع لا يقبلها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن أهلها مخالفون لـأهل السنة وهم مختلفون، بعضهم صاحب بدع طفيفة، وبعضهم كثيرة، وبعضهم صغرى وبعضهم كبرى، فـالأشاعرة ليسوا في الأسماء والصفات على مذهب السلف، ولا المعتزلة، ولا الجهمية ولا الرافضة، ولا المرجئة، ولا القدرية، ولا الخوارج، فكن سلفي المعتقد، تأخذ اعتقادك من معتقد السلف، وأحسن من كتب عن السلف ومعتقد السلف شيخ الإسلام ابن تيمية حيا الله ذاك الرجل، وحيا كتبه، هذا أمر لا بد أن ينبه عليه حتى يتأكد العبد.

    وأما أن يقول: ليس بيننا وبين العباد خلاف، بل خلاف وأي خلاف، ولماذا أقيمت المناظرة والمحاجة، وقام الغضب من أجل لا إله إلا الله، ومن أجل الأسماء والصفات إلا لهذه الأمور، الخلاف موجود لكن يختلف الخلاف من خلاف إلى خلاف، حجمه وتأثيره ومداه، فلا بد أن نعرف أن هذا أخطأ في هذه المسألة فيبدع فيها بحدها وبحجمها.

    السنن والنوافل في حياة طالب العلم

    طالب العلم حليته السنة وإذا تحلى بها رزقه الله قبولاً وإخلاصاً وقُبِلَ كلامه، والأصل فيه أن يجعل صورة الرسول على محياه، ولا يستصغر بعض السنن كاللحية, والأصل في طالب العلم أن يكون ذا لحية، ولا يقال أنتم لا تتكلمون إلا في اللحى وإسبال الثياب، فإنها من السنة، وهي جزئيات من حياتك، لتكون صورة كاملة، هذه حياتنا، وهذا مجدنا وهذا ديننا، وإسلامنا.

    والكافر الذي يتبع قادته وزعماءه يقلدهم ويتشرف بذلك، وزعيمك وقائدك محمد عليه الصلاة والسلام قصر الثوب، وأرشد إلى خصال الفطرة: وهي قص الشارب، وتقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والغسل، والنظافة والنقاء.

    ومن السنن: عند دخول البيت: باسم الله، والسلام على أهل البيت، والخروج مع السلام، والجلوس جلسة المصطفى عليه الصلاة والسلام، والأكل باسم الله، والقيام باسم الله، والنوم على السنة، والقيام على السنة، وقراءة كتب أعمال اليوم والليلة، والأذكار للنووي فإنها تعلمك السنة لتكون مطبقاً للسنة بارك الله فيك.

    أما نوافل طالب العلم، فأعظم نافلة بعد الفرائض طلبك العلم، وحفظك وبحثك وتحقيقك، فهذه نوافل تؤجر عليها، أنت تسهر على علم الحديث، وعلم الفقه، والتفسير، أو أي علم تنفع به الإسلام، وأنت أعظم من ذاك الذي يسهر في النوافل، يصلي ويركع؛ لأن نفعك متعدٍ للمسلمين، وخيرك عام للأمة، وأنت تحيي الأجيال وتريد نهضة الشعوب وردها إلى معين محمد عليه الصلاة والسلام، ذاك يصلي لنفسه، ويجمع الحسنات لنفسه، وأنت مأجور أكثر منه إذا أخلصت النية والمقصد.

    لكن لا بد أن يكون لك حد أدنى من النوافل تقتصد فيه، والحد الأدنى على حديث أبي هريرة، في الصحيحين، وفي السنن والمسانيد: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، لا أدعهن حتى أموت، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام} ولا بد أن يكون لك جزء من القرآن في اليوم أو ما يقارب جزءاً، لا يمر يومك إلا وتقرؤه، وتحافظ على الأذكار والتسبيح في الصباح والمساء.

    وصلاة الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر إذا استطعت ولم تضر بدراستك وامتحانك، وأن توتر قبل أن تنام، أو تؤخر الوتر إذا علمت أنك تقوم إلى السحر.

    ولتكن لك ابتهالات وخلوة مع الله في مناجاتك وعبادتك، ولك دعاء ورقة، حتى تكون هذه سنتك وأورادك، ليكون لك تأثير في الناس، لأن القلب إذا بقي على العلم ولم يكن له أوراد ونوافل جف القلب وقسا، وخمدت الروح فلا يكون لها إشعاع.

    الإنفاق من العلم

    العلم ينفق منه كما ينفق من المال، في كل أربعين شاة، هذا من الغنم، ولكن يقول بعض السلف: يا أهل العلم زكوا الحديث في كل مائتين حديث خمسة أحاديث، لأنه قرأ قراءة منهجية، أن الأحاديث العملية قليلة، وأحاديث الفضائل، وأحاديث الأخبار والسير والقصص كثيرة، فكلما مر بك حديث يقبل العمل فاعمل به فوراً.

    يقول الإمام أحمد: كتبت المسند فيه أربعون ألف حديث مع المكرر، وثلاثون بغير المكرر، وما من حديث مما يقبل العمل إلا عملت به، حتى إني وجدت حديثاً أن الرسول عليه الصلاة والسلام اختفى في غار ثور ثلاثة أيام فاختفيت في غار في بغداد ثلاثة أيام. والتطبيق يقع في الحال.

    ليس المسألة أن نمتحن وننجح إنما المسألة العمل بالعلم.

    سبحان الله! يعرض علينا الحديث في الصحيحين على السبورة، ويكتب ويشرح قوله صلى الله عليه وسلم: {من قال في يوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب، وكان له حرز من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجلاً عمل بعمله أو زاد عليه} ثم لا يعمل به أحد! إذاً فما فائدة حفظ الحديث واستنباطه إلا للعمل، ومعنى الإنفاق من العلم: أن تعلم به الناس.

    إن القرى تشكو إلى الله عز وجل من الجهل والبدع والخرافات والتقليد.

    لا يعرفون أوليات الإسلام وأساسيات الدين: كالغسل من الجنابة، والوضوء وكيفية الصلاة، والطلبة الجامعيون يملئون القرى، ولا يتصدر أحدهم ليقرأ بالناس أو يعلمهم.

    إن الناس لا يريدون عالماً متخصصاً يعلمهم بتصحيحات الأحاديث واختلافات أهل العلم، إنما يريدون علماً مبسطاً ميسراً، وأضعف واحد عندنا في هذه الجلسة يستطيع أن يكون عالماً مفيداً لبني قومه في قريته وضاحيته، ويوم تنفق يزيدك الله عز وجل: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان:17].

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددتا

    كل شيء ينقص إذا أنفقت منه إلا العلم، فكلما أنفقت منه زاد، ويأتيك كالسيل وكالبحر، كلما تحدثت وشرحت ولخصت ودعوت وخطبت، تداعت عليك الخواص، وأتتك إن شاء الله الفتوحات، وفتح الله عليك فأصبحت تسيل سيلاناً.

    التحذير من التسرع في الإفتاء

    التسرع في الفتيا مرض خطير، لعلك تجد شاباً في الخامسة عشرة من عمره، قد جلس ولف رجله وقال في المسائل الصعبة: الذي تطمئن إليه نفسي كذا وكذا، من أنت يـابن تيمية حتى تطمئن نفسك؟ من أنت يا مالك بن أنس حتى توصلت إلى هذا اللموع والإشراق في المسألة؟ يهز رأسه ويقول: أرى والله أعلم أن هذه المسألة فيها ستة عشر قولاً، فيقال: أعطنا القول الأول فيقول: نسيته.

    دخل أبو دلامة على الخليفة العباسي المهدي فقال: أتحفظ الحديث؟

    قال: طلبت الحديث أياماً.

    قال: حدثنا مما أعطاك الله.

    قال: حدثنا فلان عن فلان عن عكرمة عن ابن عباس أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {من حفظ خصلتين دخل الجنة} نسي عكرمة خصلة، ونسيت الثانية.

    وماذا استفدنا إذاً؟ إن الإجهاض الفكري والتصدر قبل حينه معناه الهضم والفشل والانهزامية، من تصدر قبل حينه، فاته التصدر في حينه.

    لأنه قد تأتي من المجتمع أسئلة كثيرة؛ فإذا قال: لا أدري كشف أوراقه، كلما أتته مسألة قال: لا أدري! لا أدري، حتى لو قال العوام: كيف يتوضأ المتوضئ؟ قال: الله ورسوله أعلم.

    كم صلاة الظهر؟ لا أدري. كم صلاة العصر؟ لا أدري.

    كم أركان الإسلام؟ لا أدري.

    فلماذا لبست العمامة والنظارة والعكاز أمام الناس؟

    قد يتوجه سؤال فيأتي الجواب قبل أن يكمل السؤال: الحديث ضعيف، الحديث حسن، الحديث صحيح، ويغضب ذاك على أن قاطعه ذاك بالجواب، نسأل الله العافية، وهذا هوى لا بد أن نخلص أنفسنا منه، فلا بد أن نتمهل في الفتيا، لأنها صعبة.

    قال رجل من التابعين: والله إنكم لتفتون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، وسأل رجل زيد بن ثابت في مسألة، فقال زيد: أوقعت؟ قال: لا. ما وقعت؛ لكن أسأل عنها لأنها ربما تقع، قال: اذهب، فإذا وقعت تجشمنا لك جوابها.

    وسئل علي بن أبي طالب عن مسألة فقال: لا أدري، وما أبردها على قلبي لا أدري!

    وسأل رجل ابن عمر: فقال: لا أدري قال: أقول: إن ابن عمر لا يدري، قال: اذهب وكل من لقيت فقل: ابن عمر لا يعرف شيئاً.

    وقال ابن عمر: أتجعلوننا جسراً إلى جهنم، إنسان يطلق زوجته ثم يأخذك بتلابيب ثوبك، لأنك فقيه في الشريعة ويريد أن تنقذه، فيربطك وينطلق، ثم يوم القيامة يأتي وليس عليه شيء، وأنت رددت له زوجته، وحللت له زوجته، كإنسان وقع في رضاعة مع زوجته فتفتيه فتقول: نتوكل على الله الفتاح العليم، هذا يجوز فليتزوج من فلانة، فيُحلّ ما حرم الله عز وجل، قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

    أتى رجل إلى الإمام مالك في أربعين مسألة، فأجاب عن ثمان مسائل ورد اثنتين وثلاثين مسألة، قال: يا مالك! أتفتي في هذه وقد ضربت لك أكباد الإبل من العراق إلى هنا، قال: ما أعرف إلا هذه، ارجع إلى الناس وقل: مالك لا يعرف.

    لكن الوعظ والدعوة غير الفتيا، الفتيا لها أناس، من بلغ في العلم مبلغاً عظيماً فليفت، وأما الدعوة فكل إنسان يدعو بما عنده، ولا يلزمك إذا خطبت الجمعة، أو ألقيت درساً أو محاضرة أن تفتي الناس، أو أفت فيما تعرف، ولا تفت من عندك، بل إذا لم تعرف فقل: لا أدري والله أعلم.

    وأما التصدر فمرض خطير، وهو أن يأتي إنسان في أول الطريق فيتصدر، وهو محمود من جانب ومذموم من جانب، أما حمده فإنه من قوة الهمم، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] قال عثمان بن أبي العاص في سنن أبي داود يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، قال: {أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً} فمن إبداعك وعلو همتك أن تكون إماماً أو خطيباً أو محاضراً أو متحدثاً، فهذا من إشراقك وإبداعك وروعتك، لكن الخوف أن تعطي نفسك أكثر من حجمها، فربما يصح أن تكون خطيباً لكن لا تقل: أنا مفتي الزمن! أنا فريد العصر! أنا درة الدهر! أنا بركة الوقت! قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:3].

    فليتدرج تدرجاً، ولا يعطي نفسه أكثر من حقها ولا يهضمها، لأنه إذا هضمها وسوس له الشيطان، يجلسه في زاوية ثم يقول له: لا تفت ولا تحدث ولا تخطب، فتبقى الأمة في جهل.

    خلق التواضع في طالب العلم

    أعظم خلق لطالب العلم: التواضع، قال: بعض السلف: حق على طالب العلم أن يحثي بالتراب على رأسه من التواضع.

    مر إبراهيم بن أدهم بقرية، فأتت امرأة برماد تريد أن تلقيه بالمزبلة، فألقته فوقع على رأس إبراهيم بن أدهم، فأتى أهل القرية يعتذرون منه، فقال: رجل استحق النار؛ إذا صولح بالرماد فهو رابح، يقول: أنا أستحق النار عند الله، وأنا صولحت على الرماد في الدنيا، فماذا عليّ؟

    ومرة زاحم رجلاً في الطريق فأخذ هذا الرجل العصا وضرب إبراهيم بن أدهم على رأسه، وقال: إنك رجل سوء، قال: إبراهيم بن أدهم: ما عرفني إلا أنت، وسكت.

    وقالوا عن عمر بن عبد العزيز: إنه ذهب يصلي صلاة الليل في الجامع الأموي -وهو خليفة زاهد، مجدد الأمة الإسلامية في القرن الأول- ذهب يصلي في ظلام الليل ولم يكن هناك سراج، فذهب وصلى وهو يبكي، فلما انتهى من صلاته ذهب ليعود إلى بيته، فوطئ رجلاً وهو نائم، فقام الرجل فقال: يا حمار! قال: أنا لست بحمار أنا عمر بن عبد العزيز وذهب. فهذا هو التواضع.

    وزاحم سالم بن عبد الله رجلاً في منى فقال له الرجل: يا مرائي يا منافق، قال: ما عرفني إلا أنت.

    وقالوا للإمام أحمد -إمام أهل السنة والجماعة الذي شيعه مليون وثمانمائة ألف في بغداد - قالوا له وهو يحمل الحطب في السوق: نحمل الحطب عنك، فاحمر وجهه وقال: نحن قوم مساكين لولا ستر الله لافتضحنا.

    سفيان الثوري حصد الزرع بالمنجل وأخذ أجرة، والإمام أحمد كان يلقط السنابل ويضعها في مكتل بأجرة، وكان زكريا عليه السلام -كما يقول ابن كثير - يخيط، فكانوا يقولون: كان لا يدخل الإبرة من ثقبها إلا ويقول: سبحان الله! قالوا: فأوحى الله إليه: يا زكريا! لقد رفعتك مكاناً علياً، قال: بماذا يا رب؟ قال: انظر إلى صحائف العباد كل مساء، فإن صحيفتك أعظمها عملاً} تسبيح وتهليل وتكبير، فالتواضع من سيما طالب العلم.

    وكلما نزلت إلى التراب كلما رفعك الله، والغبار أخف شيء يرتفع، لكن قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

    إذا مات الكلب في البحر طفا على الساحل، أما الجواهر والدرر فإن الغواص ينزل لها بكلفة، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه، وكلما أراد الإنسان أن يرتفع وضعه الله، وقال: اخسأ فلن تعدو قدرك، ولكن المتواضع كلما تواضع قال: ارتفع رفعك الله، انتعش نعشك الله.

    الشجاعة وعلو الهمة

    ومنها الشجاعة في طالب العلم: شجاعة في الحوار بأدب، فلا يقول للمخطئ صدقت وأحسن الله إليك، وبارك الله فيك، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا أمر خطأ، يأتي الأستاذ بمعتقد أهل البدع والجهمية ويقول: فتح الله عليك يا شيخ! لا. عليك أن تكون شجاعاً وتقول: يا أيها المعلم! يا شيخنا! أنت أعلم مني، لكن هذا خطأ، هذا رأي ابتداعي، فإن رأيته يأتي بمسألة يبيح فيها ما حرم الله، فتوقفه عند حده بأدب، أو يأتي بقضية مجاملة ومداهنة ورياء وسمعة، أو ترى عليه معصية فتنبه عليه، أو تكتب له ورقة بأدب، أما النفس الإنهزامية والفاشلة.. فهذه نفوس اليهود؛ أهل السوط والاستعمار، ضربهم هتلر على رءوسهم حتى أصبحوا بهائم، يسكتون أبداً، هز رءوس فقط.

    ومن خلق طالب العلم: علو الهمة، فلا يقول أحفظ كتاباً، وأفهم كتاباً، لا. بل يجعل في ذهنه أن يصلح الكرة الأرضية، حتى استراليا يكون مصلحاً لها، ومن ذا حجبك عن أبواب الخير؟

    إذا أعجبتك خصال امرئ     فكنه يكن فيك ما يعجبك

    فليس عن المجد والمكرمات     إذا رمتها حاجب يحجبك

    فلتكن همتك أكبر، لتكون علامة في العلوم وموسوعة فيرزقك الله على قدر همتك.

    أيها الإخوة الفضلاء! يا طلبة العلم النبلاء! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وهذه حلية طالب العلم، وقد بلغت، وأسأل الله أن ينفعني بها أولاً، ثم ينفعكم بما سمعتم، ويجعل طلبة العلم على ما يحبه الله ويرضاه قادة وسادة وموجهين ومربين ومعلمين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.