إسلام ويب

الأسد في براثنهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للإسلام رجال بذكرهم توقظ الهمم وتحيا القلوب، وفي قصصهم عبرة، وفي هذا الدرس قصة لأسد من أسود الإسلام، وزاهد من زهاده، ورجل من كبار رجاله، ألا وهو سعد بن أبي وقاص.

    1.   

    من هو الأسد في براثنه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها المسلمون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، في هذا الأسبوع الأخير من شهر محرم مساء يوم السبت لعام 1413هـ أحييكم بتحية الإسلام الخالدة، وعنوان هذا الدرس: "الأسد في براثنه".

    عرض عام لأهم مواقف الأسد (سعد بن أبي وقاص)

    من هو الأسد في براثنه؟ ومن هو الذي استحق هذا اللقب حتى أصبح يعرف به، فإذا أطلق الأسد في براثنه انصب اللقب عليه، فأصبح تاجاً على رأسه؟

    إنه الرجل الذي أثبت للتاريخ أن قوة الإيمان أعظم من صولة الطغيان، وأن تكبيرات المؤمنين أدهى من مدافع الملحدين.

    إنه الرجل الذي افتتح خطبته في القادسية أمام الجيش بقوله: [[بسم الله الرحمن الرحيم وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]]] إنه الرجل الذي قال لجيشه: [[اعبروا النهر بإذن الله]] فلما أرادوا أن يعبروا النهر تلكئوا، ووقفوا قال: [[يا خيل الله اركبي]] فركب النهر فجمد النهر حتى أصبح يابساً كالتراب.

    إنه الذي دخل إيوان كسرى يهتف منتصراً: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان:25-28].

    إنه الرجل الذي أطفأ نار المجوس التي كانت تعبد من دون الله، وحول العراق إلى أمة تعبد الله وحده، وتقول: لا إله إلا الله وتتجه إلى الله..

    فالنار خامدة الأنفاس من أسف     والنور يهتف في الأسواق من طرب

    يا هازم الفرس هذا يومك انبلجت     أنواره بصليل الهول والقضب

    من هو؟

    إنه الرجل الذي رآه عليه الصلاة السلام بين الناس، فقال: {هذا خالي فليرني كلٌّ خاله} والمعنى: من كان عنده خال كهذا الخال فليخرجه لنا، وهو تحدٍ معناه: من كان عنده من الخئولة كهذا الرجل فليرنا خاله، هذا الرجل هو أول من رمى بسهم في سبيل الله على أعداء الله، فمن هو هذا الرجل؟

    هذا الرجل هو الذي كان الرسول عليه الصلاة السلام يحمل له الأسهم في أحد ويقول حين يسلم له السهم ليرمي: {ارم سعد؛ فداك أبي وأمي}.

    الأسد هو سعد بن أبي وقاص

    إذن هو أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة، أحد الذين رشحوا للخلافة، فترك الخلافة والملك وخرج بضأنه إلى الصحراء يرعاها، ويقول: إني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي}.

    السلام على سعد بن أبي وقاص، سلام الله عليه يوم أسلم، وسلام الله عليه يوم يموت، وسلام الله عليه يوم يبعث حياً، اللهم اجمعنا بـسعد بن أبي وقاص في جنات النعيم، واجعلنا ممن يتبع نهجه.

    آثاره وقصصه وما يستفاد منها

    أيها الإخوة الفضلاء: أحاديثه عطرة، وسيرته مجيدة، وسوف تكون هذه المحاضرة على شقين:

    الشق الأول: ما ورد فيه من آثار وقصص، وسوف أسردها سرداً مع بعض التعليق، وأعتني بتخريج أحاديثها إن شاء الله، وبعزوها إلى مصادرها في كتب الأحاديث والسير والتراجم.

    الشق الثاني: ماذا نستفيد من القصص العجيبة لهذا الرجل، الذي هو من رجال الأمة الخالدة المجيدة، وتلميذ من تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم، وبطل من الأبطال، فتح العراق ودكدك فارس، وقاد المؤمنين في معركة من أعظم معارك الإسلام، قادهم في القادسية، إنها قادسية (لا إله إلا الله) وليست قادسية الرافضة والبعث؛ حاشا وكلا!!

    لشتان ما بين اليزيدين في الندى     يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم

    1.   

    مقتطفات من سيرة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

    روى الإمام أحمد والحاكم وابن جرير والبزار وابن مردويه أن سعداً رضي الله عنه مر على عثمان بن عفان فسلم عليه، فلم يرد عليه عثمان السلام، وهذه في خلافة عمر، فذهب سعد إلى عمر وكانوا يعيشون على الصراحة وعدم المجاملة والنفاق، وعلى البعد عن المراءاة، والتزكية والتلميع والتطبيل والدجل.

    ذهب إلى عمر وهو أمير المؤمنين فاشتكاه وقال: يا أمير المؤمنين! سلمت على عثمان فلم يرد السلام، فاستدعاه عمر، وقال: سلم عليك أخوك فما رددت عليه السلام؟ قال: والله ما رأيته ولا سمعته، قال: يا سعد! ما هذا؟ قال: والله لقد سلمت عليه ومررت به فما رد عليَّ السلام. فقال: ما هذا يا عثمان؟ قال: يا أمير المؤمنين! أنا واله، غشي بصري وقلبي أمرٌ الله أعلم به، حتى إني أذهل كثيراً فلا أعلم من يسلم علي ومن يمر بي، قال: وماذا أذهلك؟ قال: كلمة سمعتها من الرسول صلى الله عليه وسلم ما حفظتها، من قالها أدخله الله الجنة وأنجاه من النار. قال عمر: ما هذه الكلمة؟ قال سعد رضي الله عنه: أنا يا أمير المؤمنين! أعرف هذه الكلمة، قال: ما هي؟ قال: (بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى بيته وإذا أعرابي وراءه يسعى يقول: يا رسول الله! أخبرني بكلمة تدخلني الجنة وتباعدني عن النار، قال: هي دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فهذا موقف، وهو علم تلقاه عثمان من سعد رضي الله عنهم وعاد الصفاء.

    أول من رمى سهماً في سبيل الله

    قال علي بن أبي طالب: [[ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحداً من الناس بأبويه إلا سعد بن أبي وقاص]] لم يقل عليه الصلاة والسلام لأحد من الناس (فداك أبي وأمي) لا لـأبي بكر ولا لـعمر ولا لـعثمان ولا لـعلي إنما قالها لـسعد، وتصوروا أن يأتي عليه الصلاة والسلام وهو أشرف البشرية ويقول: (فداك أبي وأمي) إنها هبة كبرى، إنها قضية جليلة، إنه عطاء لا يماثله عطاء، روى هذا الحديث البخاري والترمذي وأحمد ومسلم وابن ماجة.

    وعند المسعودي في التاريخ قال: أول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص، ولله دره كان رامياً حاذقاً، ترتيبه الأول في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في الرمي، كان صلى الله عليه وسلم يقول لـسعد: {اللهم أجب دعوته وسدد رميته} فكان إذا دعا أتت الإجابة من السماء كفلق الصبح، وكان إذا رمى لا تخطئ رميته، حتى يقول بعض الناس: إني لأظن سعداً لو رمى في المشرق يريد المغرب لأوقعها الله في المغرب، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ولكم أن تعودوا إليه: من العجائب أن سعداً رمى بسهم ثلاث مرات يقتل بكل سهم ويعود السهم إليه ويرمي به. أي: كان يأخذ سهماً فيرمي به في المشركين فيقتل رجلاً، فيأخذ المشركون السهم فيعيدونه لـسعد فيرمي به فيقتل به مرة ثانية، فيعيدون له السهم فيقتل ثالثة.

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم في معمعة المعركة والسيوف تندر بالرءوس، والرماح تعبث في الأكتاف، والرسول صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه، لماذا يضحك؟ كان رجل من المشركين يرمي المسلمين ويترس على وجهه لئلا يأتيه رمي، فأخذ سعد سهماً فكشف الرجل عن جبهته فرماه سعد فوقعت الرمية في جبهته فقتله، قال صلى الله عليه وسلم: {فداك أبي وأمي}.

    هو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وسوف تأتي أبياته وهو يتمدح بهذا التوفيق من الله عز وجل على أن سدد سهامه في سبيله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، بل قال أهل التاريخ: ما أخطأ سعد بسهم. أي سهم يطلقه لا يقع إلا بلحم لكافر بإذن الله.

    النبي يفتخر بخاله سعد

    وعند الحاكم والترمذي وحسنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {هذا خالي فليرني كل خاله} وسعد زهري وآمنة أم الرسول صلى الله عليه وسلم زهرية، فهي بنت وهب، وهي بنت عم أبي وقاص أبو سعد رضي الله عنه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {هذا خالي} هذا الزهري هو من خئولتي ولكن ليس لكم أخوال كخالي، أما أنا فشرفت عليكم بأن خالي سعد، ولذلك يقول له عمر بن الخطاب وهو يذهب إلى القادسية بجيش قوامه ثلاثون ألفاً يعبدون الله يقول: [[يا سعد بن مالك! لا يغرنك أنك خال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب]] يقول: لا تغتر، فالله يوم القيامة لا يعفو عنك إذا أخطأت بغير اجتهاد، ولا يقال لك يوم العرض الأكبر: إنك خال الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه الخؤولة تصلح في الدنيا أما في الآخرة فما يصلح إلا العمل الصالح.

    كان عليه الصلاة والسلام يؤكد على هذا الجانب، فيقول: {يابني هاشم! لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم يوم القيامة، من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه} أين الأسر والأنساب؟ أين القبيلة التي يدعيها بعض الناس؟ لا. هي تصلح في الدنيا فلقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم شرف ورفعة: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23].

    وذكر مسلم في الصحيح والطبراني في المعجم قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ارم سعد، فداك أبي وأمي} قال فنزعت سهماً ليس فيه نصل، والسهم لا يصيب إلا بنصل، وإلا فهو كالرصاصة التي ليس فيها بارود، لكن أراد الله أن يسدد رميته كما قال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] قال: فأصبته وانكشفت عورته فضحك عليه الصلاة والسلام. يقول أهل العلم لا يدرى هل ضحك صلى الله عليه وسلم لأن السهم ليس فيه نصل فأصاب، أو لأن الرجل هذا وقع على ظهره فشفى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بقتله صدور المسلمين.

    يقول سعد كما عند ابن هشام في السيرة والحاكم في الإصابة وعند ابن سعد في الطبقات:

    ألا هل أتى رسول الله أني     حميت صحابتي بصدور نبلي

    فما يعتد رامِ من معدٍ     برميٍ يا رسول الله قبلي

    أي: معد، وهي من قبائل العرب ليس فيها أرمى مني يا رسول الله! إذا وجدت في العرب من هو أرمى مني فأخبرني به، قال هذه القصيدة حين أرسله صلى الله عليه وسلم إلى رابغ وأرسل معه جيشاً، فلما وصلوا إلى هناك تبددت بهم الشمس والجوع والظمأ، فعاد الجيش إلى المدينة، قال صلى الله عليه وسلم: من أذن لكم ومن أميركم؟ قالوا: سعد بن أبي وقاص، قال: أذن لكم بالرجوع؟ قالوا: لا. قال: عودوا إليه، فعادوا إليه، فهجم عليهم جيش من جهينة فخرج سعد رضي الله عنه في الصحراء ومعه جعبة مليئة بالأسهم فأخذ يقتل جيش أولئك ثم قال:

    ألا هل قد أتى رسول الله أني     حميت صحابتي بصدور نبلي

    فما يعتد رامٍ من معدٍ     برميٍ يا رسول الله قبلي

    وعاد رضي الله عنه.

    وعند البخاري ومسلم والترمذي والحاكم، كان الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان قريباً من خيبر، وقال بعض أهل العلم: كان بـالمدينة قبل أن تنزل يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] وكان عليه الصلاة والسلام يريد حراسة؛ لأن الحاقدين عليه كثير، والذين يطمعون في دمه صلى الله عليه وسلم أكثر، قال: {ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني هذه الليلة، قالت عائشة: فما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه إلا وقرقرة السلاح عند الباب، قال صلى الله عليه وسلم: من؟ قال: سعد بن أبي وقاص، قال: بارك الله فيك، فحرسه حتى الفجر} فأنزل الله بعد الفجر يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] بلِّغ الرسالة وأدِّ الأمانة ولن تقتل، بلغ الرسالة وأوضح المنهج واشرح الكتاب ودرس الطلاب وأخرج التلاميذ ولك علينا عهد وميثاق ألا يصل إليك أحد، ولن تغتال ولا يقتلك أحد فلا تمش في حراسة..

    نصرت بالرعب شهراً قبل موقعةٍ     كأن خصمك قبل القتل في حلمِ

    إذا رأوا طَفَلاً في الجو أذهلهم     ظنوك بين بنود الجيش والحشم

    وإن أتوك ضيوفاً يطلبون قرى     رأوك بحراً يعم البيد بالديم

    أنسيتهم حاتم الطائي ومحتده     وحدثوا كلهم بالبخل عن هرم

    بلِّغ الرسالة ولا تخش أحداً، تعرض عليه الصلاة والسلام لإحدى عشرة محاولة اغتيال باءت بالفشل، والسبب: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] يصل إليه الحاقد بالسيف فيلمع بارق من السماء فيقع سيف الحاقد في الأرض، يأتي أبو جهل بصخرة، فإذا هو يخيل إليه أن بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم جملاً يريد أن يهيج عليه، فيلقي الصخرة ويفر.

    يقول صلى الله عليه وسلم: {اللهم اكفني فلاناً بما شئت} فتنزل عليه صاعقة تحرقه وتحرق جمله، يأتي ابن أبي لهب فيقول: {اللهم سلط عليه كلباً من كلابك} فيأكله الأسد، قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    سعد يعتزل الفتنة

    اختصم بعض الصحابة على بعض الأمور التي لا يسلم منها المسلمون، فخرج سعد إلى الصحراء في مسألة علي ومعاوية رضي الله عنهما، فلحقه ابنه عمر بن سعد بن أبي وقاص، هذا ابنه عمر شارك في قتل الحسين بن علي، الله المستعان! لحق أباه فلما رآه سعد أقبل على جملٍ قال: [[اللهم إني أعوذ بك من شر هذا الراكب]] فأتاه في الصحراء، وسعد في الصحراء يرعى غنمه، هذا الرجل الذي فتح القادسية، ودمر إمبراطورية كسرى دولة فارس فحطمها في الأرض، هذا الرجل الذي هو مهيأ للخلافة صراحة، وقال: [[والذي نفسي بيده، إني أولى بالخلافة مني بهذه الجبة]] وصدق، فيأتي ابنه ويقف أمامه ويقول: [[يا أبتاه! ترعى الضأن والناس يختصمون على الملك؟ قال: اغرب عني، فإني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي}]] وهذا الحديث رواه مسلم وأحمد.

    قام رجل في المسجد في الكوفة يسب علي بن أبي طالب وعلي قد مات، رجل من المهرجين الدجاجلة الذين يلغون في أعراض الصالحين

    فقل للعيون الرمد للشمس أعين     تراها بحق في مغيب ومطلعِ

    وسامح عيوناً أطفأ الله نورها     بأبصارها لا تستفيق ولا تعي

    قام رجل يسب علي بن أبي طالب -علي (والذي لا إله إلا هو) أننا نفتخر أن نذكره في المجالس، علي بن أبي طالب الذي هو تاج على رءوس الأمة- فقال سعد وهو في المسجد: لا تسب أخي. قال: والله لأسبنه. فقام سعد في طرف المسجد وصلى ركعتين وقال: اللهم اكفنيه بما شئت. فأرسل الله جملاً من الكوفة -أمام الناس- فأتى الجمل فاعترض الرجل عند بلاط المسجد، فضرب الرجل برجله فأسقطه على الأرض، وإذا نخاعه على البلاط ميتاً]] أليست هذه إجابة للدعوة؟ رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود وأبو نعيم في الحلية وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء.

    1.   

    من البشارات لسعد

    البشارة بالشهادة

    خرج عليه الصلاة والسلام إلى جبل أحد، الجبل الذي يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحبه الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يقول صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: {أحد جبل يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة، وعير وثور من جبال النار} ففي الجبال جبال تحب المؤمنين ويحبها المؤمنون، ومن الجبال جبال تكره المؤمنين ويكرهها المؤمنون، وهذا في الشجر وفي الحيوانات والعجماوات فضلاً عن الناس.

    صعد صلى الله عليه وسلم على جبل أحد، فاهتز الجبل بإذن الواحد الأحد، وروى هذا أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم والطبراني في المعجم الكبير، فاهتز الجبل من أوله إلى آخره، قال صلى الله عليه وسلم: {اثبت أحد، فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد} وكان سعد بن أبي وقاص معه مع بعض الصحابة، يقول: لماذا تهتز فإن فوقك نبي أو صديق أو شهيد؟ فكان النبي هو محمد صلى الله عليه وسلم، والصديق أبو بكر والشهيد عمر وعثمان وعلي وسعد، ولذلك غالب الصحابة مات شهيداً مذبوحاً في سبيل الله، وما مات منهم حتف أنفه إلا القليل؛ لأنهم يأنفون أن يموت الواحد منهم هكذا، حرمت عليهم الميتة.

    يقول سعد عند أحمد والبخاري ومسلم: {رأيت رجلين عن يمين الرسول صلى الله عليه وسلم وعن يساره يوم أحد عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد قتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد} رجلان عليهما ثياب بيض وعمائم بيض من الملائكة نزلا يقاتلان عن يمين الرسول صلى الله عليه وسلم وعن يساره، قال أهل العلم: في هذا كرامة لـسعد رضي الله عنه، فإن الذي يرى الملائكة أو تصافحه، أو تسلم عليه، أو يسمع كلام الملائكة يكون هذا دليل على صدق إيمانه، وقل لي بربك إذا لم يكن سعد بن أبي وقاص صادق الإيمان فمن من الناس يكون صادق الإيمان؟ من من البشر يرقى إلى هذه المنزلة العظيمة؟

    البشارة لسعد بالجنة

    وعند الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي أن الرسول عليه الصلاة السلام كان مع الصحابة في المسجد وهم جلوس، قال: {يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة فدخل سعد بن أبي وقاص} وكثير من شراح الحديث يقولون: هو المقصود بالحديث المشهور أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {يدخل عليكم رجل من هذا الباب} فدخل سعد في الثلاثة الأيام، فذهب بعض الصحابة إليه فرأى صلاته كصلاة الناس، وصيامه كصيام الناس، وذكره كذكر الناس، فسأله فقال: [[ما بت ليلة من الليالي وفي قلبي حسد على أحد أو حقد على أحد]] كان سليم الصدر لا يحقد على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يحمل غشاً لهذه الأمة، إنما هو ناصح محب يريد الله والدار الآخرة.

    ما نزل في سعد من الآيات

    قال سعد رضي الله عنه: [[نزل فيَّ وفي ابن مسعود وفي ستة معنا قول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]]] روى هذا الحديث مسلم وابن ماجة وأحمد والنسائي وابن جرير وابن حبان والحاكم والبيهقي وابن المنذر وابن مردويه، وهؤلاء الثمانية أو السبعة كانوا فقراء مساكين منهم سعد {فأتى المشركون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا نجلس معك حتى تطرد هؤلاء الفقراء والضعفاء من مجلسك، وتهيئ لنا مجلساً آخر، فَهَمَّ عليه الصلاة والسلام أن يطردهم، فأنزل الله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]}.

    وفي هذا درس: أن الفقراء وأهل المسكنة والحفاة العراة من البشر هم أهل النصر والتوفيق، والواجب على المسلم أن يزورهم، وأن يحبهم، وأن يأنس بهم، وأن يطلب الدعاء منهم، قال عليه الصلاة والسلام كما في السنن بسند صحيح: {ابغوني ضعفاءكم فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم} فعلى المسلم ألا يزدري كبار السن ولا الفقراء ولا المساكين ولا الذين ينامون في الصحاري، ولا الذين يلتحفون السماء، ولا الذين يجوعون ويبكون ويعرون ويضمئون، عليه أن يعتني بهم كثيراً فإن دعاءهم أرجى عند الله من دعاء الأغنياء والمترفين والمصدرين والوجهاء، فإنهم أهل الله وخاصته، وأقرب الناس إليه.

    هذا درس عظيم من دروس أهل السنة قال الله عز وجل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] لا تطع هؤلاء الذين لا يحضرون الدروس ولا يعتنون بالكتاب والسنة، ولا يحبون رسالتك وأولياءك، ولا يستمعون لدعاتك وعلمائك، ولا تلتفت إليهم، ولا تعرهم سمعاً ولا تنصت لهم، هؤلاء أمرهم في تبار، وسعيهم في نكال، وأمرهم إلى بوار، وهؤلاء أمرهم مدبر، هؤلاء مهما فعلوا ومهما صنعوا ومهما دبجوا فهم منتهون تماماً، هذا درس من الدروس نعيشه مع الأسد في براثنه.

    [[قال أبو إسحاق سعد رضي الله عنه -وهو الأسد في براثنه- نزلت فيَّ هذه الآية: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [لقمان:15]]] رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، ما هو السبب في الآية؟ كانت أم سعد مشركة، وأسلم ابنها كما يهتدي الابن وتضل أمه أو أبوه، فقالت: ما هذا الدين الذي اعتنقته؟ قال: دين الحق يأمرني بالصلاة والصدق والشكر والعفاف والطهر. فأقسمت وحلفت لا تأكل الطعام حتى يعود عن دينه، فأضربت عن الطعام -والإضراب عن الطعام قديم بقدم أم سعد - فتركها فأمست ليلة لم تتعش ولا أفطرت ولا تغدت ومرت بها ليلة أخرى حتى أصبحت ترى الواحد اثنين والثلاثة أربعة، وظنت أنها بهذا الإضراب تضغط على إنسان أصبح يحمل هموم الدنيا، وأصبح منتظَراً منه أن يفتح دولة في شمال الجزيرة العربية، ويدهده رءوس المشركين في القادسية، أي: تهدده بالإضراب عن الطعام، أو بمنع النفقة كما قالوا: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7] الضغط بالتشويه المتعمد الحقير، الضغط بمحاصرة الفكر والرأي، وقفت منه هذا الموقف، وجلس أمامها وهو شاب في التاسعة عشرة من عمره، وقال: [[يا أماه! والذي لا إله إلا هو لو أن لك مائة نفس -هكذا في صحيح مسلم - فخرجت واحدة بعد واحدة ما عدت عن ديني أو تموتين]] فالمسألة ليست جبر خواطر ومجاملة، أدخل في الإسلام وأعود في الشرك بعد أن طهرني الله ورفع رأسي وأكرمني، والله لو كان عندك مائة نفس، تتقافز الأنفس أمامي كالشرر أو كحباب الماء ما عدت؛ فكلي أو اتركي، فأكلت؛ لأن المسألة جد فأنزل الله وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [لقمان:15] ولكن وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] جزى الله سعداً خير الجزاء، وهذا درس إلى الذين يعيشون العناء مع والديهم أو إخوانهم الكبار أو أسرهم أو قبائلهم، فيعيشون معاناة لأنهم اهتدوا، ويوصمون بالتزمت والتطرف والأصولية وعدم الوعي والمشاغبة، هذا درس لهم.

    ليعش ديني ومعبودي لي     فكلي إن شئت أو لا تأكلي

    مرضه في مكة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالشفاء وحديث الوصية

    يقول سعد أبو إسحاق -الأسد في براثنه-: اشتكيت في مكة فزارني عليه الصلاة والسلام -وشرف له أن يتحدث بها في مذكراته وهو في آخر عمره، وهذه المذكرات يسجلها للناس، بعد أن فتح وبعد أن جاهد وضحى، وأصبح في آخر عمره، ومات الرسول صلى الله عليه وسلم وأصبح يقص على الناس قصصه- قال: {زارني صلى الله عليه وسلم حين مرضت في مكة، فلما أتاني وضع يده على صدري، فوالذي لا إله إلا هو إنه ليخيل إلي الآن أني أجد برد يده على كبدي} -وذلك بعد أربعين سنة- يقول: والذي لا إله إلا هو إنه ليخيل إلي الآن أنني أجد برد يده على كبدي.

    ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه     من المسك كافوراً وأعواده رندا

    وما ذاك إلا أن هند عشية     تمشت وجرت في جوانبه بردا

    الحديث رواه البخاري وأحمد ومسلم والنسائي، قال له صلى الله عليه وسلم: {اللهم اشف سعداً} فشفاه الله.

    وفي الزيارة تلك أو غيرها أسف سعد وقال: يا رسول الله! إني صاحب مال ولا يرثني إلا ابنة، فماذا أفعل بمالي؟ وكان في مكة بعد أن هاجر إلى المدينة، فعاد إلى مكة حاجاً أو فاتحاً فمرض، قال: { يا رسول الله! أتصدق بكل مالي؟ قال: لا. قال: فالشطر؟ قال:لا. قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير} قال ابن عباس: [[وددت أن الناس في الوصية خفضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن الرسول عليه الصلاة السلام قال: الثلث كثير]] ثم قال عليه الصلاة والسلام: {إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس} لا تذهب المال، لا تنثره نثراً، لا تفرقه في الناس ويبقى أبناؤك وبناتك بعدك فقراء يقفون على بيوت الأغنياء، كن عزيزاً واجعلهم أغنياء، اجمع المال من الحلال، أما التصوف الهندوسي الذي أدخلوه علينا فلا نعترف به، هذا ليس من كيس محمد صلى الله عليه وسلم، بل جاء من مزدك، وجاء من طاغور وليس من محمد صلى الله عليه وسلم، عندنا في الإسلام اجمع المال حلالاً واترك ورثتك أغنياء شرفاء رفعاء لا يمدون أيديهم للأغنياء، هذه مسألة.

    وفي الحديث: { قال سعد: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي؟ -أي: يقول: أموت في مكة وأنا هاجرت إلى المدينة؟- قال: لا. لعله أن يطول بك عمر فينتفع بك قوم ويضرُّ بك آخرون، اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم؛ لكن بئس سعد بن خولة} يرثى له صلى الله عليه وسلم إن مات في مكة، حديث متفق عليه. والمعنى: لن تموت في مرضك هذا، بل سوف يطول بك عمر -إن شاء الله- وينتفع بك قوم، قال أهل العلم: والله لقد انتفع به الملايين، فنحن الآن منتفعون بـسعد، فإنه فتح لنا جبهة في الشمال ودمر دولة عاتية كادت تأخذ الجزيرة العربية ضحى، وسحق جماجم الطغاة والبغاة، ونشر العلم هناك رضي الله عنه قال: {ويضرُّ بك آخرون} والله قد تضررت به فارس وتضرر به الدجاجلة عباد النار حين أوقعهم في النهر بالعشرات، ثم سحقهم سحقاً، فهذا من التضرر.

    دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بإجابة دعوة سعد

    روى الحاكم في المستدرك والترمذي وابن حبان والبزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اللهم استجب لـسعد إذا دعاك} فكان إذا دعا استجاب دعاءه، حتى أعداؤه كانوا يخافون منه إذا رفع يديه، ويقولون: اتق الله فينا ولا تدع علينا، وسوف يأتي معنا سبب هذا الدعاء وإجابة الدعاء، وأن السبب العظيم فيه طيب المطعم، وفي بعض الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: {يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك} فكان دخل سعد ومطعمه وملبسه ومشربه حلالاً، فاستجاب الله دعاءه.

    روى ابن سعد في الطبقات والحاكم في المستدرك وصححه قال سعد رضي الله عنه: حضرت أنا وعبد الله بن جحش في أحد -وهو أول من أطلق عليه اسم أمير، حيث أرسله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة ليقاتل تجاه ساحل البحر الأحمر وقال: {والذي نفسي بيده لأرسلن معكم رجلاً صبوراً على الجوع والعطش} فأرسل عبد الله بن جحش وسماه أميراً- قال: [[حضرت أنا وعبد الله بن جحش فقال لي عبد الله: تعال ندعو الله يا سعد قبل المعركة، قال: فأما أنا فقلت: اللهم إني أسألك هذا اليوم أن تلاقي بيني وبين عدو لك كافر شديد حرده، قويٌ بأسه فأقتله وآخذ سلبه، قال: فقام عبد الله بن جحش بعدي وقال: اللهم إني أسألك هذا اليوم أن تلاقي بيني وبين عدو لك شديد حرده، قوي بأسه، فيقتلني، فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذني، فإذا أتيتك يوم القيامة قلت لي: يا عبد الله! لماذا صنع فيك هذا؟ فأقول: فيك يا رب، قال سعد: فوالله ما انتهينا من المعركة إلا وقد قتلت كافراً وأخذت سلبه، وأتيت وإذا عبد الله بن جحش قد قتل وبقر بطنه وجدع أنفه وفقئت عيناه ورأيت أذناه معلقة بخيط]] قال سعيد بن المسيب معلقاً: اللهم أتمم له ما سأل، أي: يوم القيامة.

    1.   

    سعد والمواقف الخارجية

    سعد وأهل الكوفة

    قال جابر بن سمرة: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر فقالوا: لا يحسن أن يصلي، ما وجدوا أن يقولوا: أخذ أموالنا، وهو يسكن في بيت من الطين في غرفة على خصف النخل، أم يقولون: ضربنا وهو ما ضرب إلا في سبيل الله، أم يقولون: أخذ كرامتنا أو سفه أحلامنا، ما يجدون من ذلك شيئاً، فقال عمر: يا أبا إسحاق! لقد شكوك حتى في الصلاة، فهل تحسن تصلي؟ ويتبسم عمر ويعرف أن الذي يعلم الأمة هو سعد وأمثاله: قال سعد: سبحان الله! أصبحت بنو أسد تعيرني بالصلاة، والله الذي لا إله إلا هو لقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا -يقول: أنا الذي أدخلتهم في الإسلام، أنا الذي علمهم الصلاة- قال: ماذا تفعل في الصلاة؟ قال: أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق]]. أنت عندنا العدل الثقة، والذي يتكلم فيك هو آثم دجال، وإنما يتكلم في الإسلام وفي الرسالة وفي المنهج الرباني، روى هذا البخاري ومسلم وأحمد والطيالسي وأبو داود والنسائي.

    شكوه فأراد عمر أن يتبين وأرسل محمد بن مسلمة يمر في المساجد والجوامع يصلي بالمسجد وسعد بجانبه ويقول: يا أهل المسجد! إنكم شكوتم سعد بن أبي وقاص فماذا تنقمون عليه؟ فكلهم يثني عليه، فقام شيخ في المسجد من بني عبس فقال: أما إنك إن سألتنا فإن سعداً لا يمشي في السرية -يقول: يتخلف عن الجيش، ويرسل أبناءنا وهو في بيته- ولا يحكم بالسوية -أي: لا يعدل- ولا يعدل في القضية فقام سعد يدعو -تخصصه الدعاء- فقال: [[اللهم إن كان كذب وقام رياء وسمعة فأطل عمره وفقره وعرّضه للفتن]] فأطال الله عمره حتى زاد على المائة، وأطال الله فقره حتى ما وجد حفنة من شعير يأكلها، وسقط حاجباه على عينيه فكان يتعرض للبنات في سكك الكوفة ويغمزهن ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. والحديث في البخاري وهذه علامة الصدق، فالكاذب كاذب يلبسه الله رداء الكذب، ويجعله مدحوراً بكذبه حتى يلقى الله، ولعذاب الآخرة أبقى وهم لا ينصرون.

    سعد ومعركة القادسية

    حضرت القادسية فاحتار عمر بن الخطاب فيمن يقود الجيش إلى القادسية، وهي معركة مشهورة ذكرت في التاريخ الفرنسي والتاريخ الألماني والإنجليزي، فارس أجمعوا أمرهم على أن يجتاحوا الجزيرة العربية ويدخلوا حتى المدينة، وسهر عمر ليالي كثيرة، يقول ابن حجر في الفتح: كان عمر يقول: [[وإني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة]] حديث صحيح، ومعنى ذلك أنه إذا لم يجهز الجيش ويهتم بالأمر فإن الأمة سوف تذهب سدى، وسوف تذهب هباء منثوراً، بل ذكر ابن أبي شيبة في المصنف: أن عمر صلى بهم المغرب فقرأ بهم سراً لم يجهر في الركعتين ثم سلم، قالوا: [[يا أمير المؤمنين! سررت بنا قال: ما جهرت؟ قالوا: لا. قال: والذي نفسي بيده إني أجهز الجيش وأنا في الصلاة]] قال ابن حجر في الفتح: تعارض عند عمر واجبان، فأدخل واجباً في واجب فرفع الله درجته ومنزلته، أو كلام يشبه هذا. ثم يأتي آخر له عمارة يعمرها أو خلطة أو سيارة أو بقالة ويقول: والذي نفسي بيده إني لأبني العمارة وأنا في الصلاة، قلنا: قبح الله عمارتك، ولا أتم الله خلطتك، ولا أصلح سيارتك، تجهزها في الصلاة وتحتج بحديث عمر يجهز جيشاً في الصلاة ليحمل رسالة ومنهجاً ربانياً، وأنت تحتج بهذا الحديث.

    عمر أصبح في حالة ذهول حتى صار مشدود الأعصاب؛ لأنه هو المسئول الأول عن هذه الأمة، فهو يخشى أن يدخل جيش فارس كم جيش فارس؟ مائة وثمانون ألفاً يريدون دخول الجزيرة العربية، ويواجههم ثلاثون ألفاً، فأتى يقول: أيها الناس! إن الفرس قد تهيئوا لدخول الجزيرة وإني أرى أن أكون قائد الجيش، يقول: أنا أخرج لهم هناك، فصوتوا بالأغلبية يريدون هذا الأمر، فخرج رضي الله عنه، ولبس لأمته وأخذ سيفه ورمحه، وخلف وراءه علي بن أبي طالب وهو الخليفة، يقول: أنا أقود الجيش بنفسي، فلحقه علي رضي الله عنه قد خرج بالضاحية، قال: يا أمير المؤمنين! لا تفعل، أنت درع المؤمنين، أنت فئة المؤمنين، أرى أن تبقى في المدينة، فإن نصر الله المسلمين كنت في مدينتك، وإن كانت الأخرى بقيت لنا، قال: صدقت، ثم قبل رأسه وقال: لا معضلة إلا أبو الحسن لها، يقول: أنت رجل المعضلات، أشيروا علي أيها الناس من هو القائد؟ فدخلوا في خيامهم يفكرون ويتأملون ويتدبرون، فأتى عبد الرحمن بن عوف يولول من خيمته -وهو زهري من قبيلة سعد - وقال: يا أمير المؤمنين! وجدته (الأسد في براثنه) قال: من؟ قال: سعد بن أبي وقاص، قال: صدقت، فأتى عمر فخلع درعه، وأعطى سعداً رمحه وسيفه ومال به عن الطريق ووقفا يتباكيان، هذا يبكي وذاك يبكي، كذا يقول أهل التاريخ، قال: [[لا يغرنك قول الناس: إنك خال الرسول صلى الله عليه وسلم]] ثم أوصاه بوصايا طويلة مجيدة تجدونها في البداية والنهاية وفي التاريخ.

    ولما وصل سعد إلى القادسية أصابه مرض، بعد أن قاد المعركة أياماً؛ لكن في الأيام الأخيرة أصابته قروح وجروح في بطنه رضي الله عنه، فكانت توضع له الوسائد، وكان يشرف من على حصن ويدير المعركة، فقال أحد الشعراء:

    ألم تر أن الله أنزل نصره     وسعد بباب القادسية معصم

    فأبنا وقد آمت نساء كثيرة     ونسوة سعد ليس فيهن أيم

    يقول: ألم تر أن الله أنزل علينا النصر ونحن نقاتل، وسعد في رأس الحصن ما قاتل معنا، وأن الله أيتم أطفالنا، أما أطفال سعد ما يتموا، فقام سعد وقال: [[اللهم كف عني لسانه ويده، فأرسل الله على هذا الشاعر سهماً فوقع في لسانه فقطعه، ثم ضرب برمح فقطعت يمينه]] رواه الطبراني وأهل التواريخ وهو في مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة (154) لأن سعداً صادق مع الله، لكنه مريض معذور.

    [[قام علي في الكوفة حين اختلف الحكمان فقال: كنت نهيتكم عن هذه الفتنة، فقام رجل آدم (أي أسمر) فقال: والله ما نهيتنا، ولكنك لما أدخلتنا في الفتنة برأت نفسك وألحقتنا ذنبك وأنت الذي أوصلنا إليها، قال: مه! ويحك قاتلك الله، مالك ولهذا الكلام؟! والله لقد كانت الجماعة فكنتَ خاملاً، وكانت الفتنة فنجمت فيها نجوم قرن الماعز ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري -العجر والبجر هي سرائر النفس ودخائلها وأسرارها- إلى الله أشكو عجري وبجري، لله منزل نزله عبد الله بن عمر وسعد بن مالك يعني: سعد بن أبي وقاص إن كان إثم فإنه لقليل، وإن كان أجر فإنه لكبير]] روى هذا الطبراني كما في مجمع الزوائد. والسبب أن سعداً اعتزل الفتنة رضي الله عنه؛ فلم يكن مع علي ولا مع معاوية، وذهب إلى الصحراء ولو أن الحق عند أهل السنة مع علي [[وكان ابن عمر يندم ويقول: يا ليتني قاتلت مع علي فهو أولى بالإمامة والحق كان معه]] رضي الله عنهما جميعاً.

    الرؤيا الصالحة تبشر سعداً حين اعتزل الفتنة

    قال حسين بن خارجة الأشجعي: [[لما قتل عثمان رضي الله عنه رأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط، فصعدت الحائط فإذا أنا بصعدات ودرجات، فصعدت فيها في المنام فرأيت الرسول صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام، فإذا الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: يا إبراهيم! استغفر لأمتي، قال إبراهيم عليه السلام: إنهم أحدثوا بعدك، ألا فعلوا مثل خليلي سعد بن أبي وقاص، قال الرجل: فأتيت سعد بن أبي وقاص في النهار فأخبرته بالرؤيا، قال: فلم يعرها اهتماماً -أي: ما اهتم بها اهتماماً كبيراً- ثم قال: خاب من لم يكن إبراهيم خليله، قلت: ماذا تشير علي؟ قال: أعندك غنم؟ قلت: نعم. قال: الحق بها ودع هذه الفتنة، قال: فلحقت بغنمي]] هذا رأي سعد، وهي رؤيا ذكرها الحاكم في المستدرك وابن حجر في الإصابة، وهي في سير أعلام النبلاء الجزء الأول صفحة (120).

    [[دخل سعد على معاوية يسلم عليه وقد تولى معاوية الخلافة، فلم يسلم عليه بالإمرة، فقال معاوية: والله لو شئت لقلت غيرها، قال: كأنك معجب بما حصلت عليه من إمرة، والله ما أريد أنني فيما أنت فيه، وأنني قدمت محجماً من دم]] يقول: هناك دماء وتبعات، روى هذا الذهبي في السير.

    قال مصعب بن سعد: لما توفي أبي كان رأسه في حجري وهو يقضي، فبكيت فقال: [[يا بني! لا تبك علي، فوالذي نفسي بيده إني من أهل الجنة]] رواه ابن سعد في الطبقات، قال الذهبي: صدق والله! فهنيئاً له. وفي رواية أخرى: [[لا تبك علي فوالله لا يعذبني الله أبداً]] وهو حديث صحيح إلى سعد رضي الله عنه، وفيه حسن الثقة بالله والرجاء وتصديق موعود الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر أن سعداً في الجنة وهذا مما تلقته الأمة بالقبول.

    قال الزهري رحمه الله: [[لما احتضر سعد دعا بجبة عنده فقال: كفنوني بها، فإني لقيت المشركين فيها في يوم بدر]] رواه الحاكم والطبراني في المعجم الكبير، وفيه أن العبد يدفن في ثياب الطاعة كالثياب التي يصلي فيها والتي جاهد فيها، أو الثياب التي طلب فيها العلم، أو حج واعتمر فيها، وسوف يأتي تفصيل ذلك وكلام أهل العلم بإذن الله.

    1.   

    الدروس والعبر من سيرة سعد رضي الله عنه

    هذه بعض قصص (الأسد في براثنه) رضي الله عنه، والآن أخرج معكم لبعض الدروس والعبر والفوائد من هذه السيرة:

    العبرة بالعمل لا بالنسب

    أولاً: العبرة بالأعمال لا بالأنساب، وهو درس لمن يفتخر بنسبه ويتطاول على الناس بهذا السبب الضعيف، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي ولا يفخر أحد على أحد} رواه مسلم، فعلى العبد أن يعتني بعمله الصالح ولا يهمه أن يكون مولى أو عبداً، أو أن يكون رقيقاً أو أن يكون مهما يكون، إنما يكون مخلصاً صالحاً صادقاً مع الله، عسى الله أن يرزقنا وإياكم التقوى، وأن يجعلنا صالحين مقبولين.

    جواز ذكر المرء ما وقع له في سبيل الله

    الثاني: ذكر ما وقع للمسلم من مشقة في ذات الله عز وجل جائز، فللإنسان أن يذكر بعض المواقف التي حصلت له، من باب الاقتداء به في الصبر والإقدام وفي التضحية كما يقول سعد: [[لقد رأيتني وأنا ثالث ثلاثة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أو سادس ستة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والله ما لأحدنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة]] فذكر هذا لأنه واثق بنفسه لا يريد المباهاة ولا المراءاة، فالعبد مثلاً: له أن يذكر بعض أيامه في التضحية وطلب العلم وفي الدعوة بشرط أن يكون قصده أن يقتدى به، وأن يصبر الناس وأن يعطيهم دروساً من القدوة، أما إذا كان قصده التطاول والتفاخر والمراءاة فهذا محرم.

    تميز سعد بإجابة دعوته لصدقه وتحريه المال

    الثالث: تميز سعد بالصدق مع الله والمطعم الحلال، وأن من أراد أن يستجيب الله دعوته فليطب مطعمه وليأكل حلالاً، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام: {ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له} والله طيب لا يقبل إلا طيباً، وهو درس لمن يأكل الربا أو يضل الناس ويأخذ أموالهم، أو يغش في بيعه وشرائه، أو يحلف يميناً غموساً، أو يحلف يميناً فاجرة فيأكل بها أموال الناس بالباطل؛ فإن الله لا يقبل دعوته، ولا يستجيب له مسألته، ولا تفتح له أبواب السماء.

    الله يحب الغني التقي الخفي

    الرابع: محبة الله عز وجل للعبد الغني الخفي التقي، فأما الغني فهو الغني بغنى الإيمان وغنى النفس لا غنى المال، وأن يكون غنياً بما أعطاه الله عز وجل من يقينٍ ومن حب لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، ومن ذكره لله تعالى فيكون صدره منشرحاً بهذا.

    أما الخفي فهو الذي لا يحب الشهرة ولا الظهور ولا يطلبها مقصداً، وقد تكون عارضة أو تكون لازمة، لأن أشهر الناس محمد صلى الله عليه وسلم لكنه ما أراده وما طلبه، وكذلك أبو بكر عمر وعثمان وعلي، ولكنهم ما طلبوها ولا أرادوها فحصلت لهم، فلا يكون من مقصد العبد الشهرة والظهور، بل يكون خفياً، فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحب الأخفياء من عباده الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعلم بهم، فيكونون في خفاء وفي سكينة وفي وقار، ومعاملتهم مع الله عز وجل.

    أما التقي: فهو الذي يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات، والتقي هو الذي يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية.

    لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

    المسألة الخامسة: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق جلت قدرته، يؤخذ هذا من عصيان سعد لأمه، وهو درس للشبيبة أن يتقوا الله في والديهم، وأن يطيعوهم في طاعة الله، وأن يحسنوا لهم، ولكن لا يطيعون الوالد ولا الوالدة في معصية، ولا في ترك السنة، ولا في ارتكاب المحرم مهما كان جبروت هذا الوالد والوالدة وغيرهم ممن كان لهم أمر، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن ولو كان الوالد مشركاً والوالدة فإنهما يصاحبان بالمعروف والكلمة اللينة في الحياة الدنيا.

    الصحابة أعلم بالسنة وأفقه من غيرهم

    السادس: أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام أعلم بالسنة من غيرهم، كما في شكوى أهل الكوفة لـسعد أنه لا يحسن أن يصلي، فليس أحد من الأمة أحسن من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا أكثر علماً، ولا أفقه في دين الله، ولا أخلص في عبادة الله عز وجل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يتنطع عليهم أو أن يزيد في الدين أو أن ينقص منه فإنما هو آثم مفترٍ متهتك في دين الواحد الأحد سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    الأسلم البعد عن المناصب ما لم تتعين

    السابع: الأسلم للعبد الابتعاد عن المنصب إلا إذا تعين عليه ذلك، ووجد من نفسه القدرة، وكان أصلح من غيره، فإن طلب المنصب ليس مقصداً شرعياً، والذي يتهافت على المنصب ويتنازل عن شيء من دينه لأجله، ويكون منافقاً دجالاً مجاملاً ليحصل على منصب إنما هو آثمٌ عند الله عز وجل، محاسب بفعل هذا..

    نصب المنصب أوهى جلدي      وعنائي من مداراة السفل

    أنا لا أرغب تقبيل يـدٍ     قطعها أحسن من تلك القبل

    إن جزتني عن صنيعي كنت في     رقها أو لا فيكفيني الخجل

    أو كما يقول شيخ الإسلام: إلا إذا تعين عليه ذلك وأنه لا يكون أصلح منه. بل نص شيخ الإسلام على: أن القاضي يجب عليه أن يطلب القضاء، إذا علم من نفسه القوة والثقة ولم يوجد في المسلمين من يقوم بالقضاء إلا هو، كما قال يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] والإنسان إذا تعين عليه منصب ورأى من نفسه القدرة فإن عليه وجوباً أن يطلب ذلك ويقصد بذلك ما عند الله، أما أن يطلبه للدنيا وللشهرة وللمنصب وليتأكل به فهذا محرم، يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: {يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها بمسألة وكلت إليها} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    جواز الإشادة بأهل الفضل ما لم يكن رياء

    الثامن: جواز الإشادة بأهل الفضل من الأقارب وغيرهم والتمدح بهم كما قال صلى الله عليه وسلم: {هذا خالي فليرني كل خاله} فلك أن تتمدح برجل من أسرتك صاحب دعوة وعلم وله أثر، كأن تقول: هذا فلان من قرابتي لتثني عليه لا قصدك الرياء والسمعة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: {هذا خالي}.

    اعتزال الفتن إن كان ذلك أصلح

    التاسع: اعتزال الفتن والفرار عند اشتباه الأمور، والخروج إلى منأى كما فعل سعد في زمن الاختلاف، فإذا وقعت فتنة ولم يستطع الإنسان أن يقوم بدينه على أكمل وجه، وما استطاع أن يؤدي دين الله عز وجل ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فإن عليه أن يذهب في مكان ناءٍ عن الفتن لا يسمع أحداً ولا يرى أحداً، ويبتعد في قرية أو في بادية أو في جبل، وهذا مطلب شرعي.

    لكن إذا كان العبد له تأثير ووثق من نفسه، وكان عنده علم ونفع، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في السنن: {الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم}.

    جواز الوصية

    العاشر: استبقاء المال وجمعه للاستغناء عن الناس وإغناء الورثة عن تكفف الناس، وأن مسألة التجرد عن تحصيل المال ليس مطلباً شرعياً، وقد يكون مضراً بالإنسان، وقد يسيل ماء وجهه إذا لم يكن له مصدر من الرزق أو لم يبق منه لورثته، فإن هذا أمر خطير فليتدبر، والصحابة أعرف منا بالحياة وبشئونها، ونحن لا نأخذ ديننا ولا زهدنا ولا عبادتنا من المتأخرين، مهما كان زهد أحدهم، حتى أنه يمر بك في التراجم أحياناً زهد إبراهيم بن أدهم أو زهد أبي سليمان الداراني ونحوه، فإننا نقول للأمة والجيل: خذوا دينكم من الرسول عليه الصلاة والسلام ومن أصحابه؛ فإنهم أزهد الناس، وفيهم نزل الوحي وعرفوا تنزيله وتأويله رضوان الله عليهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمر سعداً أن يستبقي مالاً، وألا ينفق منه في الصدقة والوصية إلا الثلث والثلث كثير.

    خير الناس من طال عمره وحسن عمله

    الحادي عشر: طول العمر في طاعة الله خير كثير، كما تحققت معجزته صلى الله عليه وسلم في طول عمر سعد، فطول العمر وحسن العمل من سعادة المؤمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله} فإن طول عمر المؤمن لا يزيده إلا خيراً، فيتوب من الزلات والخطايا، ويتزود من الصالحات والحسنات، ويكون أكثر عقلاً وفقهاً وأكثر إدراكاً، ولا تزيد الأيام المؤمن الصالح إلا خيراً بإذن الله عز وجل، وهي مكسب كلما زاد يوم، ورأيت في مسند أحمد {أن أخوين أسلما على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فمات أحدهما وتخلف أخوه بعده أربعون ليلة، ثم مات، فرآهما طلحة في المنام بينهما أربعون درجة -الأخير منهم مرتفع على أخيه أربعين درجة- فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: كم من صلاة في الأربعين يوماً؟} فإن في الأربعين يوماً صلوات كثيرة، في كل يوم خمس صلوات في أربعين؛ بمائتي صلاة.

    أَلْمعَيِة سعد في القيادة

    الثاني عشر: موهبة سعد رضي الله عنه في القيادة وقدرته على الإمرة في قول عبد الرحمن بن عوف: [[هو الأسد في براثنه]] وهذه مواهب من الله يعطيها من يشاء، وقد ظهرت قدرته في قيادته للقادسية رضي الله عنه أعظم قيادة، وفي فتحه ذلك الفتح العظيم الذي عاد على الإسلام والمسلمين بالخير.

    يُسْر الصحابة في العلم والعبادة

    الثالث عشر: يسر الصحابة في العلم والعبادة: فلم يكونوا متعمقين ولا متنطعين ولا متشددين، بل كانوا في زهد وتقلل من الدنيا، لكنهم لم يمزقوا ثيابهمالصوفية، ولم يلبسوا المرقعات التي يلبسها الصوفية، ولم يزروا بأنفسهم، بل كانوا متقللين متطيبين إن تيسر شيء من الدنيا وسعوا على أنفسهم، وإن شح شيء اقتصدوا وزهدوا فيها، فهم على كلمة سواء، وعلى طريقة مقبولة على منهج الكتاب والسنة.

    استحباب الدفن بثياب العمل الصالح

    الرابع عشر: الدفن في ثياب الطاعة، كما فعل سعد، فإنه قال: ادفنوني في جبتي فإني لقيت فيها المشركين يوم بدر، وأثر عن ابن المبارك أنه أمر أصحابه أن يدفنوه في ثوبين له كان يصلي بهما، فمن كان عنده ثوب يتهجد فيه بالليل فلو دفن فيه كان حسناً عند أهل السنة، ومن كان عنده ثياب جاهد فيها في سبيل الله أو كان يصلي بها باستمرار فله أن يدفن فيها، لأن آثار الطاعة مطلوبة، ويذكر بعض العلماء فيقول: إن ثياب أهل الطاعة معروفة، وثياب أهل المعاصي معروفة، فنسأل الله أن يجعلنا من الطائعين له.

    هذا هو صحابي من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام عشنا معه في هذه الليلة، وإنما المقصد من مثل هذه المواعظ والدروس وهذا الطرح: أن نكون على قرب من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لنرى أي جيل كان ذاك الجيل، ولنرى كيف كانوا وكم رفعهم الله عز وجل، وكم أعطاهم الله عز وجل من الإيمان والعمل الصالح؛ علنا أن نقتدي بهم، وأن نحبهم فإن المرء يحشر مع من أحب.

    أسأل الله عز وجل أن يجمعنا بهذا الرجل المبارك المرضي عنه في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    1.   

    الأسئلة

    استغلال المصطاف عطلته في الدعوة

    السؤال: نطلب كلمة للإخوة المصطافين.

    الجواب: أطلب منهم ومن نفسي الدعوة إلى الله بما تيسر، في المساجد بعد صلاة الجماعات، وفي المنتزهات، وفي مجامع الناس، الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كل يبلغ ولو آية، وألا يأتي أحد الإخوة من بعيد فيعد نفسه ضيفاً، وأنه لا يستطيع أن يتكلم، أو أنه غريب عن المنطقة، لا. الرب واحد والمنهج واحد، وكل ينتظر كلمة الحق من أي أحد.

    أبناء سعد بن أبي وقاص

    السؤال: قلت في الدرس أن سعداً ليس له إلا بنتاً واحدة، ثم ذكرت أن عمر بن سعد ابنه شارك في قتل الحسين فكيف هذا؟

    الجواب: نعم. أنا نسيت أن أنبه تنبيهاً وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أتى سعداً بـمكة لم يكن لـسعد إلا ابنة واحدة، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: {لعله أن يطول بك عمر} فرزقه الله أبناء كثيرين وبنات كثيرات منهم: مصعب وعامر وعمر بن سعد بن أبي وقاص وإسحاق وعائشة بنت سعد وغيرهم؛ فليتنبه لهذا.

    أخو سعد بن أبي وقاص

    السؤال: هل لـسعد بن أبي وقاص أخ أو إخوة شرفوا بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: نعم. له عمير حضر بدراً وكان شاباًًً قصيراً صغيراً ألبسه سعد بن أبي وقاص سيفاً فكان السيف يخط في الأرض، وقيل: إنه استشهد في المعركة.

    العزيمة الصادقة تفتت التردد

    السؤال: أنا مبتلى بشرب الشيشة فأرجو نصيحتي.

    الجواب: ما سألت عنها إلا لأنك تعلم أنها محرمة، ولا ينقص الأمة مسألة الفتيا، فهي تعرف فتيا الأحكام، بل ينقص الناس الإيمان، فإنهم إذا آمنوا بالله سمعوا الفتيا. والفتيا عند هؤلاء تلقٍ نظري، وكثير منهم يعلم أن الدخان حرام ويشربه، وأن الشيشة محرمة ويتناولها، وغيرها من المسائل، فنصيحتي لك: أن تتقي الله وأن تجتنب هذه؛ فإنها من الخبائث، والله سبحانه وتعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث.

    عصمة الله لنبيه حتى يبلغ رسالته

    السؤال: قوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] مع ذلك ذكر بعض المحدثين وعلماء الأمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات بأثر السم الذي دس له في لحم الشاة؟

    الجواب: بعض أهل العلم جمع بينهما فقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] حتى تبلغ رسالته، ففي الكلام تقديم وتأخير ومحذوف، والله يعصمك من الناس حتى تبلغ رسالته، فلما بلغ رسالته ووقف في عرفة وأنزل الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً [المائدة:3] مات. فبلغت الرسالة والحمد لله، هذا من الجمع.

    وبعضهم يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] أي: من القتل، فلا تقتل ولا تغتال؛ أما السم فأمر آخر.

    أسأل الله سبحانه لي ولكم التوفيق والهداية، والرشد والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.