إسلام ويب

العلم بين الأستاذ والتلميذللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضل العلم عظيم، وخيره كثير، ونفعه كبير، ولابد للعلم من معلم يرعى الطالب ويربيه، ويهذبه ويزكيه، ويعلمه كيف ينتفع بعلمه، ولابد لهذا المعلم من أخلاق ومواصفات لا يخلو منها، وفي المقابل يجب على الطالب الالتزام بآداب تجاه معلمه، وفي هذا الدرس يذكر الشيخ كثيراً من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم والمتعلم.

    1.   

    تاريخنا مبدؤه من البعثة

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول.. لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك.. لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. والصلاة والسلام على من بعثه الله فهدى الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، وأنار به معالم البشرية.. صلى الله وسلم على أذن الخير التي تلقت الوحي من الله، فبلغته للبشرية، ووعته وحفظته.. صلى الله وسلم على لسان الصدق الذي دفع الكلمة الصادقة المخلصة إلى الأجيال.. صلى الله وسلم على المعلم النبيل، والهادي الجليل، والأستاذ النبيل.. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلاماً دائمين مادام الليل والنهار.

    أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وإن كان لي من شكر فإني أشكر الله تبارك وتعالى على أن أجلسني في هذا المكان، ثم أشكر أساتذة الجيل ورواد الحضارة، وأهل البناء العميق في تاريخ الإنسان، ثم أشكر سعادة عميد هذه الكلية ووكيله وهيئة التدريس، ثم أشكركم أيها الأبطال الأخيار النبلاء.

    أتيت من أبها بلاد الجمال     أقول أهلاً مرحباً بالرجال

    روض النـبي المصطفى وارفٌ     أزهاره فاحت بريا الجمال

    ميراثه فينا جميل الحلى     وأنتم أصحابه يا رجال

    المحاضرة في هذه الليلة: (العلم بين الأستاذ والطالب) ويوم أن يكون العلم عندنا نحن المسلمين يكون نوعاً آخر، ويكون له طعم آخر ومزاج آخر ورسالة أخرى.. وهل العلم إلا منا، وهل نحن إلا شادة العلم الذي ينفع في الدنيا والآخرة.

    وأما عناصر هذه الجلسة والمحاضرة فهي:

    فضل العلم، وما ذكره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن العلم.. ثم لا علم بلا إيمان لنرد على العلمانيين، أهل التراب عبدة العلم من دون الله.. ثم العلم النافع يورث الخشية.. ثم عدم العمل بالعلم شؤم وزندقة وإلحاد، وهذا ليس مقصوداً.

    ثم مهمة الأستاذ في التعليم، وما هي هذه المهمة والرسالة التي تركها الإسلام على عاتق الأستاذ.. ثم ما هو واجب الطالب بيد الأستاذ؟ وقبل ذلك أمام رقابة الله تبارك وتعالى.. وفي الأخير المعاصي تذل العلم، وتطفئ الذكاء وتطمس المعرفة.

    أيها الإخوة: كنا قبل الإسلام أمة عربية أمية لا نعرف شيئاً.. رعاة غنم وإبل وبقر، والقوميون يقولون: لا. تاريخنا من أول الدنيا، ونحن أهل الحضارة حتى قبل الإسلام.. وكذبوا لعمر الله! ودجلوا على الحقيقة والتاريخ! كنا أمةً بلا معرفة ولا ثقافة، وأمةً بلا حضارة حتى أتى محمد عليه الصلاة والسلام..

    تاريخنا من رسول الله مبدؤه     وما عداه فلا ذكر ولا شان

    هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].

    كان للرومان حضارة، ولفارس ثقافة، وللهنود معرفة، أما نحن في الجزيرة فلا ثقافة ولا حضارة ولا معرفة حتى جاء عليه الصلاة والسلام فسكب فينا روح لا إله إلا الله، فاستيقظنا من نومنا وسباتنا العميق.

    إن البرية يوم مبعث أحمد     نظر الإله لها فبدل حالها

    بل كرم الإنسان حين اختار من     خير البرية نجمها وهلالها

    لبس المرقع وهو قائد أمة     جبت الكنوز فكسرت أغلالها

    لما رآها الله تمشي نحوه     لا تبتغي إلا رضاه سعى لها

    وبعد خمس وعشرين سنة يخطب خطيبنا في نواحي نهر السند واللوار، وعلى ضفاف دجلة والفرات، وبعد خمس وعشرين سنة يكون لنا منتدى في العالم.. شعراء وأدباء؛ لأننا أمة الإيمان والحب والطموح.

    1.   

    فضل العلم وعلاقته بالإيمان بالله

    أراد الله سبحانه وتعالى أن يستشهد على جلالته وعظمته ووحدانيته فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].

    فانظر كيف استشهد العلماء وطلبة العلم على أعظم شهادة في الدنيا. والله عز وجل يرفع بين طبقات الناس بنسب إضافية، فما هي الرفعة في الإسلام بعد التقوى؟ إنه العلم، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    وهل يستوي عالم متعلم وجاهل بليد رعديد؟! لا والله.. لا في العقل ولا في الحس ولا في النقل، يقول سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] أرأيت الكلب؟ هو كلب ويكفي في تعريفه أنه كلب، والمعارف لا تعرف، ولكن جعل الله الكلب في القرآن على قسمين:

    كلب معلم، تعلم وحمل شهادةً فصيده حلال، وكلب جاهل فصيده حرام.. يقول سبحانه: مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] أرأيت إلى الهدهد؟ إنه طائر ويفتخر بالعلم! وهل سمعتم بهدهد يفتخر بالعلم؟! إن سمعتم بذلك فهو في سورة النمل، أتى إلى سليمان عليه السلام فقال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ [النمل:22] ثم ألقى عليه محاضرة في التوحيد والعقيدة فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل:23-24] ولم يطلب الله من نبيه أن يتزود من الحطام، ولا من المال، ولا من العمار، ولا من العقار، ولكن قال له: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114].

    هذا الرجل العظيم عليه الصلاة والسلام، الذي يسكن في بيت من الطين، ويجلس على التراب، ويأكل خبز الشعير، ولكنه نشر العلم في العالم، ونشر المعرفة في المعمورة، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وهذا الفضل إنما هو بالقرآن؛ بل أفضل من ذلك كله أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى جعل العلماء وطلبة العلم ورثة للأنبياء والرسل.. فيا ورثة الأنبياء والرسل! ويا أحفاد محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي! ويا من أراد أن يشع الخير في البشرية مرة ثانية! لنقول للناس من هنا خاصةً من مهبط الوحي، من حيث انتشر الإسلام، وانطلقت لا إله إلا الله: هذه رسالتكم، وهذا الحديث معكم عن العلم وفضله، فلا أفضل من العلم، ولا أجلَّ منه.. يقول الأندلسي المربي أبو إسحاق الالبيري، وهو يوصي ابنه بطلب العلم وفضل العلم:

    هو العضب المهند ليس ينبو     تصيب به مضارب من أردتا

    وكنـز لا تخاف عليه لصاً     خفيف الحمل يوجد حيث كنتا

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددتا

    فبادره وخذ بالجد فيه     فإن أعطاكه الله انتفعتا

    طلب العلم لوجه الله

    والعلم هو الذي يطلب لوجه الله تبارك وتعالى.. السلف الصالح يوم أن طلبوا العلم طلبوه لوجه الله؛ فآتى هذا العلم ثماره ونوره وأزهاره للبشرية.

    فهذا الإمام أحمد يطوف بالدنيا، فيذهب إلى خراسان، وإلى بغداد، وإلى مصر، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى الجزيرة؛ حتى يجمع أربعين ألف حديث.. يقول: والله لقد كانت تمر علي الليالي لا أجد كسرة الخبز من العيش! اشتغل -رحمه الله- حصَّاداً ولقَّاطاً يطلب العلم لوجه الله عز وجل.

    وسمع عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني وهو في صنعاء اليمن، فسافر له من بغداد، وأخذ عمرة، وفوجئ وهو يطوف بالبيت بـعبد الرزاق يطوف، فقال له أحد زملائه: هذا عبد الرزاق أتى الله به من اليمن، فخذ الحديث منه. قال: لا والله لا تكون هجرتي إلا لله عز وجل، وقد قصدت صنعاء، فلن آخذ منه شيئاً حتى يعود إلى اليمن فآخذ منه علماً إن شاء الله.

    وعاد ذاك، وسافر الإمام أحمد فطلب العلم الذي أوصله إلى رضوان الله، فأصبح إمام أهل السنة والجماعة.. يقول ابنه عبد الله فيما صح عنه عند الذهبي: كان أبي يصلي من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة. وكان الإمام أحمد إذا دخل السوق ورآه الناس هللوا وكبروا وسبحوا لما يرون من الجلالة والمهابة والإيمان والتقوى.

    ويتحدث الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن موسى وعن طلبه للعلم عندما سافر إلى الخضر.. وقد بوب البخاري لذلك وقال: باب ركوب البحر في طلب العلم. ولذلك كان علم السلف الصالح علم خشية، وعلم تقوى وعمل.

    يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: {مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً} انظر الإشراق في العبارة! لم يمثل بالمطر، وإنما مثل بالغيث لأسباب:

    منها: أن المطر أكثر ما يستخدم في القرآن للعذاب، قال الله تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [الشعراء:173].

    ومنها: أن الغيث فيه غوث للقلوب، وفيه صفاء: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها أرض طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أرض أمسكت الماء فنفع الله به الناس، فسقوا وزرعوا، وكان منها أرض إنما هي أجادب لا تنبت كلأً ولا تمسك ماءً، فذلك مثل من نفعه الله بما بعثني به فعلم وعلم} وهذه الأمة على هذه المستويات:

    رجل نفعه الله بالرسالة الخالدة، فتعلم القرآن والسنة، ونشر الخير والدعوة والفضل وأصبح مؤمناً، فهذا هو الفاضل.. ورجل أخذ العلم لنفسه وانقبع في بيته وأغلق عليه بابه فنفع نفسه فحسب.. ورجل عاش التمرد، وعاش شهوة الفرج والبطن، وعاش في الحياة بلا رسالة، والذي يعيش في الحياة بلا رسالة أشبه بالبهيمة، لا علم ولا أصالة ولا عمق، إنما هو يركب كل شيء.. ولذلك إن المسئول عما وقع في واقعنا من الكلمة الملحدة الآثمة، والقصيدة التي تحمل الزندقة والكفر، والأغنية الماجنة التي تهدم الجيل والشباب والقلوب، والمجلة الخليعة التي تحبب الكأس والمرأة لأجيال الأمة وشباب الأمة؛ المسئول هو الذي لم يرفع رأساً بهذه الرسالة الخالدة، وهو الذي لم يرضع لبن دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    لا علم بلا إيمان

    إننا بحاجة إلى أن نتكلم للناس في الإيمان قبل العلم، لأن الله تعالى يقول: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ [الروم:56] فلا علم بلا إيمان.. أتى أتاتورك إلى الأتراك، ففصل الإيمان تماماً، وسحق الإسلام مطلقاً، ودمر المساجد، وأتى بـالعلمانية الكافرة، فعبد العلم من دون الله تبارك وتعالى.

    ولذلك يقول الله عز وجل في الكفر وأهله: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] ويقول الله عز وجل عنهم: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66].

    يقول كريسي موريسون في كتاب الإنسان لا يقوم وحده: يا أهل المشرق! قدمنا لكم خدمة الإنسان للإنسان -يقصد الطائرة والصاروخ والثلاجة والبرادة- فقدموا لنا خدمة الروح للروح. يقصد لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    وعندما يأتي الإنسان ليعيش العلم بلا إيمان فإنه سوف يضل الأمة، وسوف يذهب بالبلاد إلى الهاوية، وسوف يخرب كل الدنيا، والصحفي إذا لم يؤمن بالله فسوف يكتب بقلمه كلمات غير مسئولة، وكلمات الإلحاد والزندقة والفاحشة.. يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    والشاعر إذا لم يؤمن بالله يكن سائباً على الأحداث، هامشياً لا يحمل رسالة، ولذلك إنما تميز محمد إقبال عن شعراء كثير من الناس ولو في بلاد الإسلام؛ لأنه شاعر الإيمان والحب والطموح.. آمن بالله فكانت كلماته وقصائده تنبعث إلى القلب كأنها شعل، أو كأنها قطرات من دمه على الأمة الإسلامية.. جاء إلى مكة ورأى الجيل، وقبل أن يأتي من باكستان ظن أنه سوف يجد شباباً يحملون رسالة، وجيلاً يحملون مبدأً خالداً، وسوف يرى أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ ففوجئ بشباب لا رسالة لهم في الحياة -وأنا لا أعني هذا الجيل؛ فإن هذا الجيل جيل رسالة، طلعاتهم تبشر بالخير، وهم الذين يحيون بالإسلام، والسنوات سوف تظهر ذلك بإذن الله- فبكى طويلاً وسجل قصيدته التي يقول فيها:

    أرى التفكير أدركه خمول     ولم تبق العزائم في اشتعال

    وأصبح وعظكم من غير نور     ولا سحر يطل من المقال

    وعند الناس فلسفة وفكر     ولكن أين تلقين الغزالي

    منائركم علت في كل ساح     ومسجدكم من العباد خالي

    وجلجلة الأذان بكل حيٍ     ولكن أين صوت من بلال

    أين الإسلام؟ أين لا إله إلا الله؟ أين الأمة التي امتطت موج البحر ومتن المحيطات لتبلغ لا إله إلا الله؟

    يقف عقبة بن نافع بفرسه على شاطئ المحيط الأطلنطي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضت بفرسي هذا البحر لأنشر (لا إله إلا الله) في تلك الأرض.. ويقدم سعد بن أبي وقاص دمه يوم القادسية ويقول: اللهم خذ من دمائنا هذا اليوم حتى ترضى.. يقول أحد الشهداء في العراق من المسلمين:

    فيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت     على شرجع يعلى بخضر المطارف

    ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة     يموتون في فج من الأرض خائف

    هذا هو الإيمان، وحين يوجد في القلب يصبح قلباً حياً، يقول أبو الحسن الندوي: قلب بلا إيمان كتلة لحم ميتة ولكنها ترمى في الزبالة، وعين بلا إيمان مقلة عمياء، ويد بلا إيمان إشارة خاطئة آثمة، وجيل بلا إيمان قطيع من الغنم أو هوشة من البقر، وقصيدة بلا إيمان كلام ملفف، وكتاب بلا إيمان كلام مصفف.. فنحن أمة الإيمان وأمة الرسالة.

    فأقول: لماذا يكتب الصحفي ويعادي الإسلام؟! ولد في بلاد الإسلام، وسقط رأسه في مهبط الوحي، وشرب من ماء زمزم، وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، لكنه إذا كتب في الصحافة ترك الإسلام في بيته ونسي أنه مسلم.. لماذا؟ لأنه ما دخل الإيمان وما تعمق في قلبه.. يقول بشارة الخولي يوم أن ترك الإيمان في بيته وأتى يكتب شعراً:

    هبوا لي ديناً يجعل العرب أمةً     وسيروا بجثماني على دين برهم

    يقول: اعطوني أي دين، زندقة أو إلحاد أو ماركس أو لينين أو هتلر أو نابليون

    وسيروا بجثماني على دين برهم
    >

    قاتله الله عدو الله! يريد دين برهم المجرم الهندوكي السفاك، ولا يريد محمد عليه الصلاة والسلام الذي ما طرق العالم أفضل ولا أنبل ولا أجل منه. يقول ابن تيمية: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به محمداً عليه الصلاة والسلام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إي والله! من ظن أنه سيسلك سبيلاً أو يرتقي في مستقبل أو يصل إلى نتيجة بدون هذا الدين فعليه لعنة الله تحيط به في قبره وصدره ليشهره الله على رءوس الخلائق.

    ويأتي شاعر آخر اسمه ابن هانئ الأندلسي يتملق عند السلطان ويمدحه.. وضع الإيمان في بيته وأتى يقول للسلطان:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    سبحان الله! يقول: يا أيها السلطان! يا أيها الملك!

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    ولكن علمه الله أنه هو الواحد القهار، فابتلاه بمرض عضال في جسمه، فأصبح يتقلب على الفراش بمرض مستعص عضال، وينبح كما ينبح الكلب؛ لأن الذي لا يعرف الله في الرخاء لا يعرفه الله بنفسه في الشدة.

    وقف فرعون يخطب في مصر -العميل الضال الدجال- يقول وهو على المنبر: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] فأجراها الله من فوق رأسه، وعندما أصبح في الطين ينقنق كما تنقنق الضفدع: قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ [يونس:90-91] أتؤمن في الوقت الضائع؟! ولذلك تجد كثيراً من الدعاة في الساحة من القصصيين والمسرحيين والشعراء والكتاب يضيعون الإيمان ويتركونه؛ لأنهم جعلوا المعرفة شيئاً والإيمان شيئاً آخر.

    وعندما مرض ابن هانئ أسف على ذلك البيت الآثم وقال:

    أبعين مفتقر إليك نظرتني     فأهنتني وقذفتني من حالق

    لست الملوم أنا الملوم لأنني     علقت آمالي بغير الخالق

    سبحان الله! كيف يضل القلب وتعمى العين ويصم السمع إذا لم يؤمن الإنسان بالله رب العالمين.

    فعلم بلا إيمان لا نطلبه ولا نريده، فإن الكفار قد بلغوا أكثر مما بلغنا.

    منهم أخذنا العود والسيجارة     وما عرفنا ننتج السيارة

    استيقظوا بالجد يوم نمنا     وبلغوا الفضاء يوم قمنا

    فأما علم المادة فقد بلغوا أكثر مما بلغنا فيه، لكننا نأتي ونقول للإنسان: من هنا -أيها الإنسان- تهتدي، يقول دايل كارنيجي الأمريكي في كتاب دع القلق وابدأ الحياة: لا بد لك من جلسة ولو نصف ساعة مع الله تبارك وتعالى. هو مسيحي لكنه ما يعرف أين الطريق وأين الأسباب والوسائل، يقول: نصف ساعة مع الله، أما نحن -يا دايل - فنجلس اليوم والليلة والشهر والسنة والصيف والشتاء مع الواحد القهار.

    أيها الإخوة! هذا هو المبدأ الكبير، وقد وجد في المؤسسات العلمية، وفي المدارس والمعاهد من يأتي بلا رسالة.

    العلم النافع يورث الخشية

    قال الله َتَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] والخشية: هي الخوف من الله تبارك وتعالى، وأن تراقبه سبحانه في علمك.. ومن ذهب إلى مدرسته وعاد إلى بيته ولم يزدد خشية من الله، وبقي مستواه في اقتراف المعاصي وتعدي الحدود وانتهاك الحرمات؛ فليعلم أنه أوتي علماً سقيماً ومريضاً لاخير فيه.

    وجاء في كتاب الزهد: قرأ ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه سورة المطففين حتى بلغ قوله تبارك وتعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] فبكى حتى أغمي عليه ورش بالماء.

    وقال الذهبي في ترجمة ابن وهب في السير (ج/8): ألف كتاباً في أهوال يوم القيامة، فقرئ عليه فأغمي عليه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع.

    فالعلم بلا خشية لا فائدة فيه، وأصل الخشية أن نكف عن المعاصي، قال ابن تيمية: الخوف المطلوب في الإسلام أن يحجبك عن المعصية وما زاد فلا يحتاج إليه. أي: أن ترتدع عن المعصية، وأما مازاد على ذلك فلا يحتاج إليه.

    إخواني في الله! يا طلبة العلم! هل آن لنا أن نخاف من الله الواحد الأحد وأن نخشاه في السر والعلن. وأن نراقبه في علمنا؟ وإلا فلنعتقد اعتقاداً جازماً أنه علم غير نافع، ونعوذ بالله من العلم الذي لا ينفع.

    وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ     فليتك ثم ليتك ما فهمتا

    فأكثر ذكره في الأرض دأباً     لتذكر في السماء إذا ذكرتا

    ونادِ إذا سجدت له اعترافاً     بما ناده ذو النون بن متى

    لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87].

    العلم بلا عمل شؤم

    إذا رأيت المتكثر من الثقافة العامة والخاصة قد أصبح ذهنه سلة للمهملات، يحفظ الأرقام والمعلومات والألفاظ، ثم لا يظهر عليه نور من العلم، ولا أصالة ولا تأثير في معتقده وعبادته وسلوكه؛ فاعلم أن علمه شؤم عليه، وغضب ولعنة إلا أن يتوب الله عليه.

    يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في بني إسرائيل: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] ويقول في عالمهم بلعام بن باعوراء -العميل المتخلف الذي طلب العلم ثم تركه وألحد في دين الله- قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].

    فإن الكلب إذا وضعته في الشمس يمد لسانه ويضيق نفسه ويلهث، وإذا أدخلته في الظل يمد لسانه ويتردد نفسه ويلهث، والخبيث في أصالته وفي قلبه يتعلم ولا ينتفع، فنعوذ بالله من هذا المثل الشؤم على كل من فعل هذا أو زاوله أو فكر فيه أو أراده.

    ويقول الله عز وجل في بني إسرائيل: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] والحمار حمار.

    لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى     ولا زاجرات الطير ما الله صانع

    ومهما تعلم أو حمل من الكتب فعقله هو عقله لم يتغير، فنعوذ بالله من هذا المثل.

    إخوة الإسلام! هذه مسألة لا تغيب عن البال، وقد اتفق العقلاء من المؤمنين أن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، والله عز وجل يجعل من عمل الإنسان ولو بجهده الميسور زيادة في الخير والفضل والنبل.

    1.   

    مهمة الأستاذ في التعليم

    الأستاذ حين يكون نائباً للرسول عليه الصلاة والسلام، ويكون حاملاً للرسالة، ومخلصاً متوقد القلب، وحين يكون كما كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس.. الأستاذ حين يكون خليفةً لـأحمد ومالك والشافعي وابن تيمية وابن القيم فهو الذي نريد أن نتكلم معه اليوم، أما الآخر -وليس معنا إن شاء الله- فهو أستاذ يحمل أهدافاً دنيوية، إما تحصيل راتب أو تزجية وقت، أو ظهوراً وشهرة، أو مستوى علمياً لا ينفعه في الدار الآخرة، فهذا ليس معنا وليس بيننا إن شاء الله.

    ومهمة الأستاذ تدور على أربع مسائل:

    -الإخلاص.

    -القدوة.

    -القوة العلمية.

    -اللين واطراح الفضاضة.

    الإخلاص

    أما الإخلاص فنطالب به جميعاً.. أساتذةً وطلاباً.. مفتين وعلماءً.. ملوكاً وأمراء، كل مسلم يطالب بالإخلاص، يقول سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3] وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] ويقول عليه الصلاة والسلام: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى}.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: {من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة وإن عرفها ليوجد من مسيرة كذا وكذا} ويقول صلى الله عليه وسلم: {من تعلم العلم ليجاري به العلماء ويماري به السفهاء؛ فليتبوأ مقعده من النار}.

    وأول من تسعر النار بهم يوم القيامة ثلاثة: منهم: رجل تعلم العلم ليقال عالم، وقد قيل، فيسحب على وجه حتى يلقى في النار.. فنعوذ بالله من الشهرة لغير وجه الله، ونعوذ بالله من الرياء والسمعة.. قال عليه الصلاة والسلام: {من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به}.

    القدوة

    يا أيها الأستاذ! نحن مع شوقي أمير الشعراء إذ يقول للطالب:

    قم للمعلم وفه التبجيلاً     كاد المعلم أن يكون رسولاً

    نعم. بقي عليه درجة وهو أن الوحي ما أتاه، لكنه خليفة الرسول عليه الصلاة والسلام.. فيا خليفة المصطفى صلى الله عليه وسلم في جانب التعليم {إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر} فأنت الآن تأخذ الميراث، فالله الله في شباب الإسلام، والله الله في جيل الإسلام، والله الله في بلادنا وأمتنا وبيوتنا!

    إنك -أيها الأستاذ- مسئول عن هذا الجيل، فقد فتحوا لك أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم وجلسوا أمامك ليسمعوا ما تقول، وضع المسلمون على الكراسي أفلاذ أكبادهم يستمعون منك؛ فهم يتوجهون بأمرك، فهل آن لك أن تكون قدوة تتكلم بما تفعل وتفعل بما تتكلم به؟! قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    أيها الأستاذ! إن العقلاء من التربويين -حتى من غير المسلمين- يقولون: إنك لن تعلم أحداً حتى تعمل بما تعلم، والرسول عليه الصلاة والسلام ما تكلم فحسب، بل كان يقول للناس: كونوا صادقين؛ فيكون أصدق الناس.. كونوا بارين؛ فيكون أبر الناس.. كونوا أوفياء؛ فيكون أوفى الناس.. كونوا متقين؛ فيكون أتقى الناس لربه تبارك وتعالى.

    إن من يعلم بكلامه ثم يخالف بفعاله فإنه يكذب نفسه أمام الناس، قال سيد قطب في كتابه في ظلال القرآن في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] ما معناه: إن الناس يسمعون كلاماً جميلاً وينظرون فيرون فعلاً قبيحاً، فلا يقبلون بعدها ويكذبون هذا المتكلم.

    فيا أيها الإخوة الفضلاء! ويا أيها الأساتذة النبلاء! إن من يتكلم ثم يهدم ما تكلم به بأفعاله فإنه لايحقق نتيجة لأبناء المسلمين، وإن جلوسه في بيته أفضل وأولى؛ لأن معنى ذلك أنه يضحك على العلم وعلى طلبة العلم.. كيف يأمرهم بالصلاة وهو لا يصلي؟! كيف يأمرهم بهجر الغناء والمجلة الخليعة والأغنية الماجنة والسفه، وهو سفيه مطبل مغن ماجن نعوذ بالله من ذلك؟!

    من المسئول إذن عن الحركة الشبابية والاتجاه العلمي يوم ضل فريق منه إلا الأستاذ؟ ومن هو أكبر موجه في هذه البلاد وفي غيرها إلا الأستاذ؟ إن أعظم ما ترتقي إليه الأمم هي درجة التعليم، والمرء إذا بلغ مستوى من العلم عند كثير من الأمم وضع أستاذاً للناس.

    القوة العلمية

    وأما القوة العلمية: فإنني أنصح نفسي وإخواني من الأساتذة أن يكونوا في موقف القوة، والقوة عند التلاميذ والطلاب ليست بكبر العضلات ولا بالحدقتين ولا بالعينين، ولا بضرب الكف على السبورة، ولا بهز الماسات ولا برفع الصوت وبالإزعاج.. لا. هذه فقط تغطي مُركَّب النقص، فإن بعض الأساتذة إذا شعر أنه لا يحمل مادة ولا رسالة أتى يستخدم الحرب المعنوية ليغطي نقصه في الفصل؛ إما بالضرب على ماسته، وإما بالإزعاج، وإما بالتهديد والتخويف، وإما بذكر سجلات حياته؛ فيترجم لنفسه نصف المحاضرة، ولد عام كذا، وكان من أذكى الناس، وكان فريد العصر، وأستاذ دهره، ولكن لا أستاذ ولا فريد إنما هو أمامنا بشحمه وعصبه ودمه.

    ولـو أني بليت بهاشمي     خئولته بنو عبد المدان

    لهان عليّ ما ألقى ولكن     تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

    وقوة الأستاذ -عند جميع الأمم بما فيهم المسلمون- القوة العلمية، هو أن يظهر بمادته بتحضير وأصالةٍ، فيعرض المادة عرضاً متيناً جيداً، وحينها يسكت الطلاب، ويحترمونه ويجلونه؛ لأنهم يجلسون أمام علم ورجل يتكلم بجدارة، وأمام أستاذٍ له أصالة وعمق، يتكلم وهو أدرى بمادته من مركز القوة، وهذه هي قوة العلم.

    ومن يستقرئ الساحة التربوية يجد أن الأساتذة الذين يمتلكون قدرات للتحضير هم أهيب الناس عند الطلبة، يحترمونهم ويقدرونهم، ويجد أن الأستاذ الذي لا يحمل مادةً ولا رسالة ولا تحضيراً من أخفق الناس في اجتلاب القلوب، وفي الهيمنة والتسلط المقبول على الطلبة.. فلا تفوتنا القوة العلمية.

    أيها الإخوة الأبرار! كلٌ في تخصصه، لا أقول للمربي أن يكون مفتياً في الحيض والطلاق والرضاع، ولا للمفتي أن يكون تربوياً يعرف ما كتب في التربية وعلم النفس، ولا لصاحب الجغرافية أن يكون مفسراً بارعاً، كـابن كثير أو الطبري، قد علم كل أناس مشربهم، ونحن نؤمن بالتخصص بشرط أن يكون مع الجميع حد أدنى من العلم الشرعي.

    اللين واطراح الفظاظة

    الحب أمر عجيب، ونحن أمة الحب، أتدرون ما هو الحب؟ ليس هو الذي يريده أمير الشعراء أحمد شوقي الذي يقول: الحياة الحب والحب الحياة.

    هذا كذب، هذا حب كوكب الشرق، وهو الذي رد الأمة عشرين سنة إلى الوراء.. كوكب الشرق تغني شبابنا بالحب هو الحياة والحياة هي الحب، وطائرات الميراج الإسرائيلية تغطي شمسنا..

    فأطفأت شهب الميراج أنجمنا     وشمسنا وتحدت نارها الخطب

    شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها     لله كم نددوا يوماً وكم شجبوا

    هذا الحب ليس هو المقصود، وهو حب المغنين والمغنيات، والمجرمين والمجرمات، الأحياء منهم والأموات، وهو ليس مقصوداً في الإسلام، فإن الحب أعظم من ذلك، نحن رسل الحب، ونحن الذين زرعوا الحب في قلوب الناس فآتى أكله كل حين بإذن ربه، والحب عندنا حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما الحديث الذي يقول: {من أحب فعف فكتم فمات مات شهيداً} فهو حديث كذب، سنده ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، هذا الحديث كذب على الإسلام، وإن الذي يموت على المسرح وعلى الأغنية والمجلة الخليعة وفلانة فلن يكون شهيداً أبداً.. كيف يكون شهيداً؟! شهيد عمالة ودجل وتخلف ورجعية.

    إن الشهيد هو الذي يحب الله ورسوله كما يقول إقبال في قصيدة تاج مكة:

    من ذا الذي رفع السيوف ليرفع     اسمك فوق هامات النجوم منارا

    كنا جبالاً في الجبال وربما     سرنا على موج البحار بحارا

    بمعابد الإفرنج كان أذاننا     قبل الكتائب يفتح الأمصارا

    لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها     سجداتنا والأرض تقذف نارا

    أرواحنا يا رب فوق أكفنا     نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    إذاً هذا هو الحب، وقد استطردت في الحب لأن مفهوم الحب عند كثير من الناس، ممن يكتب في الصحافة، ويتكلم في المنتديات، مفهوم خاطئ، ما عرفوا الحب ويموتون وهم لا يعرفون الحب، ويصلى عليهم صلاة الجنازة وما طعموا الحب، ويحشرون عند الله يوم القيامة وما عرفوا الحب.. الحب هو أن يأتي مثل عبد الله بن عمرو الأنصاري حين قال في معركة أحد: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى. فيقتل في سبيل الله، ويكلمه الله كفاحاً بلا ترجمان.

    الحب أن يأتي مثل البراء في معركة تستر ويقول: أقسمت عليك يا رب أن تنصرنا هذا اليوم؛ فينتصر ويكون أول شهيد.. الحب هو أن تسفك دمك لمرضاة الله.. الحب هو أن إذا سمعت أذان الفجر يدوي في الأرجاء قامت نفسك طليقة شجاعة إلى المسجد.. الحب أن يكون أعظم كتاب عندك في الحياة كتاب الله.. الحب أن تكون أناملك ولسانك يتمتم بذكر الله تبارك وتعالى.

    إذا مرضنا تداوينا بذكركم     ونترك الذكر أحياناً فننتكس

    هذا هو الحب.. فأقول للأستاذ: إن خيطاً ليس فيه حب مع الطالب خيط مبتور ومقطوع، وإن رسالة ليس فيها لين رسالة عصا وسوط ونار وحديد، وهي من كيس استالين وماركس ولينين، وليست من كيس محمد عليه الصلاة والسلام الذي يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عنه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    كأنه يقول: عجيب هذا المنهج العظيم العملاق الذي وضعته للناس كيف كسب قلوب العرب؟! والعرب كقرون الثوم، إذا قشرت قرناً خرج لك ستة قرون، فإذا قشرت الآخر خرج لك ستة، فالعرب مثل ذلك، لا يسيطر عليهم ملك، ولا سوط، ولا سجن، ولا سيف، أمة متمردة ومشاغبة، لكنه صلى الله عليه وسلم أتى يتبع قول الله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    ويقول الله له: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] لو دفعت الذهب والفضة ما كسبت القلوب، ولذلك أقول لدعاة الإسلام وأساتذته، والعمداء في الكليات: إن رسالتنا لا بد أن تحمل الإيمان والحب والطموح واللين للناس، ونحن لسنا مجرحين وإنما نحن دعاة، ولسنا قضاة وإنما نحكم على الناس بما ظهر، وإن الكلمة اللينة الطيبة تعشقها القلوب وتحبها النفوس.

    أرأيتم أكبر من فرعون؟ أسمعتم بشيخ الضلالة؟؟ أرسل الله له موسى فقال له وهو في الطريق: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] احذرا أن تجرحا شعوره، احذرا أن تسفكا كرامته في مجلسه، قال سفيان الثوري: القول اللين هو أن يكنيانه بكنيته، وكنية فرعون أبو مرة، مرغ الله وجهه في النار.

    فأخذ موسى يقول: يا أبا مرة! أتيت بمبدأ وبشريعة وبمنهج أعرضه عليك اليوم.. فهل فاتتنا الكلمة اللينة ولا تفوت موسى عند فرعون؟!

    دخل أعرابيٌ على هارون الرشيد فقال: أريد أن أتكلم معك بكلام شديد فاصبر عليَّ. قال هارون: والله لا أصبر قال: ولم؟ قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للرسول عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    كيف استطعت أن تقود القلوب؟ كيف سبيت الأرواح؟ كيف جعلت الأعداء أصدقاء؟ لأنك داعية عملاق.

    حتى إن ابن سيناء الذي هو من أفراخ الصابئة وأذناب المجوس، ولو أنه قد أجاد في الطب، يقول: ما طرق العالم مصلح كمحمد عليه الصلاة والسلام. وهذا صحيح.. وفي كتاب الأمريكان المسمى: عظماء العالم وضعوا في المرتبة الأولى محمداً عليه الصلاة والسلام، وقالوا: أعظم عظيم في الدنيا محمد، لأنه أصلح وبيته من طين -عليه الصلاة والسلام- ما لم تصلحه جامعات الدنيا في ثلاثمائة سنة، بل فشلت جامعات الدنيا، وشرب الخمر، وسفكت القيم، وانتهكت الأعراض، وذبح الناس، ودمرت البيوت.

    من دمر البيوت في نجزاكي من ضرب اليونان بالأتراك

    من قتل العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا

    من الذي ناصر إسرائيلا     حتى تصب عنفها الوبيلا

    أما محمد عليه الصلاة والسلام فأسلوبه لين مع طلبته.

    فيا أيها الأساتذة! حبل اللين حبل عجيب، وهو السحر الحلال، وإن كان في الإسلام سحر حلال فهي البسمة، قيل لأحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال.

    يأتي أعرابي فيسب ويشتم الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسحب ببردته الشريفة من على جسمه الشريف ويقول: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك. فيلتفت إليه ويتبسم ويعطيه مالاً، ويريد الصحابة قتل هذا الأعرابي، فيقول: لا. فلما أكرمه قال: هل أحسنت إليك؟ قال: نعم جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فيعود هذا الأعرابي داعية إلى قبيلته فتسلم عن بكرة أبيها، فيقول صلى الله عليه وسلم: {أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي؟ قالوا: لا ندري. قال: كمثل رجل كانت له دابة فرت منه، فأتى الناس لمسكها وحبسها فما تزداد إلا فراراً، فقال: يا أيها الناس! دعوني ودابتي أنا أبصر بها، فأخذ شيئاً من خشاش الأرض -خضار الأرض- وأخذ يلوح للدابة فأتت فحبسها، قال: فلو تركتكم وهذا الأعرابي لقتلتموه ودخل النار}.

    فأي مستوى دعويّ طرقه صلى الله عليه وسلم للناس؟! وهذا هو اللين واطراح الفضاضة.. وإن الذي يستخدم الفضاضة ويفرض سيطرته وقوته؛ يخسر من القلوب والأرواح ومن الأسماع والأبصار أكثر مما يكسب.. فلينتبه لهذا.

    1.   

    واجب الطالب

    أما واجب الطالب -مع وجود الإخلاص- فهو أمور كثيرة، سنذكر بعضاً منها:

    الهمة العالية في الطلب

    الواجب الأول: الهمة العالية في الطلب، وألا يرضى بالمقرارات الدراسية فقط.

    همة تنطح الثريا وعزم     له دوي يدكدك الأجْبَالَ

    اجعل في مخيلتك أن تكون كـابن تيمية، أو أبرع بارع، ومن يحجبك؟ هل أتاك القضاء والقدر بأنك لن تصل إلى مستوى من المستويات فتخفف على نفسك؟

    إن الانهزامية ومركب النقص ما أتى إلينا إلا بعد الاستعمار، ننظر إلى الخواجة على أنه رجل مقدس، وأنه ذكي لامع، وأنه عبقري فاره لأنه خواجة.

    أما نحن فعرب في الشرق الأوسط من الدول النامية ما نفهم وما نعرف وما نفقه.. سبحان الله!! ومن أمة الحضارة إلا نحن! ومن أهل الذكاء والأصالة إلا نحن!! لكن عسى الله أن يعيد لنا مجدنا وسؤددنا لنكون للأمم سادة.

    والهمة العالية في الطلب هي أن تحصل العلم والتخصص ليل نهار، مع أن تقصد به نفع المسلمين، وتغطية الساحة في هذا التخصص لينفعك الله في الدنيا والآخرة.

    احترام المعلم

    المسألة الثانية: احترام المعلم.. فإن المعلم هو الأب وهو الأخ الكبير، والمعلم هو الجذوة المتوقدة التي أحرقت نفسها لتضيء لك، والمعلم هو النبع الصافي الذي طالما شربت منه ورويت، فالله الله في احترام المعلم! احترامه في الكلام وباللين، وفي الأسلوب وفي التساؤل والحوار، كما أمر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم معه صلى الله عيله وسلم.

    احترام المعلم بأن تدعوه بأحب الألقاب إليه، وأن تشاركه الرأي وتترك رأيه يأخذ مجاله في الشرح والوقت، وإذا أردت أن تطرح سؤالاً فاحذر أن تخدش كرامة الأستاذ وعلمه ومقامه.

    احترام المعلم معناه أن تقدم السؤال في قالبٍ طيبٍ لينٍ؛ ولا يعني ذلك أن نكون كالنصارى حين يقولون: الواحد ثلاثة. والداخل في الكنيسة لا يفهم ذلك، ويقولون: لا تسأل عن معنى الواحد ثلاثة، فإذا قال: كيف يكون الواحد ثلاثة؟ قالوا: اخرج قاتلك الله أنت في النار.. لماذا؟ لأنه ما فهم أن الواحد ثلاثة، يقول الذهبي معلقاً على قول بعض غلاة الصوفية حين قال: لا يفلح طالب قال لمعلمه: كيف هذا؟ قال: الذهبي: يفلح والله، ثم يفلح إذا سأله. والخطأ لا يقر من أي أحد، فالكمال لله والعصمة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا سمعت مسألة فلك أن تناقش، لكن بأدب ووقار وسكينة.

    أما الخطأ فمرفوض قبوله، والمعصية كذلك، وما يخالف المنهج الإسلامي كذلك.

    ترك المعاصي

    ومما ينبغي على طالب العلم ألا يكدر علمه وألا يشوشه بالمعاصي.. أتدري ما الذي يهدم القلوب ويشتت الشعوب وينكس المستقبل؟ إنها المعاصي.. يقول أحد السلف: نظرت نظرة لا تحل لي فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى حرام؟! والذي نفسي بيده لتجدن غبها ولو بعد حين -أي: نتيجتها- قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وقال اعلم بأن العلم نور     ونور الله لا يهدى لعاصي

    هذا العلم نور لطيف شفاف، أدنى شيء يؤثر فيه، وأدنى شيء يدنسه ويرديه، فنعوذ بالله من علم لا ينفع.. والمعاصي تكدر المستقبل، وتطفئ المعرفة والذكاء -وهذا عنصر مستقل لكن أذكره للفائدة- نعم لقد وجد أن المعاصي تدمر المستقبل تدميراً عجيباً، ولذلك وجد من العصاة من ذهبت به معصيته إلى أن بلغ مستوى الكفر والإلحاد والزندقة.

    وخطوط الدفاع في الإسلام تجاه المعاصي ثلاثة:

    أولها: الآداب.

    ثانيها: السنن.

    ثالثها: الفرائض.

    فمن ترك الآداب ابتلاه الله بترك السنن، ومن ترك السنن ابتلاه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر، فنعوذ بالله من الكفر.

    أيها الإخوة الأبرار! إذا علم هذا فاعلموا أن المعاصي تذل العلم وتطفئ الذكاء، وتطمس المعرفة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].

    أيها الإخوة الأبطال! أيها الأبرار! عميداً ووكيلاً وأستاذاً وطالباً؛ إني أضعها من عنقي إلى عنقكم وأقول: إن رسالتنا واحدة، وديننا واحد، ومنهجنا واحد، فلنتق الله في ديننا وأصالتنا ورسالتنا ومبدئنا، ولنكن دعاة خير، ولنشهد الله على ما في قلوبنا من إيمان وصدق، يقول تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    اللهم وجه هذا الجيل لمرضاتك، اللهم حببهم إلى دينك، واجعلهم متشرفين بحمل رسالتك، اللهم اهدهم سبل السلام، وكفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    الأرجوزة التي قالها الشيخ في أمريكا

    السؤال: فضيلة الشيخ! نرجو من سعادتكم ذكر الأرجوزة التي قلتها في رحلتك إلى أمريكا ولك الشكر؟

    الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله صحبه وسلم تسليماً كثيراً.. هذه الأرجوزة هزلية من بحر الرجز، وبحر الرجز حمار الشعراء، يجوز لكل إنسان أن يركب هذا الحمار، لأنه خفيف لطيف، وهذه الأرجوزة قلتها في مؤتمر أكلاهوما شمال الولايات المتحدة، الذي عقد للطلبة العرب المسلمين هناك، وهي قصيدتان: جدية وهزلية، أما الجدية فعنوانها: أمريكا التي رأيت: وأبياتها تخاطب الأمة الإسلامية، قلت فيها:

    يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل

    وتوقف التاريخ في     خطواتها قبل الرحيل

    سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل

    وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل

    يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال

    وهي البريئة خدرهـا فيض عميم من جلال

    شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال

    موت أتاتورك الدعـي كموت تيتو أو جمال

    يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد

    كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد

    القاتلي الإنسان خابوا          ما لهم إلا الرماد

    جثث البرايا منهم      في كل رابية وواد

    ما زرت أمريكا فليـ     ست في الورى أهل المزار

    بل جئت أنظر كيف ند      خل بالكتائب والشعار

    لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار

    وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار

    ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام

    قد زادني مرأى الضلا     ل هوىً إلى البيت الحرام

    وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام

    ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام

    أما الأرجوزة الهزلية فاسمها نشرة الأخبار، قلت فيها:

    يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي

    مصلياً على رسول الله     مذكراً بالله كل لاهي

    قد جئت من أبها صباحاً باكراً     مشاركاً لحفلكم وشاكراً

    وحملتنا في السما طيارة     تطفح تارة وتهوي تارة

    قائدها أظنه أمريكي      تراه في هيئته كالديك

    يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا

    وهذه أخبار هذي النشرة     مسافة السير ثلاث عشرة

    من الرياض عفشنا ربطنا     وفي نيويورك ضحىً هبطنا

    أنزلنا في سرعة وحطنا     وقد قصدنا بعدها واشنطنا

    ثم ركبنا بعدها سيارة     مستقبلين جهة السفارة

    منـزلنا في القصر أعني ريديسون     يا كم لقينا من قبيح وحسن

    وبعدها زرنا مباني الكونجرس     ولم نجد مستقبلاً ولا حرس

    بها ملايينٌ حوت من الكتب     في كل فن إنه هو العجب

    في بلد أفكاره منكوسة     تثقله بصائر مطموسة

    يقدسون الكلب والخنزيرا     ويبصرون غيرهم حقيراً

    ما عرفوا الله بطرف ساعة     وما أعدوا لقيام الساعة

    فهم قطيع كشويهات الغنم     هزل وجد وضياع ونغم

    فواحش قد أظلمت منها السما     والأرض منها أوشكت أن تقصما

    من دمر العمال في بولندا      ومن أتى بالرق في يوغندا

    من دمر البيوت في نجزاكي من ضرب اليونان بالأتراك

    ومن الذي ناصر إسرائيلا     حتى تصب عنفها الوبيلا

    استيقظوا بالجد يوم نمنا     وبلغوا الفضاء يوم قمنا

    منهم أخذنا العود والسيجارة     وما عرفنا نصنع السيارة

    ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان

    وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة

    والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش

    فهو أبونا في مقام الترجمة     لأننا صرنا صخوراً معجمة

    ملاحظة: صفق الحضور بعد إكمال الشيخ الأبيات، فعلق الشيخ على التصفيق بما يلي:

    أيها الإخوة الكرام! كما قلنا في المحاضرة نحن نتحاكم إلى مظلة الإسلام والإيمان والحب والطموح، وإسلامنا ينهانا عن التصفيق، والتصفيق ليس من الإسلام، وليس فيه تصفيق في مثل هذه المبشرات، لأن الله ذكر التصفيق فقال: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35].

    لكن نحن أمة التكبير، كان الفارس منا إذا غلب قرينه في المعركة كبر، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا بشرهم بخير كبروا، فنحن أمة التكبير لأن ديننا كبير وأصالتنا كبيرة، ورسالتنا كبيرة، أما التصفيق فهو للمسارح ولغيرنا، ونحن لغيره.

    آثار التقدم العلمي بدون إيمان

    السؤال: ربطتم بين العلم والإيمان وهذا شيء حسن وجميل؛ لكن بماذا نفسر التقدم العلمي المذهل للشيوعيين في روسيا والصليبيين في كل من أوروبا وأمريكا؟

    الجواب: أنا قلت في كلامي: إنه لا بد من العلم مع الإيمان والإيمان مع العلم لقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [القصص:80] الآية، وما قلت: أن العلم بلا إيمان لا يتقدم، والله قد أثبت هذه النظرية في القرآن؛ أنه قد يتقدم العلم بلا إيمان، فقد يأتي العلم فيتطور في الماديات بلا إيمان، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66] ومن المعلوم أن العلم بلا إيمان ينتج الطائرة والسيارة والذرة، ويفجر الطاقات ويمد الجسور، ويفعل مثل ما فعل الآن في روسيا وأمريكا واليابان والصين وفي أي مكان.

    أيها الإخوة: إن العلم بلا إيمان لا ينفع الشعوب والأرواح في حياتها، إنهم يشكون أساطينهم، وقد قرأتم كتب أذكيائهم وعلمائهم وهم ينذرون أممهم أنها تمشي إلى الدمار.. أما تفشت فيهم الخيانة والعمالة والضلالة؟ أما سفك الدم؟ أما أصبحت الأعراض منتهبة؟ أما انتشرت الأمراض الخطيرة من الاتصال الجنسي؟ أما أتت الأمراض ففتكت بهم في الأعصاب والعقول والأدمغة؟ أما يعيشون الحسرة والقلق؟ والعجيب أن صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة دايل كارنيجي الأمريكي، ألف الكتاب هذا وترجم إلى تسعة وخمسين لغة، وفي الأخير لم يجد هو السعادة فانتحر، انتحر الذي أراد أن يعالج الناس من الأمراض.. فأنا أقول: إن الإيمان الذي نحن مكلفون به لا بد له من علم، والعلم الذي نخاطب الأمم به لا بد له من إيمان، ثم لا يمنعنا ذلك أن ننتج كما أنتجوا، وندخل المصانع كما دخلوا، ونقدم للبشرية كما قدموا، فالسؤال في واد وكلامي في واد آخر.

    غرس الخوف من الله في النفس

    السؤال: كيف يخلق الإنسان في نفسه الخوف من الله، مع أن الإنسان يترك بعض الأعمال السيئة خوفاً من الناس وليس من الله، فكيف يكون العكس؟

    الجواب: أولاً: السؤال لا بد أن يلاحظ عليه أنه يقول: يخلق، والإنسان لا يخلق بل هو مخلوق: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] فعبارة (يخلق) خطأ ولا تستخدم، واستعمالها استعمال بئيس لا يصح عقلاً ولا لغةً ولا نقلاً من الكتاب والسنة، والذي يخلق الأفعال في القلب وفي الروح وفي الجسم هو الله الواحد الأحد، واعتقاد أهل السنة أن الناس مخلوقون بأفعالهم، وقد ألف الإمام البخاري كتاب خلق أفعال العباد، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] إذاً فالصحيح أن تقول: كيف يشعر الإنسان بالخوف من الله؟ عليه بأمور ثلاثة:

    أولها: أن يتذكر الموت كثيراً.

    ثانيها: أن تكون ثقافته الكتاب والسنة.

    ثالثها: أن يحصن نفسه من المعاصي ويكثر من التوبة والاستغفار، وعسى الله أن يهديه سواء السبيل.

    حكم تعلم الرياضيات

    السؤال: عندنا إمام في مسجدنا يقول: إن الرياضيات ليس فيها خير، فما رأيكم؟

    الجواب: الذي يقول: إن الرياضيات ليس فيها خير هو اجتهاده، واجتهاده لا يجعله مبدأ للناس ومنهجاً يسيرهم عليه، ونحن نقول للناس في الأمور التي لم يأت بها الكتاب والسنة: قناعتكم لكم، والأمور الاجتهادية يختلف فيها، أما أن تأتي وتشرع للناس وتخطب في الناس وتقول: هذه لا خير فيها، وهي مما يخالف فيها، فهذا غير صحيح، أمرك لك، وقناعتك لك وابق في مجالك، وأما الذي يعلم أن المسلمين لا بد لهم من هذه العلوم كالرياضيات وبعض التخصصات -لأن الأمة لا بد أن تتطور في عالم الحضارة والإنتاج، ومقابلة الأمم في الساحة- فرأيه أشبه شيء بالخطأ وهو بعيد، فلا بد مع الكتاب والسنة من رياضيات ومع الرياضيات من كتاب وسنة.. إذاً فالإيمان لا بد أن يقترن بأي علم، وهو ما تطرقنا له في الكلام.

    عدم تعارض العلم الشرعي مع أي حقيقة علمية

    السؤال: إذا تعارض العلم الشرعي بحقيقة علمية مثبتة فما العمل، وهل يمكن ذلك؟

    الجواب: لا يمكن هذا ولا يحدث، وقد ألف ابن تيمية كتاب درء تعارض العقل والنقل، فالعقل لا يخالف النقل، والحقائق العلمية لا تخالف الكتاب أو السنة، ولو حدث هذا فعلى أحد محملين: إما أن الحديث ضعيف ليس بثابت عنه صلى الله عليه وسلم، فيأتون بالحديث الباطل الضعيف أو الموضوع الكذب فيعارضون به نظرية ويقولون للمسلمين: يقول رسولكم صلى الله عليه وسلم هذا والعلم يقول هذا، فنقول لهم: الحديث لم يثبت.

    أو أن النظرية لم تنضج ولم تصبح حقيقة لأنها تتدرج إلى أن تصبح حقيقة، ولذلك معارضة القرآن أو عرض القرآن للنظريات فيه خطورة لأنها تتغير، فقد يكتشفون اليوم شيئاً وغداً يعودون عنه، وبعد عدٍ يثبتون ما لم يثبتوا بالأمس، فعرض القرآن وجلوه للنظريات فيه خطورة كبيرة.

    فأقول حقيقةً لا يوجد معارضة بين ما يكتشف وبين الكتاب والسنة إلا من ناحيتين: إما أن يكون الحديث باطل أو أن تكون النظرية هذه ما أصبحت حقيقة واقعة بعد.

    ترجمة بعض المؤرخين للحجاج

    السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو أن تذكر بعض المؤرخين الذين ترجموا للحجاج بن يوسف الثقفي، لأنه اشتهر عنه بين بعض الناس الظلم وسفك دماء المسلمين الأبرياء؟

    الجواب: أولاً: الحجاج بن يوسف الثقفي الحاكم الوالي على العراق في عهد بني أمية، في عهد عبد الملك وولده الوليد بن عبد الملك، نقول فيه معتقد أهل السنة والجماعة: أنه من عصاة الموحدين، ومذنب صاحب كبائر وسفاك، لكنه من عصاة الموحدين، لا نشهد عليه بالنار ولا يخرج من الإسلام، لكننا نخاف عليه العذاب، فإن أهل السنة والجماعة لا يخرجون أهل الكبائر بكبائرهم من الإسلام، لكن يخافون على المسيء ويرجون للمحسن، والخوارج يكفرون أهل الكبائر، وهذا مذهب باطل بدعي لا صحة له.

    ممن ذكر الحجاج ابن كثير وقد أنصف في ترجمته، لكنه قال في كلمات (قبحه الله) أي: الحجاج، ومؤرخ الإسلام بجدارة وأصالة وعمق هو الذهبي، وقد ترجم له في سير أعلام النبلاء، فقال: الحجاج بن يوسف الثقفي له حسنات منغمرة في بحار سيئاته، نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الدين، وأما ما ورد عنه من السفك للدم فهذا أمر متواتر ومشهور بين الأدباء والمؤرخين والعلماء، فقد قتل مائة ألف، كثير منهم أبرياء، وأهان كثيراً من الصحابة الأخيار، وقتل سعيد بن جبير، حتى قال الحجاج: رأيت في المنام كأن القيامة قامت، وكأن الناس أحضروا للحساب، وكأن الله قتلني بكل رجل قتلته قتلةً، إلا سعيد بن جبير فقتلني به على الصراط سبعين قتلة.

    فـالحجاج بلا شك قتل وسفك وأمره إلى الله عز وجل، وقد حضرته الوفاة بعدما قتل سعيد بن جبير، فقد كان سعيد يقول وهو في سكرات الموت: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فمرض شهراً كاملاً وأخذ يخور كما يخور الثور، وكان يقول: أرى في كل ليلة أني أسبح في دم.

    ومن النكت والطرائف أنهم مروا بقبره بعد موته فسمعوا صوت تعذيب في قبره، فقال أخوه يعتذر له وهو حينئذٍ يمشي مع الأحياء على القبر: رحمك الله يا حجاج تقرأ القرآن حتى في القبر! هذا هو الحجاج بن يوسف.

    معنى: (تعالى جدك)

    السؤال: في دعاء الاستفتاح جملة لا نعرف معناها وهي: (وتعالى جدك) مع أني أقرأها في كل صلاة؟

    الجواب: (تعالى جَدكَ) لاتنطق إلا هكذا، ولا تقل: جِدك، فالجِد هو بذل الجهد في الشيء، وجَدك يطلق في الأنساب على أب الأب وما علا، والجدَ يطلق على الحظ، فمعناها: تعالى مقامك وحظك وقداستك، أي: تعاليت يا رب، وهو يعني المقام أي: مقامك وكبرياؤك وعظمتك، فمعناها يدور حول هذه المعاني.

    القصيدة المدوية

    السؤال: أرجو أن تذكر القصيدة التي قلتها في الأستاذ سياف؟

    الجواب: هذه القصيدة اسمها المدوية، أو الإسعاف في إتحاف سياف، وقد أرسلت بها له وللمجاهدين، ومنها:

    سياف في ناظريك النصر يبتسم     وفي محياك نور الحق يرتسم

    وفيك ثورة إسلام مقدسة     بها جراح بني الإسلام تلتئم

    حطمت بالدم أصناماً محجلة     وصافحت كفك العلياء وهي دم

    ثأرت لله وللدين الحنيف فلم     يقم لثأرك طاغوت ولا صنم

    على جبينك من سعد توقده     وخالد في رؤى عينيك يقتحم

    حلق إذا شئت فالأرواح طائرة     فعن يمينك من عاهدت كلهم

    وصغ من المهج البيضاء ملحمة     يظل يقرؤها التاريخ والأمم

    موتا على صهوات البيد يعشقه     أهل البسالة في عليائهم شمم

    لا موت من تسكر اللذات فطنته     حياته في الورى سيان والعدم

    سياف خذ من فؤادي كل قافية     تجري إليك على شوق وتستلم

    قد صغتها أنت إسلاماً ومكرمة     وفي سواك القوافي أشهر حرم

    كادت معاليك أن ترويك معجزة     لكن تواضعك الأسمى لها كتم

    كأنما أنت كررت الألى ذهبوا     هذا صلاح ومحمود ومعتصم

    السائرون وعين الله ترقبهم     السابحون وبحر الهول مضطرم

    أكفانهم نسجوها من دمائهم     على مطارفها النصر الذي رسموا

    ماتوا ولكنهم أحياء في غرف     من الجنان وذابوا لا فقد سلموا

    إلى آخر ما قلت.

    الغيبة والنميمة بين الطلاب

    السؤال: ما هو رأيكم في النميمة التي تحصل أيام القبول والتسجيل، كما يقول بعض الطلاب: هذا الدكتور فيه كذا، وذاك فيه كذا وكذا.. إلى آخره؟

    الجواب: هذه معصية مركبة، غيبة ونميمة، ليست معصية بسيطة لكنها مركبة من غيبة ونميمة، وبعض الطلبة يظن أنه يجوز غيبة الأساتذة، وأكثر ما يتشاغلون -بالاستقراء- في مجالسهم بغيبة الأساتذة، وخاصة إذا كان هناك عداء شخصي، فهذا يحرم ولا يظن الإنسان أنه ما تحرم الغيبة إلا في القرى أو في المسجد، لا. بل الغيبة هنا أشد وأشد، لكنها بين طلبة العلم، وبين الدعاة، وبين الأساتذة، وبين المتعلمين، فأنا أنصح هذا الأخ أن يتقي الله في نفسه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليعرف أن هذه الأعراض وهذه المقامات مقامات المسلمين أساتذة ومعلمين ولا ينبغي أن تبتذل أعراضهم وتنتهك، وأن تشرح أخلاقهم، فهذا من الأسف الشديد، وهو إثم كبير والله المستعان.

    من هو القدوة

    السؤال: هل يصح لي أن أكون معلماً قدوة ومعلماً صالحاً إذا كان ثوبي طويلاً، وأحلق لحيتي وأشرب الدخان.. وأزيد أنا يا شيخ وأقول: نحن نرتب هذه المحاضرات ليحضر الطلبة، وهي محاضرات محسوبة عليه، فيهرب البعض من فوق السور وهم قدوة لنا، فما تعليقكم؟

    الجواب: أنت تريد أن ترد على السائل، تهاجمه مثل ما هاجم الأساتذة، هذه المعاصي التي ذكرها الأخ في السؤال كقول القائل:

    تكاثرت الظباء على خراش     فما يدري خراش ما يصيد

    ونحن أمرنا أن نقوم الناس بحسناتهم وسيئاتهم، ولا نأتي إلى صاحب السيئة الصغيرة فنكبرها حتى تصبح مثل الجبل، ولا إلى الحسنة الكبيرة فنصغرها حتى تصبح كالنمل، لا.. يقول سبحانه: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].

    فالذي يشرب الخمر لانقول له: أنت بمنزلة المسبل للثوب، والذي يسرق لا نقول له: أنت بمنزلة من يحلق لحيته، لكن من هو المعلم الذي نقيس أحوالنا وأفعالنا وأقوالنا عليه؟ أليس هو الرسول عليه الصلاة والسلام؟ بلا شك هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنا أشكر فيكم وفي عميدكم هذه الروح الشجاعية والشورى ومبدأ حرية الرأي، كعرض هذه الأسئلة؛ لأن بعض المستويات ما يسمح بطرح هذه الأسئلة، ولا بد من هذا ليعرف الناس بعضهم بعضاً، ونحن أمة الشورى وأمة الحرية وأمة العقل المدرك، لا الإرهاب العقلي.

    والأستاذ الذي يفعل ذلك نقص من قدوته وأخطأ كثيراً، وطمس جانباً من معالم رسالته، وهو لا زال مسلماً -والحمد لله- وفيه خير كثير ويستفاد منه، لكن موقفنا منه أن ننصحه وأن نوجهه حتى يكون كاملاً، يقول أبو الطيب المتنبي:

    ولم أر في عيوب الناس عيباً     كنقص القادرين على التمام     

    وآنف من أخي لأبي وأمي     إذا ما لم أجده من الكرام

    فأنت كن كريماً متبعاً للرسول عليه الصلاة والسلام، واعرف أنك لم تكون كاملاً حتى تقتدي به في الثوب واللحية، وفي ترك الدخان، وفي ترك الأكل والشرب بالشمال لتكون كاملاً، أما أن نجزئ الإسلام ونقول: هذه قشور وهذه لباب، فمن قال إنها قشور ولباب؟! الذي أتى لنا بلا إله إلا الله وبالقرآن هو الذي أتى لنا باللحية وبتقصير الثوب، والذي أتى لنا بحقوق الإنسان وحب الإنسان وفقه الإنسان هو الذي أتى لنا بهذه السنن.

    وأما ما ذكره الدكتور من أن بعض الطلبة يقفزون على السور، فهذا من عدم تطبيقهم للعلم، وعدم انتفاعهم به، وهو مخالفة للعقل والنقل، فأما النقل فإن النصوص من العمادة تنص على أن هذا أمر باطل مجمع عليه من كافة المذاهب، فهو عصى الأمر الأمور، والعاصي جزاؤه معروف.

    وأما عقلاً فإنه لا يليق -حتى عند غير المسلمين- أن تصبح هذه المؤسسات العلمية كحديقة الحيوان، أو كمتسلق، أو كالجبال، فعلى الإخوة الطلاب، أن يتقوا الله، وأن يجعلوا مع العلم الأدب والإيمان والحب والطموح.

    حقيقة أهل الحداثة

    السؤال: ما هي الحداثة وهل هي مذهب أدبي أم أنها نظرة شاملة للحياة من غير منظور الإسلام؟

    الجواب: أهل الحداثة يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وهم على أقسام: مقتصد وظالم وسابق بالخيرات، ومعنى الحداثة: الثورة على كل قديم، وهي مذهب قالباً ومضموناً، وسوف أقسم الحداثيين في الساحة، وسوف أتكلم عن أهم مقاصدهم الرمزية والغموض الأدبي، فهم يقولون: إننا نضع قالباً لا حجر علينا فيه، ونحن نصدقهم على هذا، وهذا سور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، نوافقهم على القالب ونقول: ليس بحرام أن نخرج على الستة عشر بحراً أو السبعة عشر بحراً الموجودة في الساحة، لكن نقول: ما هو المضمون الذي تضعونه؟ فيقولون: نحن متصرفون ولنا مطلق الحرية. قلنا: لا. هناك كتاب وسنة، وكثير منهم نادى بالثورة على اللغة وعلى الدين وعلى الرسالة، فيقول: كل قديم نثور عليه، بما فيه القرآن والكعبة والرسول عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء ملاحدة بلا شك، وهو مركب أدونيس والسيَّاب، وقد أتى هذا بكثير من الساحة لا أذكر أسماءهم، وقد عرضت أسماؤهم عندكم في كثير من المنشورات والمقالات والكتب، فهذا القسم حظه معروف، وعليه أن يتوب إلى الله فقد ارتد عن الإسلام.

    والقسم الآخر: قسم يقول: لا مشاحة في المضمون، نحن مسلمون، لكن نكتب في قالب أدبي، ومن يحجر علينا؟ فبدلاً من أن القصيدة عمودية نجعلها منثورة، كهذا الشعر الموجود الذي ترجم، قلنا لهم: لكم ذلك لكن احذروا في المضمون.. وهؤلاء لا غبار عليهم، وقد نادى بهذه الفكرة أناس كثير منهم، ونقول لهم: أنتم لا زلتم في الإسلام، لكن اتقوا الله في المضمون.

    فهم على قسمين اثنين: أهل قالب لا شر فيه، وأهل مضمون كله شر وزندقة، وقد عرض لكم عنهم شيء كثير من التوجيه والملاحظة في كتب وأشرطة.

    الذهاب إلى الجهاد بدون إذن الوالدين

    السؤال: أرجو من فضيلتكم بيان حكم من يذهب إلى أفغانستان لقصد الجهاد دون علم من أهله، أو أن يخبرهم بذلك؟

    الجواب: لا بد من استئذان الوالدين في الذهاب إلى أفغانستان، وقد كثر الكلام في مسألة الاستئذان والذهاب، أما مسألة الجهاد فلا بد من الكلام فيها طويلاً.

    أخذ النظريات وتجارب الغربيين

    السؤال: قدوتنا هو الرسول صلى الله عليه وسلم بلا شك، ولكن عند تطبيقنا في المدارس نأتي على طريقة فلان وعلان في التربية، ووظيفة فلان في الثواب والعقاب، وفلان في الحروف ودرجة الذكاء، فما رأي شيخنا هل نواصل مسيرتنا ونحن نأخذ من الغربيين ونحن نملك أعظم طريقة للتربية؟

    الجواب: أولاً: يفرق بين العلم الذي أتى به صلى الله عليه وسلم والإيمان، فنأخذه من الرسول صلى الله عليه وسلم، والتجارب لا بأس أن نأخذها من الأمم، وقد رد في أثر بعضهم يرفعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه من كلام علي: [[الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها أنى وجدها]].

    والشيطان علم أبا هريرة آية الكرسي، وقال له كما في الصحيحين: إذا قرأتها لا يقربك شيطان. فأخذها أبو هريرة. فالتجارب والنظريات التي وصل إليها الغربيون لا بأس أن نأخذ مايستفاد منها، كهؤلاء الذين كتبوا في علم النفس؛ بشرط ألا تعارض ديننا، فإذا عارضت إسلامنا وديننا وإيماننا رمينا بها وبهم وراء السور، وحرام أن ترد علينا، أما إذا لم تعارض فما هو الذي يحرم علينا أن نستفيد منهم؟ كما استفدنا منهم في هذه الوسائل، في المكرفون والمال والماسة التي أمامي والكرسي الذي أجلس عليه، وكل شيء علينا هي منهم، حتى الطباشير -والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه- لا نعرف صنعها.

    منهم أخذنا العود والسيجارة     وما عرفنا ننتج السيارة

    وأما الأمور المذمومة والمحتقرة فقد نقلت إلى الشرق، لكن الكماليات والفوائد والنوافع لم تنقل، فقد سمعنا من يغني ويطبل لأن الفرنسيين غنوا وطبلوا؛ لكن ما سمعنا من يصنع السيارة ويقدم الثلاجة لأن الفرنسيين صنعوا السيارة وقدموا الثلاجة!

    مر أحد الناس بشيخ يقرأ على طلابه في الروض المربع، وهو كتاب معروف للحنابلة في الفقه، فقال أحد هؤلاء الشباب المتطورين الذين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا خارج العالم ولا داخله، قال: يا شيخ! أنت تشرح في الروض المربع والناس صعدوا على سطح القمر! فقال له الشيخ: يا أخي! أما أنت فلا صعدت على القمر ولا جلست معنا في الأرض تقرأ الروض المربع. وهذا صحيح، هؤلاء الذين يهزءون بنا لأننا نتكلم في هذه القضايا هم ما ذهبوا ولا قدموا لنا شيئاً، وقد يعذر الخواجة لأنه قدم للبشرية شيئاً، ولكن لا يعذر لتركه الإيمان، فلينتبه لهذا.

    حكم التصوير وتعليق الصور والغناء

    السؤال: ما حكم التصوير التلفزيوني، وتعليق الصور، وما حكم الغناء؟

    الجواب: هذه ثلاثة أشياء: التصوير التلفزيوني أو الفيديو أو نقل الصورة، الذي أعرفه أنه إذا كان يترتب على هذا التصوير مصلحة أعظم من مفسدته فلا بأس به، كأن ينقل صورة هذا اللقاء إلى مكان أو إلى صالة أو إلى أمكنة يستفيد منها المسلمون، وأما التصوير في التلفزيون فأمر آخر، وأنا أتكلم عن التصوير لنقل اللقاءات والمحاضرات والكلمات، فلا بأس به وهو من وسائل الدعوة، لينقل إلى أمكنة، ويستفيد منه جموع من المسلمين؛ لأن هذه الوسائل إذا لم تستغل في خدمة الدعوة فسوف يبقى مجالنا ضيق وقليل، وسيأتي الكافر ويسبقنا على هذه الأمور، ونحن نقف مكتوفي الأيدي.

    وأما الغناء فهو حرام، وقد اشتهرت في حكمه الأدلة وتظافرت، وأما الذين يفتون بعدم تحريمه، فليس لهم دليل، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة، منها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مالك الأشعري في البخاري: {ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} واستحلالها يكون بعد التحريم، وفي سنن أبي داود: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع أصبعيه في أذنيه لما سمع زمارة راعي} إلى غيرها من الأدلة، وقد تعرض ابن تيمية في كتاب الاستقامة للغناء، وذكر أنه مسكر، ويوجد من الشهوات والشبهات ما الله به عليم، بل هو بريد الزنا، وما وجدت الجريمة والتفسخ وعدم احترام الأعراض إلا بهذه الوسائل من العشق والوله والجريمة، ومن أعظم مصائب الغناء إخراج حب الله عز وجل من القلب.

    وتعليق الصور لا يجوز، وليس فيها مصلحة ولا فائدة، وليست بضرورية، والصور إنما هي للضرورة، مثل الحفيظة والاستمارة وما يدخل في حكمها، وأما تعليقها للتعظيم فهذا حرام، وما ينبغي أن يكون لا في الصالات ولا في المكاتب، وهو يخالف نصوص الوعيد التي أتى بها المصطفى عليه الصلاة والسلام وقالها.

    حب المدح والثناء

    السؤال: فضيلة الشيخ! لي قلب يحب المدح والثناء، فما نصيحتكم لي؟ وأرجو ألا تنسوني من صالح دعائكم؟

    الجواب: وفقنا الله وإياك وكل مسلم.. أما ما ذكرت أنك تحب المدح والثناء فهذا على قسمين:

    شكا بعض الصحابة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: {قلت: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل يريد به وجه الله فيمدح فيستبشر، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن} فلا بأس إذا عملت العمل لوجه الله عز وجل ثم أثنى عليك الناس، كأن دعوا لك بظهر الغيب، أو قالوا: فلان طيب، فإنها من موجبات الرحمة، فقد قال عليه الصلاة والسلام لجنازة مرت به وأثنى عليها الناس: {وجبت وجبت، وقال للأخرى لما أثنوا عليها شراً: وجبت وجبت. قالوا: ما وجبت في الأولى والثانية؟ قال: تلك أثنوا عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، وتلك أثنوا عليها شراً فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه}.

    وأما أن تعمل العمل من أوله لقصد الثناء والمدح فهذا رياء وسمعة، نعوذ بالله من ذلك، وهو محبط للأعمال، ودواؤه أن تعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ولا يجزل الثواب إلا الله، ولا يعطي إلا الله، ولا يرفع من مقامك إلا الله، ولا يحببك ولا يبغضك إلا الله، فخذ الحب والثواب والأجر منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وما عليك من الناس إن مدحوك أو ذموك.

    وجزى الله خيراً كل من ساهم في هذا اللقاء، وأشكركم شكراً لا حد له، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741909475

    عدد مرات الحفظ

    684649218