اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العلم بين الأستاذ والتلميذ للشيخ : عائض القرني


العلم بين الأستاذ والتلميذ - (للشيخ : عائض القرني)
فضل العلم عظيم، وخيره كثير، ونفعه كبير، ولابد للعلم من معلم يرعى الطالب ويربيه، ويهذبه ويزكيه، ويعلمه كيف ينتفع بعلمه، ولابد لهذا المعلم من أخلاق ومواصفات لا يخلو منها، وفي المقابل يجب على الطالب الالتزام بآداب تجاه معلمه، وفي هذا الدرس يذكر الشيخ كثيراً من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم والمتعلم.
تاريخنا مبدؤه من البعثة
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول.. لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك.. لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. والصلاة والسلام على من بعثه الله فهدى الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، وأنار به معالم البشرية.. صلى الله وسلم على أذن الخير التي تلقت الوحي من الله، فبلغته للبشرية، ووعته وحفظته.. صلى الله وسلم على لسان الصدق الذي دفع الكلمة الصادقة المخلصة إلى الأجيال.. صلى الله وسلم على المعلم النبيل، والهادي الجليل، والأستاذ النبيل.. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلاماً دائمين مادام الليل والنهار. أمَّا بَعْد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وإن كان لي من شكر فإني أشكر الله تبارك وتعالى على أن أجلسني في هذا المكان، ثم أشكر أساتذة الجيل ورواد الحضارة، وأهل البناء العميق في تاريخ الإنسان، ثم أشكر سعادة عميد هذه الكلية ووكيله وهيئة التدريس، ثم أشكركم أيها الأبطال الأخيار النبلاء. أتيت من أبها بلاد الجمال أقول أهلاً مرحباً بالرجال روض النـبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أصحابه يا رجال المحاضرة في هذه الليلة: (العلم بين الأستاذ والطالب) ويوم أن يكون العلم عندنا نحن المسلمين يكون نوعاً آخر، ويكون له طعم آخر ومزاج آخر ورسالة أخرى.. وهل العلم إلا منا، وهل نحن إلا شادة العلم الذي ينفع في الدنيا والآخرة.وأما عناصر هذه الجلسة والمحاضرة فهي:فضل العلم، وما ذكره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن العلم.. ثم لا علم بلا إيمان لنرد على العلمانيين، أهل التراب عبدة العلم من دون الله.. ثم العلم النافع يورث الخشية.. ثم عدم العمل بالعلم شؤم وزندقة وإلحاد، وهذا ليس مقصوداً. ثم مهمة الأستاذ في التعليم، وما هي هذه المهمة والرسالة التي تركها الإسلام على عاتق الأستاذ.. ثم ما هو واجب الطالب بيد الأستاذ؟ وقبل ذلك أمام رقابة الله تبارك وتعالى.. وفي الأخير المعاصي تذل العلم، وتطفئ الذكاء وتطمس المعرفة. أيها الإخوة: كنا قبل الإسلام أمة عربية أمية لا نعرف شيئاً.. رعاة غنم وإبل وبقر، والقوميون يقولون: لا. تاريخنا من أول الدنيا، ونحن أهل الحضارة حتى قبل الإسلام.. وكذبوا لعمر الله! ودجلوا على الحقيقة والتاريخ! كنا أمةً بلا معرفة ولا ثقافة، وأمةً بلا حضارة حتى أتى محمد عليه الصلاة والسلام..تاريخنا من رسول الله مبدؤه وما عداه فلا ذكر ولا شان هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].كان للرومان حضارة، ولفارس ثقافة، وللهنود معرفة، أما نحن في الجزيرة فلا ثقافة ولا حضارة ولا معرفة حتى جاء عليه الصلاة والسلام فسكب فينا روح لا إله إلا الله، فاستيقظنا من نومنا وسباتنا العميق.إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها وبعد خمس وعشرين سنة يخطب خطيبنا في نواحي نهر السند واللوار، وعلى ضفاف دجلة والفرات، وبعد خمس وعشرين سنة يكون لنا منتدى في العالم.. شعراء وأدباء؛ لأننا أمة الإيمان والحب والطموح.
 

فضل العلم وعلاقته بالإيمان بالله
أراد الله سبحانه وتعالى أن يستشهد على جلالته وعظمته ووحدانيته فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]. فانظر كيف استشهد العلماء وطلبة العلم على أعظم شهادة في الدنيا. والله عز وجل يرفع بين طبقات الناس بنسب إضافية، فما هي الرفعة في الإسلام بعد التقوى؟ إنه العلم، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]. وهل يستوي عالم متعلم وجاهل بليد رعديد؟! لا والله.. لا في العقل ولا في الحس ولا في النقل، يقول سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] أرأيت الكلب؟ هو كلب ويكفي في تعريفه أنه كلب، والمعارف لا تعرف، ولكن جعل الله الكلب في القرآن على قسمين:كلب معلم، تعلم وحمل شهادةً فصيده حلال، وكلب جاهل فصيده حرام.. يقول سبحانه: مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] أرأيت إلى الهدهد؟ إنه طائر ويفتخر بالعلم! وهل سمعتم بهدهد يفتخر بالعلم؟! إن سمعتم بذلك فهو في سورة النمل، أتى إلى سليمان عليه السلام فقال له: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ [النمل:22] ثم ألقى عليه محاضرة في التوحيد والعقيدة فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل:23-24] ولم يطلب الله من نبيه أن يتزود من الحطام، ولا من المال، ولا من العمار، ولا من العقار، ولكن قال له: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114].هذا الرجل العظيم عليه الصلاة والسلام، الذي يسكن في بيت من الطين، ويجلس على التراب، ويأكل خبز الشعير، ولكنه نشر العلم في العالم، ونشر المعرفة في المعمورة، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وهذا الفضل إنما هو بالقرآن؛ بل أفضل من ذلك كله أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى جعل العلماء وطلبة العلم ورثة للأنبياء والرسل.. فيا ورثة الأنبياء والرسل! ويا أحفاد محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي! ويا من أراد أن يشع الخير في البشرية مرة ثانية! لنقول للناس من هنا خاصةً من مهبط الوحي، من حيث انتشر الإسلام، وانطلقت لا إله إلا الله: هذه رسالتكم، وهذا الحديث معكم عن العلم وفضله، فلا أفضل من العلم، ولا أجلَّ منه.. يقول الأندلسي المربي أبو إسحاق الالبيري، وهو يوصي ابنه بطلب العلم وفضل العلم: هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضارب من أردتا وكنـز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا
 العلم بلا عمل شؤم
إذا رأيت المتكثر من الثقافة العامة والخاصة قد أصبح ذهنه سلة للمهملات، يحفظ الأرقام والمعلومات والألفاظ، ثم لا يظهر عليه نور من العلم، ولا أصالة ولا تأثير في معتقده وعبادته وسلوكه؛ فاعلم أن علمه شؤم عليه، وغضب ولعنة إلا أن يتوب الله عليه.يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في بني إسرائيل: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] ويقول في عالمهم بلعام بن باعوراء -العميل المتخلف الذي طلب العلم ثم تركه وألحد في دين الله- قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].فإن الكلب إذا وضعته في الشمس يمد لسانه ويضيق نفسه ويلهث، وإذا أدخلته في الظل يمد لسانه ويتردد نفسه ويلهث، والخبيث في أصالته وفي قلبه يتعلم ولا ينتفع، فنعوذ بالله من هذا المثل الشؤم على كل من فعل هذا أو زاوله أو فكر فيه أو أراده.ويقول الله عز وجل في بني إسرائيل: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] والحمار حمار.لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع ومهما تعلم أو حمل من الكتب فعقله هو عقله لم يتغير، فنعوذ بالله من هذا المثل.إخوة الإسلام! هذه مسألة لا تغيب عن البال، وقد اتفق العقلاء من المؤمنين أن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، والله عز وجل يجعل من عمل الإنسان ولو بجهده الميسور زيادة في الخير والفضل والنبل.
مهمة الأستاذ في التعليم
الأستاذ حين يكون نائباً للرسول عليه الصلاة والسلام، ويكون حاملاً للرسالة، ومخلصاً متوقد القلب، وحين يكون كما كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس.. الأستاذ حين يكون خليفةً لـأحمد ومالك والشافعي وابن تيمية وابن القيم فهو الذي نريد أن نتكلم معه اليوم، أما الآخر -وليس معنا إن شاء الله- فهو أستاذ يحمل أهدافاً دنيوية، إما تحصيل راتب أو تزجية وقت، أو ظهوراً وشهرة، أو مستوى علمياً لا ينفعه في الدار الآخرة، فهذا ليس معنا وليس بيننا إن شاء الله.ومهمة الأستاذ تدور على أربع مسائل:-الإخلاص.-القدوة.-القوة العلمية.-اللين واطراح الفضاضة.
 اللين واطراح الفظاظة
الحب أمر عجيب، ونحن أمة الحب، أتدرون ما هو الحب؟ ليس هو الذي يريده أمير الشعراء أحمد شوقي الذي يقول: الحياة الحب والحب الحياة.هذا كذب، هذا حب كوكب الشرق، وهو الذي رد الأمة عشرين سنة إلى الوراء.. كوكب الشرق تغني شبابنا بالحب هو الحياة والحياة هي الحب، وطائرات الميراج الإسرائيلية تغطي شمسنا..فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها لله كم نددوا يوماً وكم شجبوا هذا الحب ليس هو المقصود، وهو حب المغنين والمغنيات، والمجرمين والمجرمات، الأحياء منهم والأموات، وهو ليس مقصوداً في الإسلام، فإن الحب أعظم من ذلك، نحن رسل الحب، ونحن الذين زرعوا الحب في قلوب الناس فآتى أكله كل حين بإذن ربه، والحب عندنا حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما الحديث الذي يقول: {من أحب فعف فكتم فمات مات شهيداً} فهو حديث كذب، سنده ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، هذا الحديث كذب على الإسلام، وإن الذي يموت على المسرح وعلى الأغنية والمجلة الخليعة وفلانة فلن يكون شهيداً أبداً.. كيف يكون شهيداً؟! شهيد عمالة ودجل وتخلف ورجعية.إن الشهيد هو الذي يحب الله ورسوله كما يقول إقبال في قصيدة تاج مكة:من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا إذاً هذا هو الحب، وقد استطردت في الحب لأن مفهوم الحب عند كثير من الناس، ممن يكتب في الصحافة، ويتكلم في المنتديات، مفهوم خاطئ، ما عرفوا الحب ويموتون وهم لا يعرفون الحب، ويصلى عليهم صلاة الجنازة وما طعموا الحب، ويحشرون عند الله يوم القيامة وما عرفوا الحب.. الحب هو أن يأتي مثل عبد الله بن عمرو الأنصاري حين قال في معركة أحد: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى. فيقتل في سبيل الله، ويكلمه الله كفاحاً بلا ترجمان. الحب أن يأتي مثل البراء في معركة تستر ويقول: أقسمت عليك يا رب أن تنصرنا هذا اليوم؛ فينتصر ويكون أول شهيد.. الحب هو أن تسفك دمك لمرضاة الله.. الحب هو أن إذا سمعت أذان الفجر يدوي في الأرجاء قامت نفسك طليقة شجاعة إلى المسجد.. الحب أن يكون أعظم كتاب عندك في الحياة كتاب الله.. الحب أن تكون أناملك ولسانك يتمتم بذكر الله تبارك وتعالى.إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس هذا هو الحب.. فأقول للأستاذ: إن خيطاً ليس فيه حب مع الطالب خيط مبتور ومقطوع، وإن رسالة ليس فيها لين رسالة عصا وسوط ونار وحديد، وهي من كيس استالين وماركس ولينين، وليست من كيس محمد عليه الصلاة والسلام الذي يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عنه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].كأنه يقول: عجيب هذا المنهج العظيم العملاق الذي وضعته للناس كيف كسب قلوب العرب؟! والعرب كقرون الثوم، إذا قشرت قرناً خرج لك ستة قرون، فإذا قشرت الآخر خرج لك ستة، فالعرب مثل ذلك، لا يسيطر عليهم ملك، ولا سوط، ولا سجن، ولا سيف، أمة متمردة ومشاغبة، لكنه صلى الله عليه وسلم أتى يتبع قول الله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].ويقول الله له: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] لو دفعت الذهب والفضة ما كسبت القلوب، ولذلك أقول لدعاة الإسلام وأساتذته، والعمداء في الكليات: إن رسالتنا لا بد أن تحمل الإيمان والحب والطموح واللين للناس، ونحن لسنا مجرحين وإنما نحن دعاة، ولسنا قضاة وإنما نحكم على الناس بما ظهر، وإن الكلمة اللينة الطيبة تعشقها القلوب وتحبها النفوس.أرأيتم أكبر من فرعون؟ أسمعتم بشيخ الضلالة؟؟ أرسل الله له موسى فقال له وهو في الطريق: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] احذرا أن تجرحا شعوره، احذرا أن تسفكا كرامته في مجلسه، قال سفيان الثوري: القول اللين هو أن يكنيانه بكنيته، وكنية فرعون أبو مرة، مرغ الله وجهه في النار.فأخذ موسى يقول: يا أبا مرة! أتيت بمبدأ وبشريعة وبمنهج أعرضه عليك اليوم.. فهل فاتتنا الكلمة اللينة ولا تفوت موسى عند فرعون؟!دخل أعرابيٌ على هارون الرشيد فقال: أريد أن أتكلم معك بكلام شديد فاصبر عليَّ. قال هارون: والله لا أصبر قال: ولم؟ قال: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للرسول عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].كيف استطعت أن تقود القلوب؟ كيف سبيت الأرواح؟ كيف جعلت الأعداء أصدقاء؟ لأنك داعية عملاق.حتى إن ابن سيناء الذي هو من أفراخ الصابئة وأذناب المجوس، ولو أنه قد أجاد في الطب، يقول: ما طرق العالم مصلح كمحمد عليه الصلاة والسلام. وهذا صحيح.. وفي كتاب الأمريكان المسمى: عظماء العالم وضعوا في المرتبة الأولى محمداً عليه الصلاة والسلام، وقالوا: أعظم عظيم في الدنيا محمد، لأنه أصلح وبيته من طين -عليه الصلاة والسلام- ما لم تصلحه جامعات الدنيا في ثلاثمائة سنة، بل فشلت جامعات الدنيا، وشرب الخمر، وسفكت القيم، وانتهكت الأعراض، وذبح الناس، ودمرت البيوت.من دمر البيوت في نجزاكي من ضرب اليونان بالأتراك من قتل العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا أما محمد عليه الصلاة والسلام فأسلوبه لين مع طلبته.فيا أيها الأساتذة! حبل اللين حبل عجيب، وهو السحر الحلال، وإن كان في الإسلام سحر حلال فهي البسمة، قيل لأحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال.يأتي أعرابي فيسب ويشتم الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسحب ببردته الشريفة من على جسمه الشريف ويقول: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك. فيلتفت إليه ويتبسم ويعطيه مالاً، ويريد الصحابة قتل هذا الأعرابي، فيقول: لا. فلما أكرمه قال: هل أحسنت إليك؟ قال: نعم جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فيعود هذا الأعرابي داعية إلى قبيلته فتسلم عن بكرة أبيها، فيقول صلى الله عليه وسلم: {أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي؟ قالوا: لا ندري. قال: كمثل رجل كانت له دابة فرت منه، فأتى الناس لمسكها وحبسها فما تزداد إلا فراراً، فقال: يا أيها الناس! دعوني ودابتي أنا أبصر بها، فأخذ شيئاً من خشاش الأرض -خضار الأرض- وأخذ يلوح للدابة فأتت فحبسها، قال: فلو تركتكم وهذا الأعرابي لقتلتموه ودخل النار}. فأي مستوى دعويّ طرقه صلى الله عليه وسلم للناس؟! وهذا هو اللين واطراح الفضاضة.. وإن الذي يستخدم الفضاضة ويفرض سيطرته وقوته؛ يخسر من القلوب والأرواح ومن الأسماع والأبصار أكثر مما يكسب.. فلينتبه لهذا.
واجب الطالب
أما واجب الطالب -مع وجود الإخلاص- فهو أمور كثيرة، سنذكر بعضاً منها:
 ترك المعاصي
ومما ينبغي على طالب العلم ألا يكدر علمه وألا يشوشه بالمعاصي.. أتدري ما الذي يهدم القلوب ويشتت الشعوب وينكس المستقبل؟ إنها المعاصي.. يقول أحد السلف: نظرت نظرة لا تحل لي فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى حرام؟! والذي نفسي بيده لتجدن غبها ولو بعد حين -أي: نتيجتها- قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي هذا العلم نور لطيف شفاف، أدنى شيء يؤثر فيه، وأدنى شيء يدنسه ويرديه، فنعوذ بالله من علم لا ينفع.. والمعاصي تكدر المستقبل، وتطفئ المعرفة والذكاء -وهذا عنصر مستقل لكن أذكره للفائدة- نعم لقد وجد أن المعاصي تدمر المستقبل تدميراً عجيباً، ولذلك وجد من العصاة من ذهبت به معصيته إلى أن بلغ مستوى الكفر والإلحاد والزندقة.وخطوط الدفاع في الإسلام تجاه المعاصي ثلاثة:أولها: الآداب.ثانيها: السنن. ثالثها: الفرائض.فمن ترك الآداب ابتلاه الله بترك السنن، ومن ترك السنن ابتلاه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر، فنعوذ بالله من الكفر.أيها الإخوة الأبرار! إذا علم هذا فاعلموا أن المعاصي تذل العلم وتطفئ الذكاء، وتطمس المعرفة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].أيها الإخوة الأبطال! أيها الأبرار! عميداً ووكيلاً وأستاذاً وطالباً؛ إني أضعها من عنقي إلى عنقكم وأقول: إن رسالتنا واحدة، وديننا واحد، ومنهجنا واحد، فلنتق الله في ديننا وأصالتنا ورسالتنا ومبدئنا، ولنكن دعاة خير، ولنشهد الله على ما في قلوبنا من إيمان وصدق، يقول تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].اللهم وجه هذا الجيل لمرضاتك، اللهم حببهم إلى دينك، واجعلهم متشرفين بحمل رسالتك، اللهم اهدهم سبل السلام، وكفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

  حب المدح والثناء
السؤال: فضيلة الشيخ! لي قلب يحب المدح والثناء، فما نصيحتكم لي؟ وأرجو ألا تنسوني من صالح دعائكم؟الجواب: وفقنا الله وإياك وكل مسلم.. أما ما ذكرت أنك تحب المدح والثناء فهذا على قسمين:شكا بعض الصحابة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: {قلت: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل يريد به وجه الله فيمدح فيستبشر، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن} فلا بأس إذا عملت العمل لوجه الله عز وجل ثم أثنى عليك الناس، كأن دعوا لك بظهر الغيب، أو قالوا: فلان طيب، فإنها من موجبات الرحمة، فقد قال عليه الصلاة والسلام لجنازة مرت به وأثنى عليها الناس: {وجبت وجبت، وقال للأخرى لما أثنوا عليها شراً: وجبت وجبت. قالوا: ما وجبت في الأولى والثانية؟ قال: تلك أثنوا عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، وتلك أثنوا عليها شراً فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه}.وأما أن تعمل العمل من أوله لقصد الثناء والمدح فهذا رياء وسمعة، نعوذ بالله من ذلك، وهو محبط للأعمال، ودواؤه أن تعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ولا يجزل الثواب إلا الله، ولا يعطي إلا الله، ولا يرفع من مقامك إلا الله، ولا يحببك ولا يبغضك إلا الله، فخذ الحب والثواب والأجر منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وما عليك من الناس إن مدحوك أو ذموك. وجزى الله خيراً كل من ساهم في هذا اللقاء، وأشكركم شكراً لا حد له، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العلم بين الأستاذ والتلميذ للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net