مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

1213137

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8438

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6475

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

3531

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2684

(...)
6

أذان بصوت- الشيخ ياسر ..

1962

ياسر الدوسري
7

قراءة متن الشاطبية

1849

مشاري راشد العفاسي
8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1627

9

خطبة عيد الفطر المبارك

1575

محمد المنجد
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1545

تكلم الشيخ في هذا الدرس عن سورة البقرة وفضلها، وتطرق للكلام عن معجزة القرآن الخالدة، وذكر أمثلة على ذلك، ثم فسر الآيتين الأوليتين من سورة البقرة، مبيناً صفات المتقين المذكورة في أول السورة.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

نقرأ في هذه الليلة المباركة أوائل سورة البقرة؛ تلكم السورة العظيمة، التي هي أكبر سورة في القرآن.

يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: بسم الله الرحمن الرحيم الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:1-5].

نقل القرطبي وغيره أن في سورة البقرة ألف أمر وألف نهي وألف خبر.

وسورة البقرة لا تقرأ في بيت إلا ذهب منه الشيطان وطرد منه ودحر.

وسورة البقرة وآل عمران كما صح عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة في مسلم وغيره أنه قال: (اقرءوا الزهراوين، البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان كغمامتين أو غيايتين، أو كفرقان من طير صواف تظلان صاحبهما يوم القيامة).

وكان الرجل من الصحابة -كما قال أنس وصح ذلك عنه-: [[إذا حفظ سورة البقرة، وفي لفظ: إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فينا]] أي: أصبح سيداً عظيماً مقدماً إماماً.

وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يؤمر على أصحابه أميراً في سرية سألهم: أيكم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيخبرونه، فقال له رجل لما قال له صلى الله عليه وسلم (ماذا تحفظ؟ قال: أحفظ سورة كذا وكذا وسورة البقرة. قال صلى الله عليه وسلم: أتحفظ سورة البقرة؟ قال: إي والله يا رسول الله. قال: اذهب فأنت أميرهم)

ولذلك شرف المسلم بشرف ما يحمل من قرآن ويعمل به، لأن العمل بهذا القرآن هو حفظ للقرآن، وليس حفظه في الصدور وتضييعه في العمل.

ولما أتى عليه الصلاة والسلام إلى الشهداء في معركة أحد -رضي الله عنهم وأرضاهم، وأنزلهم فسيح جناته، وجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر- قال وهو يجمع الاثنين والثلاثة والأربعة في قبر واحد: (أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟) فإذا أشاروا إلى رجل قدمه تجاه القبلة لشرف القرآن الذي في صدره، وأتى صلى الله عليه وسلم ليدفن رجلاً من الأنصار فقال: (رحمك الله، إنك كنت أواهاً تالياً لكتاب الله) وهذا شرف عظيم.

وقد جاء في الترمذي بسند حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان).

ووجد أن بعض الصالحين تأذى من مشاكلة الجان في داره، فأوصاه العلماء بقراءة سورة البقرة، فلما قرأها ذهبوا بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فهم لا يلجئون إلى بيت فيه سورة البقرة، إنما يأتون إلى بيت فيه الغناء الماجن، والمجلة الخليعة، والكلمة النابية، والفاحشة والمعاصي، أما بيوت أهل القرآن فحرام على الجان أن يدخلوها، والسحرة يغاظون إذا قرأت سورة البقرة، والكهنة يموتون من سورة البقرة، والمشعوذون يغضبون إذا قرأت عليهم سورة البقرة؛ لأنهم من حزب إبليس وحزبه في النار.

يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كغيايتين) الغياية والغمامة والغبابة قطعتان من كُبريات السحب، يوم يشتد الحر، وتتطاير الصحف، ويدنو الكرب من النفوس، وتدنو الشمس من الرءوس، ولا ظل إلا من أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فيأتي الذي يتلو سورة البقرة وآل عمران، سواء في المصحف أو غيباً، ويتلوها دائماً وأبداً، يأتي وعليه سحابتان بإذن الله الواحد الأحد، فتغطيه في الموقف، حتى يقضي الله بين الناس.

أو تأتيان كفرقان من طير صواف كل آية بطير، تظلانه من الكرب ومن حرارة الشمس حتى يقضي الله بين الناس، ولا ظل هناك إلا بالعمل، فالمتحابون بجلال الله يستظلون بعرشه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الله عز وجل يقول يوم القيامة: (أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس) فأنت في ظل صدقتك، فأكثر من الصدقة أو أقلل، فمنهم من تأتي صدقته كالكهف، ومنهم من تأتي كالجبل، ومنهم من تأتي كالغمامة.. فأنت ما بررت إلا بنفسك، وما نفعت إلا نفسك، وإن أسأت فعليها وما ربك بظلام للعبيد.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: الم ما هي هذه الحروف؟ ما المراد بها؟ ما هذه القذائف التي تتقدم سورة البقرة؟

إنه نبأ عجيب! ذكر سيد قطب -رحمه الله- في الظلال: أن أول سورة البقرة نسف وإبادة لبني إسرائيل.

فكثيراً ما تقرأ فيها: (يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل).

افتتح الله عز وجل هذه السورة بقوله: الم ثم سكت الخطاب، ووقفنا عند هذه الآية، ما معنى هذا الكلام؟ هل شعراء العرب يدركون: الم ؟ هل خطباء العرب يدركون: الم ؟ هل علماء الإسلام يدركون: الم ؟ سبحان من أعجز بكتابه وأسكت به الخطباء وأصمت به الشعراء!

العرب أفصح أمة، وشعراؤها أفصح شعراء، ولكل نبي معجزة من جنس ما برع فيه أمته.

فموسى عليه السلام أتى والسحر قد بلغ ذروته؛ فأعطاه الله العصا فتلقفت ما صنعوا في لحظة.

وعيسى عليه السلام بعث في أمة بلغت الذروة في الطب وتكنولوجيا الطب؛ فجعله الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنه سبحانه؛ ولذلك يقول أحمد شوقي للرسول عليه الصلاة والسلام في نهج البردة:

أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له     وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

يقول: إن كان عيسى عليه السلام قد أحيا رجلاً بإذن الله، فأنت قد أحييت ملايين من الأمة الإسلامية، التي ضاعت في التاريخ، وضاعت في الصحراء والبيداء: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

كان الكفار يستمعون للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ، حتى أتى الطفيل بن عمرو فقال: ما زال بي كفار مكة حتى وضعت القطن في أذني -والرواية في صحيح مسلم - أخذ القطن فوضعه في أذنه اليمنى واليسرى لئلا يسمع الخطاب.

أتدرون ما هي الحرب الدعائية الإعلامية والشائعات ضد الرسول عليه الصلاة والسلام؟ كانوا يقولون: ساحر.. كاهن، شاعر. كان إذا جاء وافد يدخل مكة لقوه في الطريق وضيفوه وقالوا له: انتبه عندنا ساحر في الحرم، احذر أن يسحرك!

قال الطفيل: فما زالوا بي حتى وضعت القطن في أذني، ثم نزلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ حول الكعبة، فلما افتتح قراءته قلت لنفسي: يا عجباً! أنا رجل شاعر ورجل أديب؛ فلماذا لا أسمع كلامه؟ فإن أعجبني فبها ونعمت، وإلا عرفت أنه سحر. قال: فما زالت نفسي تراودني حتى ألقيت القطن من أذني -هذا أول الخير- فسمعته يقرأ قرآناً وقع والله في قلبي. فذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.

وهذا جبير بن مطعم من سادات مكة، الذين كانوا يكسون الكعبة سنة وكفار قريش يكسونها سنة، حلف ألَّا يستمع إلى آية واحدة، يقول له الصحابة: تعال فاستمع، فإن أعجبك وإلا فاترك؛ فحلف وأقسم بلاته وعزاه ومناته ألا يستمع إلى آية واحدة! وبتوفيق الله أراد الله أن ينجيه من النار، فمر والرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم بالمسلمين ولم يدخل لئلا يستمع، بل وقف خارج الحرم، وفجأة سكتت الأصوات، وارتفع صوته صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب يدوي في الحرم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطور:1-5].

وأخذ يواصل حتى بلغ آخر السورة؛ عشرون سؤالاً لو وقعت على ملحد وله بقية من قضاء وقدر عند الله أن يؤمن لآمن! فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَات وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمْ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الطور:29-43].

هل يقف القلب أمام هذه الآيات؟ يقول: كاد قلبي أن يطير فترك ناقته ودخل الحرم مباشرة وقطع الصفوف، فلما سلم الرسول عليه الصلاة والسلام وضع يمينه في يمينه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.

أهذا قول ساحر؟! أهذا قول كاهن؟! أهذا قول شاعر؟!

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:5-6].

وهناك يذهب عليه الصلاة والسلام إلى الرقيق وإلى أهل الكير (الحدادين) صهيب وبلال وخباب بن الأرت وأمثالهم، فيخبرهم بالقرآن فيسلمون، فيقول كفار مكة: لا يعلمه القرآن إلا خباب وخباب أعجمي وصهيب أعجمي، وجاء في بعض الروايات: (أفيعلم الأعجمي العربي؟) يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103].

دخل طبيب العرب الكندي، وكان فيلسوفاً، وفي ذهنه شوشرة ووسواس، لا ينزل وسوسته إلا درة عمر بن الخطاب، لو أدركه عمر لأعطاه سبع درات ثم لا يجد بعدها ألماً أبداً في رأسه، دخل بيتاً وقال: أريد أن أؤلف كتاباً مثل بلاغة القرآن. قال له علماء المسلمين: اتق الله، خف الله. قال: لا، أنا أريد من بلاغتي أن أؤلف كتاباً مثل القرآن. فدخل وأخذ القلم والورقة، ثم فتح القرآن ونظر إليه فوقع نظره على أول سورة المائدة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:1] فانذهل! وقال: نادى، وأمر، واستثنى، ونهى، ومدح، ووصف، وختم في آية! ثم بقي مبهوتاً، فشلَّ الله في جلسته نصفه، فأصبحت يده ورجله مشلولة، وخرج وفيه هرج ومرج: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16].

وأبو العلاء المعري المارق كان ذكياً من أذكياء العالم ولم يكن زكياً، كان عنده ذكاء ولم يكن عنده إيمان، أتى يعترض على القرآن، فتوفاه الله تعالى، قيل: رئي قبره في المعرة، ولما فتح لغرض من الأغراض وجد عليه حية! أما فم الحية فعلى لسانه، وأما ذنبها فقد أمسكت فرجه بين رجليه؛ لأنه ألحد في الكتاب، وحاول أن يعارض كتاب رب الأرض والسماء.

 المعنى المقصود من الحروف المقطعة

اختلف أهل العلم في هذه الحروف والله أعلم بمراده منها، فقال بعضهم من فرق المبتدعة: (أ) ألَّفَ الله محمداً فبعثه نبياً، (ل) لام الله المشركين، (م) مقت الله معاوية.. أهذا كلام؟! إن هؤلاء سفهاء، ولابد أن يؤدبوا تأديباً بالغاً يردعهم وأمثالهم.

وقال بعضهم: الر لو جمعت لأصبحت حروفاً وكلمات مفيدة. ونسب هذا القول إلى ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الر وقال: حم وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: نْ فمن يجمع هذه؟ إنها تجتمع في اسم (الرحمن) فقال ابن عباس: تجتمع كلمات.

ولكن الصحيح أن الله تبارك وتعالى أعلم بمراده من هذه الحروف، وأن معناها ومقصودها كأن الخطاب يقول: يا أيها العرب! يا فصحاء الدنيا! يا من تطاول على الناس بالفصاحة! تعالوا.. هذه الحروف، وهذه المادة، وهذا الخام، ركبوا مثل هذا القرآن.

وهذا تحد -ولله المثل الأعلى- مثل أن يأتي البناء المجيد الذي يجيد بناء القصور فيقول لك: هذا الأسمنت، وهذا الحديد، وهذا الماء فابن كما بنينا، وهذا تحد للعرب.

يقول أحد المفكرين: الكلام مثل التراب، نحن نصنع من التراب الفخار والأواني الفخارية التي نأكل فيها، والله خلق من هذا التراب الإنسان.

فالله إذا تكلم بكلامه كان كلامه كفضل الإنسان على التراب وعلى الأواني الفخارية هذه.

يقول الله للعرب: هذه الحروف أمام أيديكم فابنوا مثل القرآن، وانسجوا على منوال القرآن.. ولذلك اعترفوا جميعاً، فهذا الوليد بن المغيرة، الذي كان شيخ مكة، وكان يسمى ريحانة قريش، لكنه أصبح ريحانة مقطوفة في النار، وثمرته في الجنة: خالد بن الوليد بن المغيرة وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ خالد بن الوليد الذي خاض مائة معركة في سبيل الله:

تسعون معركة مرت محجلة     من بعد عشر بنان الفتح يحصيها

وخالد في سبيل الله مشعلها     وخالد في سبيل الله مذكيها

وما مررت بأصقاع مررت بها     الله أكبر يدوي في نواحيها

ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم     ولا رمى الروم إلا طاش راميها

فهذا خالد بن الوليد، وكان أبوه أبلغ بليغ في الناس، قال له كفار مكة: قل كلمة، قل إنه سحر.قال: لا أستطيع، أنا سمعت القرآن فليس بسحر.

قالوا: قل هو شعر. قال: لا أستطيع، قالوا: قل هو كهانة. قال: لا أستطيع، لكن سوف أذهب وأستمع. فلما ذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال: يا محمد! قال: نعم. قال: اسمع مني كلمات. قال: أسمع. قال: ما سمعنا برجل من العرب أدخل على قومه من الخيبة والعار مثل ما أدخلت على قريش -انظر إلى السفاهة والجنون والحمق- إن كنت تريد زوجة اخترنا لك أجمل فتاة في مكة وزوجناك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كنت تريد مالاً أعطيناك... ثم أخذ ينسب ويحسب من هذا الكلام. فقال له صلى الله عليه وسلم: انتهيت؟ وفي لفظ أنه ناداه: يا أبا هشام! انتهيت؟ قال: نعم. قال: اسمع.. فلما انتهى انطلق عليه الصلاة والسلام يقذف عليه بالقذائف من سورة فصلت حم حتى بلغ قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13] فقام على ركبه ووضع يده على فم المصطفى عليه الصلاة والسلام، وقال: أسألك بالله والرحم اسكت. فسكت عليه الصلاة والسلام، فقام فنفض رداءه وأتى إلى كفار قريش وهم ينتظرونه، وإذا بوجهه قد تغير، فيقول كفار قريش: جاءكم الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس قالوا: ماذا سمعت؟ قال: سمعت السحر ووالله ما هو بسحر، وسمعت الكهانة وليس بكهانة، وعرفت الشعر وليس بشعر، والله إن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمورق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو ولا يعلى عليه.

فحلفوا له وأقسموا ألا تقوم حتى تقول في القرآن شيئاً تقدحه فيه، فسكت ثم التفت فبسر بوجهه وقطب جبينه، ثم عبس بوجهه، ثم أرسل عينيه شزراً، ثم فكر ثم قال: فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:24] يقول: سوف أوافقكم وأقول إنه سحر.

قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى -اسمع إلى الرد-: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر:11] يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: اتركني وهذا المارد الفاجر، خلقته فرداً فقيراً مسكيناً والآن يتعلى عليَّ! ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً [المدثر:11-12] كان من أغنى الناس، كان الذهب يقسم عنده بالفئوس! وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً [المدثر:12-13] كان عنده عشرة أبناء.. خالد وتسعة معه، وكان إذا أتى إلى المحافل جعل خمسة عن يمينه وخمسة عن يساره، وألبسهم الديباج والحرير، ونصب التيجان من الذهب على رءوسهم، قال الله: وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً [المدثر:12-13] -يشهدون معه النوادي- وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [المدثر:14-17] صعوداً: جبل في جنهم -نعوذ بالله من جهنم- يصعد الصاعد فيه أربعين وقيل سبعين خريفاً، فإذا انتهى بتعبه وأصبح في أعلاه انزلق إلى أسفله، ثم يصعد هكذا، أبد الدهر.

سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:17-26] ثم تكلم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن النار نعوذ بالله من النار.

 تحدي الله سبحانه وتعالى بهذا القرآن للعرب

إذاً: الله أعلم بمراده، ولكن من مقاصد هذه الحروف: يا أمة الفصاحة! يا أمة الضاد! يا من أصدع خطباؤها آذان الدنيا! ويا من أسمع خطباؤهم منابر التاريخ! تعالوا وانسجوا مثل هذا القرآن: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] فلو أتى مليون كاتب ومليون مملٍ ومسطر وصحفي على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله.

وقد تحداهم الله بمثل القرآن فلم يستطيعوا، وتحداهم بعشر سور فلم يستطيعوا، وتحداهم بسورة من مثله فلم يستطيعوا.. ولذلك أعلنوا إخفاقهم وفشلهم، فبدأ الله يتحداهم في أول كل سورة، يقول: حم نْ فهو يتحداهم بهذه الحروف، هذه حروفكم التي تتكلمون بها، لكن اسمعوا بعدها وأتوا بمثلها.

وإن تفق الأنام وأنت منهم     فإن المسك بعض دم الغزال

فلم يستطيعوا، ولذلك بهتوا فمعجزته عليه الصلاة والسلام في القرآن، يقول أحمد شوقي:

آياته كلما طال المدى جدد     يزينهن جمال العتق والقدم

ويقول غيره:

أتى على سفر التوراة فانهدمت      فلم يفدها زمان السبق والقدم

ولم تقم منه للإنجيل قائمة     كأنه الطيف زار الجفن في الحلم

وقال: بعض الخرافيين: ينتهي العالم عام (1400هـ) حسبوا الحروف في القرآن، وأعطوا كل حرف رقماً حسابياً، وإعطاء الحروف رقماً حسابياً موجود في حساب العرب، ونسب إلى بعض العلماء أنه قال: إذا أتى (1400هـ) ولم تقم القيامة فأحرقوا كتبي. فأتى (1400) ونحن الآن في (1409هـ)! وبعضهم يقول: يؤلف منها وينتهي العالم عام (1400هـ) وأتى (1400هـ) وما انتهى العالم، وكان اليهود في بني قريظة وبني قينقاع يجمعونها في القرآن ويحسبون متى تقوم القيامة ومتى عمر الأمة، ولكن ما استطاعوا أن يحسبوا ولا ينسبوا.

أما مقاصدها: فهي تدل على إعجاز هذا الكتاب العظيم، فسبحان من أنزله!

الآن ينتقل إلى الغيبة، ويتحدث عن كتاب غائب، أي كتاب؟ إنه ذلك الكتاب؛ ولذلك إذا مدحت الرجل قلت: ذلك الرجل، وذلك البطل، فالبعد فيه عظمة، فقال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ ولم يقل: القرآن؛ لأنه هو الكتاب، أي: كأن غيره ليس بكتاب، وسيبويه لما ألف كتاباً في النحو سماه الكتاب، وأنت إذا أردت أن تمدح الرجل قلت: الرجل رجل. وهو رجل وكل الناس الذكور رجال، لكن في الناس رجل ورجيل.

أتى رجل إلى الأحنف بن قيس فقال: عندي حويجة بسيطة (سهلة). قال: التمس رجيلاً، أما أنا فرجل للمعضلات. يقول: لا تأتني بالصغائر هذه وتشغل وقتي بها، ولكن التمس لها رجيلاً صغيراً على قدرها، أما أنا فرجل للمعضلات. وقد صدق، فهو رجل المعضلات، حتى يقول عامر الشعبي: سبحان من ساوى في الدية بين الناس! فلو قتل طفل صغير ذكر فديته ودية الأحنف بن قيس بعقله وحلمه سواء! فالناس في الديات سواء، ولكنهم في العقول يختلفون.

ودعونا نستطرد قليلاً في الأحنف بن قيس.. يقال: اختلفت قبائل اليمن وقبائل العراق في المسجد حتى سل بعضهم السيوف على بعض، فقام أمير الكوفة فأسكتهم فما سكتوا، وما بقي إلا وقت يسير ويسيل الدم وتضرب الرءوس وتنزل عن أكتافها، فتنة لا يعلمها إلا الله! فقال الأمير لأحد المسلمين: اذهب إلى الأحنف بن قيس وتعال به، فإنهم إذا رأوه سكتوا. قال: فذهبت إلى الأحنف فطرقت عليه الباب -وأنا لا أعرفه لكنهم دلوني عليه- فخرج لي رجل أشل (على نصف فقط) أحنف (نحيف) مفلفل الشعر، ضعيفاً هزيلاً، وهو محتزم بسلب (بخيط من سلب) فأدخلني فقلت: أين الأحنف -وهو الأحنف -؟ قال: اجلس افطر وسيأتيك الآن. قلت: الناس سوف يقتتلون في المسجد. قال: ما عليك، اجلس. فأجلسني وأتى بخبز وزيت وملح وماء، ثم أتى يأكل، فما استطعت أن آكل معه من خوفي على الناس، فقلت: أين الأحنف؟ قال: الذي يحدثك. فأتاني من البهت ما الله به عليم!! فقلت: أأنت الأحنف وتأكل هذا؟ قال: زيت من زيت الشام، وماء من ماء دجلة، وخبز من خبز العراق وتقول: لا آكله! هذه نعمة من نعم الله.

فلما انتهى غسل يده ثم أخذ عصاً معه، فلما دخل المسجد سلم على الناس وأخذ يهلل ويكبر، فسكت الناس وأخذوا يدخلون سيوفهم في أغمادها، فصعد المنبر فألقى كلمة ما سمعت بأفصح منها؛ فأصلح بين القبيلتين وصلحوا..! قال أحد الناس: من هذا؟ قال الأمير: هذا الأحنف بن قيس الذي إذا غضب غضب له عشرة آلاف سيف لا يسألونه فيم غضب. في بني تميم عشرة آلاف، إذا غضب الأحنف بن قيس غضبوا ولا يسألون ما سبب الغضب، ويقاتلون معه.

تكلم الأحنف بن قيس على معاوية في مجلسه، وهو خليفة -رضي الله عنه وأرضاه- قال: يا معاوية! إن السيوف التي قاتلناك بها في أغمادها، وإن القلوب التي أبغضناك بها إنها لفي صدورنا، والله إن عدت عدنا. فدخل معاوية فقالت ابنته: من هذا البدوي الجافي الذي يتكلم عليك أمام الناس وتسكت له؟ قال: هذا مولى زبراء -زبراء خادمته- الأحنف بن قيس الذي إذا غضب غضب معه عشرة آلاف سيف لا يدرون فيم غضب.

فالمقصود من قوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ أي: لعظمة هذا الكتاب، وسيبويه سمى كتابه في النحو الكتاب، ولما توفي رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قالوا: بماذا؟ قال: لما أتيت إلى لفظ الجلالة في النحو قلت: لفظ الجلالة أعرف المعارف فلا يُعرَّف.

لفظ "الله" لم يعرفه مثل الأسماء، بل قال: لفظ الجلالة أعرف المعارف فلا يُعرَّف، فأدخله الله الجنة.

 أصل كلمة (الكتاب)

والكتاب ورد في القرآن مشتقاً ومصدراً، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] أي: فرض وألزمتم به، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:216] حتى يقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

كتب القتل والقتال علينا     وعلى الغانيات جر الذيول

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة:180] أي: ألزمتم ووجب عليكم، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء:24] أي: إيجابه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

وقال جلت قدرته: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] أي: فرضنا وأوجبنا، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:105] أي: قضينا وقدرنا، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68] أي: قضاء وقدر -في مغانم بدر - وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29] هذه بلقيس كانت في أرض سبأ عند سد مأرب فألقي إليها كتاب كريم من سليمان، لماذا سمي كريماً؟ قالوا: لأن عليه الخاتم. والملوك لا يقرءون إلا كتباً مختمة، أما الكتب العادية التي من الناس فلا يقرءونها، فلما أراد سليمان أن يكتب كتاباً؛ قال له وزراؤه ومستشاروه: اكتب لها واختم فإنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختماً.

وفي صحيح البخاري عن أنس: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى هرقل عظيم الروم، فقال الصحابة: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختماً؛ فاتخذ عليه الصلاة والسلام خاتماً فيه (محمد) سطر و(رسول) سطر و(الله) سطر، فختم به فقرئ عند هرقل}.

قال الله: قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29] أي: مختم، انظر ما أطول الكتاب! نص الكتاب: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:30-31] هذا هو كل الكتاب.

ولذلك العظماء يوجزون في الكلمات، فـخالد بن الوليد له أقصر كتاب في التاريخ، فقد نزل رضي الله عنه بالجيش في اليرموك فاجتمعت عليه كتائب الروم من كل جهة، حتى يقول أحد الجيش: الملتجأ إلى أجى وسلمىأجى وسلمى جبلان في حائل، وهما اللذان تنزل فيهم قبائل شمر، وهي قبائل حاتم الطائي المسماة قبائل طي) فدمعت عينا خالد وقال: إلى الله الملتجا.

وينظر خالد إلى اليمين فإذا هي كتائب، وينظر وراءه فإذا هي كتائب، وأصبح داخل هذه المستعمرة المتحركة من الجيوش التي هي كالبحور..! مائتان وثمانون ألف رومي،وهو فيما يقارب ثلاثين ألفاً من الصحابة ومن المسلمين، فماذا فعل؟

أرسل في الليل رسالة إلى عياض بن غنم، وكان بطلاً عنده جيوش وقبائل العرب كلها، لو نادى فيهم لأجابوه، قال في الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم من خالد إلى عياض إياك أريد والسلام). وهذا كان أخطر كتاب، فلما قرأه عياض بن غنم قام وسط الليل فنادى في قبائل العرب وجيوشها وكتائبها، فما أصبح الصباح إلا وقد ترس بطوق آخر وسوار على الروم من الخارج..! وأراد الروم أن يخلصوا من هذا السوار، وبكل صعوبة رجعوا إلى مواقعهم، وبدأت المعركة، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

يا من يرى خالداً بالبرد معتجراً     تحت العجاجة مثل الأغطف الغادي

وما نصر إلا بفضل الله، ثم بإيمانه ويقينه وصدقه وإخلاصه.

ولما توفي خالد بن الوليد قامت المدينة في رنة من البكاء، وشاركهم في البكاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأتى رجل وقال لـعمر: يا أمير المؤمنين! أسكت النساء فإنهن يبكين على خالد. قال: ثكلتك أمك! دعهن يبكين، على مثل أبي سليمان فلتبكِ البواكي.

وللفائدة: كتاب سليمان كتبه ثم أعطاه للهدهد؛ لأن الهدهد هو الذي أتى بالخبر، فحمله فوصل في وقت القائلة، وهي ليست في دوام في ذلك الوقت بل في إيوانها نائمة، وأتاها وقت القائلة بعد صلاة الظهر، فدخل من ثقب في القصر، ثم ألقى الكتاب على صدرها -وهذا ثابت في التفاسير- فاستيقظت وذهلت، لو كان أتى بالكتاب رجل لكان أسهل، ولو أتى به وفد أو حمام زاجل جهاراً نهاراً لكان أسهل، لكن الحراسة مطوقة، والجنود على الأبواب والمنافذ، فمن أين يدخل الكتاب؟

فانذهلت وجمعت جنودها في قصة ليس هذا مجال بسطها.

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282] والكتاب في الأصل من مادة كتب، وهو تجميع الشيء إلى الشيء، وسميت الكتيبة في المعركة كتيبة؛ لأنه يتجمع جنودها في جماعة فسموا كتيبة، قال المتنبي:

ألا أيها المال الذي قد أباده     تعز فهذا فعله بالكتائب

يقول للمال: اتق الله يا أيها المال واصبر، إذا كان قد أبادك فإنه يبيد الكتائب في المعركة -سيف الدولة - كما يبيد المال.

ويقول النابغة الذبياني، وهي من أحسن القصائد التي يمدح بها النعمان بن المنذر:

إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم     عصائب طير تهتدي بعصائب

إلى أن يقول: كتائب بكتائب... في قصيدة طويلة.

فالكتائب هي الجيوش إذا جمعت، ومنه أخذ الكتاب؛ لأنه يجمع الكلمات بعضها مع بعض.

ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2] ما معنى" لا ريب"؟

تدل كلمة " لا ريب" على أحد ثلاثة معانٍ:

1- لا ريب بمعنى: لا شك.

2- بمعنى: لا تهمة.

3- بمعنى: لا حاجة.

لكن معناه هنا: لا شك. فهذا الكتاب لا يشك فيه إلا ظالم فاجر، ولا يوسوس فيه إلا ملحد، ولا يخرص فيه بالظن إلا زنديق.

وقيل: التهمة؛ ولذلك يقول جميل بثينة:

قالت بثينة يا جميل أربتني     فقلت كلانا يا بثين مريب

تقول: إنك سببت لي التهمة فيقول: وكلنا متهمون ببعض، وقال هذا البيت وهو من الشواهد في اللغة، ومثل هذه الأبيات في الحب تصرف إلى المخلوق، ولو صرفوا قلوبهم للواحد الأحد لكان أعظم وأعظم.

يقول مجنون ليلى في قصيدة له من أحسن القصائد، لكنه صرفها إلى المخلوق، يقول فيها:

وإني لأستغشي وما بي غشوة     لعل خيالاً منك يلقى خياليا

وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالسر خاليا

فأخذها ابن تيمية، فكان يخلو بنفسه يذكر الله تعالى؛ فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) فكان ابن تيمية يخلو بنفسه، قال تقي الدين بن شقير: رأيته في صحراء ما معه إلا الله، وقد خلا بنفسه وقال: لا إله إلا الله ثم دمعت عيناه وقال:

وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالسر خاليا

وقد سئل ابن تيمية: كيف يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] كيف يأمرهم بالذكر وقت الأزمات؟ وهم في مصافة العدو وفي محاربة الكافر ويأمرهم الله بالذكر؟!

قال ابن تيمية: العرب تتشرف بذكر المحبوب وقت الأزمات، فأراد الله أن يخبرهم أن أعظم محبوب هو الله. ولذلك يقول عنترة الوثني الجاهلي:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل     مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها     لمعت كبارق ثغرك المتبسم

فالله أرشدهم إلى أعظم طريقة وهي ذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالى في الأزمات.

وقيل: (لا ريب) لا حاجة. قال كعب بن مالك شاعر الإسلام مع حسان:

قضينا من تهامة كل ريب     وخيبر ثم أغمدنا السيوفا

يقول: كل حاجة قضيناها من تهامة ومن نجد، يقول:

تخيرها ولو نطقت لقالت     قواطعهن دوساً أو ثقيفا

يقول: انتهينا من الحاجات بالسيوف، ففتحنا نجد بالإسلام وفتحنا تهامة، وسألنا سيوفنا: ماذا تريدين؟ قالت: نريد دوساً وثقيفاً؛ فباغتوا دوساً وثقيفاً فانتصروا عليهم.

إذاً: (لا ريب فيه) أي: لا شك فيه، وهذا الكتاب هو الذي لا ريب فيه: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] فمن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن عمل به كان على صراط مستقيم.. من اتبعه وعمل بما فيه قاده إلى الجنة، ومن أدبر عنه وأعرض أخذه بقفاه حتى يقذفه في النار.

القرآن لا يترك أحداً.. إما مسلم متدبر خاشع يأخذه حتى يدخله الجنة، جاء في بعض الروايات أن القرآن يقول لصاحبه: والله لا أفارقك حتى أدخلك الجنة. ويقول للفاجر: والله لا أفارقك حتى أكبك على وجهك في النار. فنعوذ بالله. ومنهم من يتوسد القرآن، يعرض عن أحكامه، ويترك الصلاة، ويعق الوالدين، ويزني ويسرق ويشرب الخمر، فهذا يقذفه على وجهه في النار: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:125-126].

كلمة "هدى" مصدر، أي: يهديهم هدى، وأعظم ما يهتدى به هو القرآن.

 أقسام الهداية

الهداية على قسمين:

1- هداية الدلالة: وهي للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكل داعية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

2- هداية التوفيق: وهي من الواحد الأحد: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

 اختصاص المتقين بالهداية

لماذا لم يقل: (هدى للمسلمين)؟ لأن المسلمين درجات: منهم من يتحمل الكبائر، فلا تكون له هداية تامة عامة، ومنهم من يأتي بالمعاصي دائماً وأبداً فلا تكون هدايته كاملة شاملة، فقال: (للمتقين)؛ لأنهم أعظم من اهتدى بالقرآن، وهم الذين وازنوا القرآن على أنفسهم وأنفسهم على القرآن، فعملوا بأوامره وانتهوا عن نواهيه، وآمنوا بمحكمه وردوا متشابهه إلى الله الواحد الأحد.

 تعريف التقوى

قيل: التقوى هي: أن تخاف الله على نور من الله ترجو رحمة الله، وأن تعمل الحسنة على نور من الله تريد ثواب الله، وأن تتقيَ السيئة على نور من الله تخشى عقاب الله.

وقيل: التقوى هي: العمل بالمأمور وترك المحذور وتصديق الخبر.

وقيل: التقوى هي: العمل بالطاعات وترك السيئات -وهذا سهلة-.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنـزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

وقال ابن مسعود: التقوى أن يُذكر الله تعالى فلا يُنسى، وأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

وقيل: التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وغضبه وناره وقاية، فإذا فعلت ذلك فقد اتقيت.

قال عمر لـأبي بن كعب: [[صف لي التقوى. قال: يا أمير المؤمنين! أمررت بأرض فيها شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا فعلت؟ قال: تحفزت وشمرت. قال: فكذلك التقوى]].

ونحن نشكو حالنا إلى الله عز وجل، إذا لم نتق الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فنحن مثل من يمشى على شوك.. على خطورة من اللسان والسمع والبصر والقلب، قال الشاعر:

خل الذنوب صغيرها     وكبيرها فهو التقى

واصنع كماش فوق أر     ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرةً     إن الجبال من الحصى

سبحان من يعفو ونهفو دائماً     ولم يزل مهما هفا العبد عفا

يعطي الذي يخطي ولا يمنعه     جلاله عن العطا لذي الخطا

فسبحانه من كريم جواد!

 أسباب دوافع التقوى

للتقوى دوافع:

أولها: استحضار عظمة الله الواحد الأحد.

ثانيها: القيام بالفرائض، فمن نقض الفرائض أو ترك شيئاً منها فهو أفجر فاجر، ولو حلف لك خمساً وعشرين يميناً على المصحف أنه متق؛ فلا تصدقه إذا ترك فريضة واحدة. من يخن الله فلا تثق به، ومن لم يخف الله فخف منه، ومن لم يجعل بينه وبين الله حبلاً من الإسلام فلا تجعل بينك وبينه حبلاً، فإن من خان في أحكام الله أجدر أن يخون معك، وهذا مشاهد في الناس.

ويا حسرة على شباب الإسلام الذين يسافرون إلى الأمم الغربية، فيأتي أحدهم ويقول: ما رأينا أصدق منهم، وما رأينا أخلص منهم، وما رأينا أوفى منهم!

إنهم يعجبون بالكافر لأنهم ما عاشوا حياة الصحابة، حياة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي..

أولئك آبائي فجئني بمثلهم     إذا جمعتنا يا جرير المجامع

من هم المتقون؟

أولياء الله عز وجل ليس لهم لباس خاص، ولا مجالس خاصة، ولا شعار خاص، وليس لهم شيخ خاص، ولا طائفة خاصة، ولا جماعة خاصة: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] هذا هو أحسن تعريف للأولياء.

 الإيمان بالغيب

قال الله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] ما هو الغيب؟

كل ما استتر عنك فهو غيب، فهم يؤمنون ويصدقون بما أخبرهم به محمد صلى الله عليه وسلم؛ أن هناك جنة وناراً، وحساباً وعقاباً وثواباً، وأن هناك ميزاناً وصراطاً، وأن هناك نعيماً مقيماً أو عذاباً أليماً، وأن هناك رباً سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، إلهاً حكيماً قادراً عليماً بصيراً سميعاً، مستوياً على عرشه، إنما يقول للشيء كن فيكون، له الملك وله الأمر، كل يوم هو في شأن..

ولذلك هذا هو -والله- الإيمان، فبشرى لكم يوم آمنتم ولم تروا الرسول صلى الله عليه وسلم، ويوم أسلمتم وآمنتم بالله ولم تروا ربكم، فاعبدوا الله كأنكم ترونه فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم.

كان رجل أعرابي يصلي في الصحراء، فمر به رجل ملحد فقال له: لمن تصلي؟ قال: لله الواحد الأحد. قال: هل رأيته؟ قال: يا عجباً منك! البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وليل داج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، وسماء تمطر.. ألا تدل على السميع البصير؟!

فليتك تحلو والحياة مريرة     وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر     وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين     وكل الذي فوق التراب تراب

قال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

وأسماء الله تعالى وصفاته من الغيب.. واستواؤه على عرشه من الغيب.. والجنة والنار من الغيب.. وما يحدث في العرصات، وما يحدث في القبر من منكر ونكير ومن عذاب ونعيم من الغيب.. فأنتم تؤمنون بالغيب، آمنتم بالغيب وصدقتم، فلكم النعيم وأنتم المفلحون إن شاء الله.

وبدأ الله تعالى بالغيب لأنها أعظم قضية؛ ولذلك ما ألحد من ألحد إلا يوم أن كفر بالغيب، فهم يقولون: لا إله والحياة مادة، وكل ما هو مشاهد وملموس نؤمن به وما وراء العيون لا نؤمن به وقد افتروا على الله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:65-66]

فالإيمان بالغيب هو أعظم قضية تواجه الإنسان، ومن لم يؤمن بالغيب لم يسلم، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

 إقامة الصلاة

قال الله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [البقرة:3] فذكر من صفاتهم إقامة الصلاة، والله عز وجل إذا ذكر المؤمنين ذكر أنهم يقيمون الصلاة، وإذا ذكر المنافقين ذكر أنهم يصلون ولم يذكر أنهم يقيمون الصلاة.. وهذا فارق ينتبه له، قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:1-7] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة النساء: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] فلم يقل: وإذا أقاموا الصلاة وإنما قال: (وإذا قاموا إلى الصلاة).

والناس قسمان: قسم يقيم الصلاة وقسم يصلي، فالذي يصلي بلا إقامة صلاة؛ لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، والذي يقيم الصلاة تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

تقول: ما للإنسان يصلي ولكنه يتناول المخدرات؟ ما له يصلي ويزني؟ ما له يصلي ويشرب الخمر؟ ما له يصلي ويسرق؟ لأنه صلى ولكنه ما أقام الصلاة.

وإقامة الصلاة تكون بدوام خشوعها وخضوعها ووضوئها وإخلاصها وركوعها وسجودها وأذكارها وروحها، فيعصمهم الله تعالى بالصلاة من الفحشاء والمنكر، وأول ما تبدأ بصلاة الفجر، يقول عليه الصلاة والسلام: {من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار}.

وفضل الصلاة عظيم، وهي تحتاج إلى محاضرات، ولكن نحن نقف على مقاصد الآيات، وإلا فليس هناك أحكام والحمد لله، وسوف يمر معنا الصلاة، والصيام، والحيض، والقصاص، والوصية، والدين، في سورة البقرة -إن شاء الله- فنتوسع هناك، أما هنا فآيات ورقائق وترغيب وترهيب.

 الإنفاق في سبيل الله

قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في صفتهم: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3] ما قال: وما رزقناهم ينفقون، ولكن قال: (مما رزقناهم) أي: بعض ما رزقناهم، فهم ينفقون من بعض ما رزقناهم، ولو قال: وما رزقناهم ينفقون؛ لكان هذا شاقاً على الناس، ولا يستطيع الإنسان أن ينفق ماله كله، لكن قال: (مما رزقناهم) أي: شيئاً مما رزقناهم ينفقونه، فهؤلاء من الذين يدركهم الفلاح إن شاء الله.

لكن الله تعالى يقول: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] فكيف تؤثر على نفسك ولا تترك لنفسك شيئاً؟ وهنا يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3] فهذه الآية تقول لك: أنفق من بعض ما رزقك الله، وتلك الآية يمدح الله فيها من أنفق كل شيء وجلس وحيداً.. فكيف نجمع بينهما؟!

قال بعض أهل العلم: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] هذا لمن وثق برزق الله وبما عند الله، ومن أصبح التوكل عنده كتوكل أبي بكر الصديق؛ فله أن ينفق ماله كله، وأما مثل أحوالنا ممن لم يصل توكله إلى درجة عالية فينفق بعض ماله.

فـأبو بكر أنفق ماله كله في الإسلام، فما رد الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً؛ لأنه يعرف توكله، وبعض الصحابة أتوا بمالهم فقال لهم عليه الصلاة والسلام: {أمسك عليك بعض مالك} وأخذ منه صلى الله عليه وسلم القليل وترك له الكثير؛ لأنه يعرف توكله.

فمن بلغ القمة في التوكل فليس عليه أن ينفق ماله، ومن نقص توكله فلينفق شيئاً من ماله، قال تعالى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3]

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:262] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة:267] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17].

وقد بلغ كثير من الصحابة في الإنفاق مبلغاً عظيماً، منهم أبو بكر وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع.

فأما أبو بكر فأعطى الإسلام كل ما عنده، أعطى الإسلام ماله ودمه وجهده ووقته؛ فعوضه الله أن جعله أكبر صديق بعد الأنبياء والمرسلين.

وأما عثمان فحفر بئر رومة للمسلمين فسقاه الله من سلسبيل الجنة، وجهز جيش تبوك فقال له صلى الله عليه وسلم: {غفر الله لـعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض}

وأما ابن عوف فأنفق ما يقارب سبعمائة جمل في لحظة واحدة، بأقتابها وأحلاسها وطعامها وزبيبها في سبيل الله خالصة مبرأة، فأخذها الفقراء وقالوا: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.

لا ينكتون الأرض عند سؤالهم     لتطلُّب الحاجات بالعيدان

بل يشرقون وجوههم فترى لها     عند السؤال كأحسن الألوان

وإذا الغريب أقام وسط رحالهم     ردوه رب صواهل وقيان

وإذا دعا الداعي ليوم كريهة     سدوا شعاع الشمس بالفرسان

قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3] و(من) هذا تبعيضية، فكأنه قال: من بعض ما رزقناهم ينفقون، فالمطلوب من الإنسان أن ينفق، وإذا أمسك الشيء فإنما أتلفه، وإذا أنفق الشيء فإنما أمسكه.

أنت عبد المال إن أمسكته     وإذا أنفقته فالمال لك

وقد ذكر العلماء كثيراً من قصص الكرماء والبخلاء، وأدوى داء هو البخل: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد:38].. مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96].

والناس في الإنفاق على ثلاثة أقسام:

قسم يريد به الرياء والسمعة: فليس له حظ ولا نصيب في الآخرة، وهو أول من تسعر به النار.

وقسم ينفقه كرماً وحياءً: فله أجر ومثوبة، وقد يكون عادة.

وقسم ينفقه بقصد ونية وإخلاص: فهو المأجور العابد بماله لله الواحد الأحد.

وممن أتلفوا أموالهم فطلبوا الصيت: حاتم الطائي، كان من أكرم الناس، فعوضه الله بالصيت لأنه أراد الصيت، بالكرم حتى في مجالسنا اليوم دائماً يذكر اسم حاتم الطائي.

ومنهم: ابن جدعان كريم مكة، كان فقيراً صعلوكاً يرعى الغنم في عرفات، فاكتشف قدوراً من ذهب، فذهب بها وأطعم الناس فأصبح من أكرم الناس ورزقه الله الصيت. أين الرجلان؟ أفي الجنة أم في النار؟

روي فيهما حديثان في صحيح مسلم، أما حاتم الطائي فقال ابنه عدي: {يا رسول الله! أبي كان يكرم الضيف، ويحمل الكل، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: لا. إن أباك طلب شيئاً فأصابه} أبوك طلب الدنيا والصيت والسمعة فله الصيت والدنيا والسمعة: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

وأما ابن جدعان فتقول عائشة: {يا رسول الله! ابن جدعان كان كريماً وكان مقرياً، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: لا. إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين}.

وكان له خادم ينادي في الصباح من رأس جبل أبي قبيس ويقول: من أراد لباب البر بنسير العسل فليأت مأدبة ابن جدعان. فيهب الناس بأطفالهم ونسائهم فيأكلون، فإذا أتت الظهيرة نادى خادمه من على جبل أبي قبيس: من أراد الثريد فليأت مائدة ابن جدعان فيأتون؛ حتى يقول عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر: {ائتوني بـأبي جهل قالوا: يا رسول الله! ما عرفنا جثته، إنه مقطوع الرأس -أصبح رأسه مقطوعاً كالشاة، رأسه في واد وجثته في واد آخر- فقال: تعرفونه بجرح في ساقه أو في ركبته، تصارعت أنا وإياه ونحن شباب على مائدة ابن جدعان فصرعته. فأتوا على ساقه فكشفوا فوجدوا الجرح، فسحبوا جثته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام}.

وكان ابن جدعان يقول للفقراء: لا يسألني أحد؛ لأنه لا يريد أن يذهب ماء وجهه أمامه، يقول: لا تسألني، قف أمامي وأنا سوف أعرف فيقول أمية بن أبي الصلت:

أأذكر حاجتي أم قد     كفاني     حباؤك إن شيمتك الحباء

إذا أثنى عليك المرء يوماً     كفاه من تعرضه الثناء

ولذلك قال ابن تيمية: الدعاء ثناء والثناء دعاء؛ لأن العبد عندها يقول: لا إله إلا الله يريد شيئاً، والعبد لا يقول: يا قدوس! يا أحد! يا صمد! إلا لأنه يريد شيئاً.

وأما أجواد الإسلام فاختلف فيهم، ولا بأس أن نذكرهم في باب الإنفاق، فقد ذكر الذهبي أجواد العرب في الإنفاق، وذكر أنه اختلف في الحرم جلاس وسمار في عهد التابعين من هو أكرم العرب آنذاك من المسلمين؟

فقال قائل: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقال ثان بل هو: قيس بن سعد بن عبادة، وقال ثالث: بل أكرم العرب عرابة الأوسي. فقال رجل منهم: كل منكم يذهب إلى الذي يرى أنه أكرم العرب فيأتي بزي مزرٍ وزي فقير، ثم يسأله ويأتي إلينا بما أعطاه ذاك الكريم، ونرى أي العطايا أكثر.

فذهب الذي يريد عبد الله بن جعفر في زي فقير، فتعرض له فوجده قد خرج من المدينة يريد دمشق في الشام، ومعه فرس وعنده سيف وحلي الفرس، فقال: أنا رجل فقير منقطع أريد منك مالاً. فقال عبد الله بن جعفر: لو أتيتني وأنا في المدينة لأعطيتك وأكثرت لك، ولكن خذ الفرس وخذ السيف، أما أنا فسوف يعرفني الناس ويركبونني. قال: لا. قال: والله لتأخذنه؛ فأخذ الفرس والسيف وترك الرجل تحت شجرة.

وأما صاحب قيس فأتى إليه وطرق عليه الباب، فخرجت الجارية وقالت: ماذا تريد؟ قال: أنا رجل فقير أريد قيساً. قالت: هو نائم، ولكن خذ ألف دينار ولا توقظ سيدي ودعه ينام. فذهب ومعه ألف دينار، تقارب عشرة آلاف درهم.

وذهب الذي يريد عرابة الأوسي، فوجده خارجاً من بيته يريد الصلاة، وهو أعمى وله عبدان قد اتكأ بيمينه على واحد واعتمد على الآخر، فقال له: أنا رجل منقطع؟ فقال عرابة الأوسي: والله ما عندي في بيتي شيء؛ لقد أذهبته النفقات، وليس عندي إلا هذان العبدان فخذهما لك. فقلت: أنت أعمى! قال: خذهما. فأخذتهما، وأصبح يتلمس من عماه إلى المسجد حتى دخل المسجد.

فعادوا، فقال الذي حكم في القصة: أما قيس بن سعد فهو كريم، ومن كرمه أن الجارية تعطي ألف دينار فكيف إذا استيقظ هو، ولكن لا بأس. وأما عبد الله بن جعفر فسوف يعرفه الناس ويحملونه، وهو كريم لأنه ترك نفسه في الصحراء وحده. أما أكرمهم فهو عرابة الأوسي؛ لأنه أعمى وقد أنفق أمواله وما بقي عنده إلا هذان العبدان، فأعطاك وأخذ يتلمس إلى المسجد، ثم يقول فيه القائل:

إذا ما راية رفعت لمجد     تلقاها عرابة باليمين

رأيت عرابة الأوسي يسمو     إلى العلياء منقطع القرين

وهو أوسي من الأنصار، رضي الله عنه وعن آبائه وعن كل رجل من الأنصار، فإننا نتقرب إلى الله بحبهم.

قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5] من هم؟ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة:3] أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5] فقال: (على هدى) ولم يقل: في هدى؛ لأن (على) هنا أبلغ، أي: على طريق من الهدى وعلى واضحة وجادة، ولو قال: في هدى؛ لشمل أن بعضهم في هدى وبعضهم في ضلال، ولو قال: إلى هدى؛ لما وصلوا إلى الهدى؛ لأن الذي يمشي إلى الشيء ما كأنه وصله، فأنت تقول: مشيت إلى السارية أو إلى الكعبة، فكأنك ما وصلت، فلو قال: إلى هدى، لاحتمل أنهم يهتدون أو لا يهتدون، ولكنه قال: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً [البقرة:5] أي: وصلوا إلى الهدى، وتكنفتهم الهدى.. فكلامهم هدى، وفعلهم هدى، وحركاتهم هدى، وكل شيء يصدر منهم هدى.

والذي لا يفعل هذه الأمور فالهدى عنده قليل.. فإذا كتب في صحيفة تراه ضالاً، وإذا ألقى قصيدة فهو ضال، وإذا باع واشترى فهو ضال، وإذا تكلم فهو ضال؛ لأنه ليس له نور، ومن أين يأتي النور إلا من الله؟! أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] فالناس لا يعطون النور، والعلم وحده لا يعطيك النور، والثقافة وحدها لا تعطيك النور، إنما يعطيك النور الذي أنزل النور والذي خلق النور: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] والله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] لأنه على ظلمة، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى في المنافقين: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد:13] يقول: ليس عندكم نور، ولذلك يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة:9] لم يقل في الآية: يخادعون الله وهو يخادعهم؛ لأنه لو خادعهم لم تأت نتيجة الخداع؛ بل قال: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] أي: أوقع بهم الخداع وكيف يخدعهم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى؟ قيل: يضيء للمنافقين نوراً يوم القيامة.

ثم انطفا نور المنافقينا     ووقفوا إذ ذاك حائرينا

لأنهم بالوحي ما استضاءوا      فكذبوا فذا لهم جزاء

يضاء لهم النور فيرون الصراط، ويرون جهنم في ظلمة لا يعلمها إلا الله، فإذا توسطوا على الصراط انطفأ النور فعثروا فوقعوا على وجوههم.. فهذا هو الخداع: يُخَادِعُونَ اللَّهَ [البقرة:9] لأنهم يصلون مع الناس وهم لا يريدون الصلاة، ويقرءون القرآن وهم لا يريدون القرآن، فظاهرهم فيه الرحمة وباطنهم من قبلهم العذاب، وهم من أجوف الناس: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] والخشبة داخلها خواء، ويقول: (مسندة) لأنها لا تعتمد على نفسها لكنك تسندها على الجدار، فهؤلاء هم المنافقون، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17] ولم يقل: ذهب بإضاءتهم، مع أن الأصل في غير القرآن أن يقال: فلما أضاءت ما حولهم ذهب الله بإضاءتهم. لكن ترك الفعل وأتى بالمصدر من نوع آخر فقال: فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17] قالوا: لأنه لو قال: ذهب بإضاءتهم؛ لاحتمل أنه بقي لهم جذوة أو شيء من النور، لكنه لم يبق لهم شيء فقال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:17].

قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5] أي: أنهم يعيشون في هدى وفي اطمئنان، ولذلك لا يحفظك على الهدى إلا هذا العمل، لا تظن أن لك حافظاً غير الله.. فإنه لا يمكن أن يعصمك من الفواحش إلا الله أما غيره سُبحَانَهُ وَتَعَالى فلا يستطيع؛ لأن الله عز وجل يقول ليوسف لما كان مهتدياً: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] أي: لما كان مهتدياً صرفنا عنه السوء والفحشاء، فلا يصرف عنك السوء والفحشاء إلا الله.

والله تعالى قال: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5] ولم يقل: (هدى) ويسكت؛ لأن (هدى) كثيرة، وهي مشتقة، فمنهم من يهديه الشيطان: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس:35] يقول: الذي يهديك إلى الصواب خير من الصنم الذي لا يهدي إلى الحق إلا أن يهدى هو.

وبعض الناس يهدي إلى الضلالة، فلذلك: الهدى من الله؛ لأن بعضهم يقول: أنه مهتد وهو ضال، أي هداه إبليس، وقد قيل لـابن عمر: [[إن المختار بن عبيد الله الثقفي -هذا الدجال الكاذب الخائن الساحر، الذي ادعى النبوة- يزعم أنه يوحى إليه. فقال ابن عمر: صدق، إنه وحي من الشيطان يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112] وليس وحياً من الرحمن]].

فقال الله عز وجل: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5] ولم يقل: من الله.. لماذا؟ ليذكرهم النعمة، نعمة الهداية والفطرة والحياة، أي: من ربهم الذي رباهم، لأنهم مقرون بالله، وقد سبق أن قرر التوحيد، فأتى هنا بلفظ (الرب) والله إذا ذكر الجميل ذكر الربوبية، وإذا ذكر التفرد ذكر الألوهية سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

قال تعالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] لماذا يكثر من الضمائر؟ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى في المنافقين: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ [المنافقون:4] فأتى بالضمير (هم) وأتى بـ(العدو) معرفة، والجملة إذا ظرفت بمعرفتين -المبتدأ معرفة والخبر معرفة- أفادت الحصر، وقال هنا: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] فأعاد اسم الإشارة، وأعاد الضمير، وأعاد التعريف بأل.

والفلاح ذكر في القرآن على أقسام، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] وهذه الرحمة للإنصات، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] فذكرهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى بالفلاح في عدة سور، وذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى الفلاح بعد الذكر وبعد الصبر والجهاد والنفقة.

والفلاح في اللغة يسمى السحور، ومعناه: السعود والنجاة، وبمعنى: الذهاب إلى الشيء، ومعناه هنا: أنهم سعداء في الدنيا والآخرة: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] أي: أفلحوا ونجحوا وأصلحوا ظاهراً وباطناً، وأمنيتنا ورجاؤنا وسؤالنا إلى الواحد الأحد، الذي لا تخيب عنده المسائل، ولا تعطل عنده الرسائل، ولا يسد حجابه، ولا تغلق أبوابه؛ أن يجعلنا من المفلحين، ومن المقيمين للصلاة، ومن الذين يؤمنون بالغيب ومما رزقهم الله ينفقون.. والحمد لله رب العالمين.

 حكم المزاح

السؤال: نحن شباب فينا خير -إن شاء الله- لكن يكثر فينا المزاح. فما تنصحنا؟

الجواب: المزاح لا بأس به في أمور إذا لم تكذب فيه، وإذا لم يكن فيه فحش وبذاءة، وإذا لم تكثر منه، فحاول ألا تكذب ولا تكثر منه ولا تفحش فيه، وما عليك منه إن شاء الله، وأكثر من الاستغفار والصدقة.

 نصيحة لمن له جار لا يصلي

السؤال: بجوار بيتي مسجد أصلي فيه أنا ووالدي، وهناك جار لنا وللمسجد لم يصلِّ معنا. فماذا أعمل؟

الجواب: انصحه وادعه وحاول معه، فإذا لم يستجب لك وليس عنده عذر فحاول أن تجفوه وأن تعلن له الهجر، حتى يرى أنك غضبت من انتهاكه حرمات الله وحدوده وتضييع فرائضه، ولا تزره بعد أن تنصحه كثيراً ولا تجلس معه.

 حكم رفع الصوت بالقراءة لمن فاتته الركعتان الجهريتان

السؤال: لاحظت ظاهرة وهي أن بعض المأمومين إذا فاته شيء من الصلاة الجهرية قام ليتمها رافعاً صوته. فما هو الواجب؟

الجواب: هذه رواية لبعض أهل العلم وعليها دليل، فلا بأس أن يرفع صوته في الجهرية إذا سبقه الإمام، وإن أسر فما عليه، والمسألة اجتهادية.

 الفرق بين الصدقة والنفقة

السؤال: ما هو الفرق بين الصدقة والنفقة؟

الجواب: كلاهما واحد، وليس بينهما فرق.

 حكم حجز المكان في المسجد

السؤال: ما رأيك في الذي يحجز المكان بكتاب أو غيره، ثم يذهب إلى بيته ثم يعود ويشغل المكان على الناس؟

الجواب: أما إذا كان هذا الإنسان له مكانة في الإسلام، كأن يكون عالماً جليلاً، أو سلطاناً عادلاً، أو رجلاً من الأخيار الصلحاء كبار السن أهل الشيخوخة؛ فلا بأس أن يحجز له المكان ليبقى في المقدمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: {ليليني منكم أولو الأحلام والنهى}.

أما هؤلاء الذين يأتون ويسدون الأماكن على الناس، ويذهبون وينامون في بيوتهم، ويلعبون الكرة، ويأخذون الصفوف الأولى فلا يصح هذا، بل تخرج كتبهم ونظاراتهم وعمائمهم وأحذيتهم وسراويلهم من المسجد، وتحتل مباشرة بالكتائب الإسلامية!

 توضيح لحكم الأغاني

السؤال: قرأت في جريدة تقول أنت فيها: إن الذي خرب البيوت المسلمة بعض الأغاني؛ فكأنه يفهم منك أن بعضها حلال! أرجوا التوضيح.

الجواب: لا. كل الأغاني حرام، وتتأكد من هذا، وقد يكون وقع هذا لكن الأغاني حرام والله المستعان.

 حكم مسابقة الإمام

السؤال: ما حكم مسابقة الإمام في الصلاة؟

الجواب: مسابقة الإمام ليست بجائزة، وهي تبطل الصلاة لمن تعمدها، وعليكم بالمتابعة لا بالمسابقة ولا بالتأخر ولا بالموافقة، فهناك أربع صور: المسابقة، والموافقة، والتخلف، وكلها لا تجوز، والمتابعة هي التي ينبغي أن تكون، وهي السنة، كما قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟}.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

نسخة نصية للطباعة , صفات المفلحين للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2702752736
عدد مرات الحفظ
682574203

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009