إسلام ويب

خطر على الأمةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخمر أم الخبائث، وهي سبب دمار الأمة، ولها أضرار عظيمة على الفرد والمجتمع، ولشربها أسباب، والخمر إنما حرمها الله جل وعلا لضررها، فلكي تعرف أضرارها، وتعرف أسباب شربها وكيفية معالجة وإبعاد الشباب عن هذه الخبيثة. تصفح هذه المادة.

    1.   

    الخمر أم الخبائث

    الحمد لله القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90-91].

    والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (إن على الله عهداً أن من شرب مسكراً في الدنيا أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة، قيل: يا رسول الله! وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، أو قيح أهل النار) رواه مسلم.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله! إن من أعظم الجرائم وأكبر المشاكل التي تفشت في مجتمعاتنا، وعرضت ديننا وقيمنا وأمننا وأموالنا للضياع وللسفك وللانسلاخ وللتهرب؛ هو ما فشا في مجتمعاتنا من تعاطي المخدرات، إنها مصيبة نكراء، وجريمة شنعاء؛ فتكت بشبابنا، وأذهبت أموالنا، وزعزعت أمننا وسكينتنا، فنشكو حالنا إلى الله تبارك وتعالى.

    وقد تحدث الله عزوجل عن المفسدين في الأرض، وتعرض لجرائمهم، وبين أحكامهم، فقال: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:33-34].

    ولقد كانت الخمر عند العرب في الجاهلية تسمى أم الخبائث، فلا يشربها عقلاؤهم، ولا يتعاطاها رؤساؤهم، وقد حرَّمها كثيرٌ منهم على نفسه، منهم حاتم الطائي وزيد بن عمرو بن نفيل وهرم بن سنان، وكانت تسمى عندهم السفيهة، والمؤذية، والقبيحة، والمكروهة، فلما أتى الإسلام حرَّمها الله تبارك وتعالى في كتابه، وحرَّمها رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال: (ما أسكر قليله فكثيره حرام). وقال عليه الصلاة والسلام: (إن على الله عهداً أن من شرب مسكراً في الدنيا أن يسقيه الله من ردغة الخبال، فقالوا: يا رسول الله! وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، أو قيح أهل النار).. يجمعه الله فيسقي به من تعاطاها في الدنيا.

    وفي الأثر: (من جلس على مائدة يدار عليها خمر، فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم).

    وأضرارها وبيلة، ويكفي ما نسمع ونرى وما ينقل إلينا من تلك الأضرار الوخيمة، والعواقب الأليمة التي تفشت في مجتمعاتنا.. من مجازر ومذابح يتعرض لها رجال الأمن من هؤلاء العصابات الفاجرة المجرمة، التي سعت بالإفساد في الأرض، وزعزعت أمن الدولة والأمة، وآذت السكان، وأرهبت أهل البيوت في بيوتهم، وعرضت الأنساب إلى الاختلاط، والأعراض للجريمة، والدماء للسفك، والأموال للهدر، والشباب للضياع.

    1.   

    أضرار شرب الخمر

    اسمعوا إلى أضرار شرب الخمر، فإن من أعظم تلك الأضرار:

    الخمر محاربة لله

    أنها محاربة لله تبارك وتعالى، ومعصية ظاهرة له، ومن فعلها أو تناول شيئاً منها، أو روَّج لها، أو ذكرها بإحسان، أو سكت عن مروِّج لها؛ فقد بارز الله بالمعصية، واستوجب لعنة الله وغضبه وسخطه ومكره، قال تعالى: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99] فهي عداوة صريحة لله تبارك وتعالى في أرضه.

    ومما عصي به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الأرض أم الخبائث؛ -الخمر المسكر- فإن الإنسان إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وإذا افترى قتل، وزنى، وسرق، واغتصب، وفعل كل خبيثة وفاحشة.

    الخمر ذهاب للعقل

    ومن أضرارها أيضاً أن فيها إذهاباً للعقل الذي هو أعظم هبات الله للإنسان، فإذا أذهب هذه المنة، والنعمة، فقد تردى في الحضيض، وباء بالغضب واللعنة، يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن العقل: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وقال أهل النار: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10] وقال عز من قائل: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة:269] أي: أهل العقول، فالذي أذهب عقله هو في مستوى البهيمة، ومستوى الحمار أو الثور، لا يدرك ولا يعرف شيئاً، قلَّت قيمته، وخفَّ وزنه، فلا رجولة فيه، ولا حياء، ولا مروءة، ولا دين ولا خير، أذهب الله بهاءه، ونزع الله رداءه من على جنبيه، وهتك ستره، وفضحه على عيون الناس.

    الخمر إهدار للدماء والأعراض

    ومن أضرارها: أنها تهديد وإهدار للدماء والأعراض والأموال؛ فأما الدماء فإننا نسمع بين الحين والآخر، تلك الجرائم التي تحدثها تلك العصابات؛ من قتلٍ رهيبٍ، وسفك للدماء، واقتحام للبيوت الآمنة الساكنة التي استظلت بلا إله إلا الله.

    ونسمع قضايا الإعدام دائماً وأبداً، تعرض لهؤلاء المجرمين كما حكم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليهم؛ لأنهم أفسدوا في أرضه.

    وأما الأعراض؛ فإن أكبر جريمة بعد شرب الخمر هي جريمة الزنا، ولا تأتي في الغالب إلا بعد أن يذهب العقل بالخمر، حتى حمل بعضهم -لما سكر وشرب الخمر- أن تعدى بالجريمة الفحشاء التي لا تذكر على أمه التي ولدته، فنفذ فيه حكم الله، وهذا أقلَّ ما يفعل به، ارتكب جريمة تقشعر منها جلود اليهود والنصارى والبوذيين، لا تفعلها الكلاب ولا الحمير، ولكنه لما سكر وذهب عقله فعل تلك الجريمة الشنعاء.

    وفي الخمر أيضاً إزهاق للأموال، فإنها تؤدي إلى الميسر والقمار، وإلى إتلاف الآلاف والملايين في غضب الله، وسخطه، ولعنته.

    الخمر سبب لضياع شباب الأمة

    ومن أضرارها: أنها ضياع لشباب الأمة، وإهدار لقوتها ومستقبلها، فما ضاع أكثر شبابنا إلا في نت هذه الخبيثة المخبثة.. دخلوا السجون، وامتلأت بهم بعد أن دعاهم الله إلى المساجد، ودعاهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إلى حِلَق الذكر والعلم، وإلى أن يرفعوا من أنفسهم ومن كيانهم ومستقبلهم: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5] فدخلوا بالعشرات بل بالمئات، والإحصائيات التي سمعنا بها رهيبة، حيث امتلأت بهم السجون، وشكلوا مؤسسات كبرى، وفصولاً طويلة عريضة، كلهم من فلذات أكبادنا، ومن شباب أمتنا، أذهبوا عقولهم بعد أن أذهبوا دينهم.

    الخمر سبب لأمراض فتاكة

    ومن الأضرار كذلك: الأضرار الصحية التي تعرضت لها الأمة؛ فإن من أعظم ما فتك بالناس المخدرات وشهد بها أهلها ومنتجوها، ومروّجوها، ومصنّعوها، ومورّدوها، انتشر عندهم وانتشر عندنا بطريق الإرسال مع هذه المخدرات مرض الإيدز، وأمراض الالتهاب الرئوي، وسوء الهضم، والتشنج والسهاد، والقلق، والسهر، والارتباك، والمرض النفسي، والانهيار العصبي، والغم، والهم، والحزن، واللعنة في الدنيا والآخرة.. إلى غير ذلك مما ذكره أهل الطب، بل أربوا على مائة مرض في ذكر أمراضها، فمن أعظمها: الإيدز والسرطان الذي يصاب به كثير من الناس، حتى قال بعض أطباء الأمريكان: كل أربعة في عشرة من الأمريكان مهددون بمرض الإيدز بسبب المخدرات.

    ويقول دايل كارنيجي؛ صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة: إن الأمريكان قد حفروا لأنفسهم قبوراً يردونها؛ لأنهم ما عرفوا الله نصف ساعة في اليوم.

    ثم قال: والسبب الرئيسي في ذلك أنهم تعاطوا المخدرات فأذهبوا عقولهم.

    ويقول أليكسس كارل الأمريكي في كتابه الإنسان ذلك المجهول: إن من أكبر ما أدى بـأوروبا إلى الانهيار والتحطم الروحي، هو تلك المخدرات التي انتشرت في مجتمعاتها.

    أنها سبب لضعف الأمة اقتصادياً وعسكرياً

    ومن أضرارها كذلك: أنها ضربة للأمة في قوتها واقتصادها.. في قوتها العسكرية وفي تصنيعها واقتصادها، ولذلك ذكر أهل التاريخ أنه في القرن السادس عشر الميلادي اقتتل الصينيون واليابانيون فانهزم الصينيون، وحُقِّق في سبب الهزيمة؛ فإذا الأفيون كان قد انتشر انتشاراً رهيباً في الجيش الصيني مما اضطره إلى أن يترك المعركة وينسحب ويستسلم، فيسحق وتؤخذ أرضه.

    وهذا أمر معروف عند العرب، فإنهم كانوا في الجاهلية يسمون الأفيون عطر منشم؛ إذا شمه الجيش، وأروح رائحته، انهزم في المعركة وولى الأدبار، ولذلك يقول زهير في ميميته وهو يمدح هرم بن سنان:

    تداركتما عبساً وذبيان بعدما     تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

    فهذه أضرارها؛ بل هي قليل من كثير.

    إن معنى تعاطي المخدرات والترويج لها: أن نعيش في إرهاق بين عصابات إرهابية، لا نهنأ بنوم ولا براحة ولا بطعام ولا شراب ولا سكينة.

    إن معناه: أن شبابنا بالعشرات وبالمئات إلى النار، وقبلها إلى الدمار والعار.

    إن معنى ذلك: أن يُخرج الناس من المساجد فيصبحون شللاً من الإجرام، وشللاً من الانحراف إلا من رحم الله.

    إن معنى ذلك: أن تذهب قوة الأمة ومالها واقتصادها، وتتعرض هذه الأمة خاصة في مثل هذه البلاد التي وزعت الهداية على الناس، ووزعت النور على البشرية، إلى ضربة قاصمة.

    ولذلك وجد في استطلاعاتٍ قرئت ونشرت، أن أعظم من وزَّع هذه المخدرات، وسهل عبورها إلى دول الإسلام والشرق الأوسط هي إسرائيل عدوة الإنسانية -الصهيونية العالمية - لتضرب الأمة في صميمها وكيانها وفي شرفها ومروءتها.

    1.   

    أسباب انحراف شباب المسلمين

    ما هي الأسباب التي أدت بشبابنا ومجتمعاتنا إلى هذا التهتك والتهور والانحلال -إلا من رحم الله- وتعاطي المخدرات والترويج لها؟

    ضعف مراقبة الله

    ومن لا يراقب الله يضيعه الله، ومن لا يحفظه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يجعله عبرة للمعتبرين، قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:23-24] وقال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5] فلما ضعفت مراقبة الله في قلوب كثير من الناس بما فيهم الشباب؛ سهل عليهم تعاطي المخدرات، فمقتهم الله، ووقعوا في لعنة الله وغضبه.

    ولذلك فإن أعظم ما يوصى به في هذا الجانب هو قوله صلى الله عليه وسلم: {احفظ الله يحفظك} فمن لا يحفظ الله لا يحفظه الله، ولو توضئوا وصلوا كل يوم خمس مرات، لحفظهم الله ورعاهم، ولكن تركوا الصلاة، فأوردهم الله موارد الهلاك.

    ولذلك جاء في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله.. لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه أهلكه}.

    فلما تركوا صلاة الفجر في جماعة؛ ابتلاهم الله بالكبائر، وأخذهم من حيث لا يشعرون، فأوقعهم في الرذيلة، وأوقعهم في القبح جزاءً نكالاً.

    سوء التربية

    والسبب الثاني: سوء التربية.

    فإن الأب هو المسئول الأول في إصلاح الشاب وهدايته وتوجيهه، والشاب الذي ينشأ على الأغنية الماجنة لا يُستبعد أن يتناول كأس الخمر، ويتناول الأفيون، ويتعاطى الحشيش، ويروج المخدرات، كيف وقد تربى على الأغنية الماجنة والجريمة والفحش، ولم يترب على سورة (طه) و(الواقعة) و(ق) وما سمع حديثاً من صحيح البخاري ولا مسلم، فتربى على الجريمة حتى تناولها.

    فالأب هو المسئول الأول، والأم كذلك مشتركة في المسئولية، فعليهم أن يتقوا الله في أبنائهم.

    الفراغ

    لما فرغت قلوبهم من طاعة الله وذكره ومحبته؛ دخل عليهم الشيطان، فوسوس في قلوبهم، وزرع حب الجريمة، وتعاطوا المخدرات وتناولوها وسهلت عليهم، فسقطوا من عين الله تبارك وتعالى.

    يقول ابن تيمية: إن القلب إذا لم يمتلئ من محبة الله امتلأ من محبة الشيطان، فقاده الشيطان كما تقاد الدابة حتى يورده موارد البوار.

    قرناء السوء

    إن قرناء السوء، والعصابات البائرة الفاجرة الفاسدة التي مكرت بشبابنا، وصورت لهم أن الدين وحلقات العلم وندوات الخير تخلف وتزمت وتأخر، ولقد رأينا إنتاجهم على الصعيد الآخر، ورأينا ماذا فعلوا بالأمة، والشعب، وكيان الناس والوطن، لقد أوردوه موارد الهلاك، ولذلك يظنون أن التطور والتقدم أن يترك المسجد، ولا يقرأ في المصحف، ولا يسمع الحديث، ولا يجلس في حلق الخير.

    مرَّ أحد المستهترين بأحد طلبة العلم وهو يقرأ في صحيح البخاري، فقال له ضاحكاً مستهتراً: الناس صعدوا على سطح القمر وأنت تقرأ في هذا الكتاب؟! فرد عليه هذا وقال: أنت ما قرأت في الكتاب ولا صعدت على سطح القمر.

    إنهم ما قدموا شيئاً، إنما قلدوا أوروبا في الميوعة والأنوثة وفي التدني والسخف والسفه، لكنهم ما صنعوا لنا طائرة ولا ثلاجة، ولا قدموا لنا خدمات كما فعلت أوروبا، ضاعوا من الدين والدنيا، كفقراء اليهود لا ديناً ولا دنيا: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143].

    التقليد الأعمى

    ومن أسباب انتشار المخدرات أيضاً -وهو من الأسباب العتيدة- التقليد الأعمى؛ فإن كثيراً من الشباب لسوء فهمهم للإسلام، ولقلة علمهم وفقههم في دين الله تراه ينظر إلى أوروبا نظر المعجب، الذي بهرته هذه الحضارة؛ لأنه مغلوب في نفسه وروحه وكيانه، حتى يفتخر بعضهم في المجالس أنه سافر إلى أمريكا ولندن وباريس، وأنه عاش ودرس هناك، وهذا -والله- ليس بشرف، وإنما يحلُّ لنا السفر إلى أوروبا للضرورة كما يحل لنا لحم الميتة عند الضرورة.

    حكم السفر إلى بلاد الكفر

    قال أهل العلم: لا يسافر لبلد الكفر إلا لعلاجٍ لا يوجد في بلاد المسلمين، أو دراسةٍ دنيوية لا تتحصل هنا، أو دعوة لينشر دين الله، فهل ذهب الكثير من هؤلاء للدعوة؟!! هل ذكروا لا إله إلا الله في شوارع لندن وباريس؟!! هل رفعوا علم محمد صلى الله عليه وسلم؟!! هل نشروا القيم والأخلاق؟!! لقد ذهبوا هناك فأصبحوا أذل وأخس وأحقر من أبناء تلك الأمم.

    وما ذهبوا إلى العلاج؛ فإن في بلادنا ما يشفي ويكفي، وما ذهبوا لطلب العلم، فإنهم ما قدموا وما أنتجوا لنا شيئاً، فإن كان عذرهم إحدى هذه الثلاث فصدقوا ونجحوا وأفلحوا وعذروا، وأما غيرها فإن هذا التقليد هو الذي أوردهم الموارد.

    تعاطي عقاقير تفسد النسل

    ومن الأسباب أيضاً: تعاطي بعض العقاقير عن طريق الخطأ، أو عن طريق التلبيس وادعاء أنها صحية، ونافعة، وأنها تقوي شهوة الجنس، وكذبوا لعمر الله! بل أثبت أهل الطب من المسلمين أنها سبب لفساد النسل وتهديده، وفساد شهوة الجنس.

    فهذه بعض الأسباب التي أحدثت هذا الإرباك والاضطراب.

    فنسأل الذي بيده مفاتيح القلوب أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن ينقذنا من هذه الأزمات، وأن يتوب على شبابنا، وأن يهيئ لهم القبول، وأن يحبب لهم طريق المسجد، ولا يعرضهم إلى طريق الخمارة ولا طريق المفسدين والمرجفين في الأرض.

    ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يردنا إليه رداً جميلاً، فنعتني بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فنعيش كما أرادنا الله خير أمة أخرجت للناس؛ نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله، ولا نقلد الضالين الضائعين المنحرفين؛ بل نأخذ عن الأمم أحسن ما عندهم مما لا يتعارض مع ديننا، ونرد القشور مما يعارض ديننا وأخلاقنا.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    علاج الانحراف

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، ومحجة الله وحجته على العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله! هذه هي الأسباب، وتلك هي الأضرار، فما هو العلاج إذن؟

    وما هو البلسم الشافي والدواء الكافي من هذه الأزمات والصعوبات والأمراض الوبيئة التي أحدثت بنا هذا الحدث وهزتنا هذا الهز العنيف؟

    إن العلاج يكمن في أمور:

    العودة إلى الله

    أولها وأعظمها وأشرفها: العودة إلى الحي القيوم ومراقبته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وتقواه؛ فإنها النجاح في الدنيا والآخرة، ولو اتقى هؤلاء الله عزوجل لعصمهم، قال سعيد بن المسيب وقد ذكر له رجل شرب الخمر: ما سبب شربه الخمر وكان معنا؟ قال: [[ترك طاعة الله، فسقط من عين الله، فرفع الله ستره عنه]] وإذا أراد الله أن يرفع كنفه عن العبد خلاه ونفسه، ولم يستدركه بطاعة، ولم يلهمه رشده، فتردى على وجهه في النار.

    فأعظم العلاج: أن نعود بشبابنا وأمتنا إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فقد جربت الأمم الكافرة، وتعاطت هذه الأمور، فلما سقطت على وجهها في الهاوية، وحلت بها الكارثة، ووقع الشلل في مجتمعها، والاضطراب في كيانها، وأصبح الانتحار عندهم بالعشرات؛ تذكروا في الأخير أنهم أخطئوا في الطريق، وحاولوا الآن العودة إلى الله، يقول كريسي موريسون: الآن عرفت الله لما رأيت أوروبا تزحف إلى النار. عرف الله لما رأى تلك الشعوب تزحف إلى الهاوية.

    تربية الشباب على منهج الله

    من العلاج هو: تربية شبابنا وأطفالنا على منهج لا إله إلا الله، وإدخال الإسلام حقيقة لا اسماً ولا تلبساً فقط، وليس أن نزعم أننا مسلمون، وأننا إذا خفضنا رءوسنا ورفعناها في المسجد أن هذا هو الإسلام، فإنما الإسلام أن يكون المهيمن في بيتك هو الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن يكون العظيم في بيتك وطريقك ومسجدك هو إلى الله، وألا تتحاكم إلى أحد إلا الله، وأن تحكم شريعة الله في أطفالك وزوجتك وأهلك وجيرانك، وإن لم تفعل فإنك من الخاسرين.

    توجيههم إلى العلم الشرعي

    ومن العلاج: أن نأتي بالعلم النافع، وهو العلم الشرعي الذي تحتاج إليه القلوب والأرواح، فنملأ به قلوب الناس، ونقود الناس إليه، وننشره، ولا نستبدل الطيب بالخبيث من تلك العلوم السخيفة التي ليست علوماً في الحقيقة، يقول ابن تيمية: كل علم وفد إلى المسلمين، فإن كان خيراً فإن عندنا من الخير ما يغنينا عنه، وإن كان شراً فلسنا بحاجة إلى الشر.

    وبعض الناس يظن أن تلك العلوم المستوردة علم، وهي جهل في الحقيقة؛ لأنها صدت عن الكتاب والسنة.

    فمن العلاج أن نأتي بالشباب ونجلسهم في ندوات العلم، ونحبب إليهم سماع الكتاب والسنة، ودروس الفقه، ودروس التفسير، ودروس الأصول؛ لتتجه قلوبهم إلى الله الحي القيوم، ويملأها بالنور والإيمان.

    ومن العلاج أيضاً: أن نقضي على فراغهم، ولا نترك لهم دقيقة واحدة إلا في عمل خير: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] فمن كانت وجهته علمية فليذهب إلى مؤسسات العلم التي انتشرت والحمد لله، وسهل فيها طلب العلم، فليبذل جهده في المذاكرة، وفي التحصيل العلمي، وفي رفع مستواه في المعرفة والتفقه في دين الله.

    وإن كان له تميزٌ وتخصصٌ وتأهلٌ آخر: فليذهب به إلى تميزه من تجارة نافعة، ومن كسب محمود، ومن عسكرية طيبة شريفة؛ يحمي دينه وأمته في هذا السبيل.

    فلا علاج إلا أن يقضى على فراغ هذه الأمة وفراغ شبابها بأن يؤهلوا في مؤهلاتهم وتخصصاتهم.

    حفظهم من قرناء السوء

    من العلاج أيضاً: أن نحفظ أبناءنا من قرناء السوء؛ فإن بعض الآباء من الذين قلَّ دينهم وفقههم في دين الله؛ يذهب ابنه الساعات الطوال ثم لا يسأله أين ذهب ومع من ركب أو جلس، أو أين نام وقعد، فتأخذه شياطين الإنس؛ فيسلخون دينه وعقله، ويحببون له الجرائم، فيصبح فرداً من أفراد إرهابيين، من أفراد التفرنج في الأمة، وأفراد الفساد في الأرض، ثم يطبق في شأنه حكم الله؛ فإذا هو فضيحة على أسرته وأمته في الدنيا والآخرة.

    محاربة المفسدين

    ومن العلاج أيضاً: ألا نسمح لأي مروجٍ، أو مهرجٍ، أو مفسد، بل نأخذ على يده، ونخبر به، ولا نتستر عليه إذا كان مجاهراً؛ فإن التستر على المجاهر مساعدة له، ومطعم المأكول كالآكل، ولقد قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] يقول عليه الصلاة والسلام: {كلا والله -أي: لا تستقيم أمورنا، ولا يصلح حالنا- حتى نأخذ على يد السفيه ونقصره على الحق قصراً} وإلا فوالله إنه الضياع، وإنه -والله- التهتك والسخف، وليست السعادة أن نجمع الأموال، ولا أن نبني القصور، فإن قصور أوروبا وأمريكا أطول من قصورنا، وفللهم أعظم من فللنا، وسياراتهم أفخر من سياراتنا، وقد قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً [الزخرف:33-35] أي ذهباً أحمر: وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35].

    فسعادتنا في عودتنا إلى الله، وسعادتنا في حمل رسالة لا إله إلا الله، وسعادتنا في عبوديتنا لله.

    ومما زادني شرفاً وفخراً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    فيا شباب أمة محمد صلى الله عليه وسلم! ويا شباب الإسلام! عودةً إلى الله.. عودةً إلى المسجد.. عودةً إلى المصحف.. عودةً إلى حلقات العلم.. عودةً إلى تذكر الطريق إلى الله وتذكر الموت ولقاء الله عزوجل.

    شباب الدين للإسلام عودوا      فأنتم مجده وبكم يسود

    وأنتم سر نهضته قديماً     وأنتم فجره الباهي الجديد

    أسأل الله لنا ولكم عودة صادقة إليه.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].