إسلام ويب

مدرسة الاستهزاءللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله عن الاستهزاء بالمؤمنين، وأنه قديم قدم الصراع بين الحق والباطل، وأنه لابد من وجوده في كل عصر ومكان، وقد آذى هؤلاء خير البشر، فكيف بنا نحن؟!

    ثم تحدث عن الشائعات في الإسلام، وواجب الناس تجاهها، وأهمية سؤال أهل العلم عنها.

    وختم حديثه بضرورة التوبة في كل زمان ومكان وعلى كل حال.

    1.   

    الاستهزاء عبر التاريخ

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها المؤمنون! عنوان هذه الخطبة "مدرسة الاستهزاء".

    وهي مدرسة قديمة أقامها الأفاكون المارقون ضد الصالحين عبر حقب التاريخ، وقد عاش مرارتها وقسوتها وبأسها رسولنا عليه الصلاة والسلام.

    لقد مرغ الأفاكون عرضه في التراب، وشوهوا مسيرته، ونالوا من مبادئه، وأحرقوا وجدانه، فكان يقوم الليالي السود مجروحاً متأثراً شاكياً إلى ربه يقف في وادي نخلة، بعد أن طرده القريب والبعيد، وشوهت سمعته في مكة والطائف، ويشكو إلى الواحد الأحد، ويقول: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. ثم يقول: إلى من تكلني، إلى بعيدٍ يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن رحمتك أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى).

    كل يوم وهو عليه الصلاة والسلام يدافع عن عرضه ونفسه ومبادئه بما استطاع، ويكلُّ أحياناً فيأتي الوحي من السماء، يدمغ أنوف المارقين المستهزئين.

    الاستهزاء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

    جلس الرسول عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في المسجد يعلمهم ويربيهم ويزكيهم، وانطلق من الجلوس شاب صغير في السادسة عشرة من عمره، اسمه عمير بن سعد، مُلئ حكمة وإيماناً، ودخل على عمه وهو شيخ كبير في الستين من عمره، ولكن النفاق في قلبه كالجبال، يصلي مع الناس في المسجد، ولكنه مكذب بالرسالة والرسول.

    قال له عمير بن سعد: يا عماه! سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن الساعة حتى كأني أراها رأي العين. فقال الجلاس بن سويد -وهو عمه-: يا عمير! والله إن كان محمد صادقاً فنحن شر من الحمير. فامتقع وجه عمير بن سعد، واهتز جسمه وانتفض كيانه؛ فقال: يا عم! ووالله إنك كنت عندي من أحب الناس، ووالله لقد أصبحت اليوم من أبغضهم إلى قلبي، يا عم! أنا بين اثنتين: إما أن أخون الله ورسوله فلا أخبر الرسول، وإما أن أقطع علاقتي بك وليكن ما يكن، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت.

    ما معنى هذه الكلمة؟ معناها الكفر بلا إله إلا الله، والاعتراض على رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    قال الجلاس بن سويد: أنت طفل غرّ لا يصدقك الناس فقل ما شئت.

    فذهب عمير وجلس أمام الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: {يا رسول الله! إن عمي الجلاس بن سويد خان الله ورسوله، وقد تبرأت إلى الله ثم إليك منه، فلا علاقة لي به.

    قال: ماذا قال؟ قال: يقول: إن كنت أنت صادقاً فهم شر من الحمير.

    فجمع الرسول عليه الصلاة والسلام الصحابة واستشارهم في هذا الكلام، فقالوا: يا رسول الله! إن هذا طفل لا تصدقه، وليس بواع، وهو ينقل الكلام وشاية، والجلاس بن سويد يصلي معنا، وهو شيخ كبير وعاقل. فسكت عليه الصلاة والسلام ولم يصدق هذا الشاب.

    وسالت دموع الشاب، وانتفض جسمه، والتفت إلى السماء حيث القدرة وعلم الغيب، وحيث الذي يعلم السر وأخفى، وقال: اللهم إن كنت صادقاً فصدقني، وإن كنت كاذباً فكذبني.

    فوالله ما غادر مجلسه وما قام من المسجد إلا وجبريل يهبط من فوق سبع سموات بالوحي المقدس يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة:74]

    واستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم الجلاس، وسأله عن الكلمة فحلف بالله ما قالها، فقال عليه الصلاة والسلام: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التوبة:74] أما أنت يا جلاس فقد كفرت بالله، فاستأنف توبتك؛ لأن الله يقول: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ [التوبة:74] واستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد وفرك أذنه وقال: مرحباً بالذي صدقه ربه}.

    ماذا يستفاد من هذا؟ يستفاد أن هناك معسكراً يستمر مع الصالحين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يلغ هذا المعسكر في أعراض الصالحين كما تلغ الكلاب في الماء، ولا بد: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

    يقول المتنبي:

    كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم      ويكره الله ما تأتون والكرم

    ما أبعد العيب والنقصان عن ملأٍ      هم الثريا وذان الشيب والهرم

    ومعنى ذلك: أن المستقيمين على أمر الله، والطائعين لله، والخائفين منه من شباب الصحوة ودعاتها وعلماء الأمة وصالحيها، والذين يحملون سنته عليه الصلاة والسلام يواجهون بحرب دعائية مفتعلة لا هوادة فيها، فهم يوصفون بالتطرف والتزمُّت، وقلة العقل، والتشديد والتنفير والتحريم، وتكليف الناس بما لا يطاق، إلى غير ذلك من العبارات...، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف:5].

    إن أتباع محمد عليه الصلاة والسلام لم يسرقوا أراضي الناس بالغصب والقوة.. إن أتباع محمد عليه الصلاة والسلام لم يضايقوا الناس في أرزاقهم.. إن أتباع محمد عليه الصلاة والسلام لم يعطلوا مصالح الناس، ولم يستهزئوا بالفقراء، ولم يقفوا حجر عثرة في طريق المستضعفين: إنهم هم الذين يبينون الظلم ويكشفون أوراقه، ويقولون للظالم: اتقِ الله يا ظالم، ويقفون مع الفقراء والمستضعفين والمستذلين حتى يأخذوا حقهم الشرعي الذي أحقه الله لهم.

    ولكن مع هذا كله! هناك صنف لا يعجبه هذا، يلحق الوشاية بحملة الشريعة، من القضاة، وأهل التمييز، والعلماء، وديوان المظالم، وكتاب العدل، ونجوم الدعوة، وحملة السنة، وأساتذة الجامعات والمربين.. كل هؤلاء يريد أولئك أن تسقط عدالتهم في الأمة؛ لأنهم يحمون دين الرسول عليه الصلاة والسلام، ويبلغونه غضاً طرياً للأمة. فحذار من أولئك، وحذار من الإنصات إليهم.

    وقد كشف الله أوراقهم، فما رأيناهم إلا لاغين، لاهين، طربين، عابثين، مسرفين، أسرفوا في الأموال وضيعوها، ولعبوا بالأوقات وأنفقوها، وتهتكوا في الأعراض ومزقوها، فكلما نصحتهم وصفوك بأنك عنيد جاف غليظ متزمت.

    حملة الشريعة يقومون في الثلث الأخير من الليل، ويحفظون كتاب الله في حين تجد أولئك يسهرون على اللعب المحرمة، وعلى الأعراض المشوهة، يمزقون أعراض المسلمين، فدخلهم حرام، وكلامهم حرام، وليلهم حرام، ونهارهم حرام، ومع ذلك لا يحرص أحدهم على أن يتعلم سنة محمد عليه الصلاة والسلام، فتجده في واد والسنة في واد آخر.

    قام نفر في عهده عليه الصلاة والسلام في تبوك فاتهموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه بأنهم جبناء لا يستطيعون المواجهة، وأنهم يأكلون كثيراً، فاستدعاهم عليه الصلاة والسلام في صباح اليوم التالي، فسألهم وحجهم، فقالوا: يا رسول الله! معذرة، إنما كنا نخوض ونلعب. فأنزل الله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] والمعنى: أنهم خرجوا من الملة بكلمة واحدة قالوها في عرض الرسول عليه الصلاة والسلام وفي عرض أصحابه.

    الاستهزاء في واقعنا المعاصر

    وما أدري ماذا يعجب هؤلاء؟!!

    هل يريدون أن تتحول الأمة إلى أمة تشجع الكرة، أو أمة تحمل الفن وتشجع الفنان والأغنية، أو تتحول الأمة إلى أمة لاهية لا تحمل رسالة، ماذا يريدون صراحة؟ ما هو الحل الذي يرضيهم؟

    إن تمسك الشباب بالسنة بغّضُوهم إلى المجتمع وحذروا منهم الأمة، وشبابنا وشباب العالم الإسلامي الذي تمسك بالسنة تاج على جبين هذه الأمة، فلا تطرف ولا تمزق ولا عنف ولا خروج عن المعهود.

    أهم أفضل أم أولئك الملأ من الشباب الذين خرجوا عن معالم الإسلام، يتزلجون على الثلج في العطل الصيفية، ويسافرون إلى المدن اللواتي تعرفونها بالفساد والخيبة والندامة، فيصرفون الملايين المملينة؟

    وإن حضروا ما شهدوا الصلاة، وإن قرءوا ففي غير المصحف، وإن شهدوا فبغير الحق، وإن استمعوا فلغير القرآن، وإن حضروا فإلى غير المساجد والندوات والمحاضرات، وإن غضبوا فلغير انتهاك الحدود والمحرمات.

    فأي أولئك أسعد وأحسن وأبرك؟ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36].

    لقد وجدنا الملتزمين أكثر الناس دفاعاً عن المبادئ، وعن البلاد الإسلامية في فلسطين وأفغانستان تحت دبابات الغزو المستعمر، وفي الخفجي تحت نيران البعث، فهل كانت لهم جريرة؟ وهل كان لهم ذنب؟!

    لشتان ما بين اليزيدين في الندى      يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم

    هم الفتى الأزدي إتلاف ماله      وهم الفتى القيسي جمع الدراهم

    ولا يحسب التمتام أني هجوته      ولكنني فضلت أهل المكارم
    >

    قال الله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] وقال أيضاً: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16]

    أيها المسلمون! يروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بلقبه، لا تتبعوا عورات المؤمنين، فإن من تتبع عورة مؤمن تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره}.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    الشائعات في الإسلام

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الناس! إن ضعاف النفوس يتلقون الشائعات ثم يفشونها في الناس وينشرونها في المجالس، وقبل أيام كثر الحديث عن شائعة أن مولوداً ولد لأمه، فلما وضعته في الأرض تكلم، وأخبر أن في الشهر السادس الداخل هذا سوف تقع حوادث ووقائع وكائنات، ويحذر الناس هو من هذا الشهر ثم مات، فماذا كانت ردة الفعل؟

    كان الذين حظهم من العلم الشرعي والفقه الشرعي في الدين قليل خائفين وجلين من هذه الشائعة، فمنهم من جدد توبته مصدقاً لهذا الطفل، ومنهم من أعلن أنه سوف يترك المعاصي، ومنهم من سهرت عينه خوفاً من الوقائع والكوارث، وهذه عجائب بعضها أدهى من بعض.

    واجب الأمة تجاه الشائعات

    أما أهل العلم فقرروا أموراً:

    أولاً: لا يعلم الغيب إلا الله قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65] وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [ الأنعام:59] فلا يعلم متى تقوم الساعة، ولا متى تأتي القيامة إلا الله، ولا يعلم متى ستنتهي الدنيا إلا الله، فليس لأحد من الناس أن يعلم شيئاً من علم الغيب إلا من أطلعه الله على علم الغيب من رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وليس لأحد أن يصدق هؤلاء الكذبة الأفاكين المارقين.

    الأمر الثاني: من هدي الإسلام أنه إذا شاعت شائعة أن يعودوا إلى أهل العلم والدعوة فيسألونهم مباشرة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن المرجفين والمروجين للشائعات، والمحبين لإشاعة الشائعات والفواحش: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] فالواجب الرد إلى أهل العلم وسؤالهم مباشرة عن الكائنة إذا كانت، وعن الشائعة إذا شاعت.

    الثالث: عجباً لهذه الأمة! لا تتوب إلا إذا سمعت شائعة، ولا تعود إلى الله إلا إذا هددت ببركان أو زلزال، فكم أصابتنا من السياط؟! وكم لدغتنا من اللوادغ ونحن نراوح في حالنا وفي مكاننا لا نتعداه؟! أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126].

    التوبة واجبة في الشدة والرخاء

    الناس في الرخاء يضحكون على أنفسهم، وإذا اشتدت بهم الفتن والكوارث والمحن أعلنوا عهداً جديداً لله أن يفوا معه، ثم يخونون ربهم، يتوبون الآن من شائعة قالها مروج كذاب على لسان طفل ما قال ولا تكلم ولا نطق، فيعلنون أنهم سوف يحضرون صلاة الجماعة، ويحافظون على قراءة القرآن، وينتهون عن الكبائر والمخالفات، فإذا بردت الشائغة رُدوا لما كانوا عليه وعادوا إلى حالهم الأول، وهو فعل الذين خالفوا أمر الله ونسوا موعوده.

    أيها الناس! إن الواجب علينا أن نتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن نستعد للقائه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأنه قد يموت الواحد منا قبل الوقت المؤجل الذي حُدد في الشائعة المذكورة، ومن يدري؟ ومن يعلم؟ لعله أن يموت اليوم، فليتهيأ وليتجهز.

    وبادرن بالتوبة النصوح      قبل احتضار وانتزاع الروح

    لا تحتقر شيئاً من المآثم     وإنما الأعمال بالخواتم

    ومن لقاء الله قد أحبا     كان له الله أشد حبا

    وعكسه الكاره فالله اسأل     رحمته فضلاً ولا تتكل

    فتوبة نصوحاً أيها الناس، وعودة إلى الله، وتصديقاً بالوحي، وإقراراً مع الفقه في الدين وسؤال أهل العلم.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً .

    من أحكام التعزية

    وقبل أن أنتهي من هذه الخطبة هنا فتوى عن مسألة انتشرت في المنطقة ولم تنكر، وأصبحت سائدة كأنها من السنة، وهي: حكم الاجتماع في التعزية.

    السؤال: يسأل بعض الإخوة عن حكم اجتماع بعض الناس في بيت الميت وقت التعزية، وجلوسهم ثلاثة أيام في هذا البيت، سواء صُنع لهم طعام في بيت الميت أم لا، فهل هذا من السنة؟ وهل ورد فيه شيء عن الرسول عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: الحمد لله، السنة تعزية المصاب من المسلمين بقولك له: (آجرك الله وغفر الله لميتك) ونحو ذلك، والسنة إرسال الطعام لأهل الميت؛ لاشتغالهم بالمصيبة، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن جعفر {اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم} رواه الخمسة، وصححه ابن السكن والترمذي، وأخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني من حديث أسماء بنت عميس، وهو حديث صحيح.

    ولا يجوز اجتماع الناس في بيت الميت لاستقبال الناس، سواء صُنع لهم طعام أم لا؛ لحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: {كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام بعد دفنه من النياحة} رواه أحمد وابن ماجة وهو حديث صحيح.

    فالسنة تعزية صاحب المصيبة عند القبر، أو في الطريق، أو بالذهاب إلى بيته بدون تجمع، أو بالاتصال به، وليس من السنة ذهاب القبيلة أو غالبها أو جماعة منها إلى قبيلة أخرى من أجل التعزية، فهذا لم يفعله رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، وهذا من البدع المخالفة للشريعة الإسلامية.

    وأشد من هذا وأخطر نصب الخيام، وصنع الطعام، واجتماع الناس في بيت الميت، مع مافي ذلك من مفاسد كتعطيل الناس عن أعمالهم، وكثرة الكلام بغير ذكر الله، وحصول المزاح واللغو والضحك. فالواجب النهي عن هذا من قبل أئمة المساجد وخطباء الجوامع ومشايخ القبائل، والله أعلم.

    أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وأسأل الله لنا ولكم الحفظ والرعاية، وأن يعصمنا من البدع ومن مضلات الفتن، وأن يجمع قلوبنا على طاعته.

    وأسأله أن يرضى عن أصحاب رسوله وعن التابعين لهم بإحسان، وأن يصلح ولاة الأمر وأن يهديهم سبل السلام، وأن يوفق المسلمين لكل خير.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.