إسلام ويب

الرجاء والدعاءللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عبادة الله لابد أن تكون بالخوف والرجاء، والشيخ قد ساق في درسه هذا أحاديث في باب الرجاء، واستنبط منها فوائد جليلة، وذكر أموراً جليلة وقصصاً يتبين منها عظم أثر الدعاء، به نجا الغريق، وبه أصبحت النار برداً وسلاماً، وبه ينصر المسلمون، وبه تهطل الأمطار، وبه ينزل ملكاً من السماء لينقذ رجلاً...إلخ.

    1.   

    معركة قطز مع التتار

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، معنا في هذا الدرس حديث عظيم، هو قاعدة من قواعد الإسلام، وأصل من أصول الدين، رواه الإمام الترمذي في كتابه السنن يقول: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عِنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً للقيتك بقرابها مغفرة) هذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وهو حديث قدسي؛ أي: أن لفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم ومعناه من الله الواحد القهار، وهو حديث تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

    والترمذي هو صاحب السنن التي قدمها هدية للأمة الإسلامية، وهي من الكتب الأصيلة، فهي من الكتب الستة التي عليها بعد القرآن ومدار رحى الإسلام، والتي نواجه بها أعداء الدين، والتي نفتخر ونتشرف أن تكون من ميراثنا ومن تراثنا، ومن حكمة الله عز وجل أن الله حفظ لنا الوحي الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة بهذه الكتب.

    لما قدم التتار -المغول- مع جنكيز خان من صحراء سيبيريا واجتاحوا العالم الإسلامي وذلك حين ضعفت لا إله إلا الله في قلوب المسلمين؛ وتركوا المساجد؛ وتلفتوا إلى المغنين والمغنيات والخمارات، فابتلاهم الله عز وجل بأمة لا تعرف الرحمة، ولذلك في الأثر: (من لم يتعرف إليَّ سلَّطُّت عليه من لا يعرفني) فهؤلاء التتار المغول ما عرفوا الله عز وجل، وهم برابرة القلوب؛ فيهم قسوة لا يعلمها إلا الله، لا يعرفون الرحمة، إنما يعيشون على الدم، وهم أول شعب امتاز بسفك الدم في العالم، فاجتاحوا العالم الإسلامي، ودمروا المساجد، وحولوا بيوت الله عز وجل إلى إسطبلات للخيول، وكان أحدهم يصعد على المنبر ويشرب كأس الخمر والناس جلوس، وكانوا يقفلون باب المسجد، وكلما دخلت جماعة داخل المسجد يدخل أحدهم بالسيف فيقتل من في المسجد جميعاً.

    وبلغ من الذلة والقلة والهوان لما هانت الأمة في عين الله عز وجل أن يأتي التتري ويقول للمسلمين وهم جماعات: ابقوا هنا حتى أذهب إلى البيت فآخذ سيفاً وأقتلكم به، فلا يتحركون خوفاً حتى يأتي، ويقول للمسلم -يوم كان الإسلام اسماً-: ضع رأسك على الصخرة حتى آتي، فيضع رأسه فيأتي التتري يذبحه بالسيف، ولكن ما كان الله ليعطل رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان الله لينهي لا إله إلا الله في الأرض؛ لأنه دينٌ عالمي، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [القلم:52] قال: يا ألله! إنها دعوة تعلن عالميتها من اليوم الأول.

    الرسول صلى الله عليه وسلم وحيد، معه ثلاثة زيد بن حارثة وأبو بكر وعلي، وقريش بالسيوف وبالموت من كل جانب، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى من السماء: وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [القلم:52]؛ وبالفعل سرت الدعوة العالمية حتى سجد لله أهل السند الذين ما عرفوا الله، وأهل أسبانيا الذين ما عرفوا لا إله إلا الله، فلما أراد الله أن يعيد للأمة قوتها، هل تعود قوتها بالطائرات والدبابات وبالتدريب؟ لا. إنما تعود قوتها إذا عادت إلى الله عز وجل؛ لأن هذه الأمة مختارة اختارها الله للخلافة في الأرض، واختارها لأداء الرسالة، فإذا تعرَّفت على الله عرف الله الناس قدر هذه الأمة وعظمتها وسموها.

    قطز ينادي واإسلاماه

    فأتى قطز السلطان المملوكي الذي كان يباع ويشترى في السوق فأعتقه كثير من أهل العلم، ثم تولى بقوته وشجاعته الحكم، فعاد إلى الله عز وجل وجمع الأمة الإسلامية، فصعد على المنبر يوم الجمعة في القاهرة، فقطع قلبه بالبكاء، والعالم الإسلامي أصبح ممزقاً، التتار من كل مكان، والناس إذا سمعوا صوتاً أو رجفةً ظنوها تترياً فيكاد أحدهم يسقط، حتى إذا دعت المرأة على ابنها كما يقول المؤرخون تقول: لاقى الله بينك وبين مغوليٍ أو تتري.

    فصعد هذا يوم الجمعة، واختطب خطبة شجاعة إيمانية وقطعها بالبكاء، ثم نادى: واإسلاماه، فتحرك الإسلام في القلوب، وتحركت لا إله إلا الله في النفوس، وعادت القلوب إلى بارئها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الذي يكسب القوة، واجتمع المسلمون من كل حدب وصوب في مصر، حتى إن الذهب والفضة أصبح صُبَر -أي: أكواماً- وكانت المرأة تلقي خاتمها وخرصها ولا تبقي عليها من الذهب شيئاً؛ لأن الله عز وجل يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60] فلا تكفي القوة الروحية؛ لأنها رهبنة، لكن مع القوة الروحية قوة جسمية وفكرية وعلمية وعسكرية؛ فكان قطز يستعرض مع العلماء بعد كل صلاة من القاهرة إلى القناطر يستعرض الجيش الإسلامي؛ فكانوا يتدربون، وكانوا يبارون السهام، وكانوا يتناضلون حتى الغروب، ثم يبدءون من الغروب في صلاة واستغفار حتى الفجر.

    وكان يصلي بهم الحاكم قطز، فيدعو ويبكي، ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض؛ معنى ذلك: أن الجيش الذي اجتمع في مصر إذا سحق فعلى لا إله إلا الله السلام، سوف تنتهي الدعوة الخالدة والمسلمون من الأرض، واجتمع معه العلماء وأمروه أن يحرم الربا، ويمنع الخمور، وينهى عن المعاصي والفحش فمنعها؛ لأن الأمة كلما عصت الله عز وجل سلط الله عليها من هو أعصى له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من هؤلاء العصاة، فعادوا، وحرم الربا، وحرم الخمور، حتى يقول أحد الزهاد وهو يعظ قطز قبل المعركة:

    حرمت كاسات المدام تعففاً     وعليك كاسات الحرام تدور

    ويقول في أولها:

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

    فبكى حتى سقط من على كرسيه، هذا قطز، وفي الأخير اجتمع مع العز بن عبد السلام؛ العالم الشافعي الكبير، واستعرض آخر استعراض للجيش، وأوصاهم بتقوى الله عز وجل، وأمرهم أن يصوموا قبل المعركة ثلاثة أيام؛ لأنها من أعظم المعارك التي عرفها التاريخ، فعرفوا اللجوء والرجوع إلى الله عز وجل حين ضاقت الضوائق وحين قالوا: واغوثاه واإسلاماه.

    المسلمون يلحقون التتار إلى أبواب دمشق

    والتقى المسلمون والتتار بين الشام ومصر في معركة طاحنة، وتقدمت كتائب التتار كالجبال، ابن جنكيز خان الذي كان القائد ما كان يعرف الرحمة أبداً، وظن بعض المؤرخين أنهم لن يهزموا في التاريخ، فلما تقدموا أرسل التتار والمغول الجمال وكان عليها شوك فأخذت تجتاح جيش المسلمين فانهزمت المقدمة، وانهزم القلب، وانهزمت الميمنة، وانهزمت الميسرة، وبقي قطز وسط المعركة يقول: لا إله إلا الله، فلما انهزم الجيش أخذ قلنسوة الجيش المسلم أخذ خوذته التي على رأسه وتحميه من الضرب فوضعها في الأرض وداسها بقدمه وقال: واإسلاماه؛ معنى ذلك: أن الإسلام قد انتهى، ولكن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] فلما سمع الجيش (واإسلاماه) رفع الله هذا الصوت، يقولون: ما قالها إلا بكلمة منخفضة لكن رفعها الله حتى سمعها كل الجيش، فعادوا يقاتلون كما يقاتل الإنسان عن ابنه أو عن نفسه، وجاء وقت الظهر وقد ولى التتار أدبارهم، فيقول قطز: لا ترفعوا السيوف عنهم حتى ندخلهم دمشق، فأخذوا يأسرون ويضربون ويقتلون حتى تهاوى العشرات والمئات على وجوههم، وأصبحوا يقتلونهم ثلاثة أيام بلياليها، حتى اقتربوا من دمشق.

    يقول المؤرخون: أصبحت الريح تأخذ أظفار هؤلاء التتار من الأموات فيسمع لها خشخشة كخشخشة الأوراق من كثرتها، وأصبحت الأرض منتنة من روائحهم، حتى تهب الريح العاصف فيجدها أهل المدائن وأهل القرى من روائح القتلى؛ مجزرة في التاريخ ما سمع بمثلها.

    شيخ الإسلام يتصدى للتتار في دمشق

    أوشكوا على دخول دمشق فتصدى لهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فعندما أرادوا الدخول واجتياح دمشق قام في رمضان وشرب الماء أمام الناس، وهو صائم والناس صيام، وقال: لا صيام لكم والمعتدي الأجنبي قد دخل البلاد، فأفطروا جميعاً.

    ثم وقف ابن تيمية وألقى خطبة من سمعها يظن أن القيامة قامت، وكان يقطع صوته بالبكاء، ويقول: والله لننتصرن، والله لننتصرن، والله لننتصرن، فيقول الصف المقدم: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً.

    والتقوا في معركة شقحب، وسحق بقية التتار وفرَّ قائدهم ومن معه من زعمائهم.

    وقبل ذلك وصلهم ابن تيمية يعظهم في مخيماتهم، فقال له قازان حفيد جنكيز خان: ادع لي، فيقول ابن تيمية وقد رفع يديه: اللهم إن كان في حياة هذا العبد خيرٌ لدينك فأحيه، وإن كان فيه شرٌ لدينك فأمته واسحقه واقطع دابره، فكان يقول: آمين، ولا يدري ما معنى الكلام، وفي الأخير هداه الله إلى الإسلام، ودخل كثير من التتار في الإسلام، وعاد الإسلام منصوراً.

    والشاهد من القصة: أن التتار لما قدموا على بغداد أخذوا الكتب كل الكتب إلا ما شاء الله ووضعوها في النهر فجعلوها جسوراً تمر عليها الخيول المسلحة.

    فيقول أهل التاريخ: الحمد لله ما فاتنا شيء من التفسير، ولا من الحديث، ولا من الفقه،، إنما فاتتنا كتب الخزعبلات، والتراهات، وكتب النفاق، والمنطق، وعلم الكلام التي أدخلها المأمون وأبناؤه وأضرابه التي جاءت بالشقاء والنكد على الأمة، وأبقى الله لنا من ضمن ما أبقى سنن الترمذي، وكذلك يرفع الله المخلصين بكتبهم وكلماتهم، كما قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

    واليوم تؤلف المؤلفات الكثيرة طعناً في الإسلام، ويؤلف أهل الشعر من الحداثيين الذين ينهجون نهج الإلحاد قصائد لكنها سوف تموت؛ لأن الحق حيٌ وأما الباطل فيموت في كل يوم عشر مرات.

    فالمقصود: أنه من ضمن هذا التراث سنن الترمذي؛ الذي تسمعونه دائماً على المنابر، وفي المحافل والإذاعات، وفي فصول الدراسة، حين يذكر حديث ويقال: رواه الترمذي؛ لأن الله علم إخلاص هذا الرجل فرفعه بكتابه.

    الترمذي رجل بسيط ولكن عظَّمه الإسلام والتقوى والعلم، يقول عنه الذهبي: ثبت عن الترمذي أنه بكى حتى عميت عيناه، فكان أعمى في آخر حياته، يتلقى العلم، ويملي على تلاميذه، فأصبح من أحفظ الناس، تسمعه يورد الحديث بروعة فائقة ثم يقول: حديث حسن صحيح، أو حديث حسن، أو حديث صحيح, أو حديث غريب؛ وهذه مصطلحات تعرف من علم المصطلح.

    1.   

    الدعوة بالرجاء والخوف

    أما الحديث الذي معنا في هذا الدرس، فإنه حديث بشرى، يزف لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.

    والرسول عليه الصلاة والسلام كان كلما أرسل داعية، أو أرسل معلماً، أو مربياً، قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) لأن معاذاً لو جاء إلى اليمن رضي الله عنه وأرضاه وأمثاله، فقال: ويل لكم من نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. ويل لكم من الله الذي سوف يأخذكم أخذ عزيز مقتدر، مالكم لا تبكون؟! أتضحكون؟! لنفر الناس من الإسلام ولما دخلوا في دين الله، وهذا مجرب، وأنا كطالب عالم -أو طويلب علم- أرى أن من الحكمة أن يقرن الرجاء بالخوف، وأن تخصيص جلسات للخوف مطلقاً إنما هو إرهاب للفكر المسلم، بل لا بد من إقران الخوف بالرجاء.

    دخل الفرنسيون الجزائر وحطموا منارات الإسلام في الجزائر، وقام أحد علماء الجزائر -p=1000507>عبد الحميد بن باديس

    - ليخاطب شعب الجزائر ليردهم بالخوف من الله عز وجل حتى يتركوا الخمور والزنا والربا، فلما سمعوا هذا الكلام يئسوا من رحمة الله عز وجل، وقنطوا وزادوا في المعاصي، فعاد فدعا الله عز وجل، ما هو المفتاح لقلوب الجزائريين حتى يعيدهم إلى الله، فتذكر أنه لا يوجد مفتاح إلا الرجاء في رحمة الله، ثم قال كلمته المشهورة على المنبر في جنوب الجزائر:

    شعب الجزائر مسلم     وإلى العروبة ينتسب

    من قال قد هودته     قلب الحقيقة أو كذب

    أو كما قال، ثم قال: شعب الجزائر لا يعود إلى الله إلا بالرجاء، فأتى بأحاديث التوبة، ومثل هذا الحديث في الرجاء، فلما سمع الناس أن هناك رباً رحيماً غفوراً وأنه يقبل توبة العبد، ويغفر له؛ دخلوا في دين الله أفواجاً، وما هي إلا سنة واحدة حتى قدموا مليوناً من القتلى، وسحقوا فرنسا بكبريائها وعتوها وغطرستها في الأرض، وأخرجوا المستعمر من بلادهم.

    الرجاء باب عظيم

    فالمقصود أن الرجاء باب عظيم، وأنه مفتاح للدخول على الله عز وجل، حتى مدح ابن القيم كتاب الرجاء، وقال: هو الباب الذي يجنح بالعبد إلى الله، والعجيب أنه في رياض الصالحين أتى بكتاب الخوف فيما يقارب أربع صفحات، ثم أتى بكتاب الرجاء في ثمان صفحات ثم أتى بفضل الرجاء في ست صفحات لتأتي القلوب إلى الله عز وجل.

    قال ابن القيم في مدارج السالكين: العاقل لا يبني قصراً ويهدم مصراً.

    ثم قال: هناك رجل اسمه الحارث المحاسبي ألف كتاباً اسمه الرعاية، فلما قرأه الناس تركوا المساجد، وكتاب الرعاية كتاب رقائق وأدب وسلوك، لكنه ليس تربوياً؛ لأنه ظن أنه سوف يخوفهم، ويضربهم بسوط الخوف حتى يأتوا إلى بيوت الله، فلما دخل وتعمق، وأكثر من الخوف؛ ترك الناس المساجد وتعطلت بيوت الله عز وجل، وهذا معروف، يقول ابن الوزير في العواصم والقواصم: إن الخوف إذا كثر على النفوس كلت وملت، فإنك لو تقوم في مجتمع صغير أو قرية فتقوم لهم كل صباح وكل مساء: مالكم لا تبكون؟! أين أنتم من كذا؟! ثم تجمع قصص الخوف لقطعت قلوبهم، وقالوا: ما هي أعمالنا؟ إذاً هذه الصلاة لا تنفعنا، والذكر لا ينفعنا، وقراءة القرآن، ونترك الصدقة، ونترك الإخوة، وييئسون من رحمة الله، لكنك إذا أعدتهم إلى الله عز وجل بباب الرجاء مع لذع من الخوف لعادوا بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا يستغرب مستغرب أننا نكثر دائماً من أحاديث الاستغفار والرجاء؛ لأن أهل أبها أناس لا يعودون إلى الله إلا بالرجاء مع شيء من الخوف، كما يعود الجزائريون إلى الله عز وجل بالرجاء، فيقول صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: {يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي} لا أحلم من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولذلك يحلم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن الكافر الفاجر، تجد بعض الفجرة يقتل المسلمين ويسحقهم سحقاً، يسحق المدينة، ويقتل الأطفال والنساء، ويعذب، ويشنق، ويربط، وينصب الزنزانات، ثم يلتفت المؤمن يقول: أما هناك انتقام؟! أما هناك محاكمة؟! أما يعلم الله ما يفعل هذا الفاجر؟! قال الله عز وجل في سورة إبراهيم: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42] أي: لا تحسب أن الله غافل عنهم إنما هو وراءهم بالمرصاد، لكن: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء [إبراهيم:42-43].

    حتى يقول سيد قطب رحمه الله في سورة البروج: الحياة ليست طويلة حتى ينتقم الله من أهل الفجور وأهل الظلم، لا تكفي ستون سنة ليعذب الله هذا المجرم، فيدخر الله له العذاب آلاف السنوات.

    فالله عز وجل حليم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فكيف إذا كان هذا المخطئ مسلماً في الأصل، ويحب الله عز وجل، ثم عاد فحاسب نفسه وتفكر فيما فعل في شبابه، ثم عاد إلى الله عز وجل يقول صلى الله عليه وسلم: {إن الله أفرح بتوبة العبد من أحدكم ضلت منه راحلته عليها طعامه وشرابه، فبحث عنها، فلما وجدها وقد أيس منها قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح} فالله أفرح بالعبد إذا عاد إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من هذا بناقته.

    ولذلك قال أهل العلم: آيات في كتاب الله عز وجل ما نريد أن لنا بها حمر النعم.

    وقال ابن مسعود رحمه الله: [[آية في كتاب الله والله ما أريد أن لي الدنيا بما فيها بهذه الآية، قالوا: وما هي؟ قال: قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31]]] قال بعض أهل العلم: من اجتنب الكبائر كفر الله عنه الصغائر.

    ثم تأتي الكفارات وسوف أذكرها، فيقول عز من قائل في كتابه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] وقال جل ذكره: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].

    بشروا ولا تنفروا

    أورد ابن القيم وابن كثير أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لما أنزل كلمات إلى يحيى عليه السلام ليبلغها قومه، والحديث في المسند وفي الترمذي، تأخر فما بلغها يحيى عليه السلام بني إسرائيل، فإن الله كان يبعث في بني إسرائيل في الفترة الواحدة نبيين وثلاثة وأربعة وربما وجد العشرة من الأنبياء في فترة واحدة، فكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة، وكانا مبعوثين في بني إسرائيل فتأخر يحيى فما بلغ، فقال عيسى عليه السلام: إما أن تبلغ ما أنزل الله إليك وإلا فاتركني أبلغ أنا، قال يحيى: أبلغ، فجمع بني إسرائيل وقام فيهم خطيباً فوعظهم.

    قال أهل العلم: كان يحيى عليه السلام دائم العبوس، لا يتبسم، وذلك: من حزنه، ومن تذكره للقاء الله، وكان عيسى عليه السلام كلما لقي أحداً تبسم له، ولذلك أخذ صلى الله عليه وسلم من هذا أنه يقول للصحابة إذا أرسلهم: {بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا} وأخوف الناس وأعلمهم بالله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان بساماً، وفي الصحيح أن جرير بن عبد الله قال: {ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي}.

    مقتطفات من سيرة محمد بن سيرين

    قال أهل العلم في ترجمة ابن سيرين رحمه الله: ومن مثل ابن سيرين؟! كنا نلقاه في النهار بساماً ضحاكاً، فإذا أظلم عليه الليل سمع جيرانه بكاءه من خشية الله، كان يبيع ويشتري في الزيت، وورد أنه أتت له جرار زيت، وقع فأر في جرة من الجرار، قيمة الجرار مائة ألف درهم، ووقع فأر في جرة فما درى أين الجرة، فأمر بإهدار جرار الزيت حتى لا يغش بها مسلماً، قالوا: وما وقع الفأر إلا في جرة. قال: ومن يؤمنني أنه في بعضها، أو أنه تلوث بعضها، ولا أعرف الجرة التي وقع فيها، فأتلف الزيت بمائة ألف، فعوضه الله صبراً وإيماناً ورفع منزلته، ولذلك يسمى التاجر الأمين، ولا يظن الناس أن العبادة ليست إلا بالذكر والصلاة، بل هناك عباد يدخلون الجنة من باب النفقة والصدقة، وهم التجار، ويفتح الله للعلماء باباً، ويفتح للدعاة، ويفتح للمصلين، وللمتصدقين، وللمجاهدين، وللصالحين، وللذاكرين؛ فانظر إلى بابك الذي تريد أن تدخل منه فادخل.

    1.   

    معنى: (لو بلغت ذنوبك عنان السماء)

    قال عليه الصلاة والسلام: (يقول الله عز وجل: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عِنان السماء) وفي رواية: (عَنان السماء) العنان هو: الغمام، لو بلغت ذنوب العبد الغمام يعني: من الأرض إلى الغمام فتزاحمت وتراكمت حتى بلغت هناك فلقي الله عز وجل واستغفر لغفر له ولا يبالي سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لأن الله لا يريد تعذيب العبد، لكن يطلب الله من العبد أن يذل ويخضع، وأن يرجع إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ليغفر له تبارك وتعالى.

    ورد في حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه: لما كان في المسجد بعد صلاة العصر وأراد صلى الله عليه وسلم أن ينتقم من قريش؛ لنقضها صلح الحديبية؛ فإن نص المكاتبة أو مفهومها أن تضع الحرب أوزارها عشر سنوات إلا من ينقض العهد منهم، فإنه يكون المحروب والمنتقم منه، فنقضت قريش عهدها وميثاقها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشاً قتلت بعض أحلاف الرسول عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يتثبت حتى يأتيه الخبر، فصلى صلاة العصر، وجلس صلى الله عليه وسلم يسبح والصحابة حوله، فدخل رجل من أحلافه -أتى من مكة- على جمل وقد قتلت قريش إخوانه وأبناءه، غدرت بعهد الله، ثم أتوا على أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في منى وفي الوتير فقتلوهم، فدخل وبيده عصا فقال:

    يا ربِ إني ناشدٌ محمدا     حلف أبينا وأبيه الأتلدا

    يقول: أين المحالفة والمكاتبة؟! نُقضت.

    فانصر هداك الله نصراً أيدا      وادعُ عباد الله يأتوا مددا

    في فيلق كالبحر يجري مزبداً     إن قريشاً أخلفوك الموعدا

    ونقضوا ميثاقك المؤكدا     وقتلونا ركعاً وسجداً

    فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (اللهم إن قريشاً نقضت عهدك، اللهم فانصرنا عليهم) فمر السحاب من قبلة المسجد يتقطع كأنه قذائف يمر تجاه مكة، يقول صلى الله عليه وسلم: (هذا العِنان أبشروا بالنصر) قام عليه الصلاة والسلام واستقبل القبلة قال: (اللهم عم عليهم أخبارنا) على قريش، ثم استنفر صلى الله عليه وسلم أصحابه فكانوا عشرة آلاف مقاتل، المهاجرون فيما يقارب ألفاً، والأنصار في ألف، وسعد بن هذي في ألف، وجهينة في ألف، وأسد في ألف، ومزينة في ألف، وجعل صلى الله عليه وسلم على كل كتيبة قائداً، وأراد الخبر أن يكون مكتوماً وألا يصل إلى قريش.

    حاطب بن أبي بلتعه كتب إلى قريش فأمسكت الرسالة وقرأها صلى الله عليه وسلم ودعا حاطب بن أبي بلتعه قال: (ما حملك؟ فأخبره الخبر، فقال عمر: يا رسول الله! دعني لأضرب عنقه فقد نافق، قال: يا عمر! وما يدريك لعلَّ الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر) ولم يدر كفار قريش، وما أتاهم خبر، ولا علموا حتى طوق صلى الله عليه وسلم مكة.

    جبل أبي قبيس في ليلة من الليالي يقول عليه الصلاة والسلام للجيش: (إذا وصلتم فليشعل كل واحد منكم ناراً) هم عشرة آلاف يعني: عشرة ألف نار، فنزلوا فاحتلوا جبل أبي قبيس وجبل قينقاع والثنية السفلى والثنية العليا وكديم وكل مكان، وبعد صلاة المغرب أوقدوا النيران وإذا بـمكة تضطرم ناراً كلها، فخرجوا من بيوتهم لا يعلمون ماذا هناك، فيقول أبو سفيان للعباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام: ما هذا؟ قال: لا أدري؛ والعباس لم يدر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أن يعمي الله عليهم أخبارهم، قال: أظن أنها خزاعة، قال: خزاعة أقل وأذل من ذلك، فأتى الخبر أنه صلى الله عليه وسلم ثم كان الفتح، حتى يقول حسان قبل المعركة بأشهر يقول:

    فإما تعرضوا عنا اعتمرنا     وكان الفتح وانكشف الغطاء

    يقول: اتركونا نعتمر ندخل البيت.

    وإلا فاصبروا لجلاد يوم     يعز الله فيه من يشاء

    عدمنا خيلنا إن لم تروها     تثير النقع مطلعها كداء

    يقول: جعل الله خيلنا ما تعود إلينا.

    عدمت خيلنا إن لم تروها     تثير النقع موعدها كداء

    ينازعن الأسنة مصعدات     على أكتافها الأسل الظماء

    تظل جيادنا متمطرات     يلطمهن بالخمر النساء

    لما دخل صلى الله عليه وسلم الحجون، فإذا بالخيل تأتي من كداء منطلقة وهي خيل خالد بن الوليد لأنه أتى من كداء، وإذا هي تلهث، وإذا نساء مكة يأخذن الخمر من رءوسهن -كأن حسان شهد الوقعة- ثم تمسح المرأة وجه الفرس بالخمار وذلك لعزتها، فيتبسم عليه الصلاة والسلام ويلتفت لـأبي بكر ويقول: (كيف يقول حسان؟) لأنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحفظ الشعر وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] كان يكسر الأبيات، لأنه لو كان يحفظ الشعر كانت قالت قريش: كان ينظم القرآن شعراً.

    فيقول صلى الله عليه وسلم: ( كيف يقول حسان؟) يقوله لـأبي بكر وأبو بكر كان نسابةً، علامةً، داهية، قال: يقول:

    عدمنا خيلنا إن لم تروها     تثير النقع موعدها كداء

    فتبسم صلى الله عليه وسلم، وسره هذا.

    وفي تفسير قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ [الواقعة:66-69] قال عليه الصلاة والسلام: (ما هذا؟ قالوا: غمام يا رسول الله! قال: والمزن. قالوا: والمزن يا رسول الله! قال: والعنان؟ قالوا: والعنان) فالعنان هو: الغمام، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: لو بلغت ذنوبك أيها العبد عنان السماء ثم جئت لا تشرك بالله شيئاً -أو استغفرته- غفرها لك سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    1.   

    أحاديث فيها بشرى للمؤمن

    هنا أحاديث لا بد أن نعيش معها في الاستغفار والتوبة، وهي مبشرات تُدفع لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وصراحة أننا نعلن عجزنا وضعفنا وقلتنا، ونسأل الله ألا يفضحنا على رءوس الأشهاد؛ فإنَّا أهل ذنوب وخطايا وسيئات لا يعلمها إلا الله، لكننا نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يكفر عنا سيئاتنا، ويتقبل منا أحسن ما كنا نعمل في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).

    حديث من أذنب ذنباً ثم استغفر الله

    الحديث الأول: حديث أبي بكر الصديق الإمام المعتبر رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من ألمَّ بذنب -أي: من أصاب ذنباً سواء كبير الذنب أو صغيره- فتوضأ وصلى ركعتين ثم استغفر الله من ذاك الذنب، إلا غفر الله له} روى هذا الحديث الإمام أحمد وهو حديث صحيح عند جماهير المحدثين، ولذلك يقول علي لما رفعت له البشرى من أبي طالب يقول: {كان الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثني الحديث استحلفته -يقول: احلف لي- فإن حلف صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر} لا يستحلف أبا بكر، من يستحلف أبا بكر؟!

    قال بعض المفسرين: في قوله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33] الذي جاء بالصدق هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي صدق به هو أبو بكر، فكيف يُستحلف أبو بكر!! فقال: {وصدق أبو بكر أن العبد إذا أذنب فتوضأ وصلى ركعتين غفر الله له ذاك الذنب}.

    دعاءٌ علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر

    وفي الصحيحين عن أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه قال: {قلت: يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو الله عز وجل به في صلاتي}.

    ما أحسن هؤلاء الصحابة! وما أرضاهم رضوان الله عليهم! والذي يريد أن يعرف الإسلام فليقرأ سيرهم، بساطة ويسر وسهولة.

    فدله صلى الله عليه وسلم على دعاء قال: {فقال قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي وارحمني.. إنك أنت الغفور الرحيم} فكان أبو بكر يقولها دائماً؛ أبو بكر الذي جاهد في سبيل الله وأنفق أمواله ودمه ووقته وكل شيء، يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً.

    وبعض الناس مغتر بالله عز وجل، حتى إذا قلت: سدد وقارب وعليك أن تكثر من الذكر، قال: الحمد والشكر لله، نصلي، ونصوم، وكم حججنا! وكم اعتمرنا! وكم تصدقنا! ونعدد على الله؛ وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه خائف من الله، حتى أنه كلما سمع القرآن بكى.

    تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها في صحيح البخاري: لما قال عليه الصلاة والسلام: {مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، فقالت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجلٌ أسيف -حزين لا يملك عينيه من البكاء، متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء- فقال عليه الصلاة والسلام: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صويحبات يوسف} فكان من خوفه ومن وجله لا يسمع الناس قراءته من بكائه رضي الله عنه وأرضاه.

    فيقول صلى الله عليه وسلم: {قلْ: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً-وفي لفظ: كبيراً-}.

    قال النووي في كتاب الأذكار: اجمع بينها في الدعاء قل: كثيراً وكبيراً، والصحيح أنه لا يجمع بينها فقل إما: كثيراً أو كبيراً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما قال لـأبي بكر إلا كثيراً أو كبيراً، ومن حسن نية الإمام النووي أن يريد حفظ الروايتين، لكن لك أن تدعو بها مرةً كثيراً ومرةً كبيراً.

    {اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم} هذا من الدعاء الذي حفظ لنا، والذي ينبغي على العبد أن يلازمه كثيراً، وأحسن ما يكون في العبد المسلم أن يستغفر من الذنب، وأن يعلن التوحيد؛ ولذلك يجمع إلى الله عز وجل التوحيد كثيراً والاستغفار، يقول جلَّ ذكره: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

    وعند أبي يعلى في المسند قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار}.

    وورد أنه قال عليه الصلاة والسلام: {جددوا إيمانكم. قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا لا إله إلا الله} فتجديد الإيمان بلا إله إلا الله، وتصفيته بالاستغفار، فالاستغفار مقرون بالتوحيد، ولذلك يقول يونس بن متى عليه السلام لما وقع في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، قال: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] فهو اعتراف مع توحيد.

    حديث سيد الاستغفار

    في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} معنى أبوء: أرجع، يقول العبد وهو ينادي الله: يا رب! أنت الرحيم الغفور أبوء لك أي: أرجع لك بأمرين، من شر ما صنعت ونعمة منك، فمني أنا خطيئة ومنك نعمة وعطاء، فأنت صاحب الجميل والمعروف، فما دام أنك أنعمت عليَّ وكرمتني وخلقتني ورزقتني فكمل من إكرامك وإنعامك بمغفرة ذنوبي، أجل ليس من العبد شيء، النعمة من الله، والتقصير من العبد، يقول: أرجع إليك بإحدى اثنتين بذنب مني ونعمة منك، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: السائر إلى الله عز وجل يسير بنظرين: نظر في جلال النعمة من الله عز وجل، ونظر في عيب النفس والعمل وتقصيرها، فأنت تعود إلى الله بذلك، وقد سبق في كتاب الزهد للإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يقول الله تبارك وتعالى: عجباً لك يا بن آدم! ما أنصفتني! خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتشكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غنيٌ عنك، وتتبغضُّ إليَّ بالمعاصي وأنت فقيرٌ إليَّ! خيري إليك نازلٌ وشرُّك إليَّ صاعد!} فهذا مفهوم العبد المسلم، يوم يعرض نفسه على الكتاب والسنة يجد أن ما عنده حول ولا طول ولا قدم شيئاً إلا التقصير والذنب والخطيئة.

    قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[اجلسوا إلى أفواه التائبين فإنهم أرقُّ أفئدة]] وإذا أراد الله أن يكسر العبد، ويكسر قلبه وكبره وعتوه وجبروته كتب عليه الذنب، فيذنب فينتهي الغرور، والغطرسة، والكبر، والعتو، والجبروت، ويعود ذليلاً، يعرض على ربه وعلى عتبات مولاه نفسه وروحه، فإذا أراد الله أن يترك العبد تركه؛ ولذلك بعض الناس بالطاعات يزهو ويتكبر وتعجبه نفسه، ويرى أن الناس في شقوة دائماً، وإذا جلس في مجلس أخذ يهتك أعراضهم ويقول: نسأل الله العافية، فلان مقصر، فلان نسأل الله أن يعافينا مما ابتلاه، فلان كذا وكذا.

    قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: {من قال: قد هلك الناس فهو أهلكَهم} وفي لفط: {هو أهلكُهم} ومعنى هذا: يقول من قال: أن الناس قد هلكوا، وكثرت المعاصي، وأنهم شردوا عن الله، فعلامة ذلك أنه معجب بنفسه، وأنه مغرور، فهو أهلك الناس، أو على لفظة: هو أهلكهم، يعني: هو الذي أهلكهم بهذا الكلام؛ لأن بعض الناس إذا سمع بفاحشة، أو حد أقيم، أو إنسان تناول مخدرات، أو إنسان -نسأل الله العافية- زنا، يجلس في المجلس ويقول: ما سمعتم فلان بن فلان من آل فلان يقولون: إنه ارتكب فاحشة، وينتقل في المجلس هذا، وفي هذا، ويعرض الفاحشة، ليهونها في قلوب الناس؛ لأن الرأي العام كلما تحدث عن الفاحشة هانت الفاحشة في قلوب الناس، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور:19] ولذلك كان من الحكمة ألا يتحدث في ذلك كثيراً، أنا لا أقول: نسكت، ونغلق أعيننا، ونسد على آذاننا، ونقول: الناس ما شاء الله تبارك الله على عصر الصحابة، التفاح والموز والبرتقال يباع في السوق بأرخص الأثمان ونعمة من الله جليلة، لأن بعض الناس يرى الموز والتفاح والبرتقال أفضل نعمة، وهي إذا وجدت في الأسواق وتوفرت بالأثمان الرخيصة فالأمة في الرقي، وفي العظمة، وفي الدرجة الأولى، وهذه نَعْمة ليست بنِعْمة، النِعمة مع هذه النَعمة أن تتصل القلوب، وأن تمتلئ المساجد، وأن ترى الناس في صلاة الفجر، وأن ترى القرآن يُعمل به، وأن ترى مدارس تحفيظ القرآن متجهة ومقومة، وأن ترى الكتاب والسنة يقرأ ويتدارس، وحلقات العلم حية، والدعوة قوية، وأن ترى الفواحش وأهل الضلالة وأهل الباطل مقموعين؛ هذه هي النعمة؛ أما أن نخدع أنفسنا ونطلي أجسامنا بالزيت، ونقول: ما شاء الله تبارك الله وإنما نحن في سلام، لا ينبغي هذا المنهج، والمنهج الآخر أن نكون كلما جلسنا في مجلس قلنا: هذا المجتمع كله في ضلال، ولا يغرك إقبال الناس في المساجد، ولا تغرك الصلاة، ولا تغرك الدعوة، ولا تغرك كذا، لا، بين وبين؛ مثل منهج الكتاب والسنة، ومن قومه الله سدده.

    استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم

    وجاء من حديث أبي هريرة كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إني لأستغفر الله وأتوب إليه أكثر من سبعين مرة} وورد عن الأغر المزني: {يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أستغفر الله أكثر من مائة مرة} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    قال ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه وهو يجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كان يعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم} فإذا عُلم هذا فإنه ينبغي علينا أن نكثر من الاستغفار، وأن نلتجئ إلى الله عز وجل، وأن نطرح ذنوبنا، وأن نعلن عجزنا وتقصيرنا عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    1.   

    من قصص الخائفين من الله

    الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقوم الناس بالحدود في المدينة، لم يكن مقصود الحدود أن تنهي المعاصي لأنها مقدرة من الله، لكن أن تقوِّم سلوك الناس وتؤدبهم.

    قصة الغامدية

    فأتي إليه صلى الله عليه وسلم بامرأة قد زنت، ولا يعني ذلك أن المسلم إذا فعل المعصية فقد خرج من الإسلام كما تقول الخوارج نسأل الله العافية! {أُتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشارب خمر، مرات كثيرة، فيقول أحد الصحابة للشارب هذا: أخزاك الله ما أكثر ما يؤتى بك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك، لا تُعِن الشيطان على أخيك، فإني والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله} فانظر إلى الحب كيف بقي مع المعصية، فهو عليه الصلاة والسلام يعرف أنه سوف يحدث هذا الأمر.

    وامرأة ورد في السنة ذكرها وورد حدها في القرآن في سورة النور، أتت هذه المرأة من دون أن تستدعى، ودون أن يُخبر بها صلى الله عليه وسلم فإذا هي مقبلة وهي حامل، وانظر إلى الإيمان كيف ارتقى في قلبها، فسألت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطهرها، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كأنه سمع، يريد أن يدرأ الحدود بالشبهة، يقول: {ادرءوا الحدود بالشبهات}؛ يعني: تصامم عليه الصلاة والسلام، فأتته من على يساره فطلبت التطهير، فتصامم عليه الصلاة والسلام، يريد أن يستر الناس، حتى يقول على المنبر: {يا أيها الناس! من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله} فأخذت تقول: يا رسول الله! تريد أن تردني كما رددت ماعزاً، ثم حلفت بالله أنها وقعت في الفاحشة، فقال صلى الله عليه وسلم: {عودي حتى تضعي حملك} علَّها ربما تنكر، أو تسكت، أو تنسى، فعادت والإيمان مرتفع عندها، وتقوى الله عز وجل في قلبها، فلما وضعت أتت بابنها في لفائف وعرضته عند الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: {عودي حتى ترضعيه} علَّها تنسى، أو تترك، أو لا تطلب إقامة الحد، فعادت حتى فطمته بعد سنتين وبيده كسرة خبز، فأتت به وعرضته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتفت عليه الصلاة والسلام، وأراد عليه الصلاة والسلام أن يدرأ، ولكنها صمدت وطلبت إقامة الحد والتطهير، ما معنى إقامة الحد؟ ترمى بالحجارة حتى تموت؛ لأنها ثيب، ليس بالسيف، أو بطلقات نارية قد يقتل الإنسان في فترة، لكن تضرب بالحصى حتى تموت، فقال عليه الصلاة والسلام: {من يكفل هذا الصبي وهو معي في الجنة كهاتين} فأخذه رجل من الأنصار، وأرسل صلى الله عليه وسلم الصحابة ليرجموا المرأة، وهم في الطريق صممت، وآمنت بالله، وبموعود الله، وبما عند الله، فنصبوا لها وحفروا لها ثم بدأت الحجارة عليها حتى نضخ دمها على خالد رضي الله عنه وأرضاه، فتكلم عليها، فقال عليه الصلاة والسلام: {مهلاً يا خالد! لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم} معنى ذلك: بسبعين من العصاة المردة الفجرة ما هو بسبعين من الصحابة، {لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم -وفي لفظ: لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم هذه التوبة} وفي لفظ: {مهلاً يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر الله له}؛ ثم قال صلى الله عليه وسلم: {فوالذي نفسي بيده لقد رأيتها تنغمس في أنهار الجنة} لأن الله تعالى يقول: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] فما جزاء المذنب إلا أن يستغفر ويعود إلى الله عز وجل.

    في كلام لأحد العلماء في ظلال هذه الآية يقول: يا سبحان الله! يثقل الدم واللحم عند بعض الناس فيقع في الفاحشة، ثم يتذكر عظمة الله، وموقف الله، والعرض على الله؛ فيتوب إلى الله عز وجل، فيحببه ويقربه مولاه!! أو كما قال.

    المقصود: أن هؤلاء النماذج التي عاشت مع الرسول عليه الصلاة والسلام ما منعهم ذلك إلا أن يتوبوا ويستغفروا إلى الله الواحد الأحد سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    قصة رجل من بني إسرائيل خائف من الله

    في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: {كان في من كان قبلكم رجلٌ من بني إسرائيل أسرف على نفسه} أي: وقع في الإسراف في الذنوب، بقي معه التوحيد والإيمان، أما لو كان مشركاً فهذا خالد مخلد في النار، لن يدخله الله الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، أبداً حرامٌ عليه الجنة، لكن وقع في ذنوب، فلما حضرته الوفاة، وكثير من الناس كما يقول الكتبة العصريون: لا يتذكرون الله، في غفلة وسكار وفي خمار حتى يصرعون في مصرع الموت، ثم يستفيقون، ونقلت لنا أخبار أن كثيراً من الناس لما أتاهم اليقين وأتاهم الموت، استفاقوا قبل سكرات الموت ثم أخذوا يبكون، قالوا: مالكم؟ قالوا: فعلنا، وفعلنا، وفعلنا، فأتى الحساب، قال: الناس في سكار حتى يحضرهم الموت فيستفيقون، ولذلك يقول عبد الحق الإشبيلي في كتابه العاقبة: المعتصم الخليفة العباسي لما حضرته الوفاة، بكى بكاءً طويلاً لا يعلمه إلا الله، فقالوا: مالك؟ قال: كم عمري؟ قالوا: عمرك ثمان وأربعون. قال: أموت اليوم؟ وكان في سكرات الموت- قالوا: تموت. قال: والله لو أدري أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت؛ سفك الدماء، وفعل ما فعل وأمره عند الله، يقول: لا أدري أني سوف أموت الآن، فالناس كثير منهم لا يستفيق إلا في سكرات الموت، وهذا حدث لـعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي لما حضرته الوفاة قام يتقلب ويبكي ويقول: يا ليتني كنت غسالاً، يا ليتني ما عرفت الخلافة، يا ليتني كنت في البادية، فسمع سعيد بن المسيب -أحد الزهاد والعباد والعلماء- قال: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم]].

    فالمحاسبة في الدنيا ليست عند سكرات الموت، بل على الإنسان أن يراجع حسابه قبل أن يأتيه الموت؛ قال تعالى: وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد:22] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114].

    {فلما حضرت هذا الرجل الوفاة استعرض أبناءه فقال: كيف أنا لكم؟ قالوا: خير الآباء} وهذا فعل بعض الناس، تجده مع أبنائه وزوجته ومع جيرانه من أحسن الناس خلقاً، ليناً، سهلاً، بشوشاً، صاحب هداية، وصدقات، وبر، ومعروف، وكرم، يعزم هذا، ويذبح لهذا، ويضيف هذا، ويخدم هذا بماله وبسيارته؛ لكنه فاجر مع الله، لا يصلي في المسجد، ولا يعرف القرآن، ولا يعرف الانصياع إلى كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، يا سبحان الله! من أولى بالإكرام؟ أأهلك، وزوجتك، وجيرانك، أم الحي القيوم؟! الأولى برد الجميل الذي خلقك وأعطاك ما تتمتع به، وهذا كثير في الناس؛ فإنهم عندهم حسن خلق لكنهم لا يعرفون المساجد، ولا الاستقامة ولا الدين، لكنك لو طلبته في شيء سكب لك دمه في إناء من الحب، أما أن تقوده إلى المسجد فكأنك تجرجره بسلسلة محمية بنار، ومقلب القلوب هو الواحد القهار، فلو أراد أن يكمل الله هذا العبد؛ لأعطاه من الإيمان ما يجعله محبوباً عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعند الناس.

    فهذا الرجل لما حضرته الوفاة قال: {يا أبنائي! أيُّ أبٍ لكم؟ قالوا: من خيرة الآباء، قال: فإني ما فعلت مع الله جميلاً -كنت أتظاهر لكم وللناس بالحسن وإذا خلوت مع الله عز وجل انتهكت محارمه- فإذا أنا مت -إذا حضرتني الوفاة- فاجمعوا لي حطباً، وأشعلوا لي ناراً}.

    هذا في الصحيحين، وتكلم عنه ابن تيمية في الرسائل والمسائل والرد على البكري والمسائل الماردينية، وهو من أصول المعتقد، فيه مسائل لا بد أن نقف عندها.

    قال: { فاجمعوا لي حطباً، فإذا جمعتم لي حطباً فأشعلوه في النار، ثم أحرقوني، ثم اسحقوني، ظن أنه سوف يفوت على الحي القيوم- قال: فإذا سحقتموني فذروني في يومٍ فيه ريح} -يعني: ليس أي يوم، لكن يوم فيه ريح قوية هوجاء تنثر جسمي في كل مكان، أوقدوا له النار، واشعلوها، ثم أحرقوه حتى أصبح حمماً كالفحم، ثم سحقوه فلما سحقوه عرضوه للريح فأخذته في كل مكان -لكن الذي بدأه أول مرة، والذي إذا أراد أن يقول له: كن، فيكون، هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3] فجمعها الله بكلمة كن، ما قال للملائكة: اجمعوا لنا رميم هذا العبد، وأحضروه بعد ساعتين، إنما قال: كن رجلاً، أي: مثلما كان فكان كما قال تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] فإذا الرجل أمامه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد حاسبه وتكلم معه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، والله يتكلم بما شاء متى شاء سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ سبحان الله! يقرر الله العبد، ويحاسبه، ويكلمه، وكما جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم {ما منكم من أحدٍ إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان} سوف يكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، ويقول: {أما فعلت كذا وكذا يوم كذا كذا، أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا} فإن كنت من أهل الستر -نسأل الله أن يسترنا وإياكم- قال الله: {لقد سترتها لك في الدنيا وغفرتها لك اليوم} وأما إن كان من المجاهرين، المتعدين، المنتهكين للحدود، المنتهكين للحرمات، فهذا أمره لله عز وجل.

    {قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ -وسدده الله للجواب، الجواب كان سليماً جيداً- قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي. فقال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة} وهذا الرجل قصته عجيبة، قال ابن تيمية: قد شك في القدرة؛ لأنه ظن أن الله لن يجمعه، لكن توبته كانت كبيرة عظيمة طغت على هذا الشك وعلى تلك الذنوب التي زحفت.

    والذي نطلبه أن نعود إلى الله عز وجل عوداً حميداً، أما أن نأتي ونستعرض ذنوبنا وخطايانا فنحن في ستر الله عز وجل، ونعلن عجزنا وتقصيرنا وما منا شيء أبداً، ومن تصدق أو صلى أو صام فإنما يفعل لنفسه، ومن أعرض عن الله، فالله غني عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فهذا هو الرجل الذي ذكره عليه الصلاة والسلام، وتلك هي المرأة التي عرضت نفسها على رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    علاقة الدعاء بالعبادة

    الشق الثاني في هذا الحديث: الدعاء.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (قال الله عز وجل: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني) فالدعاء له آداب، وهو من أفضل العبادة، وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث فيه بعض المقال في الترمذي: (الدعاء مخ العبادة) والذي يصح من هذه الأحاديث: (الدعاء هو العبادة) وإذا رأيت العبد يكثر الدعاء كثيراً كثيراً؛ فاعرف أنه متجه إلى الله، وأنه كثير الإيمان.

    قصة لرجل في الصحراء

    أحد الناس يقول: نزلت في قفرة أنا وأهلي وانقطع عنا الماء وكنا في بادية، فذهبت لألتمس في وديانٍ أخرى فما وجدت شيئاً، فالتمست في مكانٍ يمنة ويسرة فما وجدت شيئاً، فعدت إلى أهلي فوجدت أطفالي كادوا يتلفون من الظمأ، وأوشكوا على الموت، قال: فتفكرت ثم تذكرت أن الحي القيوم بيده خزائن السموات والأرض، وكان مؤمناً ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه [النمل:62] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] قال: فانقطعت كل الحيل التي حولي في الوديان، قال: فتيممت وصليت ركعتين ثم رفعت يدي ودمعت عيناي. قال: والذي لا إله إلا هو -وهو صادق، ويعرف الإيمان، والصدق والنضوج -في وجهه- ما غادرت مكاني إلا وغمامة فوق رأسي وما كان في السماء شيء قال: ثم مطرت على الوادي الذي أنا فيه حتى امتلأت الغدرة. وهذا لا يحتاج إلى إثبات، والسنة والآثار والتاريخ فيها أكثر من ألف قصة أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه [النمل:62].

    رجل أرسل الله له ملكاً ينقذه

    ويكفي كما تعلمون أن كثيراً من أهل العلم أوردوا قصة الرجل الذي خرج في تجارة، فعرض له لص مجرم في الطريق فأخذه معه، وقال: أوصلني إلى ذاك المكان بالأجرة، فصدقه فمشى معه، فلما مشى معه؛ فإذا بهذا المجرم معه خنجر فأخرجه، وقال: والله لأقتلنك الآن، لكن ادفع ما معك من مال؟ قال: أسألك بالله ما مع أهلي إلا أنا، قال: حلفت أن أقتلك؛ لأنه لو تركه وأخذ ماله أخبر الناس بوجود لص في الوادي، فقال: دعني أصلي ركعتين. قال: صلِّ واستعجل. قال: فقمت فتوضأت في ذاك الوادي، وقمت أصلي ركعتين، قال: والله لقد نسيت كل شيء في القرآن إلا قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه [النمل:62] قال: فكررتها، فلما انتهيت من الركعتين وإذا بفارس على فرس من آخر الوادي بيده خنجر كالمشعف قال: فأطلقه على هذا اللص، فوقع في لبته، فإذا هو يسقط على قفاه مقتولاً. قلت: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا رسول أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه [النمل:62] لما دعوت الدعوة الأولى كنت في السماء السابعة، ودعوت في الثانية فكنت في الرابعة، ودعوت الثالثة فكنت في الأرض، فالله عز وجل يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه [النمل:62].

    رجل يطارده جمل في الصحراء فيرى أمامه ثعبان

    هناك قصة وهي من ثقات اشتهرت بين الناس وأوردوها في بعض الأخبار الموجودة العصرية وهي: أن شخصاً كان في البادية طارده جمل، قال: فمشيت في الصحراء والجمل ورائي يطردني -والجمل إذا طاردك فلا يعصمك إلا رب السموات والأرض، إلا أن يكون هناك جبل ترتقي فيه، أو مكان -قال: فأخذ الجمل ورائي، حتى كاد نفسي ينقطع، فإذا هو ورائي ما يغادرني أبداً، قال: فقلت على لساني: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! قال: فعرض لي في الأرض شق فنزلت فيه، قال: يكفي الإنسان وزاد شيئاً، قال: فلما دخلت فيه جاء الجمل فجلس على ركبته حتى يلاحقه، قال: فيدخل رأسه فكنت أقول: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! قال: وإذا بشيء يضايقني بجانبي، وأنا في هذا الثقب وهذا الشق، قال: فالتفت إليه فإذا هو ثعبان أسود، قال: فإن بقيت فالثعبان معي، وإن خرجت فالجمل فوقي، هذا نتيجة يا من يجيب المضطر إذا دعاه! سبحان الله! بل الله عز وجل أكرم وأجلَّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال: فبقيت أقول: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! قال: فخرج هذا الثعبان، كان يتكي على كتفه وهو يخرج، لكن هنا موت وهنا موت، قال: فخرج ثم أخذ بأنف الجمل، قال: فرأيته يتعاصر هو والجمل، فخرجت أنا بحفظ الله ورعايته، وبعد فترة وإذا بالثعبان ميت والجمل ميت، وأنا أقول: هذه من تجارب الناس التي لا ننقلها حدثنا فلان عن فلان لكنها موجودة وملموسة ومحسوسة يجدها من يتصل بالحي القيوم، قل يا من يجيب المضطر إذا دعاه! وفي القرآن أهول من هذه القصص، فإن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار بالمنجنيق قال الله تعالى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] فكانت برداً وسلاماً، وصاحب الحوت نجاه الله من البحر وأنبت عليه شجرة من يقطين، فخرج بعد أن دخل في بطن الحوت، وأكلته وابتلعته؛ لأنه قال: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87].

    فإذا رأيت العبد يكثر من الدعاء فاعرف أنه قريب من الله، وأن الله عز وجل سوف يقربه.

    1.   

    أوقات يستحب الدعاء فيها

    وأحسن أوقات الدعاء يا أيها المسلمون!

    أدبار الصلوات

    في السجود

    في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، فأكثروا من الدعاء؛ فقَمِنٌ أن يستجاب لكم} فإذا وضعت رأسك في الأرض ساجداً بعد أن تقول: سبحان ربي الأعلى، فعليك أن تدعو بما تيسر.

    يقول الأندلسي وهو يوصي ابنه:

    وناد إذا سجدت له اعترافاً     بما ناداه ذو النون ابن متَّى

    وأكثر ذكره في الأرض دأباً     لتذكر في السماء إذا ذكرتا

    فإذا وضعت رأسك في الأرض فعليك بالدعاء، فإن الله قريب منك سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، حتى يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ما قال: إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب؛ لأن (قل) يقولون: تفصل بين القرب من الله والعبد، ولكن للمباشرة والمفاجأة لقربه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ترك (قل) وقال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].

    قال أحد الصالحين: جلست إلى معروف فسمعته يقول في مجلسه: واغوثاه ألف مرة، واغوثاه، واغوثاه، قلت: ما معنى واغوثاه؟ قال: أستغيث بالله، أما سمعته في القرآن يقول: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال:9] فالإنسان كما يقول الحسن البصري رحمه الله: [[المسلم في الحياة كالغريق. أي شيء يتمسك به]] الغريق في البحر إن عرضت له خشبة قفز عليها، إن رأى خيطاً ولو لم يكن شيئاً تمسك به، وإن رأى شجرة ولو ضعيفة تمسك بها، فنحن كالغرقى ما علينا إلا أن نتمسك بشيء من ذكر، وصلاة، ودعاء، واستغفار، وعلينا دائماً أن نرفع أكفنا إلى الله عز وجل، والعجيب أن عند الترمذي في السنن عن سلمان رضي الله عنه وأرضاه؛ حين افتخر الناس بآبائهم وأمهاتهم وأجدادهم فقالوا: من أنت؟ قال: أنا ابن الإسلام. قال الذهبي في ترجمته: سلمان بن الإسلام، أبوه هو الإسلام، ويقول:

    أبي الإسلام لا أب لي سواه     إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم

    فيقول سلمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الله يستحيي من أحدكم إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً} لا أكرم من الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون هناك أكرم منه تبارك وتعالى فلا يمكن أن ترفع يديك إليه وتعود بخفي حنين، وبالمناسبة هذه الجملة تسمعونها كثيراً، وكثير منكم يعرف المثل: مرَّ بـحنين صاحب ناقة، فأراد حنين أن يعطيه الحذاء ويأخذ الناقة، فعرض له الحذاء، فمر صاحب الناقة بحذاء واحدة -وكان طماعاً- فقال: حذاء واحدةٌ لا تنفعني، فمر قليلاً فرأى الحذاء الثانية، فبرك ناقته مكانها وأناخها، وأخذ هذه وعاد يأخذ الثانية، فأخذ حنين الناقة وذهب ذاك بخفي حنين، فإذا قالوا: رجع بخفي حنين، فإنهم يعنون أنه لا يعود إلا بشيء زهيد، والله عز وجل لا يعيد العبد إلا بشيء إذا لم يدع بثلاث: إما ببلاء عام أو بقطيعة رحم أو بإثم، وإذا أخلص الدعاء وأكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في دعائه، وإذا ألحَّ وأكثر، ودعا من قلبٍ صادق، لأن بعض الناس يبايع ويشاري في السوق، ويقول: اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، وقلبه ليس في المغفرة ولا في الرحمة ولا في التوبة، ولكن ورد عن ابن مسعود: [[إن الله لا يقبل الدعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ ساهٍ]] وبعضهم يرفع الحديث، فالواجب القصد والاتجاه والإخلاص وكثرة الدعاء.

    أسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه، وأن يبيض وجوهنا وإياكم بنور الإيمان، وأن يتولانا في من تولى، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.