إسلام ويب

قل هو الله أحدللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الأجر والمثوبة، يا ترى ماذا تحمل في طياتها من دروس لهذه الأمة؟

    وما هي الفوائد التي تستنبط من هذه السورة التي لم تتجاوز السطرين؟

    كل هذا ما ستعرفه في هذا الدرس.

    1.   

    فضل القرآن

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    عنوان هذا الدرس: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).

    حمداً لمن بلغنا المراما     وزادنا من فضله إكراما

    ثم صلاة الله تترى ما سرى     برق على طيبة أو أم القرى

    مع السلام يغشيان أحمدا     وآله المستكملين الرشدا

    شعب إذا لم يعبد الله الصمدْ      ولم يردد قل هو الله أحد

    لن يعرف النصر ولا لن يعرفه      في ذلة وقلة ومتلفة

    الله يستثير الهمم إلى كتابه، ويمدح كلامه، ويوجه الأمه إلى هذا الدستور الخالد، ويتحدى أعداءه، ويُبَكِّت خصومه، فيقول مثنياً على كتابه: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى متحدياً العروبة والعرب، وهم أهل اللسان: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد:31] والجواب مسكوت، ومعنى الجواب عند أهل العلم: لكان هذا القرآن.

    ويقول الله عز وجل أمام الشعراء والأدباء والخطباء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى مقسماً أنه حق: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات:23].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى منادياً للتبرك به في العمل والتلاوة والمنهجية والمدارسة والتحكيم: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:2].

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29].

    وبَكَّتَ سُبحَانَهُ وَتَعَالى أعداءه، ووصفهم بإقفال القلوب، وأنهم لا يفهمون ولا يفقهون ولا يعون: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

    ثم قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى مخبراً أن غير كتابه من تأليف البشر ومن تصنيف الناس، عُرضة للنقص إلا هذا الكتاب، فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    ثم ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن كتابه لا يأتيه الباطل، ولا تلعب به الأهواء، وأنه ليس من صنع البشر، وليس من ولادة الطين، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص:29].

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَـدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَـكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

    والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولكن الدرس هذا هو في سورة حبيبة إلى قلوبنا، لها أثر خاص، وطعم خاص، وذكريات خاصة، كان يحبها عليه الصلاة والسلام ويعيش معها، وهي تعريف بالله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الله الناصر، القدير الواحد، المحاسب، الشهيد، يعرف نفسه للبشر، ولم يكن البشر يعرفونه، وما كانت العقول تعرف من هو الله، وما كانت العرب والعجم تتطلع إلى درجة أن تتعلق بالله، حتى علقها به رسـول الهدى عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    أسباب نزول سورة (الإخلاص)

    وفي السورة مسائل:

    المسالةالأولى: أسباب نزول هذا السورة:

    من أسباب النزول: سببٌ طريفٌ لطيف:

    ففي مسند أحمد، وعند ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري، وعند البغوي في (معجمه): أن المشركين اجتعموا فقالوا: يا محمد! انسب لنا ربك، نريد نسبته، أباه وجده، من أي عشيرة؟ من أي قبيلة؟ فتوقف - عليه الصلاة والسلام -

    حياءً من إلهي أن يراني     وقد ودعتُ صحبك واصطفاكا

    ويقبح من سواك الفعل عندي     وتفعله فيحسن منك ذاكا

    ماذا يقول عليه الصلاة والسلام؟ وكيف يجيب عن هذا السؤال المبهم المدهش المحيِّر؟! سؤال من أناس سفهاء وجهلة وأغبياء وبلداء، فتوقف عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله عز وجل كلاماً عن النسبة والنسب، وكلاماً عن التعريف: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    من يستطيع أن يَنْظُم مثل هذا الكلام؟! من يستطع أن يرد ويجمع هذه المقالات البدعية الضالة المنحرفة في سطرين، ثم يصبح السطران ثلث القران، في الفضل والأجر والمثوبة.

    القرآن ثلاثة أثلاث، ثُلُثُه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]: أجرها تعادل ثلث القرآن، فهي تحمل المعطيات للأمة، والصدارة، والشجاعة، والهوية الروحية لشباب الإسلام، ولأتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين.

    وسوف أتعرض بإذن الله في آخر الدرس إلى شرك الخوف، التي عالجته هذه السورة، وطردته، وبَكَّتَت أهله، واستهزأت بأصحابه، شرك الخوف، الذي وقعت فيه الأمة، إلا من رحم ربك، وأصبح الناس أو أكثرهم واقعين فيه.

    ومن أسباب النزول:

    (أن عامر بن الطفيل ملاعب الأسنة، كان من أشجع العرب، كان فاجراً -يقول: يا محمد! اقسم بيني وبينك الأرض، لك نصف الأرض، ولي نصف الأرض، وأسلِّم لك بالرسالة- وهل الدنيا مناصفة؟! وهل أتى صلى الله عليه وسلم لابتزاز الأراضي؟! وهل كان صلى الله عليه وسلم تاجر قصور؟! وهل كان صلى الله عليه وسلم يريد باستين وحدائق؟! إنه يريد مبادئ يركبها على دماء البشر لترتفع (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)- فرفض عليه الصلاة والسلام، فقال عامر بن الطفيل: (يا محمد! إِلامَ تدعو؟) قال: إلى الله عز وجل، قال: صفه لنا، أمِنْ ذَهَبٍ هو؟ أو مِنْ فضة؟ أو مِنْ حديد؟ -أي: تركيبه الجسماني، أمن ذهب؟ أو من فضة؟ أو من حديد؟- فأنزل الله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]) رواه البغوي والخازن، عن ابن عباس، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير وكثير من أهل العلم.

    العرب العرباء بغير قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] لا تساوي شيئاً.

    والعروبة التي يدندنون بها بغير إسلام عروبة البعث، أو عروبة الماركسين، أو عروبة العَلْمَنَة الَخوَنَة، أو عروبة المرتزقة، لا تساوي شيئاً بغير a=6006221>قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    هم قَتَلَةٌ بغير قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] نَهَبَةٌ، سَرَقَةٌ، خَوَنَةٌ، ويوم يرتفع عليهم تاج قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] يرفعهم الله من الحضيض.

    ومن أسباب النزول:

    كان العربي قبل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] يأتي إلى الصنم، ويجد الثعلب يبول على الصنم، فيسجد هو للصنم، وقد ذُكِر: أن أعرابياً أتى إلى صنم ليعبده، فوجد الثعلب يبول على رأسه، قال:

    أَرَبٌّ يبول الثعلبان برأسه     لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ

    يقول: أهذا الله الذي يرزقنا؟! أهذا الله الذي يوحد مسيرتنا؟! أهذا الله الذي يوجهنا؟! أهذا الله الذي ينـزل علينا الدستور؟! أهذا الإله تبول عليه الثعالب؟! لو كان إلهاً صِدْقاً ما بالت عليه الثعالب.

    وأتى أعرابي آخر إلى صنم آخر، فوجد ثعلباً خرج من وراء الصنم، فخافت راحلتُه ونفرت فسقط الأعرابي على وجهه، وقال:

    أتينا إلى سعد ليجمع شملنا     ففرقنا سعدٌ فما نحن من سعدِ

    وسبب البيت: أن هذا الأعرابي طلق زوجته في الجاهلية، فاستفتى أعيان القبيلة: مَن يرد علي زوجتي؟ قالوا: إلهك سعد، في مناة -في أرض ثقيف- قالوا: اذهب إلى سعد بالناقة، وقدم له لبناً، لعَلَّه أن يرد زوجتك، فذهب بالناقة، فلما اقترب واللبن معه على الجمل، خرج الثعلب من وراء الصنم، فنفرت الناقة، فسقط على رأسه، أراد أن يرد الزوجة، ففرت الناقة، قال:

    أتينا إلى سعد ليجمع شملنا     ففرقنا سعدٌ فما نحن من سعدِ

    فأنزل الله عز وجل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى توحيد الله

    وعند أبي داود وغيره بأسانيد صحيحة، أن حصين بن عبيد الخزاعي، والد عمران، وفَدَ على الرسول عليه الصلاة والسلام والرسول ذاك الإمام المعصوم، والقائد النِّحرير، والشيخ الجليل يضحك من عقول العرب، والله إنها تستدعي أن يضحك الإنسان طويلاً.

    فإذا أراد الأعرابي أن يسافر استشار الصنم: هل يسافر أم لا؟

    وإذا أرادت زوجته أن تلد أتى إلى الصنم وقدم له لبناً أو دهناً أو سمناً.

    فأتى هذا الأعرابي، فقال صلى الله عليه وسلم: (كم تعبد؟ قال: سبعة) هذه السبعة ليست من الجن الذين يقولون: سبعة، فسبعة هنا بمعنى: 6+1=7، فهؤلاء يتخيلون في هذه الوثنية الحادثة، أن اسم (7) سوف يضره. ولا يضر إلا الله، ولا ينفع إلا الله.

    لَعَمْرُك ما تدري الضوارب بالحصى     ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ

    دعها سماوية، تجري على قدر     لا تفسدنها برأي منك منكوسِ

    سماوية: أي: أن الأمر من السماء.

    قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] هذه تجري في دماء المؤمنين، تجعلهم شجعاناً، لا يخافون إلا الله، وسوف يأتي حديث عن ذلك.

    فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء -فأوقفه عليه الصلاة والسلام أمام عقله وإرادته، وضميره، وأمام مستواه، وفكره وقال-: مَنْ لِرَغَبِكَ وَلِرَهَبِكَ؟) أي: مَنْ لك إذا اشتدت عليك الضوائق، وضاقت عليك الحيل؟

    ولرب نازلة يضيق بها الفتى     ذرعاً وعند الله منها المخرجُ

    ضاقت فلما استحكمتْ حلقاتُها     فُرِجَتْ، وكنتُ أظنها لا تفرجُ

    ويقول أبو العلاء الأعمى، ولكنه -أحياناً- يأتي بأبيات جيدة، يقول حين دخل على ملك المعرة صالح بن عبد الله: أطلق لي أسارى المعرة. قال: لا. لا أطلقهم لك. قال: أطلقهم. قال: لا. وفي الأخير قدر الله أن يغلبه ملك آخر يطلقهم، فأطلقهم، فدخل عليه في اليوم الثاني، فقال:

    تقضون والفلك المسير ضاحكٌ     وتقدرون فتضحك الأقدارُ

    يقول: أنت يتيم، ليس عندك شيءٌ، فالذي يقضي وينفع ويحيي ويميت هو الله.

    الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ لِرَغَبِكَ وَلِرَهَبِكَ؟).

    يعيشُها الطالبُ في قاعة الامتحان، يوم تُقَدَّم له ورقةُ الأسئلة، وتقدم أمامه ورقةَ الإجابة، فلا أبوه يعطيه الإجابة، ولا أمه قريبة منه تُغَشِّشه، ولا الأستاذ يستطيع أن يلقنه، ولا اللجنة تسمح له، فهنا يتصل بالواحد الأحد، وحينها يأتيه المدد إن كان تقياً.

    ويعيشها الفلاح في مزرعته، حين تموت أشجاره، وتذوب أزهاره، وتجف أمطاره، فيتلفت، فلا الزراعة تعطيه، ولا الناس يمنحونه، ولا القريب يثيبه غيثاً أو يعطيه مطراً، فهنا يلتفت إلى الله.

    ولذلك أوقف صلى الله عليه وسلم العرب أمام هذه القضية.

    فعند أحمد في المسند من حديث أبي تميمة الهجيني، قال: وفدتُ على الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان صلى الله عليه وسلم يعطي كل إنسان بمدده، أو ببيئته التي يعيش فيها، أو بقدرته على التلقي، البدوي يخطابه بواقعه من البادية، والملك يخاطبه بملكه وديوانه، والوزير بوزارته، والمتعلم بعلمه، وأهل الكتاب يخاطبهم بعلم الكتاب، والمنافقون بما عندهم من وساوس وخطرات نفاقية، والمشركون بمعالم الوثنية، كلٌّ يعطيه بحسب بيئته وطبيعته.

    يقول أبو تميمة: فلما وفدتُ قلت: يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال: إلى الله؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إلى الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإذا أصابتك سنة مُمْحِلَة فدعوتَه أمطر عليك أرضك، وإذا ضلت ناقتك في الصحراء فدعوتَه رد عليك ناقتك) لا إله إلا الله! لا يعرف البدوي إلا الناقة، وإلا الأرض إذا أجدبت، وإلا المطر إذا جف، فهذه القضايا التي يعيشها ردها عليه الصلاة والسلام على من يكفله في ذلك. ولا بد من مخاطبة الناس ببيئاتهم. ذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار قصة، وذكرها أيضاً ابن عبد ربه، وغيره من الأدباء، والقصة معروفة: وفد أعرابي من الصحراء على المتوكل الخليفة العباسي المناصر للسنة -المتوكل هو الذي نصر الإمام أحمد، ووقف معه، وأكرمه، وأعلى قدره- فدخل الشعراء يوم عيد الفطر على المتوكل يمدحونه، فقام الأعرابي الذي أتى من الصحراء، لا يعرف إلا الكلب والتيس، وقال للخليفة:

    أنتَ من ماجد وصولٍ كريم     من كثير العطايا قليل الذنوبِ

    أنتَ كالكلب في حفاظك للود     وكالتيس في قراع الخطوبِ

    يمدح الخليفة بصورتين اثنتين، فهو يقول له: ما أنتَ بحفظك للود ووفائك للعهد إلا كالكلب الذي معنا في الصحراء، وأحفظ الحيوانات للود الكلب، ومن حفظ الكلب أنه لا ينبح صاحبه، وأنتَ في شجاعتك وفي منازلتك الأبطال وفي قتالك المعارك مثل التيس.

    فقام الوزراء والجنود يريدون أن يبطحوه أرضاً، ويضربونه ضرباً حتى لا يدري أين القبلة، فقال الخليفة: دعوه، من أين أتيتَ يا أخا العرب؟ قال: من الصحراء، قال: دعوه، هذا لا يعرف إلا الكلب والتيس؛ لكن أنزلوه في الكرخ، فإني أراه عنده موهبة شعرية ثم ليأتني بعد سنة، فأنزلوه في خيمة في طرف بغداد عند الرصافة، بين الجسر والكرخ، فرأى الحدائق، ورأى الحضارة، الدنيا، والأسواق، وبعد سنة أتى ودخل على الخليفة وقال:

    عيون المها بين الرصافة والجسر     جَلَبْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

    ثم مدح الخليفة، فعذره وأجازه.

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: مَنْ لِرَغَبِكَ وَلِرَهَبِكَ؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض، واعبد الذي في السماء).

    هذه قضيته عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس أنه لا ينفع إلا الذي في السماء، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30].

    والله عز وجل يقول: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] والعرب تدري من هو الذي في السماء.

    الأعرابي وهو مشرك يعبد الصنم، إذا تَرَجْرَجَتْ به سفينتُه في البحر، التَفَتَ إلى السماء، ودعا: يا ألله! يا ألله! يا ألله! فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65] مثل الطلبة الآن، لما طلعت النتائج؛ قليل مِنْهم مَنْ يحضر ليصلي في الجماعة، وقليل مِنْهم مِنْ يقرأ القرآن، ومَنْ يسبح، هل يضحكون على الله؟! الضحك على الله عيب، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] ويقول: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال:30].

    فالذي يضحك على إرادة الواحد الأحد إنما يضحك على نفسه، فالله عز وجل يعلم ما تكنه الصدور، وما تخفيه الضمائر.

    فالمقصود: أن الناس يعرفون من هو الله، ويعرفون أنه في السماء.

    رأيتُ في ترجمة عيسى عليه السلام أنه مرَّ، وكان يشفي -بإذن الله- من الأمراض، وكان يعالج، وكان -بإذن الله- يحيي الموتى، فمر ببقرة، وقد اعترض ولدها في بطنها، وأصبحت في مشقة، وفي كرب لا يعلمه إلا الله، فالتفتت البقرة إلى السماء وقالت: يا عيسى، يا روح الله، ادع الله أن يفرج عني، فدمعت عينا عيسى، ودعا اللهَ ففرج عنها.

    فالكائنات كلها تصمد إلى الله، ولذلك يقول الشاعر:

    يا رب حمداً ليس غيرك يُحْمَدُ     يا من له كل الخلائق تصمدُ

    أبواب كل ملوكنا قد أوصدت     ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ

    الصالحون بنور وجهك آمنوا     عافوا بحبك نومهم فتهجدوا

    1.   

    دعاء الله وتوحيده

    ترى الجهات والسلاطين، إذا طرقتهم في الثالثة ليلاً أو الرابعة، لا يفتحون لك وقد يغضب عليك وإذا أتيتهم في غير وقت الزيارة لا يسمحون لك، ولا يستقبلون معاريضك، ولا يسمعون بكاءك، ولا شكايتك، ولا يرحمون دموعك، إلا إذا أتيت في وقت خاص، بأمر خاص، وإذن خاص، وشفاعة خاصة، ثم هو على مزاجه، إن شاء أعطاك وإن شاء رفض.

    أما الواحد الأحد، ففي كل لحظة، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]. ولذلك فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يُدْخل في أي وقت.

    قال يوسف بن أسباط: عجباً لك يا بن آدم! خُلِّي بينك وبين الماء البارد، تتوضأ وتدخل على الله متى شئتَ.

    قال الصحابة وهم في سفر: (يا رسول الله! أربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟).

    أي: هل هو قريب فنتكلم إليه بالصوت الخافت؟ أم هو بعيد فنرفع أصواتنا؟

    (فأنزل الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]) وهي من أعظم الآيات المؤثرة في حياة العبد، أن تناجي الواحد الأحد في أي وقت، فيسمع دعاءك.

    قال بعض المفسرين: إن يوسف عليه السلام لبث في السجن سبع سنين لسبب واحد، لأنه كان يقول لزميله في السجن كما في القرآن الكريم: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] أي: اذكرني عند سيدك، الملك، فإذا دخلتَ عليه وقد أطلقك، فحاول إذا أتى ذكري أن تذكرني عَلَّه يطلقني من السجن، فأوحى إلى يوسف: ذكرتَ ربه ولم تذكر ربك؟! لماذا لم تذكر حاجتك إلى الواحد الأحد؟! ولماذا لم تقل أنتَ: يا الله، يا الله؟! من الذي يمنعك أن ترفع يديك إلى الواحد الأحد؟! إنه قريب سميع مجيب.

    خرج الصحابة، فلما أصبحوا في الربع الخالي، تقطعت بهم المياه وتقطعت بهم الأسباب والأنفاق والحبال، وأصبحوا في درجة من الهلاك والظمأ، لا يعلمه إلا الواحد الأحد، قالوا لأميرهم العلاء بن الحضرمي: [[ادعُ لنا ربك قال: يا عليُّ! يا عظيم! يا حكيم! يا عليم! فأرسل الله سحابة، فأمطرتهم، فشربوا واغتسلوا وملئوا أوانيهم.]] أليس الله هو القريب: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    1.   

    فضائل سورة الإخلاص

    ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه: (أن رجلاً كان يردد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] لا يزيد عليها، قام من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، يردد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] حتى الفجر، فأتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وسأله الصحابة في ذلك، كأنهم تقالُّوها، قال: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن).

    فمن قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] فكأنما قرأ ثلث القرآن في الأجر والمثوبة.

    وأخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث أبي سعيد قال: قال عليه الصلاة والسلام: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ قالوا: وأينا يستطيع ذلك يا رسول الله؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ثلث القرآن) فمن قرأها حصَّل ثلث القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن مرة بالأجر والمثوبة، لا بالمعلومات والقضايا، فإن هذا أمر آخر.

    وورد في الصحيح ( أن رجلاً جعله صلى الله عليه وسلم أميراً على سرية، فخرج معهم، فكان يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] دائماً، لأنه يحبها، فكان يتأملها ويتعلق بها، فأخبروا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: سلوه، لم يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]؟ فسألوه، قال: إن فيها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأها، قال عليه الصلاة والسلام: حبك إياها أدخلك الجنة). وفي لفظ آخر: (أخبروه أن الله يحبه). ما دمتَ أحببتَ كلامه، وما دمتَ تعلقت بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] فهذا هو الشرف العظيم.

    يا شباب الإسلام! يا جيل محمد! يا كتيبة الإسلام! يا عصابة الحق! إن من المدهش والمذهل والمحزن والمبكي أن تستمع لبعض الناس يقال له في مقابلة: ماذا تحب؟ فيقول: أغنية فلان، بتلحين فلان، وكلمات فلان، فيقال له: إلى من تهديها؟ فيقول: إلى أبي وجدي، وإلى أخي وإخوتي، وإلى أبنائي وبناتي. قارنوا بين هذا وبين ذاك العصامي الرجل الأول الذي عاش مع محمد صلى الله عليه وسلم المجاهد الشاب الذي تعلق بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وقرأها في كل ركعة.

    وفي الصحيح: (أن رجلاً جعله صلى الله عليه وسلم إماماً لقومه في قباء من الأنصار، فكان كلما قرأ الفاتحة قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثم أتى بسورة، فقال له قومه: إما أن تكتفي بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فهي تكفي، وإما أن تقرأ غيرها، فقال: إن أردتم أن أؤمكم قرأت بكم في كل ركعة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وإلا فابحثوا عن إمام غيري، وعلموا أنه ليس عندهم إمام غيره، لما فيه من الخير، فأخبـروا الرسول عليه الصلاة والسلام فَبَيَّن أن حبه لها أدخله الجنة، وأن الله يحبه) سبحان الله العظيم!!

    1.   

    لماذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن

    المسألة الثانية: لماذا كانت ثلث القرآن؟:

    قال بعض العلماء: إن القرآن ثلاثة أنواع:

    الأول: أحكام.

    الثاني: وعد ووعيد.

    الثالث: أسماء وصفات.

    فـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أسماء وصفات، فهي ثلث القرآن.

    فثلثٌ: أحكام، وتشريع.

    وثلثٌ: وعد ووعيد، وخبر عن الجنة والنار، وعن الآخرة.

    وثلثٌ: أسماء وصفات.

    فتكفلت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) بالأسماء والصفات، فهي ثلث القرآن.

    وعن أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه فيما رواه مسلم وغيره، قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) جزءاً من أجزاء القرآن) قال القرطبي: وهذا نص، وبهذا المعنى سُمِّيَتْ سورة الإخلاص.

    إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة سورة الإخلاص

    وكان عليه الصلاة والسلام يحبها كثيراً، ويقرأ بها هي وسورة الكافرون في ركعتي الفجر التي قبل الصلاة، ويقرأ بهما في ركعتي الطواف، ويقرأ بهما في سنة المغرب البعدية، يداوم على هاتين السورتين في هذه النوافل؛ فإنه يبتدئ النهار عليه الصلاة والسلام بركعتي الفجر؛ لأن قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] نفت الشرك، وبينت المفاصلة بين التوحيد والشرك، بين (لا إله إلا الله) وبين لا إله والحياة مادة، بين أولياء الله وبين أعداء الله، بين الكفر وبين الإيمان، بين الظلام وبين النور، أما (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعة الثانية فأخلصت التوحيد لله، وأخلصت الولاء، وذكرته في أجل المحامد؛ فإن الله يحب المدح، الله ممدوحٌ يحب المدح، ولا أحدٌ أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، ونزَّه نفسه، وأثنى على نفسه، وحمد نفسه، قال الأسود بن سريع: { ركبت مع الرسول عليه الصلاة والسلام رِدْفاً له، فقلت: يا رسول الله! إني نَظَمْتُ أبياتاً أمدح بها ربي، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: أما إن ربك يحب المدح} ولذلك انظر إلى استهلالية سورة الأنعام، السورة الهائلة التي شيعها سبعون ألف مَلَك، حتى أنزلوها في الأرض، ولذلك سورة الأنعام هذه رهيبة رهيبة، فهي سياط من الآيات تضرب القلوب، وتستولي على الأرواح، وتطارد النفس من كل أقطارها، افتتحها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بهجوم أدبي على أعدائه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1].

    ونزه نفسه فقال: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:181-183].

    وقال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65].

    وأخبر بكلٍّ من حكمته، ورحمته، ولطفه.

    وفي صحيح مسلم: عن عمرو بن الشريد، قال: {رَدِفْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدابـة -بغلة أو حمار- فقال لي: أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن أبي الصلت؟ قلتُ: نعم. يا رسول الله! قال: هِيْه! أنشدني -كان عليه الصلاة والسلام لا يحفظ الشعر، أتى بشيء أحسن من الشعر، ولو كان يحفظ الشعر لقال عنه الكفار: شاعر، وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69]- فقال: فأنشدتُه بيتاً، فقال: هِيْه، فزدته، فقال: هِيْه، فزدتُه، فقال: هِيْه، حتى أنشدتُه مائة قافية}.

    من ضمن الشعر المنشود: أن أمية بن أبي الصلت نَظَمَ قصة موسى لما أرسله الله إلى فرعون.

    وأمية هذا مات كافراً، سبحان الله! آمن لسانه وكفر قلبه؛ لأنه يريد أن تكون النبوة فيه، يريد أن يؤتى صحفاً منشرة، فما أعطاه الله النبوة، فكفر بالرسول عليه الصلاة والسلام.

    فمن ضمن قصائده: أن الله عز وجل لما أرسل موسى إلى فرعون قال لـه: أأنتَ يا فرعون رفعتَ هذه؟ أأنتَ يا فرعون نصبتَ هذه؟ أأنتَ أنبت الحب؟ أأنت خلقتَ الزهر؟ فقال نَظْماً:

    فقولا له أأنت سويت هذه     بلا عمدٍ حتى استقلت كما هيا

    وقولا له من ينبت الحب في الربى     فيصبح هذا الحب بالحب دانيا

    ثم أخذ يقول: وقولا له، وقولا له، وقولا له، فتأثر له عليه الصلاة والسلام وقال: {آمن لسانُه، وكفر قلبُه} وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الرعد:36].

    وفي صحيح البخاري وغيره: { أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه، أخذ كفيه الشريفتين العادلتين الرحيمتين فقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً، ثم نفث فيهما ومسح ما أقْبَل من جسمِه ورأسَه وما والى من وجهه. يفعل ذلك ثلاثاً، ثم ينام}. لماذا؟ ليحفظه الله، وهو محفوظ.

    وإذا العناية لا حظتك عيونُها     نَمْ فالحوادث كلهن أمانُ

    النبي يوصي عبد الله بن خبيب بسورة الإخلاص

    كان يحب أن تكون آخر كلامه صلى الله عليه وسلم قبل أن ينام. في السنن ومسند أحمد: عن عبد الله بن خبيب، قال: {كنت أمشي في ظلام، وكان صلى الله عليه وسلم وراءه- ولا يدري أن المعلم والشيخ وراءه في الظلام- قال صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن خبيب! قلتُ: لبيك وسعديك يا رسول الله}. وانظر إلى الشباب المتفتح، وإلى الكتيبة الخالدة، وفتيان محمد صلى الله عليه وسلم، كان الواحد منهم إذا ناداه في المعركة يقول: لبيك، فيقدم رأسه ودمه رخيصاً كالتَّفْلَة في الأرض.

    {فقال: لبيك يا رسول الله، قال: (قُلْ) قلتُ: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: (قُلْ) قلتُ: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً إذا أصبحتَ، وثلاثاً إذا أمسيتَ لا يضرك شيء} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    معنى ذلك: أنها حرز حريز، وأنها حياطة من الله وسياج، فلا يضرك معها شيء.

    وإذا قلتها بعقيدة في الصباح، فمن ذا الذي يضرك، إذا أراد الله ألا يضرك أحد فمن ذا الذي يضرك.

    وعن وهب بن منبه وقد ذكر ذلك ابن كثير وغيره -: أن الله عز وجل يقول في الحديث الصحيح القدسي: {وعزتي وجلالي، ما من عبد اعتصم بي، فكادت له السماوات والأرض، إلا جعلت له من بينهن فرجاً ومخرجاً} أسمعتم؟! من الذي يقسم؟ الله! {وعزتي وجلالي ما من عبد اعتصم بي، ثم كادت له السماوات والأرض ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن فرجاً ومخرجاً، وعزتي وجلالي ما من عبد اعتصم بغيري، إلا أسخت الأرض من تحت قدميه}.

    فالأذلاء الحقراء هم الذين يعتصمون بغير الله، والخونة العملاء هم الذين يلتجئون لغير الله، أما المؤمنون الشجعان فهم الذين يفوضون أمـرهم إلى الله قال تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [غافر:44-45].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:36].

    وقال تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران:174].

    وكان عليه الصلاة والسلام يحب أن يرددها كثيراً، ويقرأها، ويتأملها، وأن يعيش معها، ولكن تعالوا الآن لنعيش مع مفرداتها، وجملها الرائعة البديعة، التي هي تثبت -صراحةً- أن هذا القرآن ما كان له أن يُفْتَرى من دون الله، ومن غير الله ما يُسْتَطاع، وأن من معجزاته أنه ما يُنْظَم على نفسه، ولا يُوْصَل إلى قدره، ولا يُرَتَّل مثله أبداً، لا من شاعر، ولا من كاتب، ولا بليغ، ولا خطيب، أو عالم، أو مفكر. هذه مسألة.

    1.   

    تفسير سورة الإخلاص

    تفسير (قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد)

    أي: الواحد الأحد، الذي لا نظير له، ولا وزير، هكذا يقول ابن كثير، هل تعلم لله سمياً؟! هل تعلم له نظيراً؟! والله يقول: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51].

    معنى الآية: لا والله لا استشرتُ في خلق السماوات والأرض، ولا طلبتُ إدلاءهم بأصواتهم، ولا كانوا حضوراً، ولا أعانوني في البناء، ولا رفعوا معي هذا السقف، ولا بسطوا معي هذه الأرض، ولا نصبوا هذه الجبال، بل كانوا في عالم العدم، أخِسَّة، حقراء، ليسوا موجودين كما قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الانسان:1-3].

    يقول فرعون: أنا خلقتُ الخلق، فأتى الشيطان يضحك على فرعون، فطرق عليه الباب، وفرعون في القيلولة نائم، قال: من؟ قال الشيطان: أما عرفتني؟! قال: ما عرفتُك، قال: تخلقني ولا تعرفني؟! أي إنك تقول: أنك تخلق العالم، أفتخلقني ولا تعرفني؟! لأن فرعون يقول: أنا الذي خلق الناس.

    وهذه الدعوة قديمة، فـالنمرود الكذاب المجرم، الذي مرغه إبراهيم في التراب، يقول كذلك. فيأتي جمع من الناس، فيصفقون له في المهرجان، ويقول: أنا خلقتكم. فيقولوا: يعيش يعيش يعيش، فيقول: ورزقتكم، وأميتكم، قالوا: يعيش يعيش يعيش، فأراد إمام التوحيد وشيخ العقيدة إبراهيم أن يدخل عليه حتى يمرغ وجهه في التراب، فدخل عليه، كما يصف الله تلك الحادثة: ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258].

    ويقال: أن الفرق بين فرعون والنمرود: أن إبراهيم هو الذي بدأ بالسؤال، أما فرعون فهو الذي بدأ بالسؤال مع موسى.

    فكان النمرود أذكى قليلاً، وإلا فهما كما يقول عمر، قيل لـعُبادَي: أي حماريك أخس، قال: [[هذا ثم هذا]] فذاك حمار وهذا حمار؛ لكن بعض الحمير أذكى من بعض.

    ويقول صاحب (كليلة ودمنة): جمع الأسد الحيوانات وقال: عندي فكاهة، قالوا: تفضل يا أبا حسل، فأورد الفكاهة، فضحكوا جميعاً إلا الحمار لم يضحك وفي اليوم الثالث ضحك الحمار، فقال له الأسد: ما لك؟ قال: فهمتُ الفكاهة الآن.

    الشاهد أن إبراهيم قال: للنمرود قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258] قال: كيف؟ فأخرج النمرود مسجونين، فقتل أحدهما وأطلق الآخر وقال: هذا أحييه أطلقتُه، وهذا أميتُه ذبحتُه، قال إبراهيم: ما دمتَ أنك أستطعت أن تحيي وتميت -والنمرود بالطبع كذاب فهذه ليست إحياء وإماتة- وهي مسألة أخرى، قال: ماهي؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة:258] قال الله: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258].

    فالله لا وزير له، ولا نديم، ولا شبيه، ولا عديل.

    ولذلك فإن الله لا ينام، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [فاطر:41].

    وورد أن موسى عليه السلام، عندما التقى مع الله قال: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143].

    ويوم صُعد بالرسول صلى الله عليه وسلم وعرج به قال: يا رب! كيف شرَّفته وقد بُعِثَ بعدي؟! قال ابن تيمية رحمه الله: هذه غيرة محمودة، تنافس في الحق، ليس حسداً.

    وفي بعض الآثار أنه قال: يا رب! اجعلني من أمة محمد. كان يريد أن يتفضل بأمته على الأمم، وفي الأخير يقول: اجعلني أنا من أمة محمد. وهذا ثابت. ففي (سنن النسائي) بسند صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {والذي نفسي بيده، لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي}.

    اسمع بعض أسئلة موسى إلى الله عز وجل:

    قال: يا رب، أتنام؟ -سبحان الله! لقد التقى بالله يكلمه- قال: يا رب! أتنام؟ قال: يا موسى! لا تنم هذه الليلة، فما نام، فأتت الليلة الثانية، فقال: لا تنم، فلم ينم، فأتت الثالثة، قال: لا تنم، فلم ينم، فلما أتت الرابعة قال: يا موسى، خذ قارورتين واملأهما ماءً، فأخذ قارورتين ووقف وملأهما ماءً، فأخذ ينعس، وكادت القارورتان أن تَصْطدمان، فكان ينتبه، ولما أتى في الثلث الأخير من الليل اصطدمت القارورتان، وتكسرت، فقال الله: يا موسى! لو نمتُ لذهبت السماوات والأرض.

    وأنزل الله مصداق ذلك: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر:41] فسبحان الخالق البديع الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت!

    اسمع هذه الآية: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد:33] من القائم على كل نفس؟ الله. انظر إلى كل إنسان في الزحام وفي الكثرة وفي الملايين، فالله يحاسبه ويراقبه كأنه ليس مشغولاً إلا به، مع العلم أنه كما قال ابن القيم: يُغْني فقيراً، ويُفقر غنياً، ويرد ضالاً، ويهدي عاصياً، ويتوب على تائب، ويخلع هذا، ويولي هذا، وينـزع هذا، ويعطي هذا، ويمنع هذا، ويحيي هذا، ويمرض هذا، ويشفي هذا كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29].

    ولا يطلق هذا اللفظ على أحد إلا على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقال القرطبي: الواحد: الوتر، والله يحب الوتر فهو واحد لا ثاني له، ويحب من الأفعال الوتر، ولذلك كانت هيئات الوضوء، أو الغَرفات ثلاثاً، والطواف بالبيبت سبعاً، والسعي سبعاً، وأيام الأسبوع سبعاً، وينتهي النهار بالوتر، وهي صلاة المغرب، والليل بالوتر المعروف، فالله وتر يحب الوتر.

    قال: لا شبيه له ولا نظيراً ولا صاحبة ولا ولداً، والله عز وجل يغضب من يسمي له صاحبة، قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [المؤمنون:91] وما اتخذ الله من شريك، ولا نديد ولا مثيل يشاركه. فتعالى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى!

    ومما يروى من قصص بني إسرائيل وأهل السنة يروون قصص بني إسرائيل: {حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج}.

    فقيل: كان بنو إسرائيل إذا غاب موسى اغتابوه وسبوه وشتموه، فإذا حضر هابوه، فدعا موسى ربه وقال: يا رب! أسألك أن تكف ألسنة الخلق عني.

    ولذلك يقول الله عز وجل: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69] وقال الله: يا موسى! ما اتخذتُ ذلك لنفسي، إني خلقتُهم، ورزقتهم، وأعافيهم، وأشافيهم ومع ذلك هم يسبونني.

    وورد في الصحيح: { كَذَبَنِي ابن آدم} وفي لفظ: {كَذَّبَنِي ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فيقول: إني لا أعيد الخلق كما بدأتُه، وإعادته عليَّ أهون من بدئه، وأما شتمه إياي فيقول: إن لي صاحبة وولداً، وتعاليتُ وتقدستُ، لا صاحبة لي ولا ولداً}.

    وفي بعض الألفاظ: {شتمني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وسبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فإنه يشتم الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّب الليل والنهار كيف أشاء} والآن الناس يشتمون الدهر، فيسب أحدهم فيقول: فضح الله هذا اليوم وهذا الأسبوع وهذا العام، وفضح الله يوماً عرفتُكَ فيه، ولا بارك الله في زمن لقيتُك فيه، أو صاحبتُك فيه.

    نعيب زماننا والعيب فينا     وما لزماننا عيب سوانا

    إن الجديدَين في طول اختلافهما     لا يفسدان ولكن يفسد الناسُ

    فالليل والنهار لا شيء، ولذلك يقول الشاعر الجاهلي متعتباً على الدهر:

    لحا اللهُ هذا الدهر إني وجدته     بصيراً بما ساء ابنَ آدم مُوْلَعا

    فالدهر لا دخل له، إنما الذي يقلب الليل والنهار هو الله، وهو مسبب الأسباب سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ)

    الصمد لها معانٍ عند أهل السنة من المفسرين، وغيرهم من اللغويين.

    فقيل الصمد: هو الذي تصمد له الكائنات، أي: تحتاج له، وتتلهف له، وتتجه إليه، وتطلبه، من هو المستغني عن الله؟ من هو الآن الذي يعيش أو سوف يعيش وقد استغنى عن الله طرفة عين؟ هل تستطيع الدواب أو العجماوات أو الطيور أو الزواحف أو الملوك أو الكفرة أو التجار أن يستغنوا عن الله طرفة عين؟ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] يسمع دبيب النمل فيعافي ويشافي، وتُرْفَع إليه الحاجات، فلا يمنعه كفر الكافر أن يرزقه، بل يعافيه، ويعطيه، ويبتليه، ويشافيه، وهو كافر بالله، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    قال ابن الجوزي: ذهب بعض الصالحين، فرأى عصفوراً يأتي إلى نخلة فيقع عليها، كل يوم، فتعجب هذا الرجل الصالح، قال: العصفور ليس من عادته أن يعشعش في النخل، العصفور لا يبني عشه في النخل، لكنه يبني في الأرض، أو في الشجر القصير، فتسلق هذا الرجل الصالح إلى رأس النخلة، فوجد حية عمياء، نشبت في رأس النخلة، ليس لها طعام، فإذا احتاجت إلى أكل، أتى هذا العصفور بطعام ولحم، فإذا اقترب منها زقزق، ففتحت فمها، فألقى اللحم في فمها.

    فمن الذي دَلَّ؟ ومن الذي عرَّف؟ ومن الذي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50]؟

    من الذي عَلَّم النحلة أن تذهب المسافات الشاسعة ثم تعود إلى مكانها، والعاملة تشتغل في بناء هذا البناء، ومنها الآخذة والطاعمة والشاربة.

    من الذي عَلَّم النمل أنه سوف يمر فصل شتوي قارس البرد كثير الأمطار، لا تستطيع أن تخرج إلى الحب، فتعد وتحسب حسابها من فصل الصيف، فتدخر الحبوب في مخزونها، فإذا أتى الشتاء لا تخرج النمل، ثلاثة أشهر لا يخرج النمل إلا أحياناً؛ لأن عنده مكنون. وأيضاً لا ينبت الحب في بيوتها كما قاله أهل العلم، وهذا من (مفتاح دار السعادة) لـابن القيم، قالوا: لماذا لا ينبت الحب الذي في بيتها؟ فقالوا: تأتي النملة إلى الحبة فتخرقها من وسطها، أو تفلقها فلقتين فتصبح غير قابلة للإنبات، ثم تكدسها، وهذه هندسة علمها الذي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

    ولذلك سوف أعيد وأكرر كثيراً هاتين المقولتين لموسى، فيقول بعض المفسرين: لله در موسى لَكَمَ فرعون على وجهه؛ لأن فرعون يقول: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] قال: يا مجرم يا بليد يا حقير! رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] أنت يا فرعون لما ولدتك أمك، من الذي هداك للثدي؟ فالطفل أول يوم يخرج من بطن أمه لا يعرف أحداً إلا أمه، فمن الذي هداه إلى أمه وإلى ثديها؟

    ومن معاني الصمد: أي: السيد، أتى سعد بن معاذ على بغلةٍ فلما رآه الأنصار قاموا، قال صلى الله عليه وسلم: {قوموا إلى سيدكم} فقاموا، قيل في الصحيح: أقبل على حمار، وفي (السِّيَر) على بغلة، فأقبل على حمار مُنْكَأ الجراح، وكان عظيماً شديداً، اهتز له عرش الله، وقامت الملائكة بأقطاب العرش، تقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    فلما أقبل، قال صلى الله عليه وسلم: {قوموا إلى سيدكم} والقيام للسادة، إذا كان من باب الحب والاحترام فلا بأس به، أما إذا كان من باب التعظيم كالقيام على رأسه، فلا.

    كان بعض الفضلاء جالساً فأتى عالم من العلماء أقبل كالفجر، فقام الأديب، فقال العالم: لا تقم، في القيام نظر، وهو مكروه، فقال الأديب:

    قيامي -والإله- إليك حقٌ     وترك الحق ما لا يستقيمُ

    وهل رجل له لب وعقلٌ     يراك تجي إليه ولا يقومُ؟

    هل يوجد في الدنيا أحدٌ يراك تقوم مقبلاً إليه، ولا يقوم؟

    قال: {قوموا إلى سيدكم} قال ابن عباس: [[السيد الذي كمل في سؤددُه، وعَظُم شرفُه والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كملت عظمته، والحليم الذي كمل في حلمه، والعليم الذي كمل في علمه، والحكيم الذي كمل في حكمته ]].

    وقال أحد الشعراء العرب، يمدح بعض السادة العرب، يقول:

    ألا بَكَّرَ الناعي بخير بني أسدْ     بـعمرو بن مسعود وبالسيد الصمدْ

    المعنى: فوجئنا قبل الفجر بالصائحة والنائحة والباكية، تبكي سيدين شريفين: عمرو بن مسعود، وبالصمد الآخر.

    وكانت العرب تمدح الرجل الملك، فتقول: يا صمد! أي: يا مَن يُصْمَد إليه.

    وعند أحمد في المسند من حديث المقداد بن الأسود، أن رسول صلى الله عليه وسلم كان إذا نصب سترة لا يصمد إليها، والحديث فيه: الوليد بن كامل، وهو ضعيف، وبعضهم يحسِّنه، ولكن الظاهر أنه ضعيف.

    والمعنى -على فرض صحة الحديث- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يصمد للسترة صمداً، بل كان يجعلها على حاجبه الأيسر، أو حاجبه الأيمن.

    فالذي يُصمد إليه هو الله.

    والصمد له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى على نوعين:

    الأول: صمود خاص.

    الثاني: صمود عام.

    الصمود الخاص: صمود المؤمنين له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الضراء والسراء.

    الصمود العام: صمود الكائنات فلا يستغني عن الله أحد.

    قالوا للإمام مالك: ما دليل القدرة؟ والظاهر -والله أعلم- أن القائل هو هارون الرشيد -كما ذكر ذلك ابن كثير في التفسير- في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21].

    فقال هارون الرشيد لـمالك: ما دليل القدرة يا مالك؟ قال: اختلاف اللهجات، وتعدد النغمات في شتى الحاجات أمام الواحد الأحد.

    أما ترى الناس يوم عرفة يَتَكَلَّمون بأكثر من أربعمائة لغة على صعيد عرفة يتكلمون في ساعة واحدة إلى الحي القيوم، إلى من على العرش استوى، فيفهم لغاتهم، ويجيب طلباتهم، ولا يعييه سؤال عن سؤال، ولا إجابة عن إجابة، هذا يتكلم بالعربي، وهذا يتكلم بالإنجليزي، وهذا بالفرنسي، وهذا بالباشتو، وهذا بالأوردو، وهذا بالفارسي، وهذا بالأطلسي، وهذا بلغة عالمية، وهذا بمحلية، ومع ذلك كلهم يريدون الخير، ويصمدون إليه، فيجيبهم وهم في صعيد واحد.

    أليس هو الصمد سبحانه؟! بلى.

    وقال الحسن وقتادة: [[الصمد: هو الباقي بعد خلقه]].

    الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].

    فلا يموت سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ولذلك يأمر عباده وأولياءه أن يتوكلوا عليه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58]؛ لأن غيره يموت. تريد أن تتوكل على الذي يموت؟ لا. توكل على الذي لا يموت سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وقال الحسن: [[الحي القيوم: الذي لا زوال له]] فلا يزول ولا يحول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    يقول أحد الصالحين: سبحانك يا من لا يزول ولا يحول! سبحانك يا من يغير ولا يتغير! أي: يغير غيره ولا يتغير.

    الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول لأعدائه وهو يُبَكِّتُهم وقد سكنوا في القصور: وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ [إبراهيم:45].

    فهو يغير ولا يتغير، تعالى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وقال الربيع بن أنس: [[هو الذي لم يلد ولم يولد]] فجعل تفسير الصمد الآية التي بعدها، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع من الفتاوى: قيل لبعض العلماء: ما دليل قدرة الله؟ قال: دليل قدرة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى نَقْضُ الهمم، وإماتة العزائم.

    من الذي ينْقُضُ هِمَّتَك؟ إنه الله، تهم بالشيء، وتجزم أن تفعله، وتقسم أن تفعله ثم ينقض همتك، ويشتت عزيمتك.

    وقيل للإمام أحمد كما في تفسير ابن كثير: ما دليل القدرة؟ قال: بيضة الدجاجة، أما سطحها ففضة بيضاء، وأما باطنها فذهب إبريز، تفقس، فيخرج منها حيوان سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟ بلى. وللعلماء عن القدرة كلام، ففيها أمور عظيمة لا يَفِي المقام ببسطها، وليس هناك مجال لعرضها.

    وقال عكرمة: يقول ابن عباس: [[الصمد هو الذي لا جوف له]].

    فتَصْمُد له الكائنات، وتسأله المخلوقات، بشتى اللغات، وبتنوع الحاجات، على مر الأوقات، والأزمان في الأرض والسماوات. فلا يعييه شيءٌ عن شيء.

    وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة بعد إيراد كثير من هذه الأقوال: إن الصمد هو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم الظاهرة والباطنة، وإذا أمرٌ لم يسهله الله عز وجل لم يتسهل.

    يقول الشاعر:

    إذا لم يكن عون من الله للفتى     فأول ما يجني عليه اجتهاده

    فالاجتهاد مع عدم التوفيق لا خير فيه ولا فلاح، والخيبة والخسران من نصيبه.

    قالوا: الصمد: أي: الذي انتهى سؤدده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعظُم.

    وقيل: الصمد: الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وقد اختاره البيهقي مع بعض العلماء.

    تفسير (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)

    أما قوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3] ففيه قضايا:

    من هذه القضايا ما يلي:

    القضية الأولى: لا والد لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولا ولد، وليس له صاحبة.

    واليهود قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30].

    والنصارى قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30].

    والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، فنفى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عنه الولد والوالد.

    قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30].

    القضية الثانية: لماذا بدأ فقال: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3] فبدأ بالولد، مع أن الوالد أهم؟

    قالوا: لأنه لم يُقَل أحد: إن الله له والد، لم يُقَل هذا، أو لم ينتشر ولم يشتهر، وليس هناك ملة أو نحلة تقول: إن الله له والد؛ لكن اليهود يقولون: إن لله ولداً، والنصارى يقولون: إن لله ولداً، ومشركو العرب يقولون: أن لله ولداً.

    ومشركو العرب وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف:19].

    والمعنى: أشهدوا خلقهم؟! هل حضروا؟ هل رأوا تركيبهم؟

    وأما النصارى فقالوا: عيسى ابن الله لعنهم الله.

    وقال اليهود: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30].

    فرد الله عليهم بنفي الولد أولاً، ثم أتى بالوالد، وإلا فالوالد أهم.

    قال: (لَمْ يَلِدْ) فلم يلد سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كما ولدت مريم.

    (وَلَمْ يُولَدْ) كما وُلِدَ عيسى، وعزير، وقد رد سُبحَانَهُ وَتَعَالَى على النصارى، واليهود، ومشركي العرب في هذه القضية التي أتوا بها.

    وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً [مريم:88]: وهذا القول، ذنبٌ كبير، وليس هناك ذنب أكبر منه.

    وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً *وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:88-95]

    وهذا رد على هذه المقالة الفاجرة الخائنة، وعلى أصحابها، حسيبنا الله عليهم.

    تفسير قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً )

    والكفو: هو المثيل، والشبيه، والنديد.

    وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً [الإخلاص:4] أي لم يكافئه أحد، يقال: فلان كافأ فلاناً، أي: شابهه ونادَّه وأصبح مثيلاً له.

    فالله لا مثيل له لا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، ولا في جزئية من جزئيات صفاته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا كفء له أحد، أي: لا يوجد أحد.

    وقرئت: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2]: قرئت: على التنوين وصلاً وعلى الضم قطعاً، بتفخيم لفظ الجلالة اللَّهُ الثانية، وقرئت وصلاً بترقيقها.

    وقرئت وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحد [الإخلاص:4] من غير همزة (كُفُواً) على واو، وقرئت: بهمزة (كُفُؤاً) على الواو، وقرئت: (كِِفُواً) بكسر الكاف، قرأها بعضهم وهي قراءة غريبة، والمشهور: (كُفُواً) من غير همزة، أو (كُفُؤاً) بالهمزة.

    تفسير قوله تعالى: (أحد)

    (أحدٌ)

    أي: ليس له هناك نديد، ولا شبيه، ولا مثيل.

    وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات:158].

    قال المفسرون: أي مُحْضَرون للحساب، ولو كان بينهم وبين الله نسب ما أحضرهم ولا حاسبهم، مثلما قالت اليهود والنصارى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18].

    1.   

    دروس من سورة الإخلاص

    الوحدانية في حياة المسلم

    1/ وحدانية الحب:

    أن تحب الله أعظم من كل شيء، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165] حباً يستولي على مشاعرك، أحب إليك من والدك وولدك والناس أجمعين، حباً لا يوازنه شيء، وعلامة الحب: أن تتمنى الشهادة صباح مساء, يعني: بأن تبيع نفسك من الله، فتكسب هذا الدم الذي يجري في شرايينك، رخيصاً لمرضاة الواحد الأحد سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هذا هو الحب. والحب: أن تقدم محابَّ الله على محابِّك، فتستيقظ لصلاة الفجر، والجو قارس، والفرش وثير، واللحاف دافئ، والتعب كثير، والنوم عميق، فتنتفض كالأسد وتطير إلى المسجد فتصلي هناك، وفي صحيح مسلم أن الأسود قال لـعائشة: كيف استيقاظه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل؟ قالت: [[كان إذا سمع الصارخ يثب]] وإني أعلم ماذا تريد من قولها: يثب، تقصد: يثب كالأسد، كما قال تعالى: يا يحي خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] أما المنافق فلا يثب، بل يتدحرج إلى المسجد كأنه يجرجر بالحبال، وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] فهم مثبطون، ميتون، كسالى؛ لأن حياة الحب لا تجري في دمائهم، ولا تجري في عروقهم.

    2/ وحدانية الرجاء:

    ألا ترجو إلا الله، ولا تسأل إلا هو، ولا تعتمد إلا عليه، فالفتوحات والمكرمات منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وإذا لم يرد الله أن ينفعك لا ينفعك أحد، ولا يقدم لك خيراً أحد.

    3/ وحدانية الخوف:

    الناس اليوم يعيشون في شرك الخوف، عندهم التمائم وهي محرمة، والطواف بالقبور، والشعوذة، والكهانة، وغالب الناس لا يعبدون الأصنام، ولا يسجدون للحجارة، ولا يستقسمون بالأزلام، ولا يعبدون الكواكب، ولا يسجدون للنجوم؛ ولكن أصابهم الله بشرك الخوف، وشرك الخوف من نواقض (لا إله إلا الله) وقد تكلم عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والشيخ محمد بن عبد الوهاب.

    شرك الخوف الذي دبَّ، واسأل نفسك، تجد أن شرك الخوف عندك، وأنك تخاف من البشر أكثر من خوفك من الله، وأنك وإن أظهرت الشجاعة فإنك في وقت ساعات الصفر وفي وقت الشدائد تنهار، وليس عندك من رصيد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ما يقدم رأسك رخيصاً لخدمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

    واسأل نفسك، ولا تكذب عليها، وقف أمام نفسك خصيماً، واسألها طويلاً: أأنتَ تعيش شرك الخوف؟ نعم. ستجد نفسك أنك تعيش شرك الخوف، وأن غير الله أهول عندك وأهيب من الله، ومن علامة ذلك: أنك تتحرز وتتحفظ وتحتاط من البشر، أما من الله فلا تحتاط، ولا تتحفظ ولا تتحرز، ومن علامة ذلك أيضاً: أنك تظن أنهم يذهبون برزقك، وسوف يعطلون مصالحك، وسوف يضرونك، وسوف يُذْهِبون عليك حياتك، وأنت ستحذر غيرك، حتى أنك تسمع التحذيرات: الله، الله، خافوا! اتقوا! تحفظوا! احتاطوا! احترزوا! الناس متربصون! أعدوا لك خططاً! درسوا لك دراسة! يريدون توريطكم بورطة! حفروا لكم حفرة!!! لماذا؟! من هو المصرف المدبر؟! من هو القادر الحكيم؟! من الذي بيده مقاليد الأمور؟! من هو الغالب على أمره؟! أنه الله سبحانه: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21] الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173] اسمع العبارة: (جَمَعُوا لَكُمْ) أي: رصدوا وخططوا، والله يقول: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [الزخرف:79] أي: أننا نبرم قبلهم، هم يبرمون ونحن نبرم قبلهم أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80].

    فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [آل عمران:173] ارتفعت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في قلوبهم، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

    أنا أخبركم بتلاميذ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ثم أوقفكم أمامهم، وهم أجدادكم؛ لتروا كيف عاشت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] قذائف في قلوبهم، وكيف عاشت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] على ألسنتنا، نرددها في صلاة المغرب وصلاة الفجر، لكن إذا أتينا إلى التطبيق في الواقع، ما استطعنا.

    نحن أشبه الناس برجل يقرأ كتلوج السيارة كيف تُقاد، وكيف تُساق، ثم يركبها ويريد أن يقودها، فلا يستطيع، أو برجل يريد أن يَتَمَرَّن على التمارين السويدية، فيقرأها في كتاب رياضي، ثم يأتي ليطبقها، فما يعرف؛ لأنه قرأها نظراً، أو رجل مريض مصاب بالسرطان، فقرأ في كتاب كيف يعالج السرطان بالحبة السوداء؟ ثم أطبق الكتاب وقال: الحمد لله الذي شفاني يوم قرأت هذا الكتاب.

    السلف عاشوا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الحياة.

    سعيد بن جبير يدخل على الحجاج، فيقول الحجاج: والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.

    ودخل أبو نصر التمار على المأمون، قال المأمون: والله، لأذبحنك، وأبو نصر التمار من أئمة أهل السنة، يقول إن القرآن غير مخلوق، والبدعي الضال المأمون يقول: إن القرآن مخلوق، فيقول له: قل: القرآن مخلوق، وإلا ذبحتُك، قال: تذبحني؟! قال: نعم. فأخذ زرارة من قميصه في يوم شاتٍ وقطعه ثم رمى به على وجه المأمون، وقال: والله، لرأسي في الحق أخف من هذا الزرار.

    ومَرَّ بي شاعر نبطي موحد، واسمحوا لي، ولو جعلتها استطراداً أو بين قوسين، ولو أنني لا أحبذ الشعر النبطي ولا أشجعه، لكني عجبت من هذا الصنديد النبطي الموحد، فبعض النبط موحد، وبعضهم ملحد.

    بعضهم يتغنى بجنات عرضها السماوات والأرض، ويناجي ربه، ويقول قبل المعركة:

    هبت هبوب الجنة     وين أنت يا باغيها؟

    وبعضهم يتغنى بالخدود والقدود والرموش والخمر والسهر والضياع.

    قلتُ: إن شرك الخوف دبَّ في أعراق وأعماق كثير من الناس، فلم يريدوا أن يتخلصوا من شرك الخوف، لا أن يوحدوا الخوف لله عز وجل، فلا يُخف إلا من الله، ولا يُرجى إلا الله، والرسول عليه الصلاة والسلام يقرر هذا لـابن عباس، يقول -فيما صح عنه-: {واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشي قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف}.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: {واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك}.

    والله يقول عن الناس ليقرر لهم: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران:145].

    هل سمعتم أن نفساً ماتت قبل حينها؟

    نشرت جريد الندوة قبل شهر قصيدة بديوي الوقداني، أحد الموحدين الشعراء النبطيين، في قصيدة طويلة، منها ثلاثة أبيات أعجبتني، فيقول:

    إن المنايا إذا مدت مخالبها     تدركك ولو كنت في جو السما العالي

    يقول: أن الموت إذا كُتب عليك، ولو طلعت إلى السماء فسوف يلحقك، فيقول: لا تخف من الموت، الذي يموت في المعركة، مثل الذي يموت في غرفة النوم، والذي يموت تحت الدبابة في سبيل الله مثل الذي يموت تخمة من الكبسة، سواء.

    إن المنايا إذا مدت مخالبها     تدرك ولو كنت في جو السماء العالي

    اضرب نحور الفيافي مع تراقيها     واغرب عن الهم تمسي خالي البال

    دوس المخاطر ولا تخش عواقبها     الموت واحد ولا عند القدر جالي

    وهذه الأبيات من عقيدة أهل السنة والجماعة.

    وقد قلتُ لبعض الطلاب: أضيفوها في آخر الطحاوية، خاصة البيت الأخير منها في قوله:

    دوس المخاطر ولا تخش عواقبها     الموت واحد ولا عند القدر جالي

    يقول: ماذا تخشى؟ أنتَ ميتٌ ميت، انصر دين محمد صلى الله عليه وسلم، لا تخف إلا من الله، ما دام أن دين محمد صلى الله عليه وسلم ينتصر بهذه الطريقة فانصره، فإنك إن لم تُقْتَل مُتَّ.

    يقول الحجاج الطاغية لعجوز ذبح ابنها في أول النهار، وأتى به بعد صلاة الظهر، فدخلت تتوكأ على عصا، قال: هِيْه! يهنأك ابنك الفاجر، ذبحتُه قبل صلاة الظهر، قالت: لو لم تذبحه لمات. لله درها، تقول: لو لم تذبحه لمات، نعم، هو كذلك.

    يقول تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران:145].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وهو يعلن لأوليائه، حَمَلَة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أن عليهم ألا يخافوا إلا منه، يقول: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة:52].

    فيقول النبطي:

    دُسِ المخاطرَ ولا تخشَ، ولا تكن جباناً هياباً خائفاً، وكن أشجع من البعثيين، وأشجع من الماركسيين، فهؤلاء البعثيون أقاموا أنظمة في العالم العربي على أكتافهم، ذبَّحوا الشعوب، والواحد منهم يقدم نفسه في متفجرات ويفجر الدبابة وهو بعثي، وتجد شباب محمد - صلى الله عليه وسلم - الواحد منهم يطير من خياله ويُغْمَى عليه إذا دعي للجهاد.

    وشرك الخوف ينقض التوحيد، مثل النجاسة التي تنقض الوضوء، فما فائدة أن تحفظ متناً وتحفظ القرآن وأنت تخاف من غير الله أخوف من الله؟!

    وشاعر آخر نبطي موحد يقول:

    أنا يا كَرى مِثْلَكْ يِحِبِّ العُلا شَجْعانْ     يِراهِنْ بْرَاسِهْ ما يْخَافِ الشماليةْ

    والشمالية عند الشعراء النبطيين: السجن، فيسمون السجن الشمالية رمزاً.

    فيقول: أنا لا أخاف من السجن، فهو ينظر إلى طائر وهو مسجون في قفص، فيلتفت إلى شجرة من النافذة، وإذا الكرى يغني صباحاً، والكرى: طائر مثل الحمام.

    فيقول: غنِّ أو لا تغنِّ، حتى أنا في السجن أغني؛ لأني لا أخاف إلا من الله عز وجل.

    أنا يا كَرى مِثْلَكْ يِحِبِّ العُلا شَجْعانْ     يِراهِنْ بْرَاسِهْ ما يْخَافِ الشماليةْ

    أنا بِعْتْ رُوحي من محمَّدْ وَلَدْ عدنانْ     قَبَضْتِ الثمنْ، واللهْ يِشْهَدْ على النيَّةْ

    يقول: أنا يا طائر بعتُ رأسى، والذى اشترى: الله، والثمن: الرأس، والسلعة: الجنة. إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111] هذا من معالم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وهي أن لا تكون مشركاً في خوفك.

    4/ وحدانية الطاعة:

    فلا تكن مشركاً في طاعتك، بأن توجه بعض طاعتك إلى الناس، وبعضها إلى الله، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    الصمدانية في حياة المسلم

    درس الصمدانية يدرسه أولياء الله في بيوت الله، في مثل هذه المجالس، وهي حاجة القلوب إلى بارئها، فلا يهدي القلوب إلا الله، ولا يردها إليه إلا الله, ولا يشرحها إلا هو، والقلوب تفيض إليه بالشكاوى، فيردها سُبحَانَهُ وَتَعَالى سليمة قوية ثابتة بحكمته، قال تعالى: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح:18].

    الرزق في حياة المسلم

    فلا يرزق إلا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فإذا فتح الله أبوابه فلا رادَّ لما فتح، وإذا أغلق فلا فاتح لما أغلق.

    تفريج الهموم في حياة المسلم

    فإذا أتتك هموم، فأفضها على الله.

    يقول عبد القادر الجيلاني: إذا اشتد بي الهم، وضعت خدي على التراب وقلتُ: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] فيفرج الله الهم.

    الله أكبر! كل هم ينجلي     عن قلب كل مكبر ومهللِ

    الهداية في حياة المسلم

    فلا يهدي إلا الله، وحاجة القلوب إلى هدايتها من ربها أحوج من حاجة البطون إلى الطعام، وإلاَّ فالناس الآن كدُّهم من أجل حاجة البطون، أما حاجة القلوب فقليل، حتى أنك تجد أحدهم إذا عرض له عارض بأن يحضر الدرس أو المحاضرة فبها ونعمت، وإن أتاه ضيف ترك؛ لكنه من الصباح إلى الثانية والنصف ظهراً وهو يطلب هذه اللقمة، ويَكُد، ويُضارِب في السوق، ويُسْجَن ويُحْبَس، ويَخْرُج، ويراجع، وينـزل، ويطلع من أجل هذا البطن، ثم يموت.

    معالم الشجاعة في سورة الإخلاص

    فإن من مقاصد القرآن أن يربي العباد على عبادة الله وحده، لا عبادة العبيد.

    فما الفائدة أن تقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وأنت عبد لغير الله. فبعض الناس عبدٌ لوظيفته، وبعضهم عبدٌ لسيارته، وبعضهم عبدٌ لملبسه، قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {تَعِسَ عبد الدرهم، تَعِسَ عبد الدينار، تَعِسَ عبد الخميصة، تَعِسَ عبد الخميلة، تَعِسَ وانْتَكَس، وإذا شِيْكَ فلا انْتَقَشَ}.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد هؤلاء، فالجبناء لا يربيهم، إنما يربي صلى الله عليه وسلم مثل: مصعب بن عمير، الذي قُطِّعَ في أحد، مثل: عمير بن الحمام، الذي كسر غمد سيفه على ركبته في بدر، وقال: [[بَخٍ بَخٍ -والذي نفسي بيده- إنها لحياة طويلة إذا بقيت إلى أن آكل هذه التمرات، فقاتل حتى قتل]].

    ومثل أنس بن النضر، الذي ضرب ثمانين ضربة، فطارت روحه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    التعريف بالواحد الأحد

    فالله يعرف بنفسه في القرآن، ولا يعرف بالله - عز وجل - أحدٌ كتعريفه بنفسه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فإن الله لما التقى بموسى في المكالمة، قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14].

    وعرف نفسه للناس، فقال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    ليس تعريف المناطقة أو علماء الكلام الجبناء الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، لا متصلاً ولا منفصلاً، لا جوهراً ولا عَرَضاً. بخلاف أهل السنة الذين إذا سُئلوا عن التعريف قالوا: اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [طه:98] وإذا سُئلوا قالوا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    لوازم سورة الإخلاص

    هل نقرؤها ونحفظها فقط؟ لماذا لا نعلمها الناسَ ولا نرسلها في القرى والبوادي، ولا نجلس بها في بيوتنا؟ لماذا لا نحررهم من عبودية غير الله عز وجل إلى عبودية الله؟ ولا نعلمهم التوحيد؟

    وأقول لكم: ليس عندنا عبودية أصنام، ولا أوثان، لكن عندنا عبودية الخوف من غير الله أعظم من خوفنا من الله. ووالله إن من المصلين الصائمين من يخاف من غير الله أخوف من خوفه من الله أضعافاً مضاعفة، كيف يقول: سمع الله لمن حمده؟! كيف يقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]؟ كيف يلقى الله يوم العرض الأكبر؟! يقول أعز من قائل: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175] لا تخافوهم وخافونِ؛ لابد أن نواصي الناس بهذا الأمر، لا يتقدم أحدٌ خطوة، ولا يكتب حرفاً، ولا ينفذ أمراً إلا بيد الواحد الأحد قال تعالى: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21].

    هذه قضية كبرى من قضايا هذه السورة، أردتها لأمور، منها:

    أولاً: أننا نريد أن نرتبط بالقرآن، وسوف نحرص -بإذن الله- على أن تكون الدروس والمحاضرات مرتبطة بالقرآن وبواقع الناس.

    ثانياً: أن هذا الوقت وقت اصطياف، وقد وفد إلينا كثير من أهل الخير وأهل الفضل والدعوة، ونريد أن نتذاكر نحن وإياهم واجبنا نحو الدعوة، ونحو البذل والعطاء لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ونحو التضحية بالقول الجميل وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونفي الشرك من القلوب، وإزالته من البيوت.

    ثالثاً: أن الأمة طالما عاشت خواء عقدياً، لا يعلمه إلا الله، فهي تتعلق بغير الله، قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41] فنعوذ بالله من التعلق بغيره.

    ونسأل الله ألا يجعل لنا حاجة إلى غيره، وأن يعلق قلوبنا به، وأن يقطع ما بيننا وبين الناس إلا بسبب يقربنا منه سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    اللهم إن الناس تعلقوا بأسباب وبأنساب وحبال، اللهم لا أسباب عندنا ولا أنساب ولا حبال إلا ما أمدنا بك.

    اللهم فاجعل نسبنا وسببنا وحبالنا متعلقة بك.

    اللهم إن الناس استعز بعضهم ببعض، ولا عزة لنا ولا قوة ولا عشيرة ولا كياناً يحمينا إلا أنت.

    اللهم فدافع عنا، فإنك قلتَ: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    اللهم واحفظنا، فإنك قلتَ: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64].

    اللهم من أراد بنا وبالمسلمين وبالعلماء والدعاة وأهل الخير مكراً فأشغله بنفسه، وخذه أخذ عزيز مقتدر، واقتله بسيفه، ودمره تدميراً، واجعله يا رب العالمين أُلْعُوبة، وأُعْجُوبة، وعظة وعبرة لمن سواه.

    1.   

    الأسئلة

    دروس للوافدين في العطلة

    السؤال: هل في الصيف دروس للمصطافين؟

    الجواب: الذي أعرفه: أنه - بالنسبة للدروس عندنا في المسجد - كل يوم بعد الفجر هناك دروس خاصة لطلبة العلم، ومن يريد الحضور، وكل يوم بعد صلاة المغرب، إلا يوم السبت، فإنه درس عام، وهو هذا اليوم؛ ولكن أعتذر غداً، فإن عندي سفر، والعودة -إن شاء الله- صباح الخميس، حيث يكون هنا درس - بإذن الله - ثم تستمر الدروس بعدها.

    ووصيتي لإخواني، خاصة الوافدين من مناطق أبها: أن ينفعوا المنطقة بالكلمات الطيبة أدبار الصلوات، وأن ينتشروا في المساجد، وأن يعظوا الناس، ولا يطيلوا عليهم، إنما يشرحوا لهم القضايا الإيمانية، وقضايا الفقه، وما ينفعهم ويفيدهم في أمور دينهم ودنياهم؛ فإن لهم الذكر الجميل والثواب الجزيل عند الواحد الأحد. {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم} ولا نريد من المسلم أن يكون سلبياً، بأن يأتي يصيف مع أهله، فيبقى في فيلا، أو في فندق، ويذهب إلى المنتزهات، لأننا أصلاً ليست حياتنا لهواً ولعباً، وليست حياتنا حياة طفولية، لماذا المنتزه والنظر إلى الماء والرابية والزهر؟ نحن لا نأخذ هذه الساعة إلا لنستعين بها على ساعة الجد، أما قضية أننا مضَّينا العطلة الصيفية، ورأينا المنتزهات، وذهبنا إلى الحدائق الغَنَّاء، وعدنا فلا ينبغي هذا، نعم، هذه تستعين بها على طاعة الله؛ لكن لا بد أن تكون إيجابياً في عطلتك الصيفية، وفي نزهتك، وأن تقدم شيئاً لأبناء هذه المنطقة، الذين يرحبون بكلمة الحق من أهل الحق، وبكلمة الخير من أهل الخير.

    الموضوعات التي يفضل أن يطرقها الداعية

    السؤال: نلمح تقصيراً في بعض المنتزهات في صلاة الجماعة؟

    الجواب: هذه من القضايا التي يطرقها المسلم الداعية، تطرق في المنتزهات هذه الموضوعات:

    الموضوع الأول: شرح التوحيد للناس.

    الموضوع الثاني: التحذير من الشرك والبدع والخرافات.

    الموضوع الثالث: التنبيه على صلاة الجماعة.

    الموضوع الرابع: الغناء، وخطره.

    الموضوع الخامس: الربا.

    الموضوع السادس: حفظ الوقت.

    الموضوع السابع: حسن الخاتمة، لقاء الله عز وجل.

    الموضوع الثامن: تجديد التوبة.

    هذه الموضوعات الثمان هي مدار بحث الدعاة التي يجب أن يتعرضوا لها باستفاضة كثيرة.

    نصيحة لمن وقع في الخوف المحرم

    السؤال: ماذا أفعل وقد أصابني الله بالخوف؟

    الجواب: يظهر من كلام السائل: أنه أصابه الله بالخوف من غيره. فالخوف نوعان:

    الأول: خوف طبيعي:-

    لا يسلم منه أحد، مثل خوف الإنسان من الأسد؛ فإنَّ من جِبِلَّة الإنسان أنه يخاف من الأسد؛ إلا بعض الصالحين الكبار، مثل: صلة بن أشيم لم يخف من الأسد، بل الأسد خاف منه، ومثل: عقبة بن نافع، فإنه تكلم للوحوش ففرت منه، ودخلت جحورها، ومر بالجيش. وأما جِبِلَّة الناس وغالبيتهم فإنهم يخافون من الأسد.

    فهذا الخوف طبيعي لا يجب أن تتخلص منه؛ لأنه جِبِلِّي.

    الثاني: خوف مصطنع:

    لكن الخوف الذي سيطر على الناس حتى عطلهم عن معتقداتهم وعباداتهم، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن ممارساتهم لحقوقهم، وإصلاح مجتمعهم وإصلاح أنفسهم، حتى أصبح الواحد منهم يُمِيْتك وأنت حي، فيدخل عليك، فإذا جلس معك أذاب قلبك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ويُوصف لك أن غير الله يحمل الضر والنفع، والإحياء والإماتة، والتقديم والتأخير، فإنه يجرد الله عز وجل من الألوهية، إذاً: ما هو حظ الألوهية في قلبه؟! إذاً: ما معنى لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟ إذاً: ما معنى الصلاة؟!

    بعض الناس الآن يريد أن يعيش سلبياً، فيقول: أنا مؤمن، لكن خليني في حالي وشأني، أنا من بيتي إلى المسجد، أما أن تدخلني في قضية فأرجوك اتركونا، منكرات ما منكرات، فواحش ما فواحش، أمر ما أمر، منكر ما منكر، هذه كلها أرجوك لا تدخلني فيها، الله يرضى عليك، لكن هذا الضعيف الجبان، تعالَ إليه وخذ متراً من أرضه، فسيأتيك بالفأس ويفلق رأسك.

    ففي أمور الدنيا شجعان إلى أقصى درجة الشجاعة، أما أمور الدين فمنهارون إلى آخر درجة الانهيار، وإلاَّ فأهل بدر وأحد وجيل محمد صلى الله عليه وسلم أهل المبادئ هم يحملون ذلك.

    إن الإنسان ليخجل. عندي مذكرة أتى بها بعض الشباب الجيش الذين دخلوا الكويت، مذكرة عن الجيش العراقي البعثي المجرم، كتابه يُقرأ في الصباح حصة وفي المساء حصة، مكتوب على الغلاف: أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة، وتدخل إلى الداخل وإذا هو يعلمك الشجاعة حتى يفور دمك، ولذلك فهم شجعان هؤلاء الأخباث، قدموا أرواحهم كثيراً؛ لكن في الرخص، وإلى النار والعياذ بالله.

    ثم تجد الماركسيين الذين أخذوا بعض الأنظمة الفاسدة يحملون هذه المبادئ، كذلك العلمانيين، والشيوعيين واليهود، وتجد المسلم لا يريد أن يقول كلمة، ولا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، خوفاً على بطنه وعلى سيارته، وسوف يلقى الله يوم القيامة ويسأله عن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    أيبعثنا محمد صلى الله عليه وسلم جبناء؟! نحن أبناء أحد وبدر يخرجنا للناس جبناء؟!

    أنا ابن أنصارك الغر الأُلى سحقوا     جيش الطغاة بجيش منك جرار

    يخرجنا محمد صلى الله عليه وسلم جبناء؟! أما كان ربعي بن عامر من تلاميذه -عليه الصلاة والسلام- يوم يقول لـرستم: [[إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

    النهي عن تخطي الصفوف في المسجد

    هناك ملاحظات أيها الإخوة، قد تكررت كثيراً، منها:

    الأولى: تخطي الصفوف:-

    الرجاء عدم تخطي الصفوف في خطبة الجمعة أو أثناء الدرس؛ لأن هذا مخالف للشريعة، ومخالف للأدب في الإسلام، ولاحترام الناس كمسلمين، أمامك أناس محترمون، وأنا أجزم جزماً وأقولها في كل مناسبة: أن صفوة البلد هم الذين أمامي هنا، ما تجد صفوة البلد، ولا أخيار الناس إلا الذين يأتون إلى هذه المجالس الإيمانية، والله يرعاهم ويحفظهم بعين رعايته، ويقول لهم في آخر الجلسة: انصرفوا مغفوراً لكم، قد رضيتُ عنكم وأرضيتموني.

    فاحترام مشاعر هؤلاء يهمنا كثيراً، وقلبي يُفَجَّع إذا رأيتُ الإنسان يتخطى الرقاب، ويأتي في الصف، وتجده يزحم الناس برجله في رءوسهم وفي أكتافهم، أي أدب هذا؟! وأي نظام؟! وأي احترام للمشاعر؟! الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى أن يشير بالسكين إلى أخيه ولو مازحاً، ولا يبصق أمامه، ولا يمد رجله أمام المسلم، فالمسلم له كرامة واحترام وقدسية.

    الثانية: وضع الأحذية في المسجد الخارجي خصوصاً والناس يصلون فيه، فلا ينبغي ذلك.

    الثالثة: مزاحمة النساء عند الخروج فللنساء باب خاص، ولكم باب.

    الرابعة: تلقي الركبان، وبيع الحاضر إلى البادِ فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان، وعن بيع الحاضر إلى الباد.

    حكم إسبال الثياب وحلق اللحى

    السؤال: إسبال الثياب، وحلق الدقون، الدخان، الغناء، أرجو التعليق على هذا.

    الجواب: يا أخي، هذه مفهومة عند الناس، لا أعرف أحداً جالساً الآن إلا وهو يعرف أن حلق اللحية حرام.

    من الذي يقول: إن حلق اللحية حلال؟! حتى الذي يحلق لحيته.

    من الذي يقول: إن الدخان حلال؟!

    من الذي يقول: إن الإسبال حلال؟!

    من الذي يقول: إن الغناء حلال؟!

    لكن أردتُ أن أتحدث الليلة عن شرك الخوف، فهو شرك يخرج من الملة، أما مثل حلق اللحية فما تُخْرِج من الملة؛ لكن يُفَسَّق بها، وأجمع أهل العلم على تحريم حلقها، ولها موضوع خاص، لكني هنا أتكلم في الأسس والقواعد الكلية للدين؛ لأن شرك الخوف يكون في الإنسان وهو لا يشعر، حتى إنك تجد الإنسان يربي لحيته ويقصر ثوبه وعنده شرك الخوف، أي: ينقض لا إله إلا الله؛ لأن من نواقض التوحيد: شرك الخوف، وهو: أن يخاف من غير الله أخوف من الله.

    كيفية الاستفادة من العطلة الصيفية

    السؤال: ماذا نفعل في العطلة الصيفية؟

    الجواب: تجعلها جزءاً من حياتك، وأنت مسئول عنها يوم القيامة، وتنظم لنفسك برنامجاً في أول هذه العطلة، وتجعل لنفسك خطة لا بد أن تنهيها، ولا بد أن تنفذها قبل أن تنتهي العطلة الصيفية.

    مثلاً: أنا أقترح اقتراحاً وكثير ممن يسأل هذه الأسئلة، من أهل المتوسط، ويدخل فيهم الابتدائي، والثانوي، والجامعة، ومن يأتي من المثقفين والإخوة من كافة الأعمال والوظائف والمؤسسات والإدارات والشركات والمصانع، كلهم على هذه المستويات الثلاث.

    فأنا أقترح -مثلاً- في العطلة الصيفية -وهي شهران أو أكثر أو أقل- لأهل المتوسط ومنهم الابتدائي: أن يقرءوا فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ويقسمون الكتاب على هذه العطلة بفهم ومساءلة ومناقشة، مع حفظ جزئين من القرآن.

    وأقترح على أهل الثانوي: أن يقرءوا في العطلة: كتاب (معارج القبول) للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، أن يقرءوه بتمهل، طيلة العطلة، مع حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم.

    وأقترح على أهل الجامعة، ومن في منـزلتهم: قراءة: (شرح الطحاوية) وهو معتقد أهل السنة والجماعة، في هذه العطلة، بفهم وتدبر ومناقشة، مع حفظ أربعة أجزاء من القرآن.

    ثم وزع هذه طيلة الأيام، خذ العطلة من أولها إلى آخرها، وقسمها أياماً، وقسم الكتاب والأجزاء عليها، واجعل لك حصة يومية، ثم شارك في المخيمات والمراكز الصيفية، واحضر الدروس؛ لكن هذا برنامج ثانوي بالنسبة لك، يسمى: رأس مال، وأما المكسب: فهو ما يأتي من الدروس والحلقات والمحاضرات.

    لا نشكو من قلة الوقت، اسمحوا لي أن أقول: إنا لا زلنا بدائيين في مسألة النظام، غلبنا الكافر بتنظيم الحياة، الأمم الأخرى أمم مبرمجة، تعمل ببرنامج، وتنتج ببرنامج، وتدرس ببرنامج.

    وأنا أسألكم بالله: أما تلاحظون -مثلاً- الأوربيين والأمريكان في قاعات المطارات، وفي صالات الانتظار، وفي الطائرات، وفي الناقلات، وفي الحافلات، أما تجدون الواحد منهم إذا ركب يخرج كتاباً ويقرأ؟ هذا أمر ظاهر، أصبح ظاهرة مستقرة؛ لكن نحن العرب لا تجد منا من يقرأ، الواحد منا وهو راكب يعدِّد السيارات، الرائحة والآتية، وإذا جلس في المطار ينظر إلى الحقائب التي تدخل بالسلم في الكمبيوتر، فيلمحُها ويوصِّلُها ويأخذ الثانية ويوصِّلُها، والثالثة ويوصِّلُها، حتى أنه لا يصعد الطائرة إلا ورقبته قد أصبحت كأنها ليست منه، وتجد الواحد إذا جلس على الرصيف يعدد الناس، يتعرَّف على النازل والطالع، والخارج والداخل، والإشارات متى تُنَوِّر ومتى تنطفئ، لسنا أمة قارئة، ولا أمة منتجة، لا نقدم للعالم شيئاً، نشكو حالنا إلى الله، وإذا قرأ الكثير منا، فـ(99.9%) يقرءون جرائد أو مجلات، وقراءتها جائزة، وهي لا تنقض الوضوء! لكن تقرأ بقدر الحاجة، لكن أين من يقرأ القرآن، وكتب أهل العلم؟

    هذا الذي نريد أن نقوله لكم.

    وفي ختام هذه المحاضرة أشكركم شكراً جزيلاً.

    وأسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والهداية، وأن يجمعنا بكم في دار الكرامة.

    وصلَّى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734650877

    عدد مرات الحفظ

    684436521