إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب الصلاة [8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم حر بالغ عاقل ذكر مستوطن ومقيم غير مسافر، وقد اشترط الفقهاء لحضورها عدد معين من المستوطنين، وهذا ليس عليه دليل بل تصح صلاة الجمعة ولو بثلاثة الخطيب والمؤذن والمأموم.

    1.   

    ما جاء في صلاة الجمعة

    ما يشترط في صحة صلاة الجمعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب صلاة الجمعة.

    كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة، إذا كان مستوطناً لبناء بينه وبينها فرسخ فما دون ذلك ].

    كل من لزمته المكتوبة -يعني: الفريضة- لزمته الجمعة، فكل من لزمه أن يصلي الجماعة لزمه أن يصلي الجمعة، يعني: فرض عين عليه كما أن الجماعة فرض عين على كل مسلم، لكن الجمعة لها شروط أيضاً: منها أن يكون مستوطناً، فإن كان مسافراً فلا تجب عليه صلاة الجمعة.

    ومنها: أن يكون الذين تجب عليهم الجمعة مستوطنين في قرية أو مدينة، أما أصحاب المخيمات الذي يخيمون في وقت من الأوقات فلا تجب عليهم صلاة الجمعة، ولا تصح منهم الجمعة، وإذا كان لهم مخيمات فهم مسافرون كمخيمات الحجاج في منى، وهذا لا يعتبر استيطاناً، فلابد أن يكونوا مستوطنين يعني: ناوين الاستقرار والاستدامة، سواء كانت بيوتهم من طين أو من أسمنت أو من حجر أو من غيرها أو من خشب، أما المخيمات المؤقتة فلا تجب عليهم الجمعة؛ لأنهم ليسوا مستوطنين.

    ومن ذلك ما يفعله الحجاج في منى، فلا يصلون الجمعة؛ لأنهم مسافرون، فيغلط بعض الناس عندما يقيم جمعة بالناس، فبعض الناس يذهب إلى بعض المخيمات فيقيم فيهم الجمعة، وهم مخيمون في الحج، وهذا غلط، الجمعة إنما تقام في الجوامع في البلدان.

    قوله: كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إذا كان مستوطناً ببناء بينه وبينها فرسخ فما دون ذلك.

    يعني: إن كان مستوطناً ببناء، أما أصحاب المخيمات فلا، حتى ولو كان مقيماً في المخيمات؛ لأنهم في خيام مؤقتة، إلا إذا كان هذا بلدهم وليس عندهم إلا ذلك، وكانوا كلهم مستوطنين فلا بأس، أما إذا كانوا في مخيمات، ولم ينووا الاستيطان، فهؤلاء لا يقيمون الجمعة، ولابد أن يكون مستوطنين ببناء بينه وبين المسجد مسافة فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل تقريباً: خمسة كيلو أو أربعة كيلو ونصف، فإذا كانت المسافة أكثر فإنه يكون معذوراً فتسقط عنه الجمعة؛ لأنه يستطيع أن يمشي ثلاثة كيلو أو أربعة كيلو أسبوعياً فيصلي مع الناس الجمعة؛ ولأن هذا هو الذي يسمع النداء، فالغالب إذا لم تكن هناك أصوات فإنه يسمع نداء المؤذن من غير مكبر.

    المقصود: أن هذا الذي بينه بين الجامع مسافة فرسخ يصلي الجمعة، أما من كان بعيداً فلا تجب عليه، وكذلك إذا كان مسافراً غير مستوطن فلا تجب عليه الجمعة، وإذا صلى الجمعة وهو ليس من أهلها فإنه يعيد الصلاة ظهراً، والمسافر إذا كان مقيماً له أكثر من أربعة أيام صار حكمه حكم المقيم فيصلي مع الناس، فإذا سمع النداء يصلي الجمعة والجماعة ولا يصلي وحده.

    وتوجد في بعض المناطق محطات نفط فيها جوامع تقام فيها الجمعة فإذا كان فيها أناس مقيمون فلا بأس بذلك، ومن يأتي يكون تبعاً لهم، لكن الأصل هم المقيمون، ولو كان عددهم قليلاً.

    المعذورون في صلاة الجمعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف ].

    هذا مما هو معلوم، أن المرأة لا تجب عليها الجمعة، والعبد كذلك ليس عليه جمعة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، والمسافر كذلك ليس عليه جمعة، والمعذور المريض والخائف تسقط عنه الجمعة، لكن إذا حضر العبد أو المسافر أو المرأة أو المعذور الجمعة أجزأتهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم ].

    يعني: إن جاءوا لم تنعقد بهم، أي: لا يحسبون في العدد، وهذا كما سيأتي فالمصنف يرى أنه لابد أن يكون العدد أربعين، فإذا نقصوا عن أربعين فلا تقام الجمعة على المذهب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم إلا المعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به ].

    المعذور يعني: المريض أو الخائف أو من وجد مطراً، ثم حضر الجمعة فإنه تجزئه وتنعقد به، ويحسب من أهلها.

    فعلها في الوقت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية ].

    لابد أن يفعلها في وقتها، واختلف العلماء في وقتها، فجمهور العلماء على أن وقتها بعد الزوال كصلاة الظهر، وهذا هو الذي عليه الجمهور، والذي بوب عليه البخاري رحمه الله وجزم في الترجمة.

    القول الثاني: أن وقتها كصلاة العيد من ارتفاع الشمس، وهذا مذهب الحنابلة وجماعة، وجاء في حديث لا بأس به، ولكن الأحوط للخطيب ألا يدخل إلا بعد الزوال، فيكون أذان الجمعة وأذان الظهر احتياطاً لهذه العبادة العظيمة، ولأن أكثر العلماء يرون أنها لا تصح الصلاة إذا صلاها قبل الزوال، وينبغي للإنسان أن يحتاط، فيصلي عند دخول الوقت، ويوجد بعض الخطباء يتقدم قبل الوقت بربع ساعة فما هو الداعي لهذا؟ ولماذا هذه العجلة؟ فإن أكثر العلماء يرون أن هذه الصلاة لا تصح، وإذا تأخرت ربع ساعة تكون صحيحة بإجماع العلماء، ويوجد تعميم من الوزارة بأن الخطباء لا يخطبون إلا بعد الزوال، والتعميم مبني على فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، بأن الخطباء ينبغي أن يكون دخولهم بعد الزوال؛ لأمرين: الأمر الأول: أن جمهور العلماء يرون أنها لا تصح قبل الزوال احتياطاً لهذا العذر.

    الثاني: حتى لا يكون في هذا عذر للكسالى الذين يفتحون البقالات وغيرها، فإذا قيل لهم: تعالوا صلوا قالوا: صلينا مع الخطيب المتقدم، والمقصود: أنه ينبغي للخطيب أن يكون دخوله بعد الزوال، فيكون أذان الجمعة هو أذان الظهر على التقويم، فينبغي الاحتياط للجمعة.

    وذكر في الشرح قال: وعن جابر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس) وهذا قول، والمقصود: أن أكثر الأحاديث على أنها بعد الزوال، ولهذا جزم البخاري في الترجمة، وقال باب وقت الجمعة إذا زالت بالشمس مع أنه لا يجزم في كثير من تراجمه، وذكر حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس.

    فخطبة الجمعة ثابتة، وهي تقوم مقام ركعتين، فينبغي أن تكون الخطبة والصلاة بعد الزوال.

    قوله: (ومن شرط صحتها فعلها في الوقت).

    الصواب أنها تصح قبل الزوال، لكن على الإنسان أن يحتاط، والحنابلة يرون أنها كصلاة العيد تبدأ من الضحى، وجاء في أحاديث خارج الصحيحين ما يدل على هذا، لكن ينبغي للإنسان أن يحتاط؛ لأن الكثير من الناس اليوم أصبحوا يتأخرون، فالتبكير فيه مساعدة للذين يتأخرون، وقد ابتلي الناس بالسهر فصاروا ينامون، ولا يستيقظون إلا متأخرين، ولهذا تجد أنه إذا كان الأذان في الوقت يمتلئ المسجد، وإذا صار الأذان مبكراً قبل ربع ساعة تجد الناس يتأخرون ولا يأتون إلا الساعة الثانية عشرة على العادة.

    وكذلك أيضاً يترتب على هذا: أن بعض النساء أو المرضى في البيوت قد يصلون قبل الوقت.

    حضور أربعين رجلاً لها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها ].

    وقد سبق أنها لابد أن تكون في البلد.. في القرية أو المدينة فيكونون مستوطنين، وأن يكون العدد أربعين، ويستدلون بحديث: (مضت السنة في كل أربعين فصاعداً جمعة). ولكن هذا ضعيف، والصواب أنها لا تسقط وإن قل العدد، والحنابلة اعتمدوا هذا وقالوا: لو نقص من الأربعين واحد صلوا ظهراً، فلابد أن يكون العدد أربعين، وقال: آخرون لابد أن يكون العدد اثنا عشر رجلاً، واحتجوا بقوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا [الجمعة:11] وأن الناس لما جاءت التجارة خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، وقيل: أقل من هذا، وقيل: أربعة.

    والصواب: أن أقل عدد الجمعة ثلاثة: خطيب وهو الإمام، ومؤذن، ومأموم، فإذا وجد المؤذن وشخص معه مستوطن في بلده ووجد الإمام فيقيمون جمعة، وإذا كانوا اثنين تصح بهم الجماعة وإذا كانوا ثلاثة يقيمون الجمعة.

    أما قولهم: اثنا عشر أو أربعون فلا دليل عليه.

    تقدم خطبتين لها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن يتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسول صلى الله عليه وسلم ].

    فمن شروط الجمعة: أن يتقدمها خطبتان، فإن لم يتقدمها خطبتان لا تصح، ويصلونها ظهراً، ولهذا يوجد في بعض القرى وفي بعض الأحيان لا يجدون من يخطب بهم، فيصلون ظهراً، وبعض الشباب يخرجون إلى بعض القرى الكثيرة المتعددة فيخطبون بهم، وأحياناً ما يأتيهم أحد فيصلون ظهراً، فمن شرط صحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان، فإذا لم يتقدمها خطبتان فلا تصلى جمعة وإنما تصلى ظهراً.

    ومن شروط الخطبتين: أن يفصل بينهما بجلسة، وأن تفتتح بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، والشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، والوصية بتقوى الله، وأن يقرأ آية، فهذا لابد منه في الخطبة.

    ما يستحب في خطبة الجمعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن يتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة آية والموعظة، ويستحب أن يخطب على منبر ].

    السنة أن يخطب على المنبر أو على موضع مرتفع حتى يراه الناس ويسمعون كلامه، وإن خطب على الأرض فلا حرج، لكنه خالف السنة، فيكون على موضع عال يخطب فيشاهده الناس ويرونه ويسمعون كلامه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم ثم يجلس وأذن المؤذن ].

    إذا صعد المنبر يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم يجلس حتى يؤذن المؤذن، ثم يقوم ويبدأ الخطبة بالحمد لله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يقوم الإمام فيخطب، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم تقام الصلاة فينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ].

    وهذه هي السنة، أن يجهر بهم في القراءة؛ لأن صلاة الجمعة يجتمع فيها عدد كبير، فشرع الجهر بها كصلاة الكسوف وصلاة العيد وصلاة الاستسقاء، وإن كانت في النهار، إلا أنه شرع الجهر بها للعد الكثير؛ فيستمع الناس القراءة ويستفيدون ويتدبرون.

    الحالات التي تنقلب فيها الجمعة إلى ظهر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة، وإلا أتمها ظهراً ].

    إذا أدرك المأموم مع الإمام ركعة أضاف إليها ركعة وصحت الجمعة، فإن رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية قبل أن يدخل معه دخل معه في بقية الركعة الأخيرة، فإذا سلم الإمام أتى بأربع ركعات، ويعتبر فاتته الجمعة وأما إذا أدرك ركعة فإنه يضيف إليها ركعة وتصح له جمعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك إن خرج الوقت أو نقص العدد وقد صلوا ركعة أتموها جمعة وإلا أتموها ظهراً ].

    إذا أخر الإمام صلاة الجمعة إلى قرب العصر فصلوا ركعة قبل أن يخرج الوقت يضيفون إليها ركعة وتنبني عليها الجمعة، فإن خرج الوقت قبل أن يصلوا الركعة الأولى صلوها ظهراً.

    وكذلك إذا نقص العدد قبل أن يصلوا ركعة أتموها جمعة، وإن زاد العدد وصاروا أربعين، ثم ذهب رجلان في الركعة الأولى يتمونها ظهراً على ما ذهب إليه المؤلف، والصواب أنهم يتمونها جمعة ولو نقص العدد لا يشترط عدد الأربعين ولا اثنا عشر.

    ومن فاتتهم الجمعة يصلونها ظهراً؛ لأن شرط الجمعة تقدم خطبتين، فلا تصح الجمعة إلا بتقدم خطبتين، فمن فاتته الصلاة سواء كانوا جماعة واحدة أو اثنين أو مائة فيصلون ظهراً أربع ركعات، فلا تقام الجمعة أكثر من مرة في مكان واحد، حتى في البلد الواحد ما تقام أكثر من جمعة واحدة إلا للضرورة أو الحاجة.

    حرمة إقامة أكثر من جمعة في بلد واحد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة واحدة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها ].

    لا يجوز أن يصلى في البلد إلا جمعة واحدة؛ لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء الراشدين ما أقيمت إلا جمعة واحدة، ففي زمنه عليه الصلاة والسلام، وكذلك في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حتى في القرن السادس في العراق التي هي أم الدنيا، وحاضرة العالم الإسلامي وليس فيها إلا جمعة واحدة، فلا ينبغي أن يزاد أكثر من جمعة إلا للضرورة أو الحاجة يعني: كأن اتسع البلد وكثر الناس فلا بأس على الصحيح.

    وبعضهم يرى أنه لا يجوز وإن دعت الحاجة، حتى إن بعض الأحناف لا يرون صحة الجمعة الثانية، ولهذا إذا صلي جمعة ثانية في البلد فيصلون ظهراً بعدها؛ خوفاً ألا تصح إحداهما، وإن كان هذا التصرف باطلاً لكن فيه بيان شدة تحريهم، والمقصود: أن إقامة الجمعة الثانية في البلد ينبغي أن يتحرى فيها، ويتأكد من الحاجة الملحة، فبعض الناس يتساهلون الآن في إقامة الجمعة، فكل من بنى مسجداً جعل له محراباً ومنبراً، وصار يطالب بأن تقام فيه الجمعة، هذا غلط، ولهذا المسئولون في الوزارة لا بد أن يخرجوا لجنة لتنظر وتتحرى، ثم يؤذن لهم بالجمعة الثانية، فلا تقام إلا للحاجة الواضحة من اتساع البلد وامتلاء المساجد التي حوله.

    ما يستحب لمن أتى الجمعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب ويبكر إليها ].

    كل هذا مستحبات ينبغي فعلها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل).

    فالغسل مستحب عند جمهور العلماء لهذا الحديث، وقال آخرون من أهل العلم: كل من أراد أن يأتي الجمعة فعليه أن يغتسل وجوباً، وإلى هذا ذهب الظاهرية، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وبهذا يفتي فضيلة الشيخ محمد العثيمين ويرى أن من الواجب على كل أحد أن يغتسل.

    وقال آخرون من أهل العلم: إنما يجب الغسل على أهل المهن، والعمال الذين تخرج منهم الرائحة المنتنه، وما عداهم فلا يجب، واستدلوا بما جاء في حديث عائشة : (أن الناس كانوا عمالاً وكانوا تخرج منهم الريح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو اغتسلتم ليومكم هذا) قالوا: هذا دليل على أنه يجب على العمال، والصواب: أنه مستحب للجميع.

    والتبكير إلى الجمعة كذلك من المستحبات، فيبكر إليها، ويلبس أحسن ثيابه، ويتطيب ويستاك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ؛ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام).

    وجاء في حديث آخر: أن من بكر كتب الله له في كل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، ثم إذا دخل الإمام طويت الصحف واستمعت الملائكة للذكر).

    فهذه خمس ساعات ويدخل الإمام في الساعة السادسة، والساعات هنا: أجزاء من الزمن، فقد تكون الساعة في اللغة العربية جزء من الزمن، وقد تكون الساعة المعروفة الآن أو تكون أقل منها أو أكثر منها، فهي خمس ساعات من بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس، فتقسم إلى وقت خروج الخطيب، ويخرج الخطيب في الساعة السادسة، ومعلوم أن نهار الصيف يكون أطول، وأما الشتاء فيكون أقل، فالخمس الساعات تكون قصيرة في الشتاء وطويلة في الصيف، ومن الغريب أن الإمام مالك رحمه الله قال: إن هذه الساعات لحظات تكون بعد زوال الشمس، ثم يدخل الخطيب، وهذه من العجائب.

    والصواب: أنها تبدأ إما من الفجر أو من طلوع الشمس، أما قول الإمام مالك إنها تبدأ من الزوال وقد دخل وقت الظهر، وأنها لحظات متوالية تنقص من الساعات فهو مرجوح.

    وأما قول أنها تبدأ من الأذان الأول فغير صحيح، والأذان الأول محدث أحدثه عثمان رضي الله عنه لما اجتمع الناس، وما كان معروفاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، وإنما المراد من دخول اليوم إما من الفجر أو من طلوع الشمس.

    وأما اليوم فقلت الرغبة في التبكير وضعف الناس وانشغلوا بالسهر حتى صاروا ينامون إلى وقت الصلاة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب ويبكر إليها.

    وإذا كان له إزار ورداء فيعتبران ثوبين على عادة العرب إزار ورداء، أو قميص وعمامة، والثوب: القطعة من الثياب والشماغ والغترة تسمى قطعة، والإزار قطعة، والرداء قطعة، وكل قطعة تسمى ثوباً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيها ].

    وهذا هو السنة، لا يجلس حتى يصلي ركعتين، حتى ولو كان الإمام يخطب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يخطب فدخل سليك الغطفاني فجلس، فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما).

    فدل على أنه لابد من تحية المسجد، لكن يخففهما إذا كان الإمام يخطب حتى يستمع الخطبة، وهذا معنى يوجز فيهما أي: يخففهما.

    وإذا جاء والمؤذن يؤذن فهو مخير بين أن يصلي وبين أن يستمع الأذان ويردد، والأقرب أنه يردد بعد المؤذن، ثم يصلي ركعتين يوجز فيهما، وسماع الأذان وقته قصير وفيه فضيلة فلا يتعارض مع استماع الخطبة.

    ومن السنة أن يدخل الخطيب على الوقت، وإن جاء مبكراً فهذا خلاف الأفضل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتي إلا عند الخطبة، وإن جاء وتقدم فلا حرج.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا للإمام أو من كلمه ].

    لا يجوز للإنسان أن يتكلم والإمام يخطب، إلا إذا كان الإمام يكلم أحداً، كما تكلم ذلك الرجل الذي جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: (يا رسول الله! هلكت الأنعام، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا) أو أن الإمام يكلم بعض الناس فيقول: يا فلان افعل كذا.. أو قل كذا.. فمن يكلم الإمام أو يكلمه الإمام فلا بأس، أما أن يتكلم مع من بجواره فهذا لا يجوز، ومن تكلم والإمام يخطب فلا جمعة له، كما جاء في الحديث: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت، ومن لغى فلا جمعة له، ومن مس الحصى فقد لغى) فلا تقل: يا فلان افعل كذا.. أو اترك كذا.. ولا تجيب أحداً، ولا تشمت العاطس، ولا ترد السلام مثل الصلاة، ولا تستاك والإمام يخطب، كل هذا لا يجوز، ولكن إذا رأيت أحداً يعبث تشير إليه إما إشارة أو تنظر إليه، ثم انصحه بعد الصلاة.

    وبعض الناس قد يكتب بعض الفوائد فهذا لا ينبغي؛ لأن فيه انشغال، ولكن يتذكر بعد الصلاة ويكتبها من بعد، وإذا غلط الخطيب في آية فإنه يفتح عليه مثل الصلاة.

    ويوجد في بعض المساجد تسجيلات تسجل الخطبة، وقد ينشغل الذي يسجل عن سماع الخطبة فتراه يرفع الجهاز أو يخفضه، فقد يقال: إن هذا كالذي يعمل من حركات في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر ونزل القهقرى وتقدم، وكذلك أيضاً حمل أمامة بنت ابنته زينب فكان إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، وفتح الباب لـعائشة ، فقد يقال: إن هذه الحركة لا بأس بها، لكن أن ينشغل فهذا لا ينبغي أما الحركة اليسيرة فيعفى عنها كما في الصلاة، فيحاول أن يبتعد عن كل شيء يشغله عن سماع الخطبة.

    وحديث: (من مس الحصى فقد لغى) يدخل فيه العبث الكثير.

    مسألة: وهل يرفع المأموم يديه عند دعاء الإمام؟

    الجواب: لا يرفع يديه إلا إذا استسقى الإمام، فيرفع الإمام يديه ويرفع المأمومون أيديهم.

    مسألة: هل تجب صلاة الجمعة على أهل البادية والرجل المقيم في الصحراء في الخيام؟

    الجواب: أهل البوادي ليس عليهم صلاة جمعة؛ لأنهم يرحلون وينزلون، ويرحلون وينزلون، فليسوا مقيمين، ومن شرط إقامة الجمعة أن يكون الإنسان مقيماً مستوطناً لا ينوي الانتقال، وكذلك أصحاب النزهة الذين يتنزهون في البر ليس عليهم جمعة.

    وأما حديث: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر)، فيكون وقت الاغتسال بعد طلوع الفجر، أما قبله فلا؛ لأن اليوم ما دخل بعد.

    وأما ساعة الإجابة في يوم الجمعة فقد اختلف فيها على أربعين قولاً، يقول الحافظ : أمليتها في فتح الباري، وأرجحها ساعتان، الساعة الأولى: عند دخول الخطيب حتى يفرغ من الصلاة، والساعة الثانية: آخر ساعة بعد العصر، فهذا أرجح ما قيل فيها.

    وساعة الجمعة بأن يدعو مثلاً بين الخطبتين وفي الصلاة، وبعدما تنتهي الخطبة، وفي آخر التشهد، وفي السجود فهذا هو محلها.