إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب الطهارة [4]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب على المسلم معرفة نواقض الوضوء، وهي الخارج من السبيلين، والنجس الخارج من غير السبيلين، وزوال العقل بالجنون والنوم وغيرهما، ومس الذكر باليد من غير حائل، والردة عن الإسلام، وأكل لحم الإبل. ويجب معرفة موجبات الغسل، وصفته.

    1.   

    نواقض الوضوء

    الناقض الأول: الخارج من السبيلين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب نواقض الوضوء.

    وهي سبعة: الخارج من السبيلين ].

    الناقض الأول: الخارج من السبيلين، والمراد بالسبيلين القبل والدبر، والخارج من السبيلين نوعان:

    النوع الأول: البول والغائط، وهذا مجمع عليه أنه ينقض الوضوء.

    النوع الثاني: غير البول والغائط كالدود والشعر والحصى، فهذه أيضاً تنقض الوضوء على الصحيح.

    إذاً: إذا كان بولاً أو غائطاً فهذا بالإجماع ينقض الوضوء، وما عداه فيه خلاف، ولهذا بوب الإمام البخاري رحمه الله قال: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.

    يعني: أن النوم وزوال العقل وأكل لحم الجزور وغيرها فيه خلاف بين أهل العلم.

    ولا تصح الصلاة إلا بالاستنجاء ثم الوضوء بعد ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، رواه الشيخان.

    ولما جاء في الحديث الآخر: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، رواه مسلم في صحيحه.

    ويرى بعض العلماء أنه إذا خرج شيء يابس وليس له رطوبة فإنه لا يحتاج إلى استنجاء، وإنما يتوضأ ويكون حكمه حكم الريح؛ لأنه ليس فيه رطوبة، ولأن الاستنجاء إنما هو لتطهير المحل وإزالة الخبث، وهذا ليس فيه شيء من هذا.

    الناقض الثاني: الخارج النجس من غير السبيلين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والخارج النجس من غيرهما إذا فحش ].

    الناقض الثاني: الخارج الفاحش النجس من غير السبيلين، وهذا أيضاً نوعان:

    النوع الأول: أن يكون بولاً أو غائطاً كما إذا انسد المخرج ثم فتح فتحة أخرى لخروج البول والغائط منه، فهذا ناقض للوضوء.

    النوع الثاني: أن يكون غير بول وغائط كالدم الرعاف والقيح، فهذا مختلف فيه بين أهل العلم: فبعض العلماء يرى أنه ينقض إذا فحش وهو قول كثير من العلماء كالحنابلة وغيرهم، قالوا: إذا فحش مثل: الحجامة أو دم كثير أو رعاف كثير، أما الشيء القليل فلا ينقض الوضوء، ولهذا قال بعض السلف: عصر ابن عمر بثرة وصلى ولم يتوضأ.

    وقال آخرون: لا ينقض؛ لأن الأحاديث التي وردت في انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين فيها ضعف، لكن إذا توضأ المسلم فيكون هذا أحوط له، وأما الشيء اليسير فلا يؤثر كدم يسير في الأسنان، أو في اللثة أو ما أشبه ذلك.

    الناقض الثالث: زوال العقل بالجنون وغيره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وزوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً ].

    الناقض الثالث: زوال العقل، ويكون بالجنون والعياذ بالله والإغماء، والنوم والسكر، فإذا زال عقله بالجنون أو بالسكر أو بالإغماء أو بالنوم المستغرق؛ فإنه ينقض الوضوء، ولابد أن يكون النوم الناقض للوضوء مستغرقاً، وأما النعاس الذي يحس فيه بمن حوله، ويشعر بالحدث لو خرج منه، ويسمع كلام الحاضرين فهذا لا ينقض الوضوء على الصحيح؛ لما ثبت في الحديث الصحيح: (أن الصحابة كانت تخفق رءوسهم وكانوا ينتظرون صلاة العشاء فيصلون ولا يتوضئون)، وفي لفظ: (كانوا ينامون) أي: ينعسون، فالنعاس: هو خفقان الرأس فلا ينقض الوضوء على الصحيح سواء كان جالساً أو قائماً أو قاعداً، ومن العلماء من قال إذا كان متكئاً أو راكعاً أو ساجداً فإنه ينفتح الدبر فينقض الوضوء، وأما إذا كان غير متكئ فلا ينقض، والصواب أن المعول في هذا على الاستغراق، وأما النعاس اليسير جالساً أو قائماً فلا يضر.

    الناقض الرابع: لمس الذكر باليد من غير حائل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولمس الذكر بيده ].

    الناقض الرابع: لمس الذكر بيده، فإذا مس ذكره بيده بظاهر الكف أو باطنها بدون حائل فإنه ينقض الوضوء، وأما إذا كان من وراء حائل أو من وراء الثوب، أو مسه بالذراع أو برجله فهذا لا ينقض الوضوء، ودليل النقض بالمس حديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، وفي رواية: (من مس الذكر)، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا ينقض الوضوء مطلقاً، واستدلوا بحديث طلق بن علي : (إنما هو بضعة منك)، والصواب أن حديث طلق بن علي قديم ومنسوخ بحديث بسرة ؛ لأن طلقاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجده في أول الهجرة، وحديث بسرة بنت صفوان متأخر، فالعمل على حديث بسرة ، ولهذا قال البخاري عن حديث طلق : هذا أصح شيء في هذا الباب والعمل على حديث بسرة عند الأئمة.

    وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا ينقض إلا إذا قصد المس، وأما إذا لم يقصده فلا ينقض، والصواب أنه ينقض الوضوء مطلقاً، والمرأة إذا كانت تغسل طفلها ومست ذكره ينتقض وضوءها.

    ولو قال قائل: إن حديث طلق بن علي يصرف النهي إلى الكراهة، فهذا ليس بواضح.

    وقال بعض العلماء: إذا مس ذكره بشهوة -أي: بقصد- فينتقض وضوءه وإلا فلا، وهذا هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأفتى به الشيخ محمد العثيمين رحمه الله، والصواب أنه ينقض المس مطلقاً على كل حال.

    الناقض الخامس: لمس المرأة بشهوة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولمس امرأة بشهوة ].

    هذا هو الناقض الخامس: لمس المرأة بشهوة، فإذا لمسها بشهوة فإنه ينقض الوضوء، وهذا ما ذهب إليه المصنف، وقال آخرون: إن لمس المرأة ينقض مطلقاً بشهوة أو بغير شهوة، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله.

    والقول الثالث: أن لمس المرأة لا ينقض مطلقاً بشهوة أو بغير شهوة، وهذا هو الصواب، إلا إذا خرج من ذكره شيء فهذا ينتقض وضوءه لخروج هذا الشيء، وأما إذا لم يخرج منه شيء فلا، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ).

    ويرى الشافعية أن مس المرأة مطلقاً ينقض الوضوء، وعلى هذا إذا كان يطوف بالبيت الحرام ومس فإنه ينتقض وضوءه، وهذا حرج ومن يستطيع هذا ولاسيما في هذا الزمان مع كثرة الناس والزحام عند أبواب المسجد الحرام وفي الطواف إلا من كان يلبس قفازين، أي: أنه يلزم أن يلبس قفازين حتى لا تمس يده يد المرأة، وهذا فيه حرج ومشقة.

    وأما استدلالهم بالآية: أَوْ لامَسْتُمُ .. [النساء:43] فالصواب أن (لامستم) المراد به الجماع، وكذلك (أو لمستم) هذا كناية عن الجماع؛ لأن الله تعالى ذكر طهارة الحدثين الأصغر والأكبر في الآية، قال سبحانه وتعالى: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]، فهذا الحدث الأصغر، أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، هذا الحدث الأكبر: فَتَيَمَّمُوا [النساء:43]، فالآية ذكر فيها الحدث الأصغر والأكبر.

    ولا فرق عند الشافعية في اللمس بين الصغيرة والكبيرة وذات المحرم وغيرهم؛ لعموم الدليل، وهذا مما يدل على ضعف ما ذهبوا إليه.

    الناقض السادس: الردة عن الإسلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والردة عن الإسلام ].

    الناقض السادس: الردة عن الإسلام أعاذنا الله منها، فإذا توضأ ثم تكلم بكلمة الكفر، كأن يكون سب الله أو سب الرسول ثم تاب فإنه يعيد الوضوء من جديد؛ لأن عمله قد حبط، قال الله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، والوضوء عمل، وكذلك إن كان صائماً وحصلت منه كلمة الردة، فإنه يبطل صوم ذلك اليوم ويقضيه.

    الناقض السابع: أكل لحوم الإبل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأكل لحوم الإبل؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: (أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضئوا منها، قيل: أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ) ].

    الناقض السابع: أكل لحم الإبل، فهو من نواقض الوضوء؛ لما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم.).

    قال الإمام أحمد : فيه حديثان صحيحان: حديث جابر ، وحديث سمرة .

    وذهب الأئمة الثلاثة إلى أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، واستدلوا بحديث جابر : (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم عدم الوضوء مما مست النار)، فقالوا: إن هذا الحديث منسوخ فيشمل لحم الإبل، والصواب أن لحم الإبل مستثنى؛ لأن فيه أدلة خاصة، وقد كان الناس في أول الإسلام يتوضئون من أكل ما مسته النار، فإذا أكل أحدهم طعاماً أو شرب مرقاً، أو شرب قهوة مستها النار فإنه يتوضأ، ثم نسخ هذا الحكم حديث جابر : (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم عدم الوضوء مما مست النار).

    وأما لحم الإبل فله أدلة خاصة فيه، فهو ينقض الوضوء حتى لو لم تمسه النار؛ لحديث: (توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، كما أنها لا تصح الصلاة في مبارك الإبل وتصح في مرابض الغنم.

    قال بعض أهل العلم: الحكمة في ذلك ما فيها من الشيطنة، حيث إنها خلقت من الجن، والجن خلقوا من النار والنار تطفأ بالماء، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

    فالمقصود أن لحم الإبل ينقض الوضوء، وهذا هو الصواب.

    واختلف العلماء هل ينقض الوضوء جميع أجزاء الإبل أم اللحم الأحمر فقط؟

    فقال بعض العلماء وهو المشهور عند الحنابلة أنه لا ينقض إلا اللحم الأحمر، وأما لو أكل عصباً أو أكل كبداً أو عظماً أو لحم الرأس فلا ينقض, والصواب أنه عام؛ لأن الله تعالى لما حرم الخنزير قال: وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ [البقرة:173]، ومعلوم أن الخنزير حرام بجميع أجزائه: شحمه ولحمه.

    وأما إذا شرب المرق فلا ينقض الوضوء, أو شرب لبن, الإبل فلا ينقض الوضوء؛ لأن ذلك لا يسمى لحماً.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأكل لحم الجزور، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له (أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضئوا منها, قيل: أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ).

    ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو على ما تيقن منهما ].

    يعني: يبني على اليقين, فإذا تيقن أنه متوضئ وأنه على طهارة, ولكن شك هل خرج منه ريح أو ما خرج, فإنه يبني على اليقين وهو أنه متوضئ.

    وكذلك بالعكس إذا كان متيقناً أنه أحدث، لكن لما جاء وقت الصلاة شك هل هو عندما أحدث توضأ أو لم يتوضأ؟ فهنا يبني على اليقين أنه محدث، فيتوضأ.

    1.   

    الغسل من الجنابة

    خروج المني بتدفق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الغسل من الجنابة.

    والموجب له خروج المني، وهو الماء الدافق ].

    يعني: من موجبات الغسل خروج المني, والمني: هو الماء الدافق في اليقظة أو في النوم، فإنه يوجب الغسل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إنما الماء من الماء) يعني: يكون الغسل بالماء من الماء؛ ماء المني, فإذا خرج منه المني كأن يحتلم في النوم وجب عليه الغسل.

    وكذلك إذا خرج منه مني في اليقظة, سواء كان من جماع أو من ملامسة أو من تذكر، وخرج منه دفقاً بلذة فإنه يوجب الغسل، وأما إذا احتلم ولم يخرج منه مني, يعني: رأى أنه يجامع ولكن ما خرج منه شيء فليس عليه غسل، إلا إذا خرج منه المني؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث أم سليم أنها قالت: (يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق, فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء) يعني: إذا رأى الرجل أو المرأة المني بسبب الاحتلام في النوم، فإنه يجب عليه الغسل, وأما إذا لم ير شيئاً وإنما تذكر أنه احتلم ولكن ما خرج منه شيء، فهذا لا يجب عليه الغسل.

    وكذلك إذا خرج منه المني فلابد أن يكون بلذة, وأما إذا خرج منه في اليقظة بغير لذة وإنما خرج من أجل مرض, فهذا حكمه حكم البول؛ لأنه ما خرج بلذة ولا بشهوة, وإنما خرج من أجل المرض, فإذا كان حكمه كحكم البول فإنه يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل.

    التقاء الختانين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والتقاء الختانين ].

    هذا الموجب الثاني للغسل، فالتقاء الختانين: ختان الرجل وختان المرأة, والختان هو الجلدة التي تبقى بعد القص, وختان المرأة كذلك أيضاً لحمة في أعلى الفرج يقطع منها الختان, ولا يلتقي الختانان إلا إذا غيب الحشفة في الفرج, فإذا غيب الحشفة وهي رأس الذكر في فرج المرأة وجب الغسل؛ لأنه حينئذ يلتقي ختانه بختانها.

    والمراد هنا: التقاؤهما ولو لم يحصل مماسة, لكن لا يلتقيان إلا إذا غيب الحشفة, وأما إذا وضع الختان على الختان ولم يغيب الحشفة فهذا لا يسمى التقاء، ولا يوجب الغسل, فإذا وضع رأس ذكره على الفرج لا يسمى التقاء؛ لأن الالتقاء لا يكون إلا إذا غيب الحشفة في الفرج وهي رأس الذكر, فإذا غيب الحشفة فقد التقى الختان بالختان؛ لأن ختان المرأة لحمة في أعلى الفرج, ولا يحصل الالتقاء إلا إذا غيب الحشفة فيه.

    ذكر هنا بعض موجبات الغسل ولم يذكر بقية الموجبات كالحيض والنفاس مثلاً بالنسبة للمرأة, فهما من موجبات الغسل، والموت أيضاً، فإذا مات المرء يجب تغسيله، فهذه ما ذكرها, وإسلام الكافر فيه خلاف أيضاً بين أهل العلم, والصواب أن الإسلام يستحب له الغسل ولا يجب؛ لأنه أسلم جمع غفير يوم الفتح ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل, وأمر قيس بن محصن بالغسل فدل على أن الأمر للاستحباب.

    موجبات الغسل على سبيل الإجمال

    الأول: خروج المني يقظة أو مناماً من الرجل أو المرأة.

    الثاني: التقاء الختانين حتى ولو لم يخرج مني, فإذا غيب الحشفة في الفرج وجب الغسل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وفي لفظ: (وإن لم ينزل).

    كان في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع ولم ينزل يغسل ذكره ويتوضأ, ثم نسخ ذلك، فأوجب الله على لسان نبيه الغسل في التقاء الختانين وإن لم ينزل.

    الرابع: النفاس للمرأة أيضاً.

    الخامس: الموت، يعني: تغسيل الميت، وهو فرض كفاية.

    السادس: إسلام الكافر، وهذا مختلف فيه, والصواب أنه لا يوجب الغسل وإنما يستحب.

    فإن قيل بالنسبة لمن غسل ميتاً: هل يجب عليه أن يغتسل أو لا؟

    نقول: لا يجب عليه الغسل, وإنما يتوضأ, فإنه ثبت أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر رضي الله عنه وكان في يوم بارد, فخرجت إلى الناس والصحابة فقالت: هل علي غسل؟ فقالوا لها: لا.

    وأما غسل الجمعة فالجمهور على أنه يستحب, وبعض أهل العلم يرى الوجوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فرد الجمهور وقالوا: واجب يعني: متأكد, واستدلوا بحديث سمرة : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل).

    وقال آخرون من أهل العلم: إنه يجب على أهل المهن والعمال الذين تخرج منهم روائح, لأنه جاء في حديث عائشة قالت: (كان الناس يأتون الجمعة وكانوا عمالاً, فتخرج منهم الريح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من جاء إلى الجمعة فليغتسل) والجمهور على أنه مستحب متأكد.

    حكم النية والمضمضة والاستنشاق في الغسل الواجب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والواجب فيه النية, وتعميم بدنه بالغسل مع المضمضة والاستنشاق ].

    هذا الواجب وهو المجزئ.

    والغسل نوعان: غسل مجزئ، وغسل كامل.

    فالغسل المجزئ: هو الذي لابد فيه من نية رفع الحدث, بأن ينوي الاغتسال من الجنابة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى) فلابد من هذا.

    ثم يعمم بدنه بالغسل مرة واحدة, ويتمضمض ويستنشق.

    وأما الغسل الكامل: فهو أن ينوي، ثم يغسل كفيه ثلاثاً بنية رفع الحدث عنهما, ثم يستنجي ويغسل فرجيه وما حولهما, ثم يتوضأ وضوءه للصلاة, ثم يفيض الماء على رأسه، ثم يغسل شقه الأيمن, ثم يغسل شقه الأيسر.

    وفي حديث عائشة أنه كمل الوضوء, وفي حديث ميمونة أنه أخر غسل الرجلين, فهذا هو الغسل الكامل.

    وأما المضمضة والاستنشاق فهناك خلاف بين أهل العلم فيهما، فمن العلماء من قال: إنهما واجبتان في الوضوء والغسل, ومنهم من قال: ليستا واجبتين لا في الوضوء ولا في الغسل.

    ومنهم من قال: إنما واجبتان في الوضوء دون الغسل.

    فالأحوط للمسلم ألا يدع المضمضة والاستنشاق لا في الغسل ولا في الوضوء.

    حكم التسمية عند الغسل والوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وتسن التسمية ].

    التسمية سنة عند الجمهور في الغسل، وكذلك في الوضوء, وذهب الحنابلة إلى أنها واجبة في الوضوء مع الذكر, واستدلوا بعدة أحاديث فيها ضعف، لكن مجموعها يشد بعضها بعضاً.

    حكم دلك اليدين والبدن عند الغسل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويدلك بدنه بيديه ].

    دلك البدن عند الغسل مستحب, فيدلك يديه وجسمه، ويتفقد مغابنه كالإبطين والسرة وما تحت الركبة وبين الأصابع.

    صفة الغسل التام والدلك للأيدي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويفعل كما روت ميمونة قالت: (سترت النبي صلى الله عليه وسلم فاغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه، ثم ضرب بيده على الحائط والأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض الماء على بدنه، ثم تنحى فغسل رجليه) ].

    هذا هو الغسل التام, فينوي أولاً، ثم يسمي, ثم يغسل كفيه ثلاثاً, ثم يغسل ذكره وما حوله، ثم يضرب بيديه الأرض أو الحائط إذا كان الحائط من طين؛ حتى ينقيه مما علق به من الرائحة, والآن الحائط لا يوجد فيه طين، لكن يقوم مقامه الصابون, فإذا غسل يديه بالصابون فهذا أفضل وأولى, وإلا فالماء كاف, لكن الأفضل أن يغسل يده بعد الاستنجاء؛ ليزيل الرائحة التي علقت بها, ثم يتوضأ وضوءه للصلاة, ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثاً, ثم يغسل شقه الأيمن ثم الشق الأيسر, ثم يغسل رجليه يؤخرهما, هذا حديث ميمونة، وأما حديث عائشة فإنه كمل الوضوء, يعني: غسل رجليه، ثم اغتسل، وإنما أخر رجليه؛ لأنه يغسلهما في مكان آخر حتى يزيل ما علق بهما من التراب؛ لأنهم تكن عندهم في ذلك الوقت حمامات حتى يلبس الواحد منهم حذاء في الحمام, وإنما الحمام المكان الذي يغتسل فيه من تراب وطين, فكان يؤخر رجليه ويغسلهما حتى يزيل التراب والطين الذي علق بهما.

    فهذا هو الكامل, لكن لو مس ذكره بعد ذلك أو خرج منه ريح فإنه يعيد الوضوء.

    حكم نقض الشعر في غسل الجنابة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة إذا روّى أصوله ].

    لا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة وإنما يروي أصوله, وكذلك في الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة, لكن الأفضل للمرأة والمستحب لها أن تنقضه في الحيض والنفاس؛ لأن مدته تطول، فإذا نقضته يكون أفضل, فقد جاء في حديث أم سلمة أنها قالت: (يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت)، فدل على أنه لا يجب النقض, وإنما يستحب في غسل الحيض والنفاس؛ لأن المدة تطول, وأما الجنابة فتتكرر فلا تنقض شعرها، لكن يستحب لها أن تروي أصول الشعر بالماء.

    حكم الاكتفاء بالغسل عن الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا نوى بغسله الطهارتين أجزأ عنهما ].

    يعني: إذا استنجى ثم نوى بغسله الأمرين: الوضوء والغسل، ارتفع الحدث الأصغر والأكبر؛ لأن الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى, فإذا استنجى ونوى بغسله الأمرين: الوضوء والغسل ارتفع الحدث وصلى ولا يتوضأ، هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: أنه لابد أن يتوضأ، وهذا هو الأحوط, يعني: يغتسل غسلاً كاملاً كما سبق في الحديث, ثم يتوضأ، هذا هو الأحوط.

    حكم التيمم عن الحدثين الأصغر والأكبر وعن النجاسة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك لو تيمم للحدثين والنجاسة على بدنه أجزأ عن جميعها ].

    يعني: إذا كان عليه جنابة وليس عنده ماء فإنه يتيمم، والتيمم واحد في الغسل والوضوء، بخلاف الغسل, فالغسل غير الوضوء, والحدث الأكبر له الغسل.

    قال: [ وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى ].

    يعني: إذا ما نوى بالتيمم إلا الجنابة بقي عليه أن يتيمم للحدث, وإذا نواهما جميعاً ارتفعا.