إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مذهب أهل السنة أن الإيمان اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد خالف في هذا كثير من أهل البدع، وأقربهم إلى السنة مرجئة الفقهاء، حيث قالوا: الإيمان اعتقاد وقول، وقال المرجئة الجهمية: الإيمان اعتقاد فقط، وقال بعض المبتدعة: الإيمان قول فقط، وأنكر هؤلاء جميعاً كون الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

    1.   

    كتاب الإيمان وموضوعه

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذه الرسالة (كتاب الإيمان) صنفها الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ، وموضوعها: الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته.

    وقد والمؤلف رحمه الله من علماء القرن الثاني والثالث الهجري، فإن ولادته سنة سبع وخمسين ومائة للهجرة، ووفاته سنة أربع وعشرين ومائتين.

    وقد ألف هذه الرسالة ليبين فيها حقيقة الإيمان، وما دلت عليه النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما قرره أهل العلم وفهموه من النصوص، ويرد على المخالفين، وهم طائفتان:

    الطائفة الأولى: المرجئة المحضة، الذين قولهم منكر، والطائفة الثانية: مرجئة الفقهاء الذين وافقوا جمهور أهل السنة في المعنى وخالفوهم في اللفظ.

    1.   

    الآثار المترتبة على خلاف مرجئة الفقهاء في مسألة الإيمان

    وأول من قال بالإرجاء حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة ولكن خلافهم له آثار تترتب عليه، فإنهم وإن وافقوا أهل السنة والجماعة في أن الأعمال لابد منها، وأن العمل واجب، وأن الواجبات واجبات، والمحرمات محرمات، وأن فاعل الواجب يستحق الثواب ويمدح على فعله، وفاعل المعصية والكبيرة يذم ويستحق الوعيد، ويقام عليه الحد إن كان لهذه المعصية حد، إلا أن خلافهم له آثار ترتبت عليه، حتى قال بعض أهل العلم: إن فتنتهم أشد من فتنة الأزارقة، وهم الخوارج؛ وذلك لأنهم خالفوا النصوص لفظاً، وإن وافقوها معنى.

    والواجب على المسلم أن يتأدب مع النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يوافق النصوص لفظاً ومعنى، وليس له أن يخالف النصوص لا لفظاً ولا معنى.

    من آثار خلاف مرجئة الفقهاء -وهم الأحناف- مع جمهور أهل السنة: قولهم: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، ففتحوا باباً للمرجئة المحضة، وهم الجهمية، فقالوا: إن الأعمال ليست واجبة وليست مطلوبة.

    ومن الآثار التي ترتبت على خلافهم: أنهم فتحوا باباً للعصاة والفسقة، فيأتي السكير العربيد فيقول: أنا مؤمن كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان أبي بكر وعمر ! فإذا قيل له: إن أبا بكر وعمر لهما أعمال عظيمة، فقال: ليس الخلاف في الأعمال، الأعمال شيء والإيمان شيء آخر، أنا مصدق وأبو بكر وعمر مصدقان كل منهما مصدق!

    ومن الآثار كذلك: خلاف الأحناف ومرجئة الفقهاء مع جمهور أهل السنة في مسألة الاستثناء في الإيمان، وهي قول: أنا مؤمن إن شاء الله، فمرجئة الفقهاء لا يرون الاستثناء ويمنعونه، ويقولون: إن من استثنى فهو شاك في إيمانه، ويسمون الذين يستثنون في إيمانهم: الشكاكة.

    أما جمهور أهل السنة فإنهم يفصلون، ويرون أن المستثني إن قصد الشك في أصل إيمانه فهو ممنوع من الاستثناء، أما إن نظر إلى أعمال الإيمان وأنها متعددة، وأن الواجبات كثيرة، وأن الإنسان لا يزكي نفسه، ولا يجزم بأنه أدى ما عليه، فإنه يستثني في هذه الحالة، وكذلك إذا استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة فإنه يستثني، كذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فله أن يستثني.

    فالمقصود أن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة ليس خلافاً لفظياً من جميع الوجوه، كما قاله شارح الطحاوية رحمه الله، ولكنه خلاف له آثار تترتب عليه كما ذكرنا مسبقاً.

    ترجمة الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام

    هو أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي ، الإمام المجتهد البحر اللغوي الفقيه، صاحب المصنفات، ولد بهراة سنة سبع وخمسين ومائة، وكان أبوه عبداً رومياً لبعض أهل هراة، سمع جماعة من الأئمة الثقات مثل: سفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية ويزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وحماد بن سلمة ، وغيرهم، وحدث عنه الإمام الدارمي وأبو بكر بن أبي الدنيا وعلي بن عبد العزيز البغوي ومحمد بن يحيى المروزي وآخرون.

    قال الإمام إسحاق بن راهويه : الله يحب الحق، أبو عبيد أعلم مني وأفقه، وقال أيضاً: نحن نحتاج إلى أبي عبيد ، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.

    وقال أحمد بن حنبل : أبو عبيد أستاذ وهو يزداد كل يوم خيراً.

    وسئل يحيى بن معين عنه فقال: أبو عبيد يسأل الناس عنه.

    وقال أبو داود : ثقة مأمون.

    قال الحافظ الذهبي : من نظر في كتب أبي عبيد علم مكانه من الحفظ والعلم، وكان حافظاً للحديث وعلله، عارفاً بالفقه والاختلاف، رأساً في اللغة، إماماً في القراءات له فيها مصنف، وقع لي من تصانيفه كتاب الأموال، وكتاب الناسخ والمنسوخ.

    ولذلك لما كان محدثاً فإنه يروي هذه الرسالة بالأسانيد بعضها مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها موقوفاً على الصحابة، وبعضها موقوفاً على من بعدهم.

    وقال الخطيب البغدادي : وكان ذا فضل ودين وفكر ومذهب حسن، وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد، والرواة عنه مشهورون ثقات، ذو ذكر ونبل، وكتابه الأموال من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده.

    قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني : ومع هذه المناقب والفضائل فإن الأئمة الستة لم يخرجوا له شيئاً من الحديث، فذلك من الأدلة الكثيرة على أنهم لم يخرجوا لجميع رواة الحديث الثقات، فلا غرابة بعد هذا ألا يخرج البخاري لبعض رواة أهل البيت الثقات منهم، رضي الله عنهم.

    ومن كلام أبي عبيد رحمه الله تعالى: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل.

    قلت: هذا في زمانه، فماذا يقال في زماننا؟!

    أقام رحمه الله ببغداد مدة، ثم ولي القضاء بطرسوس، وخرج بعد ذلك إلى مكة فسكنها حتى مات بها سنة أربع وعشرين ومائتين.

    وبهذا يتبين أن الإمام أبا عبيد رحمه الله له عناية بالحديث والفقه والتوحيد والعقيدة.

    1.   

    ما جاء في نعت الإيمان في استكماله ودرجاته

    سند الرسالة إلى أبي عبيد القاسم بن سلام

    [ أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن معروف أعني ابن أبي نصر في داره بدمشق في صفر سنة عشرين وأربعمائة قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن أحمد بن يحيى العسكري صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام هذه الرسالة وأنا أسمع، قال أبو عبيد ].

    هذا سند الرسالة، فإن الذي رواها الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر ، رواها عن صاحب الإمام أبي عبيد وهو أبو يعقوب إسحاق بن أحمد بن يحيى العسكري ، وروى هذه الرسالة قبل وفاته بأربع سنين، وعلى هذا فتكون الرسالة ثابتة للمؤلف رحمه الله.

    سبب تأليف الرسالة

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ أما بعد:

    فإنك كنت تسألني عن الإيمان، واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته ونقصه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك، وما الحجة على من فارقهم فيه، فإن هذا رحمك الله خطب قد تكلم فيه السلف في صدر هذه الأمة وتابعيها ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وقد كتبت إليك بما انتهى إلي علمه من ذلك مشروحاً ملخصاً، وبالله التوفيق ].

    إذاً موضوع الرسالة هو الجواب عن هذا السؤال: ما الإيمان؟ وما حقيقته؟ وما الخلاف في استكماله وزيادته ونقصه؟ وهل من خالف أهل السنة والجماعة ومن خالف السلف من الصحابة والتابعين له حجة أو دليل؟

    وقول المؤلف رحمه الله: (فإن هذا رحمك الله) هذا من نصح المؤلف رحمه الله أنه يعلمك ويدعو لك، وهذه طريقة العلماء الربانيين، يعلمون الناس ويدعون لهم.

    قوله: (خطب) يعني: أمر عظيم ليس بالأمر الهين، فلابد من تحقيقه.

    قوله: (وقد تكلم فيه السلف) أي: أن خير هذه الأمة وتابعيها تكلموا في مسألة الإيمان: هل العمل من الإيمان؟ وهل الإيمان يزيد وينقص؟ فإن هذا الأمر عظيم، ولابد من تحقيقه؛ لأن فيه سلامة دين المرء وإيمانه واعتقاده في ربه ونبيه ودينه، والمؤلف يقول: قد تكلم فيه السلف من الصحابة ومن بعدهم، كما سيأتي أن المؤلف رحمه الله ساق الأدلة والنصوص عن الصحابة كقول معاذ بن جبل : (اجلس بنا نؤمن ساعة) يعني: يزيد إيماننا.

    فالسلف من الصحابة والتابعين والأئمة ومن بعدهم بينوا حقيقة الإيمان، وأنه إقرار باللسان وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، فهذه هي حقيقة الإيمان التي دلت عليها النصوص من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبينها أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم.

    إذاً: حقيقة الإيمان تشمل هذه الأمور الأربعة: قول اللسان وهو النطق، فلابد أن يتلفظ المسلم بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولابد من قول القلب وهو الإقرار والاعتراف والتصديق، ولابد من عمل القلب، وهو النية والإخلاص والصدق والمحبة والانقياد، ولابد من عمل الجوارح، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين، وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والإحسان إلى الجيران، وكف المسلم نفسه عن المحرمات التي أعظمها وأغلظها الشرك بالله عز وجل، والعدوان على النفس في الدماء، والعدوان على الناس في الأموال، والعدوان على الناس في الأعراض، فينتهي عن المحرمات تديناً وإيماناً بالله، وبما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك المحرمات، فهذه هي حقيقة الإيمان التي دلت عليها النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

    وقد قال كثير من السلف: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان، يعني: القلب، وعمل بالأركان، يعني: الجوارح.

    وقال بعضهم: الإيمان عمل ونية، عمل القلب وعمل الجوارح، وهذه هي حقيقة الإيمان، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (إن هذا خطب قد تكلم فيه السلف في صدر الأمة وتابعيها ومن بعدهم إلى يومنا هذا) يعني: هذا أمر واضح، ليس أمراً خفياً؛ لأن الإيمان هو الذي أراده الله تعالى من عباده وخلقهم من أجله، فالله خلق الخلق ليعبدوه ويؤمنوا به ويوحدوه، ويمتثلوا أمره ويجتنبوا نهيه، ويلتزموا شرعه ودينه، ويقفوا عند حدوده، ويستقيموا على شرعه ودينه، فهذا الأمر لا بد أن يكون واضحاً وجلياً، ولهذا فإن النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واضحة في هذا، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3].

    أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4].

    فبين الله سبحانه وتعالى أن من صفات المؤمنين حقاً أنهم الذين توجل قلوبهم عند ذكر الله، ويزدادون إيماناً عند تلاوة آياته، ويتوكلون على الله، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهذه الأعمال شملت أعمال الجوارح وأعمال القلوب، فوجل القلب عند ذكر الله من أعمال القلوب، وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فهذه أعمال، وكلها داخلة في مسمى الإيمان، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4]، وقال سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]، فهؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، آمنوا بالله وبرسوله، ولم يرتابوا ولم يشكوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، فدل على أن من لم يأت بالأعمال ليس صادقاً في إيمانه، فيقال: ليس بصادق الإيمان، ليس بمؤمن حقاً، فالفاسق والعاصي والمرتكب للكبيرة، وإن كان داخلاً في اسم الإيمان، إلا أنه لا يطلق عليه الإيمان، بل لابد من النفي، نفياً وإثباتاً، فلا يقال: مؤمن بإطلاق، ولا يقال: ليس بمؤمن بإطلاق، بل لابد أن يقيد في النفي وفي الإثبات، في الإثبات تقول: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن فاسق بإيمانه، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي تقول: ليس بمؤمن حقاً، ليس بصادق الإيمان؛ لأنك إذا أثبت له الإيمان قلت: هو مؤمن بإطلاق، وهو عاص يرتكب الكبائر، فقد وافقت المرجئة، وإذا قلت: ليس بمؤمن ونفيت عنه الإيمان، فقد وافقت الخوارج والمعتزلة، فلابد من التقييد في النفي والإثبات، مؤمن ناقص الإيمان، وفي النفي ليس بصادق الإيمان، قال سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، وهذه رواية مسلم ، وفي رواية البخاري : (الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).

    فهذا الحديث دل على أن الإيمان شعب متعددة كثيرة كلها داخلة في مسمى الإيمان، ومثل النبي صلى الله عليه وسلم لأعلاها وأدانها، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، أي: كلمة التوحيد، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وبين الأعلى والأدنى شعب متفاوتة منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، والصلاة شعبة، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، وبر الوالدين شعبة، وصلة الرحم شعبة، والأمر بالمعروف شعبة، والنهي عن المنكر شعبة، والإحسان إلى الجيران شعبة، والإحسان إلى اليتامى والأرامل والمساكين والحيوانات كلها من شعب الإيمان وهكذا.

    ومثل النبي صلى الله عليه وسلم للشعبة القولية بكلمة التوحيد، والشعبة العملية بإماطة الأذى عن الطريق، والشعبة القلبية بالحياء، فدل على أن أعمال الجوارح وأعمال القلوب وأقوال اللسان كلها داخلة في المسمى، وهذا هو الذي أقره أهل السنة والجماعة، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أهل العلم كـسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وإسحاق بن راهويه ، وهو الذي عليه الصحابة والتابعون والأئمة.

    وفي حديث وفد عبد القيس: (لما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نخرج إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نعمل به ونخبر به من وراءنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، أتدرون ما شهادة أن لا إله إلا الله؟ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما غنمتم..)، وفي اللفظ الآخر: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)، ففسر الإيمان بهذه الأمور الخمسة، بالشهادة: أي: بكلمة التوحيد، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأداء الخمس، وهذه أعمال، فدل على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، والأدلة في هذا كثيرة، وأقوال العلماء في هذا كثيرة، كما بين أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله وبينه غيره من أهل العلم، وقد ألف أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاباً في الإيمان، كتاباً كبيراً وكتاباً صغيراً، وكلاهما عظيم في بيان الإيمان وما يكون في مسمى الإيمان وبيان من خالفه.

    1.   

    مسمى الإيمان

    افتراق أهل العلم في الإيمان إلى فرقتين

    قال المصنف: [ اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح، وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان ].

    قوله: (اعلم) يعني: انتبه وألق سمعك لهذا الأمر.

    قوله: (رحمك الله) دعاء، وهذا من نصحه رحمه الله.

    قوله: (أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر) يعني: في مسمى الإيمان، ما هو مسمى الإيمان؟

    قوله: (فرقتين) الفرقة الأول: الصحابة والتابعون وتابعوهم والأئمة، قالوا: إن مسمى الإيمان قول باللسان، وقول القلب وعمل القلب، وعمل الجوارح، وقالوا: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح، وهذا هو المذهب الحق الذي دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فينطق الإنسان بلسانه، ويشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً رسول الله، ويعمل بجوارحه، فيصلي ويصوم ويزكي ويحج ويبر بوالديه ويصل رحمه ويحسن إلى جيرانه، ويحسن إلى الفقراء واليتامى والمساكين والأرامل، ويكف جوارحه عما حرم الله عز وجل، فكل هذه أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب) عمل القلب، (وشهادة الألسنة) يعني: النطق باللسان، الألسنة جمع لسان، (وعمل الجوارح) الجوارح تعمل، واللسان ينطق، والقلب عنده إخلاص، وبر ونية وانقياد، ومحبة وخوف ورجاء من الله عز وجل، كل هذه من أعمال القلوب، والخوف من الله والرجاء، والنية والإخلاص، والمحبة والانقياد مع قول اللسان ومع أعمال الجوارح، كل هذه داخلة في مسمى الإيمان، هذه الفرقة الأولى.

    قوله: (وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة) وهذا هو مذهب مرجئة الفقهاء، كـأبي حنيفة وأصحابه من أهل الكوفة وهم طائفة من أهل السنة، قالوا: إن الإيمان شيئان: في القلب، وفي اللسان، في القلب التصديق والإقرار، وفي اللسان النطق، أما عمل الجوارح كالصلاة والصوم والزكاة والحج، فليست من الإيمان، ولكنها تقوى وبر، قالوا: نسميها تقوى ونسميها براً، ولا نسميها إيماناً ولو كانت مطلوبة، قالوا: فالإنسان عليه واجبان، واجب الإيمان وواجب العمل، ولا يدخل أحدهما في مسمى الآخر.

    واختلفوا في أعمال القلوب: هل هي داخلة أو ليست داخلة؟

    فمنهم من أدخلها ومنهم من أخرجها من مسمى الإيمان، وأما جمهور أهل السنة فقالوا: الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، أعمال القلوب وأعمال الجوارح، نسميها إيماناً ونسميها تقوى ونسميها براً، هي تقوى وبر وإيمان، أما مرجئة الفقهاء فقالوا: هي تقوى وبر وليست إيماناً، فالبر والتقوى غير الإيمان، الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وأما أعمال الجوارح نسميها تقوى ونسميها براً وهي مطلوبة وواجبة، ويثاب فاعلها، ويعاقب تاركها، ويقام الحد على من ارتكب كبيرة، لكن لا نسميها إيماناً، فهي ليست من الإيمان.

    وإذا نظرنا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وجدنا أن النصوص أدخلت الأعمال في مسمى الإيمان: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:2-4] وفي الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، والبضع من ثلاثة إلى تسعة.

    وقد ألف الإمام البيهقي رحمه الله مؤلفاً في هذا سماه شعب الإيمان، تتبع ما ورد في النصوص بتسميته إيمان ووضعه في كتابه، وأوصلها إلى تسع وسبعين شعبة.

    فالمؤلف رحمه الله يقول: إن أهل العلم والعبادة بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين: جمهور أهل السنة، ومرجئة الفقهاء، كلهم من أهل العلم والدين؛ لأن مرجئة الفقهاء طائفة من أهل السنة، لكنهم خالفوا النصوص في اللفظ وإن كانوا من أهل العلم والدين، إلا أن الفرقة الأولى أسعد منهم بالدليل، وهم الذين وافقوا النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لفظاً ومعنى، وتأدبوا مع النصوص وسموا الأعمال إيماناً، وأما مرجئة الفقهاء فإنهم أخرجوا الأعمال ولم يدخلوها في الإيمان.

    وهناك فرقة ثالثة، لكنهم ليسوا من أهل العلم والدين، وهم المرجئة المحضة كالجهمية وغيرهم فإنهم قالوا: إن الإيمان مجرد معرفة القلب، ويتزعمهم الجهم بن صفوان ويقول: الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر هو جحد الرب بالقلب، فمن عرف ربه بإيمانه فهو مؤمن عند الجهمية، ومن جهل ربه بقلبه فهو كافر، وعلى هذا ألزم العلماء الجهم بأن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36]، وكذلك فرعون الذي ادعى الربوبية وقال للناس: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] مؤمن على مذهب الجهم؟ لأنه يعرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عنه وعن ملائه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، واليهود على مذهب الجهم مؤمنون؛ لأنهم يعرفون ربهم بقلوبهم ويعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146]، وأبو طالب ثبت في صحيح البخاري أنه مات على الشرك، فيكون على مذهب الجهم مؤمناً؛ لأنه يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم، قال في قصيدة مشهورة:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

    والجهمية ليسوا من أهل العلم والدين، ولهذا ما ذكرهم رحمه الله، ويسمون المرجئة المحضة، فهم يرون أن الأعمال ليست واجبة، وأن الإنسان لو ارتكب جميع الكبائر والمنكرات، وهدم المساجد وقتل الأنبياء والصالحين، وهو يعرف ربه بقلبه يكون مؤمناً! هذا مذهب الجهم كما بين ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله في الكافية الشافية، والجهم بن صفوان ملحد كفره أهل العلم، والجهمية هناك من العلماء من كفرهم بإطلاق، ومنهم من بدعهم، ومنهم من كفر غلاتهم، وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أنه كفرهم خمسمائة عالم، قال:

    ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان

    أي خمسمائة والإمام اللالكائي قد حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني .

    فالمقصود أن أهل العلم والدين -كما قال المؤلف رحمه الله- افترقوا في مسمى الإيمان إلى فرقتين:

    فرقة أدخلت أعمال القلوب وأعمال الجوارح في مسمى الإيمان مع تصديق القلب، والإقرار باللسان، وهذا هو مذهب الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ، وغيرهم من أهل العلم.

    والطائفة الثانية: مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة ومن تبعهم يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان إنما هو الإقرار باللسان وتصديق القلب، وأما أعمال الجوارح وأعمال القلوب فهي مطلوبة، ويجب على الإنسان أن يؤدي الواجبات ويترك المحرمات إلا أنهم لا يسمونها إيماناً بل يسمونها تقوى وبراً، وأما جمهور أهل السنة فإنهم يسمونها إيماناً ويسمونها تقوى ويسمونها براً، فهي تقوى وإيمان وبر.