إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [158-162]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصفا والمروة من شعائر الله تعالى، وليس هناك جناح أو حرج من أن يطوف بهما المرء، لكونهم كان يفعلون ذلك في الجاهلية، وقد بين الله تعالى عقوبة من يكتمون ما أنزله من الهدى والبينات عن الناس، فإن ذلك ذنب عظيم، وإثم جسيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله ...)

    سبب نزول الآية

    إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال: أنبأنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قال: قلت: ].

    أي: إن عروة قال: قلت، وهو هنا يسأل عائشة عن الآية وما أشكل عليه من فهمها، فقد تأولها على غير تأويلها، فبينت له عائشة رضي الله عنها الصواب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أرأيت قول الله تعالى إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]؟ قلت: فوالله ما على أحد جناح ألا يتطوف بهما. فقالت عائشة : (بئسما قلت يا ابن أختي! إنها لو كانت على ما أولتها عليه كانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، قالت عائشة : ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما). أخرجاه في الصحيحين ].

    وفيه دليل على أن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فـعائشة بينت له سبب النزول، وعروة كان قد فهم من الآية فهماً غير صحيح، وهو أن من حج فلا إثم عليه أن يترك الطواف بين الصفا والمروة؛ لأن الله يقول: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، فبينت له عائشة سبب النزول، فقالت: لو كان معنى الآية كما قلت: لقال الله: فلا جناح ألا يطوف بهما، أي: فلو كانت كما فهمها عروة لنفى الله الجناح عمن لم يطف، ولكنه قال: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، ولم يقل: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، وسبب النزول يبين هذا، وهو أن الناس كانوا في الجاهلية قد وضعوا صنمين على الصفا والمروة أحدهما اسمه إساف، والثاني اسمه نائلة، وكانوا إذا طافوا طافوا بين الصنمين، فلما جاء الإسلام تحرجوا وقالوا: كيف نطوف كما كان يفعله أهل الجاهلية، فأنزل الله ألا جناح على الإنسان أن يطوف بين الصفا والمروة؛ لزوال المحظور حينئذٍ، لأن الإسلام يجب ما قبله، والأصنام قد أزيلت، فأنزل الله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].

    وأمر الجاهلية نوعان:

    أمر أقره الإسلام، وأمر نفاه الإسلام، فأما ما أقره الإسلام فمنه الطواف بين الصفا والمروة، بل جعله ركناً من أركان الحج، وهو أيضاً ركن في العمرة على الصحيح، وفيه ثلاثة أقوال لأهل العلم كما ذكر المؤلف وغيره، فالطواف بينهما قيل: ركن، وقيل: واجب، وقيل: مستحب، والأرجح أنه ركن، فإن الله تعالى نفى الجناح إذ كانوا يتحرجون منه.

    وهذا التحرج منهم زال عندما علموا أن الله عز وجل شرعه وأقره، فأباح لهم ما كانوا يتحرجون منه كما في قوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، فنهى الله المحرم عن الصيد ثم أباحه، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا [الجمعة:9]، ثم جاء بعدها: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة:10].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: إن الناس -إلا من ذكرت عائشة- كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية.

    وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] ].

    وهذا الأمر من أمور الجاهلية التي أقرها الإسلام، وهو من المناسك التي ورثوها عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فليست كل أمور الجاهلية باطلة، بل ما ورثوه عن دين إبراهيم أقره الإسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو بكر بن عبد الرحمن : فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.

    ورواه البخاري من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بنحو ما تقدم.

    ثم قال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنساً عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158].

    وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطواف بينهما؟ فنزلت هذه الآية.

    وقال الشعبي : كان إساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونها، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية ].

    وإساف ونائلة حجران وصنمان. وقيل: إنهما كانا رجلاً وامرأة، وأن الرجل فجر بالمرأة في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فأهل الجاهلية أخذوهما وجعلوا أحدهما على الصفا، والثاني على المروة، وجعلوا الطواف من بينهما، فلما جاء الإسلام تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة وهما موجودان، فنفى تعالى هذا الحرج والجناح وقال: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قلت: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافاً ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:

    وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم لمفضى السيول من إساف ونائل ].

    وقوله: لمفضى هي بالباء أحسن، أي: بمفضي، وأبو طالب له قصيدة لامية طويلة ذكر فيها هذا المكان، وذكر أن الأشعريين يكون ركابهم من أهل الإبل بمفضي السيول، يعني: المكان الذي تفضي إليه السيول، فهذا هو مكان ركابهم لأجل البيت، فينزلون بهذا المكان، وكان الصفا والمروة عند مفضى السيول، فكانت السيول تأتي من بين الجبلين.

    هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في السعي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل وفيه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] ثم قال : أبدأ بما بدأ الله به، وفي رواية النسائي: ابدأوا بما بدأ الله به).

    وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج قال: حدثنا عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة ].

    حبيبة بنت تجراة فيها أربعة أوجه كما في إتحاف المهرة: حبيبة بالباء بعدها مثناة وبعدها باء، مصغرة ومكبرة.

    وفيها وجهان آخران بالمثناة بعدها مثناة حيية مصغرة ومكبرة، فهذه أربعة أوجه، وأما تجراة فهي بفتح التاء وبعدها جيم ساكنة وبعدها راء وبعدها ألف وآخرها تاء مربوطة.

    ويقال: حَبِيْبَة بنت تجراة، ويقال: حُبَيْبَة بنت تجراة، ويقال: حَيِيَّة بنت تجراة ويقال: حُيَيَّة بنت تجراة . وشيخ الإمام أحمد هنا هو سريج مصغر بالسين مهملة ومضمومة، وآخره جيم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي).

    ثم رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: (كتب عليكم السعي فاسعوا) ].

    موسى بن عبيدة ضعيف، لكن السعي بين العلمين ثابت في حديث جابر في صحيح مسلم، ولكن هذا فيه أنها قالت يدور به إزاره وإني أرى ركبته.

    و موسى بن عبيدة الربذي بفتح المهملة الموحدة المدني روى عن محمد بن المنكدر ونافع وجماعة وعنه شعبة وابن المبارك وطائفة وضعفه ابن المديني والنسائي وابن عدي وجماعة، قال ابن سعد : ثقة كثير الحديث وليس بحجة.

    إذاً فهو ضعيف.

    الخلاف في حكم السعي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد استدل بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه، ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك .

    وقيل: إنه واجب وليس بركن، فإن تركه عمداً أو سهواً جبره بدم، وهو رواية عن أحمد، وبه يقول طائفة.

    وقيل: بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية.

    قال القرطبي : واحتج بقوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا [البقرة:184]، والقول الأول أرجح؛ لأنه عليهم الصلاة والسلام طاف بينهما ].

    إذاً فالطواف قيل: ركن، وقيل: واجب، وقيل: مستحب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال: (لتأخذوا عني مناسككم)، فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلا ما خرج بدليل، والله أعلم.

    وقد تقدم قوله عليه السلام: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) فقد بين الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس : أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم عليه السلام هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله عز وجل، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله عز وجل حتى كشف الله كربتها وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله عز وجل لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بـهاجر عليها السلام ].

    وهذا كلام عظيم ينبغي أن يكتب بماء الذهب، فالإنسان ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله عز وجل، فإن هاجر رضي الله عنها كانت تتردد بين الصفا والمروة مظهرة ذلها وفقرها وحاجتها حتى أغاثها الله، فجاءها الله بجبريل فغمز الأرض بجناحه حتى نبع الماء، وكذلك الإنسان ينبغي أن يستحضر هذا، فإنه محتاج إلى هداية ربه وإصلاح حاله، وإصلاح قلبه، وإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا حول للإنسان ولا قوة له إلا بالله، فالجأ إلى الله، فإن الله تعالى هو القوي المتين.

    وعلى الإنسان أن يبرأ من حوله وقوته ويعتمد على الله، فالمرء لا تحول له من حال إلى حال إلا بالله، فالله له القوة، وأما الحول فلا يضاف إلى الله بل يحتاج إلى دليل.

    الخلاف في معنى قوله تعالى: (فمن تطوع خيراً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا [البقرة:184]قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيراً في سائر العبادات ].

    وهذا هو الأقرب، أي: فمن تطوع خيراً في سائر العبادات، وأما زيادة ثامنة وتاسعة فلا وجه له، وليس بمشروع أن يزيد الإنسان في الطواف وفي السعي، والسعي لا يفرد وحده؛ لأنه لا يشرع إلا في حج أو عمرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حكى ذلك الرازي وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم ].

    والذي عُزي إلى الحسن البصري هو أن المراد: تطوع خيراً في سائر العبادات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]أي: يثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحداً ثوابه، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ...)

    وعيد من يكتم ما أنزل الله

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [البقرة:159-162].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله.

    قال أبو العالية : نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.

    وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضاً عن أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار).

    والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحداً شيئاً إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى [البقرة:159] الآية ... ].

    وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب فإنها تشمل من كتم العلم من هذه الأمة، والذين يكتمون الحق والعلم من أجل مآكلهم وشهواتهم ورئاستهم، فيشملهم هذا الوعيد، نسأل الله السلامة والعافية.

    وهذه الآية ذكرها الله تحذيراً للعلماء من أن يكتموا العلم الذي أنزل الله فتحل عليهم اللعنة كما حلت على من قبلهم من أهل الكتاب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عمار بن محمد عن ليث بن أبي سليم عن المنهال بن عمرو عن زاذان أبي عمرو عن البراء بن عازب قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: (إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه يسمعها كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159]يعني: دواب الأرض) ].

    وهذا ضعيف؛ لأن فيه الليث بن أبي سليم وزاذان أبو عمر، وفيها كلام.

    و زاذان هو الكندي مولاهم أبو عمر البزار الكوفي ، يقال: إنه شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وفي حاشية التهذيب في ترجمة عامر بن ربيعة بن كعب ما نصه: في ست عشرة سار عمر بن الخطاب إلى الجابية، وعقد لواءه يوم الخميس من صفر، ودفعه إلى عامر بن ربيعة .

    وزاذان يروي عن ابن مسعود وعائشة وطائفة، وعنه أبو صالح السمان وعمرو بن مرة ومحمد بن جحادة، وثقه ابن معين ، وزاذان روى هنا عن البراء بن عازب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح عن عامر بن محمد به، وقال عطاء بن أبي رباح : كل دابة والجن والإنس. وقال مجاهد : إذا أجدبت الأرض قال البهائم : هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.

    وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159]يعني: تلعنهم الملائكة والمؤمنون.

    وقد جاء في الحديث: (إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر)، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون واللاعنون أيضا، وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال أو الحال أن لو كان له عقل ويوم القيامة والله أعلم ].

    استثناء التائب من كلمات الحق من الوعيد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:160]أي: رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه، فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:160]، وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه ].

    وفيه أنه الكاتم من صحة توبته أن يبين ما كتمه، ولهذا قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:160] فلا بد أن يبين ما كتم، وهذا من تمام توبته، فيندم على ما مضى، ويعزم على ألا يعود، ويصلح عمله ويبين ما كتمه، ولهذا قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:160].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ورد أن الأمم السابقة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن: عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا [البقرة:161-162] أي: في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة، فهم في نار جهنم التي فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ [البقرة:86]فيها، أي: لا ينقص عما هم فيه: وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:86]أي: لا يغير عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك ].

    قوله: لا يفتر يعني: لا ينقص ولا يبدل، نسأل الله العافية.

    ذكر الخلاف في حكم لعن الكافر والفاسق والمعين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو العالية وقتادة : إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون.

    فصل: لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره.

    فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة:161].

    وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي ، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله عليه السلام في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده فقال رجل: لعنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)، فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن، والله أعلم ].

    هذه المسألة وهي لعن الكافر والفاسق كما ذكر الحافظ رحمه الله: أن لعن الكافر على العموم ولعن الفاسق على العموم لا خلاف في جوازه، وبأنه يجوز اللعن بوصف كقول: لعن الله اليهود، لعن الله النصارى، لعن الله الوثنيين؛ لأنك تلعن بالوصف، ومثله لعن الكفار بالعموم كأن تقول: لعن الله المنافقين، لعن الله الكفار، وكذلك لعن الفاسق بوصفه فيجوز ذلك، كما في الحديث: (لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده) ومثله: لعن الله الزاني، أو لعن الله شارب الخمر.

    وأما الكافر المعين والفاسق المعين فهناك قولان في لعن الكافر المعين، وهناك أيضاً قولان في لعن الفاسق المعين.

    فهناك من قال: إنه يلعن الكافر المعين، وبعضهم احتج بهذه الآية، فقال: إن الآية فيها لعن الكافر، واحتج أيضاً: بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على بعض الكفار بأعيانهم، وكان يقول: اللهم العن صفوان بن أمية، اللهم العن شيبة بن ربيعة وهلال بن ربيعة .

    قالوا: فهذا يدل على جواز لعن الكافر بعينه، وكذلك أيضاً في حديث الذي كان يشرب الخمر فقال: (لا تعلنوه فإنه يحب الله ورسوله) قالوا: والكافر لا يحب الله ورسوله فيجوز أن يلعن.

    ومن منع لعن الكافر المعين قال: إنه لا يدرى ما خاتمته، وقد يتوب الله عليه؛ ولأن الله نهى نبيه عن اللعن الخاص بعينه عندما قال له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128]، فدل على أنه لا يلعن.

    وأما بالنسبة للفاسق فمن منع لعنه بعينه استدل بحديث الرجل الذي كان يؤتى به ويجلد في الخمر، فلعنه بعض القوم وقال:لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) قالوا: وهذا دليل على أنه لا يلعن الفاسق بعينه.

    ومن أجاز لعنه استدل ببعض النصوص التي فيها اللعن كحديث: (لعن الله من وسم الدابة في وجهها) وأحاديث لعن الله السارق وشارب الخمر وغيرها، ولكن اللعن هنا عام وليس معيناً، فالصواب: أنه لا يلعن الكافر بعينه ولا يلعن الفاسق بعينه.

    لكن بعضهم قال: إن من اشتد أذاه من الكفرة فإنه يلعن بعينه، وإلا فالأصل أنه لا يعلن، فالصواب أنه لا يلعن الكافر بعينه؛ لأنه قد يتوب، ولأن الله تعالى اشترط في لعنه موته على الكفر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ [البقرة:161]، فلعنه لما مات على الكفر، وأما الكافر الذي لم يمت فلا يدرى حاله وقد يتوب الله عليه.

    فالمقصود أن الأرجح من القولين: أنه لا يلعن الكافر بعينه، ولا يلعن الفاسق بعينه.

    وأما لعن الشيطان فالأولى من اللعن الاستعاذة منه، مع أن الشيطان الرجيم قد لعنه الله، كما في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للشيطان: (ألعنك بلعنة الله)، ولكن الأحسن من اللعن هي الاستعاذة بالله منه.