إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [23-24]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن كلام الله تعالى المعجز في لفظه ومعناه، وقد جعله الله تعالى آية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأثبت ذلك بتحدي المشركين -في زمن الفصاحة والبلاغة- أن يأتوا بمثله، بل بسورة منه، وقد عجز البشر عن ذلك إلى زماننا هذا، وهذا الإعجاز كائن في صغار سوره وكبارها، وإذا كان المرء عاجزاً عن معارضة كلام الله تعالى فعليه أن يقي نفسه شر العناد، فعاقبة ذلك نار وقودها الناس والحجارة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ...)

    قال الله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطباً للكافرين: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23] يعني محمداً صلى الله عليه وسلم فأتوا بسورة من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك ].

    هذا في بيان مناسبة هذه الآية للتي قبلها؛ لأن الآية الأولى في إثبات وحدانيته وإلهيته واستحقاقه للعبادة، وهذه الآيات في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الآية فيها التحدي لقريش والعرب وهم الفصحاء والبلغاء الذين بلغوا شأواً بعيداً، تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، ثم تحداهم في هذه الآية أن يأتوا بسورة فعجزوا، فدل على أن ذلك من عند الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن عباس : (شهداءكم): أعوانكم، وقال السدي عن أبي مالك: شركاءكم. أي: قوماً آخرين يساعدونكم على ذلك، أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم.

    وقال مجاهد : (وادعوا شهداءكم) قال: ناس يشهدون به، يعني: حكام الفصحاء، وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن فقال في سورة القصص: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49] ، وقال في سورة سبحان: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وقال في سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [هود:13] ، وقال في سورة يونس: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:37-38] ، وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك -أيضاً- في المدينة، فقال في هذه الاية: (وإن كنتم في ريب) أي: شك (مما نزلنا على عبدنا) يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، (فأتوا بسورة من مثله) ].

    وفي هذه وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعبودية، وأخص أوصافه العبودية والرسالة عليه الصلاة والسلام؛ فإن الله تعالى وصفه بالعبودية في المقامات العظيمة، فوصفه بذلك في مقام التحدي، كما في هذه الآية، وفي مقام الإسراء، فقال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1]، وفي مقام الدعوة، فقال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19].

    فأشرف مقامات العبد العبودية، وأشرف مقامات الأنبياء العبودية والرسالة، والإنسان كلما حقق العبودية كان أقرب إلى الله عز وجل، وإذا ضعف في تحقيق العبودية بعد من الله عز وجل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ [فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] يعني: من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير الطبري والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن البصري وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئاً من العلوم، وبدليل قوله تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13] وقوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:88].

    وقال بعضهم: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: من رجل أمي مثله والصحيح: الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) ولن لنفي التأبيد في المستقبل، أي: ولن تفعلوا ذلك أبداً ].

    بيان ما تفيده (لن)

    (لن) تأتي لنفي التأبيد في بعض المواضع، وفي بعضها لا تفيد التأبيد، وقد استدل المعتزلة على نفي رؤية الله بـ(لن) في قول الله تعالى لموسى لما قال : رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] ، قال الله: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، قال المعتزلة: (لن) هنا لنفي التأبيد في المستقبل، والمعنى: أن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. ورد عليهم أهل السنة بأن هذا باطل، فـ(لن) هنا ليست لنفي التأبيد، والدليل على أنها ليست لنفي التأبيد أن الله تعالى أخبر أن اليهود لن يتمنوا الموت في الدنيا فقال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة:95] ثم أخبر أنهم تمنوه في الآخرة فقال: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، فدل على أنها لا تفيد دوام النفي في الآخرة، حتى ولو أكدت بالتأبيد، كما قال تعالى: (ولن يتمنوه أبداً) فأكد (لن) بالتأبيد، ومع ذلك تمنوه في الآخرة، فالقول بأنها للتأبيد دائماً قول ضعيف، ولهذا يقول ابن مالك في الألفية:

    ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا

    يعني: هذا قول ضعيف، وهو قول من رأى أن النفي بـ(لن) أنه يفيد التأبيد، فليست للتأبيد؛ لأنها لو كانت للتأبيد لما حدد الفعل بعدها، في مثل قول الله تعالى عن إخوة يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:80] فبقوله: (حتى) دل على أنه مؤقت، لكن الظاهر أنها قد تفيد التأبيد في بعض المواضع، كما في هذه الآية، وذلك بحسب القرائن والأدلة، وفي هذه الآية هي للتأبيد ولا شك فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24] أي: لا يستطيعون هذا أبداً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولن لنفي التأبيد في المستقبل، أي: ولن تفعلوا ذلك أبداً، وهذه -أيضاً- معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبراً جازماً قاطعاً مقدماً غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين ].

    يعني الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه بوحي من الله.

    القرآن الكريم كلام الله المعجز

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن؛ وأنى يتأتى ذلك لأحد والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين، ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنوناً ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواءً بسواء، وأمر بكل خير ونهى عن كل شر، كما قال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115] أي: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدىً ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئاً إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتاً أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته].

    الشيء الهذر: ما لا قيمة له، مثل الإنسان حينما يهذر، أي: يتكلم بشيء لا يفيد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلاً وإجمالاً ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرر حلا وعلا ].

    ولا شك في ذلك، فمثلاً: قصة ثمود قوم صالح ذكرها الله في مواضع مختصرة، كما في سورة: (والشمس وضحاها)، حيث قال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس:11-15]، فما أحلى سياق هذه القصة وما أبلغ وجازتها، وفي سور أخرى بسطها الله، وكذلك قصة موسى مع فرعون وقومه بسطها الله في مواضع، واختصرها في مواضع، كقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا [المزمل:15-16] فهي هنا مختصرة، وبسطها في مواضع أخرى، وهذا واضح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات ].

    كما قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان ].

    قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74] .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشوق إلى دار السلام ].

    كما قال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة:25].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] ، وقال: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، وقال في الترهيب: أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ [الإسراء:68] ، أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17]، وقال في الزجر: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت:40] ، وقال في الوعظ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207]، إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: (يا أيها الذين آمنوا ) فارعها سمعك؛ فإنها خير يؤمر به، أو شر ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، الآية، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم بشرت به، وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا، ورغبت في الأخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم، ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الايات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) لفظ مسلم ].

    يعني بذلك المعجزة العظيمة، وإلا فقد آتاه الله معجزات كثيرة، لكن أعظمها هذا القرآن، وإلا فقد آتاه الله معجزات كثيرة، منها نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وغير ذلك من الآيات الكثيرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله صلى الله عليه وسلم : (وإنما كان الذي أوتيته وحياً) أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة عند كثير من العلماء، والله أعلم، وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به مالا يدخل تحت الحصر، ولله الحمد والمنة، وذلك مثل التوراة والإنجيل، فليسا بمعجزين في لفظهما مثل القرآن.

    تقرير وجه الإعجاز القرآني

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة ].

    الصَرفة والصِرفة معناها أن الله صرفهم عن معارضة القرآن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقال: إن كان هذا القرآن معجزاً في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته فقد حصل المدعى، وهو المطلوب ].

    يعني تحديهم في الإتيان بمثل القرآن، فقد حصلت الدعوى، وهو أنهم لا يستطيعون أن يعارضوه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له كان ذلك دليلاً على أنه من عند الله؛ لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك ].

    وهذا معنى الصرف، يعني أنه صرفهم مع قدرتهم، لكن هذا ليس بصحيح، فالصواب أنه كان عندهم قدرة، لكن ما استطاعوا، لم يجدوا مساغاً ولم يجدوا طريقاً للمعارضة، ولم يجدوا فيه خللاً، ولم يجدوا فيه نقصاً حتى يعارضوه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية -لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا- إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق، وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار، كالعصر، وإِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] ].

    وقد يقال هنا: ما وجه بطلان أقوال مسيلمة؟

    والجواب: قول مسيلمة واضح بطلانه لكل أحد، حتى عند أتباعه، فإنهم قالوا له: نعلم أنك كذاب.

    بيان معنى قوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24]، أما الوقود -بفتح الواو- فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال تعالى: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15]، وقال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:98-99]، والمراد بالحجارة هاهنا: هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حراً إذا حميت أجارنا الله منها ].

    الوقود ما توقد به النار، نسأل الله السلامة والعافية، والله تعالى أخبرنا أن وقود نار جهنم الناس والحجارة، ولم يبين لنا ما هي هذه الحجارة، هل هي حجارة الكبريت أو غيرها؟ وهذا يحتاج إلى دليل، والمؤلف رحمه الله ذكر آثاراً، لكن ليس فيها حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قوله: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15] ، فالقاسطون: هم الظالمون، من (قَسَطَ) فهو قاسط، من الثلاثي، أما (المقسطون) فهي من (أقسط) من الرباعي، فهم العادلون، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين)، وفرق بين القاسط والمقسط، فالقاسط هو الظالم، يقال: قسط فهو قاسط، وأما (أقسط) فمتعدٍ بالهمزة، يقال: أقسط فهو مقسط، وهو العادل، والفرق بينهما أن هذا ثلاثي وهذا متعد.

    وفيه أن أهل النار يلقون في النار هم ومعبوداتهم من دون الله، كما قال سبحانه: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98]، فما عبد من دون الله يلقى في النار مع عابديه زيادة في تعذيبهم، فمن عبد الشمس يلقى في النار معها، وكذلك القمر، وكذلك الحجارة التي تعبد، إلا الأنبياء والصالحين فمن عبد من دون الله وهو لم يرض، فليس كذلك، ولهذا قال سبحانه بعد ذلك: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24] قال: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين. رواه ابن جرير -وهذا لفظه- وابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه وقال على شرط الشيخين ].

    ويحتمل أنه أخذه عن بني إسرائيل، وإن كان أخذ ابن مسعود رضي الله عنه عن بني إسرائيل قليلاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: (اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) أما الحجارة فهي من كبريت أسود يعذبون به مع النار.

    وقال مجاهد : حجارة من كبريت أنتن من الجيفة، وقال أبو جعفر محمد بن علي : حجارة من كبريت. وقال ابن جريج : حجارة من كبريت أسود في النار، وقال لي عمرو بن دينار : أصلب من هذه الحجارة وأعظم ].

    ولا شك في أنها عظيمة تليق بعظم جنهم، نسأل الله العافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقيل: المراد بها: حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله، كما قال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98] الآية، حكاه القرطبي والرازي، ورجحه على الأول ].

    لا شك في أن الحجارة التي تعبد من دون الله تكون في جهنم، كما قال الله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98]، لكن الحجارة التي هي وقود النار غير الحجارة التي تعبد من دون الله، فالحجارة التي تعبد من دون الله تجعل في جهنم مع عابديها زيادة في تعذيبهم، والحجارة الأخرى هي حجارة من وقود جهنم، نعوذ بالله، ونسأل الله العافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حكاه القرطبي والرازي ورجحه على الأول، قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى ].

    يعني الحجارة المعبودة من دون الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا الذي قاله ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم أخذ النار بهذه الحجارة أيضاً مشاهد، وهذا الجص يكون أحجاراً فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك، وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها، وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها وشدة ضرامتها وقوة لهبها، كما قال تعالى : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97] ] .

    ولا شك في أن الحجارة حجارة من وقود جهنم، وهي غير الحجارة المعبودة من دون الله، فالحجارة المعبودة من دون الله تلقى في النار مع من عبدها، كما تلقى الشمس والقمر وجميع المعبودات، كما قال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء:98]، لكن الأنبياء والصالحين ممن عبد من دون الله وهو يرفض مسنثنون، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها، قال: ليكون ذلك أشد عذاباً لأهلها، قال: وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مؤذٍ في النار)، وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف، ثم قال القرطبي : وقد فسر بمعنيين: أحدهما: أن كل من آذى الناس دخل النار، والآخر: أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك ].

    وعلى كل إذا كان الحديث غير محفوظ فلا حاجة للمعنيين، فالحديث ليس بصحيح، ولو كان محفوظاً فإنه يبحث عن تأويله، أما إذا كان ليس بصحيح وغير محفوظ فلا حاجة إلى تأويله.

    وقد ذكر الزمخشري والخطابي في ترجمة عثمان الأشج المعروف بـابن أبي الدنيا وابن عساكر في تاريخ دمشق: ذكر أنه سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال الخطيب : وعثمان عندي ليس بشيء، قال ابن حجر في اللسان: عثمان بن الخطاب أبو عمرو البلوي المغربي أبو الدنيا الأشج، ويقال: ابن أبي الدنيا، وقال: كذاب طرقي -يعني: من الطرقية الصوفية- حدث بعد الثلاثمائة وادعى السماع من علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    وعلى كل حال فـالأشج المعمر كذاب من باب رتن الدجال .

    فالحديث موضوع مكذوب، وإذا كان موضوعاً فلا حاجة إلى الاشتغال بتأويله، فقد قال رحمه الله: وله معنيان، إذاً: هذا التعليق من الحافظ، وعلى هذا فلا لوم على القرطبي لأنه ظن أن له أصلاً، فلذلك ذكر في تأويله معنيين.

    بيان معنى قوله تعالى: (أعدت للكافرين)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] الأظهر أن الضمير في (أعدت) عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان، و(أعدت) أي: رصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله، كما قال ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس : ( أعدت للكافرين ) أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.

    وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى : (أعدت) أي: أرصدت وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، منها: (تحاجت الجنة والنار) ومنها: (استأذنت النار ربها فقالت: رب! أكل بعضي بعضاً. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف)، وحديث ابن مسعود : (سمعنا وجبة فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها وهو عند مسلم) ].

    كل هذه الأدلة تدل على أن النار موجودة الآن، خلافاً للمعتزلة أهل البدع القائلين بأنها معدومة الآن، فالمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار معدومتان، ولا تخلقان إلا يوم القيامة، ويقولون: إن خلقهما الآن عبث، والعبث محال على الله. هكذا فهموا بعقولهم السخيفة يقولون: وجود الجنة والنار عبث، والعبث محال على الله، وإنما يخلقهما الله يوم القيامة، وهذا من أبطل الباطل، فالنصوص واضحة -كما ذكر المؤلف- أنهما مخلوقتان الآن، ثم من قال: إنهما معطلتان؟! ليستا معطلتين، فالجنة فيها الحور وفيها الولدان وفيها أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء، قال رسول الله صلى الله علي وسلم: (ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها) والنار ليست معطلة، ففيها أرواح الكفرة تعذب في النار، ويفتح للكافر باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، نعوذ بالله.

    ثم إن هناك أمراً أخر، وهو إعداد الجنة وإعداد النار، فإن إعداد الجنة للمؤمنين أسبق إلى النعيم، ويكون حادياً لهم، وإعداد النار للكفار أيضاً فيه زجر لهم وردع لهم، وفرق بين ما دلت عليه النصوص من أن النار معدة للكفار، والجنة مهيئة، وبين ما إذا قيل: إنهما تخلقان يوم القيامة ولا يكون الزجر والردع والتشويق مثلما إذا كانتا معدتين الآن ومهيأتين، لكن المعتزلة من أجهل الناس، ضرب الله على عقولهم، ويضربون بالنصوص عرض الحائط، نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى].

    حديث الإسراء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (دخلت الجنة ليلة الإسراء) فرأى كذا وكذا، واطلع على النار ورأى فيها الزناة يعذبون، ورأى فيها المرابي يعذب، ورأى فيها جماعة من العصاة، وهذا عذاب في البرزخ، وكذلك في الكسوف مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وتقدم الصفوف وأراد أن يأخذ عنقوداً دلي له، وتأخر فتأخرت الصفوف، وقال: إن النار مثلت له، وكل هذا يدل على أنهما موجودتان ومخلوقتان الآن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس ].

    1.   

    تنبيه ينبغي الوقوف عليه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ تنبيه ينبغي الوقوف عليه.

    قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] وقوله في سورة يونس : بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس:38] يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أم قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط، فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه ].

    هذه مسألة أصولية، وهي أن النكرة في سياق النفي أو الشرط تعم، ومن ذلك حديث: (لا تدع صورة إلا طمستها)، فـ(صورة) نكرة في سياق النهي تعم، وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي رضي الله عنه، فتشمل أي صورة مجسمة أو غير مجسمة، لها ظل أو ليس لها ظل، فتوغرافية كانت أو باليد أو بالرسم في الجدار أو في الورق، هذا هو مقتضى القاعدة الأصولية، ثم الطمس إنما يكون في الشيء الذي يكون في الورق، وفيه رد على من قال: إنها لا تحرم إلا الصورة التي لها ظل، وهي المجسمة، وكذلك قوله تعالى هنا: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] أي: سورة طويلة أو قصيرة، وفيه الرد على من قال: إنه لا يتحدى إلا بالسورة الطويلة، فهذه من فوائد المباحث الأصولية والقواعد الأصولية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا لا أعلم فيه نزاعاً بين الناس سلفاً وخلفاً، وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل: قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن، فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين، قلنا: فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً، فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه، والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، قال الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] ].

    وفي لفظ أنه قال: لو ما أنزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم يعني: هذه السورة فيها بيان صفات الرابحين وصفات الخاسرين، حيث قال تعالى: وَالْعَصْرِ [العصر:1] قسم من الله، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] والإنسان اللام فيه للجنس، أي: جنس الإنسان في خسر، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] و(الذين آمنوا) يعني: الذين وحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، (وعملوا الصالحات) أدوا الواجبات وانتهوا عن المحرمات، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3] أوصى بعضهم بعضاً بالحق والمعروف والخير.

    وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد:17] شملت الخير كله، فالتوحيد وعمل الصالحات يشتملان جميع أصول الدين وفروعه، فهي شاملة، ولهذا قال الشافعي : لوما أنزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم، وقامت بها الحجة عليهم.

    والرازي يقول: القصار يمكن الإتيان بمثلها. كما في تفسيره مفاتيح الغيب، وهذا ليس بصحيح، فـالرازي له أغلاط وله أخطاء، حتى قال بعضهم: إن كتابه مفاتيح الغيب في التفسير فيه كل شيء إلا التفسير، ففيه الطب، وفيه الفلك، وفيه الفلسفة، وفيه الجغرافيا، والزراعة، والتجارة، وكل شيء فيه إلا التفسير.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روينا عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2] ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها. فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر نقر ثم قال: كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب ].

    وكان هذا قبل أن يسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه.

    وقد ادعى النبوة مسيلمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتبعه بنو حنيفة وافتتنوا به فتنة عظيمة، حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم قاتلوهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فوقفوا مع مسيلمة وقفة شديدة، حتى قتل مجموعة كبيرة من القراء، وخاف الصحابة من ذهاب القراء، وجمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن، ثم بعد ذلك هزمه الله وقتله الله على يد الصحابة رضوان الله عليهم، وأسلم بنو حنيفة.