اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة [23-24] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


تفسير سورة البقرة [23-24] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
القرآن كلام الله تعالى المعجز في لفظه ومعناه، وقد جعله الله تعالى آية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأثبت ذلك بتحدي المشركين -في زمن الفصاحة والبلاغة- أن يأتوا بمثله، بل بسورة منه، وقد عجز البشر عن ذلك إلى زماننا هذا، وهذا الإعجاز كائن في صغار سوره وكبارها، وإذا كان المرء عاجزاً عن معارضة كلام الله تعالى فعليه أن يقي نفسه شر العناد، فعاقبة ذلك نار وقودها الناس والحجارة.
تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ...)
قال الله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24].قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطباً للكافرين: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23] يعني محمداً صلى الله عليه وسلم فأتوا بسورة من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك ].هذا في بيان مناسبة هذه الآية للتي قبلها؛ لأن الآية الأولى في إثبات وحدانيته وإلهيته واستحقاقه للعبادة، وهذه الآيات في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الآية فيها التحدي لقريش والعرب وهم الفصحاء والبلغاء الذين بلغوا شأواً بعيداً، تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، ثم تحداهم في هذه الآية أن يأتوا بسورة فعجزوا، فدل على أن ذلك من عند الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن عباس : (شهداءكم): أعوانكم، وقال السدي عن أبي مالك: شركاءكم. أي: قوماً آخرين يساعدونكم على ذلك، أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم. وقال مجاهد : (وادعوا شهداءكم) قال: ناس يشهدون به، يعني: حكام الفصحاء، وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن فقال في سورة القصص: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49] ، وقال في سورة سبحان: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وقال في سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [هود:13] ، وقال في سورة يونس: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:37-38] ، وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك -أيضاً- في المدينة، فقال في هذه الاية: (وإن كنتم في ريب) أي: شك (مما نزلنا على عبدنا) يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، (فأتوا بسورة من مثله) ].وفي هذه وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعبودية، وأخص أوصافه العبودية والرسالة عليه الصلاة والسلام؛ فإن الله تعالى وصفه بالعبودية في المقامات العظيمة، فوصفه بذلك في مقام التحدي، كما في هذه الآية، وفي مقام الإسراء، فقال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1]، وفي مقام الدعوة، فقال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19].فأشرف مقامات العبد العبودية، وأشرف مقامات الأنبياء العبودية والرسالة، والإنسان كلما حقق العبودية كان أقرب إلى الله عز وجل، وإذا ضعف في تحقيق العبودية بعد من الله عز وجل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ [فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] يعني: من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير الطبري والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن البصري وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئاً من العلوم، وبدليل قوله تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13] وقوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:88].وقال بعضهم: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: من رجل أمي مثله والصحيح: الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) ولن لنفي التأبيد في المستقبل، أي: ولن تفعلوا ذلك أبداً ].
 بيان معنى قوله تعالى: (أعدت للكافرين)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] الأظهر أن الضمير في (أعدت) عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان، و(أعدت) أي: رصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله، كما قال ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس : ( أعدت للكافرين ) أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى : (أعدت) أي: أرصدت وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، منها: (تحاجت الجنة والنار) ومنها: (استأذنت النار ربها فقالت: رب! أكل بعضي بعضاً. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف)، وحديث ابن مسعود : (سمعنا وجبة فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها وهو عند مسلم) ]. كل هذه الأدلة تدل على أن النار موجودة الآن، خلافاً للمعتزلة أهل البدع القائلين بأنها معدومة الآن، فالمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار معدومتان، ولا تخلقان إلا يوم القيامة، ويقولون: إن خلقهما الآن عبث، والعبث محال على الله. هكذا فهموا بعقولهم السخيفة يقولون: وجود الجنة والنار عبث، والعبث محال على الله، وإنما يخلقهما الله يوم القيامة، وهذا من أبطل الباطل، فالنصوص واضحة -كما ذكر المؤلف- أنهما مخلوقتان الآن، ثم من قال: إنهما معطلتان؟! ليستا معطلتين، فالجنة فيها الحور وفيها الولدان وفيها أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء، قال رسول الله صلى الله علي وسلم: (ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها) والنار ليست معطلة، ففيها أرواح الكفرة تعذب في النار، ويفتح للكافر باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، نعوذ بالله.ثم إن هناك أمراً أخر، وهو إعداد الجنة وإعداد النار، فإن إعداد الجنة للمؤمنين أسبق إلى النعيم، ويكون حادياً لهم، وإعداد النار للكفار أيضاً فيه زجر لهم وردع لهم، وفرق بين ما دلت عليه النصوص من أن النار معدة للكفار، والجنة مهيئة، وبين ما إذا قيل: إنهما تخلقان يوم القيامة ولا يكون الزجر والردع والتشويق مثلما إذا كانتا معدتين الآن ومهيأتين، لكن المعتزلة من أجهل الناس، ضرب الله على عقولهم، ويضربون بالنصوص عرض الحائط، نسأل الله السلامة والعافية.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى].حديث الإسراء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (دخلت الجنة ليلة الإسراء) فرأى كذا وكذا، واطلع على النار ورأى فيها الزناة يعذبون، ورأى فيها المرابي يعذب، ورأى فيها جماعة من العصاة، وهذا عذاب في البرزخ، وكذلك في الكسوف مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وتقدم الصفوف وأراد أن يأخذ عنقوداً دلي له، وتأخر فتأخرت الصفوف، وقال: إن النار مثلت له، وكل هذا يدل على أنهما موجودتان ومخلوقتان الآن.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس ].
تنبيه ينبغي الوقوف عليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ تنبيه ينبغي الوقوف عليه.قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] وقوله في سورة يونس : بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس:38] يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أم قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط، فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه ]. هذه مسألة أصولية، وهي أن النكرة في سياق النفي أو الشرط تعم، ومن ذلك حديث: (لا تدع صورة إلا طمستها)، فـ(صورة) نكرة في سياق النهي تعم، وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي رضي الله عنه، فتشمل أي صورة مجسمة أو غير مجسمة، لها ظل أو ليس لها ظل، فتوغرافية كانت أو باليد أو بالرسم في الجدار أو في الورق، هذا هو مقتضى القاعدة الأصولية، ثم الطمس إنما يكون في الشيء الذي يكون في الورق، وفيه رد على من قال: إنها لا تحرم إلا الصورة التي لها ظل، وهي المجسمة، وكذلك قوله تعالى هنا: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] أي: سورة طويلة أو قصيرة، وفيه الرد على من قال: إنه لا يتحدى إلا بالسورة الطويلة، فهذه من فوائد المباحث الأصولية والقواعد الأصولية.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا لا أعلم فيه نزاعاً بين الناس سلفاً وخلفاً، وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل: قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن، فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين، قلنا: فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً، فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه، والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، قال الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] ].وفي لفظ أنه قال: لو ما أنزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم يعني: هذه السورة فيها بيان صفات الرابحين وصفات الخاسرين، حيث قال تعالى: وَالْعَصْرِ [العصر:1] قسم من الله، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] والإنسان اللام فيه للجنس، أي: جنس الإنسان في خسر، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] و(الذين آمنوا) يعني: الذين وحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، (وعملوا الصالحات) أدوا الواجبات وانتهوا عن المحرمات، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3] أوصى بعضهم بعضاً بالحق والمعروف والخير. وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد:17] شملت الخير كله، فالتوحيد وعمل الصالحات يشتملان جميع أصول الدين وفروعه، فهي شاملة، ولهذا قال الشافعي : لوما أنزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم، وقامت بها الحجة عليهم.والرازي يقول: القصار يمكن الإتيان بمثلها. كما في تفسيره مفاتيح الغيب، وهذا ليس بصحيح، فـالرازي له أغلاط وله أخطاء، حتى قال بعضهم: إن كتابه مفاتيح الغيب في التفسير فيه كل شيء إلا التفسير، ففيه الطب، وفيه الفلك، وفيه الفلسفة، وفيه الجغرافيا، والزراعة، والتجارة، وكل شيء فيه إلا التفسير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روينا عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2] ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها. فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر نقر ثم قال: كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب ].وكان هذا قبل أن يسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه.وقد ادعى النبوة مسيلمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتبعه بنو حنيفة وافتتنوا به فتنة عظيمة، حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم قاتلوهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فوقفوا مع مسيلمة وقفة شديدة، حتى قتل مجموعة كبيرة من القراء، وخاف الصحابة من ذهاب القراء، وجمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن، ثم بعد ذلك هزمه الله وقتله الله على يد الصحابة رضوان الله عليهم، وأسلم بنو حنيفة.
 بيان معنى قوله تعالى: (أعدت للكافرين)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] الأظهر أن الضمير في (أعدت) عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان، و(أعدت) أي: رصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله، كما قال ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس : ( أعدت للكافرين ) أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى : (أعدت) أي: أرصدت وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، منها: (تحاجت الجنة والنار) ومنها: (استأذنت النار ربها فقالت: رب! أكل بعضي بعضاً. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف)، وحديث ابن مسعود : (سمعنا وجبة فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها وهو عند مسلم) ]. كل هذه الأدلة تدل على أن النار موجودة الآن، خلافاً للمعتزلة أهل البدع القائلين بأنها معدومة الآن، فالمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار معدومتان، ولا تخلقان إلا يوم القيامة، ويقولون: إن خلقهما الآن عبث، والعبث محال على الله. هكذا فهموا بعقولهم السخيفة يقولون: وجود الجنة والنار عبث، والعبث محال على الله، وإنما يخلقهما الله يوم القيامة، وهذا من أبطل الباطل، فالنصوص واضحة -كما ذكر المؤلف- أنهما مخلوقتان الآن، ثم من قال: إنهما معطلتان؟! ليستا معطلتين، فالجنة فيها الحور وفيها الولدان وفيها أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء، قال رسول الله صلى الله علي وسلم: (ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها) والنار ليست معطلة، ففيها أرواح الكفرة تعذب في النار، ويفتح للكافر باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، نعوذ بالله.ثم إن هناك أمراً أخر، وهو إعداد الجنة وإعداد النار، فإن إعداد الجنة للمؤمنين أسبق إلى النعيم، ويكون حادياً لهم، وإعداد النار للكفار أيضاً فيه زجر لهم وردع لهم، وفرق بين ما دلت عليه النصوص من أن النار معدة للكفار، والجنة مهيئة، وبين ما إذا قيل: إنهما تخلقان يوم القيامة ولا يكون الزجر والردع والتشويق مثلما إذا كانتا معدتين الآن ومهيأتين، لكن المعتزلة من أجهل الناس، ضرب الله على عقولهم، ويضربون بالنصوص عرض الحائط، نسأل الله السلامة والعافية.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى].حديث الإسراء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (دخلت الجنة ليلة الإسراء) فرأى كذا وكذا، واطلع على النار ورأى فيها الزناة يعذبون، ورأى فيها المرابي يعذب، ورأى فيها جماعة من العصاة، وهذا عذاب في البرزخ، وكذلك في الكسوف مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وتقدم الصفوف وأراد أن يأخذ عنقوداً دلي له، وتأخر فتأخرت الصفوف، وقال: إن النار مثلت له، وكل هذا يدل على أنهما موجودتان ومخلوقتان الآن.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس ].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة البقرة [23-24] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net