إسلام ويب

تفسير سورة البقرة الآية [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تتنوع في القرآن الكريم أساليب الإعجاز والتحدي؛ للدلالة على كونه من عند الله تعالى ليكون رسالة وتشريعاً، ومن دلائل ذلك الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن الكريم، ومنها أوائل سورة البقرة، وميدان الكلام فيها هو في بيان معناها من جهة، وبيان حكمتها من جهة أخرى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم)

    القول باستئثار الله تعالى بعلمها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بسم الله الرحمن الرحيم: الم [البقرة:1].

    قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه. فردوا علمها إلى الله ولم يفسروها، حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم ابن حبان ].

    الصحيح (الربيع بن خثيم) بالتصغير وتقديم الثاء على الياء.

    القول بأن الحروف المقطعة أسماء للسور

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر ونقله عن سيبويه أنه نص عليه، ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم [السجدة:1] وهَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ [الإنسان:1]).

    وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : (ألم) و(حم) و(المص) و(ص) فواتح افتتح الله بها القرآن. وكذا قال غيره عن مجاهد، وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال: (الم) اسم من أسماء القرآن. وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم ، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن؛ فإنه يبعد أن يكون (المص) اسماً للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت (المص) إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن، والله أعلم.

    القول بأن (الم) اسم من أسماء الله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، فقال الشعبي : فواتح السور من أسماء الله تعالى. وكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (الم) اسم من أسماء الله الأعظم.

    وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ].

    حديث ابن عباس هذا منقطع، والصواب في المسألة القول الأول، وهو أن الله تعالى أعلم بمعناها، فهذه الحروف في أوائل السور لم يأت نص يعتمد عليه أو بأنها من أسماء السور، أو من أسماء الله.

    وأما الحكمة من إيرادها فسينقل المؤلف رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية وعن المزي أن الحكمة في الإتيان بها في أوائل السور بيان إعجاز القرآن، وأن القرآن نزل بلغة العرب المكونة من الحروف الهجائية الثمانية والعشرين، ومع ذلك تحدى الله البشر أن يأتوا بمثله وبعشر سور وبسورة فعجزوا.

    ولذلك فإن أكثر السور المفتتحة بهذه الحروف يأتي بعدها بيان القرآن وإعجازه، كقوله تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، وقوله تعالى: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران:1-3]، وقوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1]، وقوله تعالى: المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ [الأعراف:1-2].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال: سألت السدي عن (حم) و(طس) و(الم) فقال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي اسم الله الأعظم ].

    هذا الأثر منقطع، وبندار لقب لـمحمد بن بشار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جرير : وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله ، فذكر نحوه، وحكى مثله عن علي وابن عباس ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.

    وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال : (الم ) قسم. ورويا -أيضاً- من حديث شريك بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما: (الم) قال: أنا الله أعلم. وكذا قال سعيد بن جبير ، وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (الم) قال : أما (الم) فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

    وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ( الم ) قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفاً دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب فقال: أعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؟! فالألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، الألف به سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة. هذا لفظ ابن أبي حاتم.

    توجيه ابن جرير لما قيل في (الم) وتعقب ابن كثير

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونحوه رواه ابن جرير ، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته، كما افتتح سوراً كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه، قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك، كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية ؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معانٍ كثيرة، كلفظة الأمة، فإنها تطلق ويراد بها الدين، كقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22]، وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله، كقوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، وتطلق ويراد بها الجماعة، كقوله تعالى: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36]، وتطلق ويراد بها الحين من الدهر، كقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] أي: بعد حين على أصح القولين، قال: فكذلك هذا. هذا حاصل كلامه موجهاً ].

    هذا كلام ابن جرير رحمه الله، وهو أنه لا مانع من أن تكون هذه الحروف المقطعة من أسماء الله ومن أسماء السور، مثل لفظ (الأمة) يأتي لمعان متعددة، إلا أن هناك فرقاً بين المسألتين، وذلك أن لفظ الأمة لا يدل على هذه المعاني في وقت واحد، بل يدل على واحد منها بحسب السياق، فتأتي في سياق بمعنى الجماعة، وتأتي في سياق بمعنى الدين، وهكذا.

    أما هذا التوجيه الذي وجهه ابن جرير فمعناه أن هذه الحروف هي أسماء للسور، وهي في نفس الوقت أسماء لله، وهي في نفس الوقت تفيد المدد والآجال، فالتنظير ليس مماثلاً، كما تعقب الحافظ رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية ، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معاً، ولفظة (الأمة) وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الإصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم.

    ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف، والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به، وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف، بخلاف هذا، كما قال الشاعر:

    قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف

    تعني: وقفت ].

    قوله: [فقالت قاف]، أي: قالت: وقفت. فاختصر الكلمة واكتفى بذكر الحرف لدلالة ما قبله عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الآخر:

    ما للظليم عال كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا يا

    فقال ابن جرير : كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من (يفعل).

    وقال الآخر:

    بالخير خيرات وإن شراً فا ولا أريد الشر إلا أن تا

    يقول: وإن شراً فشرا، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، أي أنه حذف بقية الكلمة واكتفى بالحرف الأول. ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله اعلم ].

    فحمل الحرف الواحد على معانٍ متعددة مثل (الم) في نفس السياق يحتاج إلى دليل كما ذكرنا، مع أن هذه الأقوال كلها ليس عليها دليل، فالصواب هو القول الأول، وهو أنه لا يعلم معانيها إلا الله عز وجل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال القرطبي : وفي الحديث: (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة) الحديث، قال سفيان : هو أن يقول في اقتل: (اق)، وقال خصيف عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها (ق) و(ص) و(حم) و(طسم) و(الر) وغير ذلك هجاء موضوع. وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفاً، كما يقول القائل: ابني يكتب في (أ ب ت ث)، أي: في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها، حكاه ابن جرير.

    الحروف المقطعة واشتمالها على أنصاف أجناس الحروف

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفاً، وهي: (أ، ل، م، ص، ر، ك، هـ، ي، ع، ط، س، ح، ق، ن) يجمعها قولك: (نص حكيم قاطع له سر)، وهي نصف الحروف عدداً، والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف.

    قال الزمخشري : وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف، يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة، وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ].

    وهذه المعاني معروفة عند أهل التجويد الذين يقسمون الحروف إلى: مطبقة ومفتوحة، ومستعلية ومستفلة، ومجهورة ومهموسة، ومقلقلة، وحروف القلقلة مجموعة في قولك: (قطب جد)، فتقول: (حميد مجيد) بقلقلة الدال عندما تقف عليها، ولا تقل: (حميد مجيد) بغير قلقلة، بل لابد من قلقلتها، وكذلك قوله تعالى: (لأولي الألباب) أما ما سواها من الأحرف فلا تقلقل، وأما الحروف الخمسة فتقلقل استحباباً.

    وفي نسخة مكان أصناف (أنصاف) ومعناها: أن نصف حروف الهجاء أربعة عشر حرفاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى عن الزمخشري: [ وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله، ومن ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاماً فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثاً ولا سدى، ومن قال من الجهلة: إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيراً ].

    جاء في نسخة (لحظ) بدل (لخص) ولعلها أقرب، يعني: لحظ هذا الملحظ.

    قال: [ فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7] ].

    والصواب أن لها معنى، لكن الله أعلم به، فإن صح به الخبر قلنا به، وإن لم يصح فلا، ولهذا لم يأت نص في تفسير هذه الحروف، فنقول: الله أعلم بمعناها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين، هذا مقام.

    المقام الآخر: في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف ].

    أي: أن المقام الأول في بيان معناها، والصواب أن معناها لا يعلم، بل يوكل إلى الله عز وجل.

    والمقام الثاني: في بيان حكمة إيرادها في أوائل السور، والحكمة من إيرادها في أوائل السور -كما ينقل المؤلف رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية والمزي: بيان إعجاز القرآن، وأن القرآن معجز، مع أن القرآن نزل بلغة العرب بالحروف الهجائية الثمانية والعشرين، ومع ذلك عجزوا عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة، ولهذا يأتي بعد الحروف المقطعة الانتصار للقرآن في كل سورة والتنويه به وبيان إعجازه، كما قال تعالى: الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ [إبراهيم:1]، والمعتزلة يقولون: الإنزال لا ينافي الخلق، فبعض الأشياء مخلوقة وهي منزلة، مثل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد:25] فالحديد منزل وهو مخلوق، ومثله نزول المطر، لكن العلماء بينوا الفرق بين الإنزالين، فقوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد:25] الإنزال فيه مطلق، وأما إنزال المطر فهو إنزال مقيد بأنه من السماء، وأما القرآن فهو منزل من عند الله، كما في قوله: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:13]، وقوله تعالى: مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام:114]، وقوله: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:1].

    فالحاصل أن المعتزلة يقولون: إن جاء في القرآن أنه منزل فلا ينفي ذلك أنه مخلوق، فهو مخلوق ومنزل، كما أن الحديد مخلوق ومنزل، والمطر مخلوق ومنزل, والأنعام مخلوقة ومنزلة، فهذه شبهة للمعتزلة، لكن أجاب عنها أهل السنة ببيان الفرق بين إنزال القرآن وإنزال هذه الأشياء.

    حكمة إيراد الحروف المقطعة في أوائل السور

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ المقام الآخر: في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها ].

    المقصود: أن معناها لا نعلمه، لكن ما الحكمة في إيرادها؟ فهذا مقام غير المقام الأول، فالمقام الأول مقام المعنى، وأسلم الأقوال وأصحها أن الله أعلم بمعناها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، حكاه ابن جرير، وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة ].

    أي أن الفصل معروف في السورة، حيث تنتهي وتبدأ السورة الأخرى بالبسملة، ما عدا سورة براءة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين؛ إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه، حكاه ابن جرير أيضاً، وهو ضعيف أيضاً؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور، لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك -أيضاً- لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، ثم إن هذه السورة والتي تليها -أعني البقرة وآل عمران- مدنيتان ليستا خطاباً للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

    وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية ].

    الصواب أن الحكمة من إيرادها بيان إعجاز القرآن، وأن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف الهجائية؛ لأنه نزل بلغة العرب المكونة من ثمانية وعشرين حرفاً، ومع ذلك فقد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، وهو من هذه الحروف الهجائية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الزمخشري : ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن. قال: وجاء منها على حرف واحد كقوله: (ص، ن، ق)، وحرفين مثل: (حم)، وثلاثة مثل: (الم)، وأربعة مثل: (المر)، و(المص)، وخمسة مثل: (كهيعص، وحم عسق)؛ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.

    قلت: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن ].

    هذا من الحافظ تأييد لما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية وعدد من العلماء، فهو يؤيد كونها لبيان إعجاز القرآن؛ لأن كل سورة افتتحت بهذه الحروف يأتي بعدها الانتصار للقرآن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا كل سورة اقتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران:1-3]، المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف:1-2]، الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم:1]، الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة:1-2]، حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:1-2]، حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى:1-3]، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم ].

    وهذا التأييد للترجيح، فإن قيل: قوله تعالى: كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:1-3] لم نر فيه انتصاراً للقرآن وبيان إعجازه بعد الحروف المقطعة!

    قلنا: إن فيه تلويحاً بذكر القرآن، حيث قال: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم:2] يعني: في هذا القرآن. والنص غير صريح على القرآن، لكن الله تعالى ذكر القصة في هذا القرآن، وهي قصة واقعة ومعروفة، ويتكلم بها الإنسان بأسلوبه، ومع ذلك يأتي القرآن بذكر القصة، والبشر لا يستطيعون أن يأتوا بمثل كلام الله حينما قص علينا هذه القصص.

    بطلان دعوى دلالة الحروف المقطعة على الآجال والحوادث والفتن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره ].

    صدق رحمه الله، فما هي علاقة المدد بالحروف حتى يجعل كل حرف يفيد كذا، فالألف كذا، واللام ثلاثين والميم أربعين؟!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد! ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:1-2]؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى. فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: نعم. قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟! ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم. قال: ماذاك؟ قال: المص [الأعراف:1]، قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة هل مع هذا -يا محمد- غيره؟! قال: نعم. قال: ما ذاك؟ قال: المر [الرعد:1]، قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

    فهل مع هذا -يا محمد- غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: المر [الرعد:1]، قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك -يا محمد- حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً؟! ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7]). فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ].

    لأنه كذاب، والحديث باطل.

    والمذكور في هذا الحديث هو ما كان يحسب به العدد من الحروف، حيث كانوا يجعلون كل حرف مثل رحماً عددياً معيناً، ولهذا يقال في تاريخ وفاة الشافعي : (در)، فالدال أربعة، والراء مائتان، فتكون وفاته في عام مائتين وأربعة.

    وذكر العلماء وفاة الأئمة الأربعة بالطريقة الأبجدية، فقالوا: للشافعي (در)، و(رام) لـابن حنبل، و(طعق) لـمالك، و(قان) لـأبي حنيفة، ومعلوم أن هذه الأحرف تربط بها الوفيات، فإذا حفظت هذا البيت عرفت وفاة الأئمة الأربعة:

    فنعمان (قان) و(طعق) لمالك وللشافعي (در) و(رام) لابن حنبل

    ونعمان هو أبو حنيفة، فالقاف في (قان) بمائة، والألف بواحد، والنون بخمسين، فهو توفي سنه مائة وخمسين.

    و(طعق) لـمالك حيث توفي سنة مائة وست وسبعين.

    و للشافعي (در) و(رام) لـابن حنبل ، فهذه تضبط بها الوفيات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحاً أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها ].

    فمقتضى هذا أن كل الحروف الأربعة عشر تحسب على هذه الطريقة، فكل حرف له مدة، فتزيد المدد فتكون مدداً كثيرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم، والله أعلم ].

    فأقول: هذا كلام لا وجه له، ورجم بالغيب ليس له مستند إلا هذا الحديث الباطل.

    وهناك كتاب لشخص خرافي ذكر فيه أن علامات الساعة الكبرى تبدأ تقريباً عام 1425هـ، وهذا من خرافاته، فإن علم الساعة وعلاماتها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187]، ولما سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ قال: أخبرني عن أماراتها).

    ومن بطلان هذا القول أن أشراط الساعة الكبرى ما ظهرت بعد.

    1.   

    الأسئلة

    زمن نزول المسيح عليه السلام

    السؤال: هل نزول المسيح عليه السلام سيكون عام 2000م كما زعمت اليهود والنصارى؟

    الجواب: هذا باطل -والله أعلم-؛ لأن نزول المسيح عليه السلام إنما يكون بعد الدجال وبعد خروج المهدي الذي هو أول علامات الساعة الكبرى، وهو رجل من آل البيت من سلالة فاطمة وعلي رضي الله عنهما، يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في اسمه، وكنيته أبو عبد الله، يملك الأرض، ويبايع له في آخر الزمان في وقت ليس للناس فيه إمام، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، في وقت تحصل للناس فيه الفتن في الشام، وتحصل حروب طاحنة بين النصارى والمسلمين، ويخرج له جيش من أهل المدينة، يقتل الثلث، ويهزم الثلث، وينتصر الثلث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم) وظاهره أنهم يقاتلون على الخيل.

    وجاء في الحديث أنها تحصل هدنة بين المسلمين والنصارى، فيغدر النصارى ويأتون بجيش عظيم في ثمانين راية، تحت كل راية ثمانون ألفاً، وهذا ثابت في صحيح مسلم، وبعضه في الصحيحين.

    ثم تفتح القسطنطينية في زمن المهدي ، ويعلق الناس سيوفهم بالزيتون، ثم بعد ذلك يصيح الشيطان أن الدجال قد خرج، وهذه هي العلامة الثانية من علامات الساعة الكبرى.

    ثم العلامة الثالثة: نزول عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ثم العلامة الرابعة: خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى، فينحاز الناس إلى جبل الطور، فيوحي الله إلى عيسى أن: حرز عبادي إلى جبل الطور ثم يهلكهم الله في ليلة واحدة، فهذه أربع علامات متوالية ومرتبة: المهدي ، ثم الدجال، ثم عيسى، ثم يأجوج ومأجوج، ثم تتبعها بقية الأشراط، والله أعلم بترتيبها، لكن آخرها طلوع الشمس من مغربها وما يسبقها من علامات كخروج الدابة، وهدم الكعبة -والعياذ بالله-، ونزع القرآن من الصدور والمصاحف، والدخان الذي يملأ الأرض، ثم آخرها نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، وتأتي الريح الطيبة فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، ثم تقوم الساعة على الكفرة.

    والمهدي وردت فيه أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها موضوع، لكن وردت فيه أحاديث ثابتة في غير الصحيحين.