إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [1]

شرح رياض الصالحين - فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • زين الله تعالى الحياة الدنيا في أعين الخلق وحببها إلى نفوسهم؛ ليبتليهم بها فيعلم شكر الغني وصبر الفقير، وقد حذر الله عباده من الاغترار والركون إليها ونسيان الآخرة، وقد تنوعت نصوص الكتاب والسنة في التحذير منها بضرب الأمثلة وبيان العاقبة وذكر الحقيقة الدنيوية؛ ليستقل العباد منها وليستكثروا من زاد الآخرة.

    1.   

    الزهد في الدنيا وما جاء فيه

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر.

    قال الله تعالى إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24].

    عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافقوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: أبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) متفق عليه ].

    هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي رحمه الله فضل الزهد في الدنيا، ويذكر الحث على التقلل منها وفضل الفقر.

    والزهد في الدنيا هو أن يكون الإنسان متقللاً من الدنيا، فيأخذ من الدنيا حاجته، ولا يطمع فيها؛ ولا يكثر من الدنيا، وإن جاءه من الدنيا الكثير عمل فيه برضا الله سبحانه تبارك وتعالى، ولكنه يقلل الطمع فيها، فلا يكون طماعاً كلما جاءه شيء طلب المزيد من الدنيا مستكثراً بها.

    جاء في الزهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالزهد فيما بأيدي الناس فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).

    فإذا كنت تريد حب الله وحب الناس فازهد في الدنيا يحبك الله؛ لأن معاصي الإنسان وشهواته وشبهاته تكون نتيجة للطمع في هذه الدنيا، بحيث يشتهيها فيطلب ما فيها من حلال، فإن عدم وسيلة في نظره من الحلال لجأ إلى الحرام، فأخذ الدنيا بطمع فيها، فإذا قطع الأمل عن الدنيا وقطع الطمع فيها وزهد فيها أحبه الله سبحانه، وقد وتأتيه الدنيا وهي كارهة، فالمهم أن يرضي ربه سبحانه وتعالى.

    والإنسان إذا أراد محبة الناس فعليه أن ينظر في الذي يجلب عداوة الناس، والذي يجلب عداوة الناس أن تطلب ما عندهم، فالإنسان يغضب حين تطلب منه، والله يرضى حين تطلب منه، فاطلب من الله عز وجل، ولا تكن طالباً لما في أيدي الناس، واجعل لك قاعدة في حياتك، وهو أنك لا تسأل أحداً شيئاً طالما كنت قادراً على عمله بنفسك، فلا تطلب من أحد شيئاً.

    وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن يزهدوا في الدنيا وأن يزهدوا فيما في أيدي الناس، فهذا حكيم بن حزام طلب من النبي صلى الله عليه وسلم مالاً فأعطاه، ثم طلب فأعطاه، ثم نصحه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع ....) فلما سمع النصيحة أقسم للنبي صلى الله عليه وسلم على أنه لا يرزأ أحداً بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا شيئاً، أي أنه لا يطلب من أحد من هذه الدنيا شيئاً.

    فكان أبو بكر رضي الله عنه يأتيه المال فيعطي الناس ويعطي حكيماً فيرفض أن يأخذه، وجاء عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر رضي الله عنهما، فأراد أن يعطيه نصيبه من المال فرفضه، وقال: إنه أقسم ألا يرزأ أحد شيئاً. ورفض أن يأخذ ماله، فكان عمر يشهد الناس على حكيم بن حزام لكونه لا يأخذ المال الذي هو من حقه.

    فالغرض أن الإنسان إذا زهد في الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة، ولكن الإنسان قد يسأل لخوفه أن يفتقر، أو لخوفه أن يضيع منه المال، أو لخوفه أن تضيع منه الفرصة، أما إذا علم أن الله عز وجل هو الرزاق، وأن خزائنه لا تنفد أبداً فإنه يكتفي بما أعطاه الله، ولا يتشوف إلى ما في أيدي الناس، والذي يسأل الناس تكثرا كالذي يأكل ولا يشبع، فكلما طلب ازداد نهماً وحرصاً على الدنيا، فازداد بعداً عن الله سبحانه وعن حب الناس، فازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس.

    1.   

    حقيقة الحياة الدنيا في القرآن

    حقيقتها في قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء...)

    بدأ الإمام النووي هذا الباب بقول الله سبحانه وتعالى إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ [يونس:24].

    وهذا تشبيه من ربنا سبحانه وتعالى لهذه الدنيا بهذا المثال المركب الذي ننظر إليه، فالماء يأتي الناس وهم في قحط، فتنبت الأرض نباتها، وتخرج ما فيها من ثمار وما فيها من جنات وما فيها من زروع وغير ذلك، فإذا أنبتت الأرض فرح الناس بهذا النبات الذي خرج لهم فأخذوه مستكثرين منها، كما قال تعالى: كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ [يونس:24].

    ثم قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا [يونس:24]، وامتلأت بالثمار وبالزروع، بحيث يكون فيها الجنات والبساتين، وصارت الأموال في أيدي الناس، وتزخرفت الدنيا لهم وازينت، وظنوا أنهم قادرون عليها، أي: يطغى الواحد منهم، ويرى أنه قادر على هذه الدنيا؛ لأنها أتته، ولم يعلم أن الذي آتاه قادر على أن يحرمه سبحانه وتعالى، وقد يعلم ذلك ولكنه يتغافل.

    يقول الله سبحانه: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24].

    قوله تعالى: (ليلاً) أي: جزءاً من الليل.

    (أو نهاراً): جزءاً من النهار.

    (جعلناها حصيداً) أي: حصدناها وأهلكناها وتبرنا ما فوقها، فوجد الإنسان الذي كان ينظر إلى الزروع والثمار والأموال والأشجار وكان يرى أنه قادر على ذلك، وجد كل ذلك قد ضاع فجأة، حيث أتاها أمر الله لحظة بالليل أو بالنهار فصارت كالزرع المحصود، بمعنى أن النخيل خلت من الثمار، وأن الأرض خلت من الأزهار، وخلت من الحبوب ومن غيرها، ذهب هذا كله، وأحرقه الله سبحانه وأهلكه، فإذا بصاحبه يندم على ذلك.

    وقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24] أي: كأن لم تكن ممتلئة ثماراً بالأمس، وكأن لم تكن فيها كثرة من ذلك.

    ثم قال تعالى: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24]، أي: مثل هذا التفصيل الذي فصلنا نفصل الآيات لقوم يتفكرون، فالإنسان العاقل الذي يتفكر في هذه الدنيا يقول: ما الذي فضلني على غيري فأعطيت هذه الدنيا؟

    والجواب: لا فضل لك في هذه الشيء، فالله يعطي إنساناً ويحرم إنساناً، أعطى هذا لا لفضله، وحرم هذا لا لبعده عن الله عز وجل، ولكن لحكمة من الله سبحانه، فالذي تأتيه الدنيا عليه أن يحمد الله سبحانه وتعالى، والذي لم تأته الدنيا عليه أن يحمد ربه سبحانه، ولينظر في الحكمة، فلعله لو أعطاه منها أهلكه بطغيانه، فيحمد ربه على ما هو فيه من نعمة.

    حقيقتها في قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء...)

    وقال الله سبحانه: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45].

    فالمثال هو نفسه؛ ماء نزل من السماء اختلطت به هذه الأرض فأخرجت محصولها وأخرجت ثمارها وأشجارها، وفجأة أصبح ذلك هشيماً تذروه الرياح، فهذا النبات يبس، وبعد ذلك تغير وأصبح هشيماً تطيره الرياح، وكذلك الحياة الدنيا سرعان ما تقبل وسرعان ما تدبر.

    والإنسان لا يستشعر ذلك في وقت بهجة الدنيا، فعند بهجة الدنيا يحس أنه سيعيش كثيراً، ويحس أن المجد فيه، وأنه لا ينفد، وأنه قادر، ولكن في وقت فوت هذا كله يتذكر الإنسان فيرى أن الدنيا منام لم ير فيه سوى الأحلام، وتمر الدنيا كمرور المنام على الإنسان، ومهما طالت فإنه عند الموت يستقل الإنسان هذه الدنيا، ويقول: يا ليتني عملت أفضل مما فعلت.

    وقوله تعالى: فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف:45] أي: مهشماً مكسراً يابساً تفرقه الرياح وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45].

    ثم قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46] ، فتزين بذلك في الحياة الدنيا، ولير ربك عليك أثر نعمته، ولكن لا تطغ بهذه الدنيا، فالباقيات الصالحات خير ما يبقى لك من عمل، وهي خير مما أخذته وأنفقته في هذه الدنيا، ولذلك قال سبحانه: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46] يعني الباقيات الصالحات.

    حقيقتها في قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة...)

    وقال سبحانه وتعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد:20].

    فنحن نكد في الدنيا ونتعب ونعمل، وربنا سبحانه وتعالى يذكر لنا النتيجة، فيقول تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد:20] هذه هي الدنيا.

    فأنت تجمع المال وتتعب من أجل أن يبقى معك المال، وبهذا المال تتزوج، فيصير لك أولاد تفتخر بهم لأنهم يشرفونك في الدنيا، وبهذا المال تأكل الطيبات، وتأخذ من المشتهيات، فالنتيجة هي أني أتعب من أجل أن أحصل الدنيا، وأحصل فيها على اللعب واللهو والزينة، ويبقى عندي ما أفتخر به على غيري، فأتكاثر بالمال قائلاً: مالي أكثر من مال فلان. وكذلك في الأولاد.

    فمثل هذا كمثل غيث أعجب الكفار نباته، فالذي تعجبه الدنيا ويركن إليها هو الكافر، وكلمة (كافر) تطلق على غير المؤمن، وتطلق على الزارع الذي يضع البذرة في الأرض وبعد ذلك يكفرها ويغطيها، وكأن المقصود هنا الاثنان: الكافر حقيقة أعجبته الدنيا، والكافر الزارع أعجبته الثمرة التي طلعت من الأرض.

    ففي هذا الوصف جمع الله تعالى لنا الاثنين فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا [الحديد:20] فهذا النبات إذا استوى فإنه في النهاية لن يبقى فترة أطول من ذلك في الأرض، بل سيأتي عليه اليبس، فيصفر ثم يكون حطاماً، وكذلك هذه الدنيا جمعها الكافر من حلال ومن حرام، وانتفع بها، واستفاد منها، وطمع فيها، ولم تنفعه يوم القيامة، فكانت الدنيا عليه وبالاً يوم القيامة؛ لأنه لم يؤمن بالله، ولم يعرف حق الله فيها.

    قال تعالى: وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] أي: في الآخرة العذاب الشديد لمن كفر وجحد نعم الله، ولمن عصى الله وفجر في الدنيا، ولمن طغى واستكبر، والمغفرة والرضوان لمن تاب إلى الله وأناب، ولمن عرف حق الله سبحانه فأعطاه، ولمن عرف حق الناس فأخرج لهم حقهم الذي أمره به الله سبحانه.

    1.   

    حقيقة الدنيا من السنة النبوية

    حديث عمرو بن عوف في الزهد في الدنيا

    ومن الأحاديث التي جاءت في الزهد في الدنيا حديث في الصحيحين عن عمرو بن عوف الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين ليأتي بالجزية، وهي مال يقسم على المسلمين كما ذكره الله عز وجل في كتابه في قوله: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر:7] فيقسم أخماساً.

    فالصحابة الذين كان لهم نصيب في ذلك المال قدموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، ووافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه كان قبل ذلك منهم من يصلي معه، ومنهم من يكون في عوالي المدينة فيصلون مع إمامهم هنالك، لكن لما سمعوا أنه جاء مال حضروا، فلما رأى ذلك تبسم صلى الله عليه وسلم.

    فتبسم صلوات الله وسلامه عليه فقال لهم حين رآهم: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله)، فقد كانوا قوماً صادقين رضوان الله وتبارك عليهم، فلم يقولوا: افتقدناك فجئنا نصلي الصبح لنراك.

    فقال صلى الله عليه وسلم: (ابشروا وأملوا) أي أن الله تعالى سيفتح عليكم، وستأتيكم أموال كثيرة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك من معجزاته، حيث بشرهم في وقت كان المال فيه قليلاً، فبشرهم بالفتوح، فكانت الفتوحات العظيمة بعد ذلك.

    فقوله: (ابشروا وأملوا) يعني: ارجوا من الله خيراً، فسيأتيكم خير من عند ربكم سبحانه، وأملوا ما يسركم.

    (فوالله ما الفقر أخشى عليكم) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلم يفقرهم الله عز وجل أبداً، بل أعطاهم مالاً عظيماً كثيراً، وكانوا على وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أحدهم يأتيه الموت وهو يخاف من المال الذي كان عنده، مع أنه يعطي الحقوق فيه كما أمره الله سبحانه.

    قال صلى الله عليه وسلم: (فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم).

    إن الفقر قد يكون نعمة على الناس، حيث يكون الإنسان متواضعاً خاشعاًً عارفاً أنه عبد محتاج لله، ويكون محافظاً على الصلاة وعلى الصوم وعلى طاعة الله، عارفاً أن للناس حقوقاً، ويمشي وهو يسلم على هذا ويسلم على هذا، ويتواضع للناس، ولكن خشي النبي صلى الله عليه وسلم عليهم الغنى، فالغنى مصيبة، إلا أنه قد يصير إلى تقي فيزيده الغنى تواضعاً لله سبحانه وبذلاً وإنفاقاً.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم) أي: كما فتحت على الذين قبلكم.

    (فتنافسوها كما تنافسوها) فتقعون في التنافس في الدنيا، ولا يكفي المرء حينئذ ما يأتيه، بل يريد أكثر وأكثر من أي وجه من الوجوه، فيكسب الحلال ويكسب الحرام، ويحتال على البنك فيأخذ المال ويهرب، ويأخذ المال من بيع سلع فاسدة للناس.

    وهذا الإنسان الذي يجمع المال الكثير إذا كان معه ألف فإنه يريد ألفين ويريد مليوناً ويريد ملياراً، وإذا فرضنا أن معه ملياراً فماذا سيعمل به وكيف سيصرفه هذا الإنسان؟ هل في طاعة الله أم أنه سيدخره للورثة؟

    إن الإنسان إذا سئل: أي المال أحب إليك: مالك أم مال الورثة؟ فإنه سيجيب: مالي أحب إلي. وهذا الذي تدخره من المال تسأل عن جميعه من أين اكتسبته وفيم أنفقته؟ وتتركه للورثة وأنت المسئول عن ذلك، ومهما أعطيت من الدنيا فإنك ستنام على سرير واحد، وستأكل من طبق واحد، وإذا فرغت من الأكل فإنك لا تستطيع أن تأكل مرة أخرى مباشرة.

    وأما الإنسان العاقل فإنه يكفيه من الدنيا ما آتاه الله عز وجل منها، ولا يطمع، ولا يطلب الغنى الذي يطغيه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخف عليهم من الفقر؛ لأن الفقر يحفظ على الإنسان دينه، فإذا جاء له المال فإنه قد يتعالى على الناس، فمن كان يسلم عليه صار لا يعرفه، ويمشي في الشارع وهو مكشر لا يطيق أن يرى احداً، ويذهب إلى العمل فيعامل الآخرين على أنه ذو مال، وقد كان يواظب على صلاة الجماعة فأصبح يرى نفسه مشغولاً بالمال وغير فارغ، وكان يحافظ على صلاة الجمعة فأصبح يذهب إلى البحر للاصطياد استغلالاً لعطلة الجمعة، ويترك جمعة يوم والثانية والثالثة حتى يختم على قلبه ويكون من الغافلين، فالمال يصنع ذلك في صاحبه، فهو يطلب اللهو ويقع في ذنب بعد ذنب حتى يترك عبادة الله، وحتى يأتيه الموت يندم.

    زهرة الدنيا وخضرتها مدعاة إلى الهلاك

    وفي الصحيحين -أيضاً- من حديث أبي سعيد الخدري قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها).

    أي: من بهرج الدنيا وزينة الدنيا، تفتح على الإنسان فتسلبه عقله وقلبه، فيجري وراء الدنيا حتى يأتيه الموت وهو في غفلة.

    وفي الحديث الآخر عن أبي سعيد -أيضاً- في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء).

    والخضرة نوع من البقول تكون على الأرض مثل الأعشاب التي تطلع على الأرض كالجرجير والبقدونس، فتأتي عليها الدابة فتأكل منها، وترتاح بالأكل منها، فتأكل حتى تموت من التخمة.

    إن آكلة الخضر تأكل كذلك، فإن أكلت استقبلت الشمس فثلطت وبالت واجترت، فهذه تنتفع بما أكلته، ولكن الذي يأكل حتى يتخم يموت في النهاية، وكذلك الحريص على الدنيا، وليس بشرط أن يتخم من الطعام الذي يأكله، ولكن يتخم بكثرة ما يحصل من لهوه بالدنيا وانشغاله عن الله سبحانه وتعالى، فإذا به في نكد ليل نهار يبحث عن المال، فيحفظ ماله ويترك عبادة الله تبارك وتعالى.

    الحياة الحقيقية

    وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة).

    فهذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم وكان الصحابة يرددون معه صلى الله عليه وسلم وهم يحفرون الخندق، وكان يحفر صلى الله عليه وسلم بنفسه، ويرفع معهم الحجر والتراب، وذلك لما جاءت قريش بحدها وحديدها إلى المسلمين وهم في المدينة لا يقدرون على شيء، وكان جيش الكفار عظيماً لا يقدر عليه المسلمون، فما وجدوا إلا حفر الخندق من أجل أن يكون بين الكفار وبينهم، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك معهم، ويلتصق التراب ببطنه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه، فكان صلى الله عليه وسلم يقول عند ذلك: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة) فيدعو لأصحابه الذين شاركوا في ذلك احتساباً للأجر عند الله.

    وقوله: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) معناه: أن الدنيا ليست هي العيش الذي ينعم به أهله، بل عيشها فيه الصفاء وفيه الكدر، وفيه الضيق وفيه السعة، وفيه الطيب وفيه الخبث، ولكن العيش الحقيقي عيش الدار الآخرة، فكان صلى الله عليه وسلم يقول ذلك مشجعاً لهم على العمل ومشجعاً لهم على الحرص على الدار الآخرة.

    ما يبقى مع المرء بعد الموت

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).

    فالدنيا يكون فيها الإنسان معه أهله عزوة ونصرة، ومعه ماله يفتخر به على غيره، ومعه عمله، فهذه ثلاثة أشياء تكون مع الإنسان في الدنيا، فإذا مات الإنسان وخرج من بيته ترك المال في البيت، ويتبعه الأهل إلى قبره، وكذلك عمله.

    فإذا وصل إلى القبر فإن أحب الناس إليه يتركه، ويدخل الإنسان قبره ومعه عمله فقط، ويرجع عنه ماله ويرجع عنه أهله، فإذا كان عمله من أعمال الخير نفعه في قبره، وإذا كان غير ذلك تحسر على ما فوت في هذه الدنيا وعذب في قبره.

    غمسة في الجنة أو النار تنسي ما كان في الدنيا

    وفي حديث صحيح عند مسلم عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة).

    لقد كان ملكاً من الملوك معه مال كثير، ويحكم أناساً كثيرين، قال صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت نعيماً قط).

    وصدق في ذلك؛ فالدنيا إذا قيست بالآخرة إنما هي أحلام وأوهام، والإنسان الذي يكون في حلم وبعد ذلك يصحو فيجد الشيء الذي يضايقه يقول: كنت أحلم. وكذلك يوم القيامة، فإنه يرى الدنيا كانت حلماً، وكأنه لم يكن فيها شيء.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة) إنه رجل مؤمن كان أفقر الناس وأكثر الناس ابتلاء بمصائب الدنيا من فقر ومرض وغيره، وهو مؤمن، فيؤتى به يوم القيامة، وبعد ذلك يغمس في الجنة غمسة ثم يُسأل هذا الإنسان: (هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) فغمسة في الجنة تنسي الإنسان الدنيا كلها؛ لأن الجنة عظيمة واسعة، ولا تمتلئ أبداً حتى يخلق الله عز وجل خلقاً آخر يدخلهم الجنة لم يعصوا ربهم أبداً قبل ذلك، والنار لا تمتلئ.

    وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط.

    ولا يظلم ربك أحداً، فلا يخلق للنار خلقاً يوم القيامة، ولكن الجنة يخلق لها أهلاً يملؤها بهم، أما النار فيسكتها ربنا بذلك، يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط. فقياس الدنيا على الآخرة قياس مع الفارق العظيم، ولا وجه للمقارنة بين الدنيا والآخرة.

    وعن مستورد بن شداد رضي الله عنه في صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع).

    فإذا أردت أن تقيس على الآخرة فضع أصابعك في البحر وخذ قطرة منه، ثم قارب بين هذه القطرة وبين هذا البحر، فكذلك الدنيا مع الآخرة؛ إذ لا وجه للمقارنة.

    هوان الدنيا على الله تعالى

    وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، فمر بجدي أسك ميت، ليس له أي قيمة، وأذناه صغيرتان، ومن العيوب أن يكون الجدي أسك.

    فتناوله النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بأذن هذا الجدي الأسك فقال لأصحابه: (أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أتحبون أنه لكم؟ أي: أتأخذونه بغير مال؟ فقالوا: والله لو كان حياً كان عيباً أنه أسك، فكيف وهو ميت؟!) أي: لا نأخذه بمال ولا بغير مال.

    فقال صلى الله عليه وسلم: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).

    أي: انظروا كيف استهنتم به، فلا أحد يريده لأنه ميت وهو أسك، فالدنيا أهون على الله من هذا عليكم؛ فإذا كانت الدنيا حقيرة عند الله عز وجل فإعطاؤها لهذا الغني ليس رفعة لهذا الغني ولا تشريفاً له؛ إذ الدنيا لا قيمة لها عند رب العزة سبحانه.

    فائدة الإقلال من الدنيا ومضرة الإكثار منها

    ومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة فاستقبلنا أحداً فقال: يا أبا ذر . قال: قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيئاً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه.

    ثم سار صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة).

    فانظر إلى الموعظة، فجبل أحد جبل عظيم، ومع ذلك يقول صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : لو كان أحد هذا كله ذهباً وأنا أملكه فإنه لا يسرني أن يبقى عندي ثلاثة أيام، فانظر إلى كرم النبي صلى الله عليه وسلم وإنفاقه لله سبحانه وتعالى، بحيث إنه لو كان جبل أحد جبل ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنفقه في أقل من ثلاثة أيام في طاعة ربه سبحانه.

    واستدرك صلى الله عليه وسلم قائلاً: (إلا شيئاً أرصده لدين) فالدين يمنعك من أن تنفق نفقة التطوع؛ لأن صاحب الدين أولى، فإذا كان عليك دين تصدق بصدقة التطوع.

    قال صلى الله عليه وسلم: (إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا) يعني أنه ينفق في جهة اليمين وجهة الشمال ووراءه، فيعطي عباد الله مما يؤتيه الله عز وجل.

    ثم سار صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة) .

    فالأكثرون من الناس في الدنيا هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وشماله.

    فلا تنظر إلى الأكثرين في الدنيا، فالأكثرون الذين خالفوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا هم الذين يدخلون الجنة، إنما يدخلها الذين ساروا على نهجه صلى الله عليه وسلم، وهم الأقلون، فالمقل في المال، والمقل في زاده من الدنيا هو الذي يسرع إلى الجنة ويدخلها، والمكثر من الدنيا الذي معه الأموال الكثيرة يحبس عن الجنة حتى يحاسب على هذا الكثير الذي معه.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم له: (وقليل ما هم) بعد قوله: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة)، قال أبو ذر : ثم قال لي: (مكانك، لا تبرح حتى آتيك، ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتاً قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلم أبرح حتى أتاني، فقلت: لقد سمعت صوتاً تخوفت منه، فذكرت ذلك له، فقال: وهل سمعته؟ قال: قلت: نعم، قال: ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قال: قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق). وفي رواية أخرى قال له مكرراً: (وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قال: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر).

    فرحمة الله عز وجل عظيمة واسعة، فالإنسان الذي يقع في الحرام عليه أن يسرع بالتوبة إلى الله؛ فالله غفور رحيم، ورءوف كريم، ولكن الذي تأخذه الدنيا فيغرق في أموالها ويغرق في شهواتها ويضيع نفسه في شبهاتها ولا يتدارك نفسه بالعودة إلى الله عز وجل يندم حين الموت، ولا رجوع إلى الدنيا مرة ثانية.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.