اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [1] للشيخ : أحمد حطيبة


شرح رياض الصالحين - فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [1] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
زين الله تعالى الحياة الدنيا في أعين الخلق وحببها إلى نفوسهم؛ ليبتليهم بها فيعلم شكر الغني وصبر الفقير، وقد حذر الله عباده من الاغترار والركون إليها ونسيان الآخرة، وقد تنوعت نصوص الكتاب والسنة في التحذير منها بضرب الأمثلة وبيان العاقبة وذكر الحقيقة الدنيوية؛ ليستقل العباد منها وليستكثروا من زاد الآخرة.
الزهد في الدنيا وما جاء فيه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [ باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر.قال الله تعالى إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24].عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافقوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: أبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) متفق عليه ].هذا باب من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي رحمه الله فضل الزهد في الدنيا، ويذكر الحث على التقلل منها وفضل الفقر.والزهد في الدنيا هو أن يكون الإنسان متقللاً من الدنيا، فيأخذ من الدنيا حاجته، ولا يطمع فيها؛ ولا يكثر من الدنيا، وإن جاءه من الدنيا الكثير عمل فيه برضا الله سبحانه تبارك وتعالى، ولكنه يقلل الطمع فيها، فلا يكون طماعاً كلما جاءه شيء طلب المزيد من الدنيا مستكثراً بها.جاء في الزهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالزهد فيما بأيدي الناس فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).فإذا كنت تريد حب الله وحب الناس فازهد في الدنيا يحبك الله؛ لأن معاصي الإنسان وشهواته وشبهاته تكون نتيجة للطمع في هذه الدنيا، بحيث يشتهيها فيطلب ما فيها من حلال، فإن عدم وسيلة في نظره من الحلال لجأ إلى الحرام، فأخذ الدنيا بطمع فيها، فإذا قطع الأمل عن الدنيا وقطع الطمع فيها وزهد فيها أحبه الله سبحانه، وقد وتأتيه الدنيا وهي كارهة، فالمهم أن يرضي ربه سبحانه وتعالى.والإنسان إذا أراد محبة الناس فعليه أن ينظر في الذي يجلب عداوة الناس، والذي يجلب عداوة الناس أن تطلب ما عندهم، فالإنسان يغضب حين تطلب منه، والله يرضى حين تطلب منه، فاطلب من الله عز وجل، ولا تكن طالباً لما في أيدي الناس، واجعل لك قاعدة في حياتك، وهو أنك لا تسأل أحداً شيئاً طالما كنت قادراً على عمله بنفسك، فلا تطلب من أحد شيئاً.وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن يزهدوا في الدنيا وأن يزهدوا فيما في أيدي الناس، فهذا حكيم بن حزام طلب من النبي صلى الله عليه وسلم مالاً فأعطاه، ثم طلب فأعطاه، ثم نصحه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع ....) فلما سمع النصيحة أقسم للنبي صلى الله عليه وسلم على أنه لا يرزأ أحداً بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا شيئاً، أي أنه لا يطلب من أحد من هذه الدنيا شيئاً.فكان أبو بكر رضي الله عنه يأتيه المال فيعطي الناس ويعطي حكيماً فيرفض أن يأخذه، وجاء عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر رضي الله عنهما، فأراد أن يعطيه نصيبه من المال فرفضه، وقال: إنه أقسم ألا يرزأ أحد شيئاً. ورفض أن يأخذ ماله، فكان عمر يشهد الناس على حكيم بن حزام لكونه لا يأخذ المال الذي هو من حقه.فالغرض أن الإنسان إذا زهد في الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة، ولكن الإنسان قد يسأل لخوفه أن يفتقر، أو لخوفه أن يضيع منه المال، أو لخوفه أن تضيع منه الفرصة، أما إذا علم أن الله عز وجل هو الرزاق، وأن خزائنه لا تنفد أبداً فإنه يكتفي بما أعطاه الله، ولا يتشوف إلى ما في أيدي الناس، والذي يسأل الناس تكثرا كالذي يأكل ولا يشبع، فكلما طلب ازداد نهماً وحرصاً على الدنيا، فازداد بعداً عن الله سبحانه وعن حب الناس، فازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس.
 

حقيقة الحياة الدنيا في القرآن

 حقيقتها في قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة...)
وقال سبحانه وتعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد:20].فنحن نكد في الدنيا ونتعب ونعمل، وربنا سبحانه وتعالى يذكر لنا النتيجة، فيقول تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد:20] هذه هي الدنيا.فأنت تجمع المال وتتعب من أجل أن يبقى معك المال، وبهذا المال تتزوج، فيصير لك أولاد تفتخر بهم لأنهم يشرفونك في الدنيا، وبهذا المال تأكل الطيبات، وتأخذ من المشتهيات، فالنتيجة هي أني أتعب من أجل أن أحصل الدنيا، وأحصل فيها على اللعب واللهو والزينة، ويبقى عندي ما أفتخر به على غيري، فأتكاثر بالمال قائلاً: مالي أكثر من مال فلان. وكذلك في الأولاد.فمثل هذا كمثل غيث أعجب الكفار نباته، فالذي تعجبه الدنيا ويركن إليها هو الكافر، وكلمة (كافر) تطلق على غير المؤمن، وتطلق على الزارع الذي يضع البذرة في الأرض وبعد ذلك يكفرها ويغطيها، وكأن المقصود هنا الاثنان: الكافر حقيقة أعجبته الدنيا، والكافر الزارع أعجبته الثمرة التي طلعت من الأرض.ففي هذا الوصف جمع الله تعالى لنا الاثنين فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا [الحديد:20] فهذا النبات إذا استوى فإنه في النهاية لن يبقى فترة أطول من ذلك في الأرض، بل سيأتي عليه اليبس، فيصفر ثم يكون حطاماً، وكذلك هذه الدنيا جمعها الكافر من حلال ومن حرام، وانتفع بها، واستفاد منها، وطمع فيها، ولم تنفعه يوم القيامة، فكانت الدنيا عليه وبالاً يوم القيامة؛ لأنه لم يؤمن بالله، ولم يعرف حق الله فيها.قال تعالى: وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] أي: في الآخرة العذاب الشديد لمن كفر وجحد نعم الله، ولمن عصى الله وفجر في الدنيا، ولمن طغى واستكبر، والمغفرة والرضوان لمن تاب إلى الله وأناب، ولمن عرف حق الله سبحانه فأعطاه، ولمن عرف حق الناس فأخرج لهم حقهم الذي أمره به الله سبحانه.
حقيقة الدنيا من السنة النبوية

 فائدة الإقلال من الدنيا ومضرة الإكثار منها
ومن الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة فاستقبلنا أحداً فقال: يا أبا ذر . قال: قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيئاً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه.ثم سار صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة).فانظر إلى الموعظة، فجبل أحد جبل عظيم، ومع ذلك يقول صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : لو كان أحد هذا كله ذهباً وأنا أملكه فإنه لا يسرني أن يبقى عندي ثلاثة أيام، فانظر إلى كرم النبي صلى الله عليه وسلم وإنفاقه لله سبحانه وتعالى، بحيث إنه لو كان جبل أحد جبل ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنفقه في أقل من ثلاثة أيام في طاعة ربه سبحانه.واستدرك صلى الله عليه وسلم قائلاً: (إلا شيئاً أرصده لدين) فالدين يمنعك من أن تنفق نفقة التطوع؛ لأن صاحب الدين أولى، فإذا كان عليك دين تصدق بصدقة التطوع.قال صلى الله عليه وسلم: (إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا) يعني أنه ينفق في جهة اليمين وجهة الشمال ووراءه، فيعطي عباد الله مما يؤتيه الله عز وجل.ثم سار صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة) .فالأكثرون من الناس في الدنيا هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وشماله.فلا تنظر إلى الأكثرين في الدنيا، فالأكثرون الذين خالفوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا هم الذين يدخلون الجنة، إنما يدخلها الذين ساروا على نهجه صلى الله عليه وسلم، وهم الأقلون، فالمقل في المال، والمقل في زاده من الدنيا هو الذي يسرع إلى الجنة ويدخلها، والمكثر من الدنيا الذي معه الأموال الكثيرة يحبس عن الجنة حتى يحاسب على هذا الكثير الذي معه.ثم قال صلى الله عليه وسلم له: (وقليل ما هم) بعد قوله: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة)، قال أبو ذر : ثم قال لي: (مكانك، لا تبرح حتى آتيك، ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتاً قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلم أبرح حتى أتاني، فقلت: لقد سمعت صوتاً تخوفت منه، فذكرت ذلك له، فقال: وهل سمعته؟ قال: قلت: نعم، قال: ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قال: قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق). وفي رواية أخرى قال له مكرراً: (وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قال: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر).فرحمة الله عز وجل عظيمة واسعة، فالإنسان الذي يقع في الحرام عليه أن يسرع بالتوبة إلى الله؛ فالله غفور رحيم، ورءوف كريم، ولكن الذي تأخذه الدنيا فيغرق في أموالها ويغرق في شهواتها ويضيع نفسه في شبهاتها ولا يتدارك نفسه بالعودة إلى الله عز وجل يندم حين الموت، ولا رجوع إلى الدنيا مرة ثانية.نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح رياض الصالحين - فضل الزهد فى الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر [1] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net