إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الأحدية والباطنية والتبارك لله عز وجل

صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الأحدية والباطنية والتبارك لله عز وجلللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسكين من تجشم وحدث عما لا تحيط به الكلمات والأوصاف ولا تدرك كنهه العقول، وحسبنا أن نفسر ما وصف به نفسه من صفات، فالله أحد لا ند له؛ وفرد لا مثيل له، عرفناه بوحدانيته فاتجهت قلوب موحديه إليه وحده فلهجت باسمه، وخلصت لتنفيذ مراده وأمره، فهو الباطن القريب من عباده، يعلم سرهم وجهرهم وما تكنه صدورهم، فعجباً لمن يعصيه وهو قريب منه، ولا يستحيي ممن لا يخفى عليه أمره، إنه القائل عن نفسه: (تبارك)، وهل البركة إلا منه وإليه، فطوبى لمن حلت بركة الله بداره.

    1.   

    صفة الأحدية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    من الصفات الثبوتية الذاتية التي لا تنفك عن الله جل في علاه أزلاً وأبداً، صفة الأحدية، فالله جل وعلا هو الواحد الأحد الذي لا ند له، ولا شبيه له، ولا سمي له، وهذه الصفة ثبتت لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.

    فأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فوصف نفسه بأنه أحد.

    وأما السنة: فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: أن الله جل وعلا يقول: (وأنا الله الواحد الأحد)، أو قال: (وأنا الله الأحد الصمد)، ومعلوم أن لفظ الجلالة (الله) إذا أضيف إليه أي اسم من أسماء الله فإنه يعتبر الاسم المضاف إليه صفة.

    ورجحنا فيما سبق أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم لله جل في علاه، وأن كل الأسماء تضاف إليه على أنها صفات، ولا يضاف هو إلى هذه الأسماء، ففي الحديث السابق قال الله تعالى: (أنا الله الأحد)، فالأحد هنا صفة لله، وصفة الأحدية صفة ذاتية لله جل وعلا ثبوتية لا تنفك عن الله أزلاً وأبداً.

    وقد أجمع أهل السنة والجماعة على اتصاف الله بصفة الأحدية.

    أثر صفة الأحدية في إيمان العبد

    إن الله جل في علاه هو الواحد الأحد المتفرد بالجمال والجلال والكمال والبهاء والعظمة سبحانه جل في علاه، فإذا اعتقدت هذا اعتقاداً راسخاً في قلبك علمت أن الله جل في علاه متفرد في الإلهية، فلا يستحق العبادة أحد غيره، ولا تصرف عبادة إلا له، فلا يذبح إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يخاف إلا منه، ولا يسجد إلا له، ولا يدعى أحد غيره سبحانه وتعالى، وإذا علمت أن ربك جل في علاه هو الذي يتفرد بالملك والإحياء والإماتة، ويتفرد بالإعطاء وبالمنع، واعتقد ذلك قلبك؛ فلن يميل إلا للواحد الأحد، كما أنك إذا توجه قلبك وعبادتك إلى الواحد الأحد فلن تتشتت معنوياً ولا حسياً.

    وأما من يعتقد غير ذلك كمن يتعبد بالثالون، فيقول: باسم الأب، وباسم الابن، وباسم روح القدس، فتجده متشتتاً لا يدري أيرضي الأول، أم يرضي الثاني، أم يرضي الثالث؟ ولا يدري أيصرف هذه العبادة للأول أم للثاني أم للثالث؟ وإذا ألم به ضر فأراد كشفه أيدعو الأول أم الثاني أم الثالث؟

    ومثلهم من يقول: إن عزيزاً هو الله -حاشا لله جل في علاه-، فيتحير هل يتعبد لـعزير أم يتعبد لله جل في علاه؟ وهنا يدرك المرء منّة الله عليه أن وحد عبادته له وحده، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد.

    ومن آثار هذه الصفة على إيمان العبد أيضاً أن الله جل في علاه أراد أن يطهر قلبك بهذه الصفة -صفة الأحدية-، فإذا رأيت نفسك وأنت تتعبد لله بعبادة، أو تتصدق لله بصدقة، أو تجاهد لله جل وعلا حق الجهاد وقد حدث في قلبك شيء أرابك، كأن تريد أن يرى الناس فعلك، أو أن يروا مكانك، فتقول: لا والله إن صفة الله تأبى ذلك، فإن الأحدية تأبى التشريك، والله جل في علاه قد صرح بذلك في أكثر من موضع من كتابه ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أجلى وأوضح ما صرح به ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، فإن الذي يتعبد لغير الله جل في علاه لم يتقن هذه الصفة، فكيف يكون عبداً مربوباً لله جل في علاه، ويعلم أن الله هو الواحد الأحد المتفرد المستحق لإفراد العبادة له جل في علاه، ثم يشرك معه غيره!

    وقد ثبت في الصحيح : (أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: العالم، والمجاهد، والمنفق)، ومع أنهم هم قوام الأمة ومعلوم أن أعلى الطبقات والمراتب بعد النبوة والصديقية؛ هي طبقات العلماء والمجاهدين والمنفقين، وما ذاك إلا لأن العالم تعلم لا لله جل في علاه، فلم يتعبد الله بهذه الصفة العظيمة الجليلة، وأن المجاهد لم يجاهد من أجل رفع راية لا إله إلا الله! بل جاهد من أجل أن يقال له: شهيد، والشهادة ليست مقصودة بذاتها، بل المقصود بذاته هو رفع راية لا إله إلا الله، وأن المنفق لم ينفق من أجل التقرب إلى الله بإعانة عباده! بل من أجل أن يقال: سخي.

    إن صفة الأحدية تأمرك أن توحد العمل في القلب لله الواحد المتفرد في العبادة سبحانه وتعالى، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة: عالم ومجاهد ومتصدق، فأما العالم فيأتي به الله جل في علاه فيعرفه نعمه عليه، فيقول: فما فعلت فيما أنعمت عليك؟ فيقول: تعلمت العلم فيك وعلمته فيك، فيقال: كذبت)؛ لأنه لم يتعبد بهذه الصفة الجليلة: صفة الأحادية فلم يوحد الاتجاه لله جل في علاه، بل لينظر الناس أو يسمعوا به، وكأنه لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به) فكان ذلك -والعياذ بالله- جزاءً وفاقاً وأجراً طباقاً، فلما فعل ذلك جهلاً منه قال الله تعالى له: (كذبت! بل تعلمت ليقال: عالم وقد قيل، ثم يزج به في نار جهنم.

    وأما المتصدق -الذي ينفق كل ماله، أو شطر ماله، أو ينفق كثيراً من ماله- فيؤتى به يوم القيامة ثم يقول الله جل في علاه له: ماذا فعلت فيما أنعمت به عليك؟ فيقول: أنفقت فيك يا رب العالمين! فيقول الله جل في علاه: بل فعلت ذلك ليقال: متصدق، وقد قيل)، أي: قد أخذت حظك في الدنيا، فأنت لم تتعبد بهذه الصفة الجليلة، فلم توحد قلبك لربك الواحد المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، والمستحق لإفراد العبادة له، فيقال له: (قد قيل، ثم يزج به في نار جهنم).

    وأما المجاهد فهو الذي أهلك نفسه وروحه، ويا لها من خسارة وعار على رجل باع نفسه زيفاً وزوراً، وهو الذي قاتل وجاهد فيما يرى الناس؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً شجاعاً يقاتل يميناً ويساراً، فيهجم على الأعداء بكل شجاعة وقوة، فقال: (هذا في النار)، أي: أنه ليس من أهل الجنة، ومثله هذا الرجل الذي يسعر به في نار جهنم، حيث يقول الله جل في علاه له: (فما فعلت بما أنعمت عليك؟ فيقول: قاتلت فيك حتى قتلت، فيقول الله جل في علاه: كذبت! بل فعلت ذلك ليقال: شجاع أو يقال: مجاهد وقد قيل، ثم يزج به في نار جهنم) مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع)، في رواية أخرى وهي التي تفسر هذه الرواية: (فيما يبدو للناس) أما القلب الذي كلف أن يوحد لم يفرد الله جل وعلا بالعبادة، ولم يصدق الله جل في علاه في النفقة، ولا في العلم، ولا في الجهاد، فقال: (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنكم لترون الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينها إلا ذراع، ثم يسبق عليه الكتاب)، والرواية الأخرى: (فيما يبدو للناس) إذ أن الله أعلم بالسرائر، فإن كل سريرة عند ربنا جل وعلا علانية، كما أن مقياس الناس عند رب الناس هو القلب، والتوحد المحض ليس في الظاهر بل في القلب، فقد ترى الرجل قائماً عابداً صائماً قائماً منفقاً وهو عند الله جل وعلا لا يزن جناح بعوضة.

    قال ابن القيم : يصلي الرجل وبجانبه الرجل وما بينهما كما بين السماء والأرض من التفاوت، وما ذلك إلا لما في القلب من التوحيد الخالص لله جل في علاه، فكلاهما يقرأ الفاتحة، وكلاهما يركع، وكلاهما يسجد، لكن التفاوت بينهما تفاوت في القلوب، فأحدهم صدق الله في الأحدية، فتعبد لله وقلبه متجه لمن فوق العرش كما قال علي بن أبي طالب : كونوا بين الناس بأجسادكم، وأرواحكم حول العرش تحوم.

    يريد: عليكم أن توحدوا الله في قلوبكم التوحيد الخالص. وفي حديث البطاقة: (أن رجلاً وزنت سجلات معاصيه وسجلات حسناته فرجحت كفة السيئات، وعلم الرجل أنه قد هلك، ثم يقال له: عندنا شيء لك، فيقول: ما هو؟ فيقال له: البطاقة، فيقول: وما تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقول الله جل في علاه: لا ظلم اليوم، فيأخذ البطاقة وفيها: لا إله إلا الله، -ولابد أن يعلم أنه ما من مسلم إلا وهو يقول: لا إله إلا الله، وليس كل أحد سينال ما ناله صاحب البطاقة- فتؤخذ البطاقة فتوضع في سجلات الحسنات، فترجح كفة الحسنات)؛ لأن صاحب البطاقة وحد الله بحق، وتعبد بقلبه بصفة الأحادية وما ترك عبادة إلا وقصد بها ربه، ولم يرد للناس منظراً أو مكانة أبداً.

    وينبغي أن يعلم المتعبد لله بصفة الأحدية أن التوحد الخالص، والانفراد التام المطلق لا يكون إلا لله جل في علاه، فلا يطمع في الأحادية وإن كان كل واحد منا فيه هذه الصفة، فتراه يحب أن يتفرد أمام الناس، ويكون هو المتفوق، وهذا يحدث لكل إنسان، فالغني يحب أن يكون هو أغنى الناس؛ حتى يتفرد عن الناس، فالأحادية متغلغلة فينا، والربوبية داخلة فينا؛ لكن منا من يقمع هذا برحمة الله له، فيوفقه الله جل في علاه لعبادته، ومنا من تنفجر عنده والعياذ بالله كفرعون الذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فهي موجودة في كل إنسان، إلا أن الإنسان إذا تعبد الله بالأحدية لم يطمع أن يكون متفرداً في الساحة وحده، فلا يقول: أنا العالم ولا عالم غيري فإن الله خلق الألف والآلاف والملايين من العلماء، فاعلم أنك لن تتوحد، ولا يمكن لك أن تنفرد في الساحة، فييأس من ذلك فيخضع لله جل في علاه، ويقول: نشترك أنا وإخوتي لرفع راية لا إله إلا الله، ولا أتصارع معهم.

    ولذلك نرى بين كثير من الدعاة وطلبة العلم انتشار الحسد والحقد؛ لأنهم لم يتقنوا كيفية التعبد لله في الأحادية، فهم لا يعلمون أن الله جل وعلا أبى أن يتفرد أحد الانفراد المطلق إلا هو سبحانه وتعالى، فالعالم لا يمكن أن يكون متفرداً عالماً، بل سيجد قريناً له، وسيجد خليلاً له، وسيجد عالماً مثله، وسيجد من يجتهد أكثر منه، ولذلك قال الله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، فلك أن تسابق لكن لن تكون وحيداً في عصرك، فإن الله خلق منك الكثير، فإذا استيقن المرء في قلبه أن الانفراد المطلق لله لم يطمع أن يكون وحيد عصره وفريد دهره، ولن يحقد على غيره أو يحسده، بل سيدعو الله أن يوفق إخوانه وأن يجعلهم عوناً له على طاعة الله ورضوانه.

    كما أنك عندما تتدبر تدبراً عميقاً في قلبك وخاصة خلواتك -لأن الخلوات هي أهم ساعات العبادة، وتدبر القلوب هو أهم العبادات- الأحدية فقلت: نزل بي البلاء إلى من أذهب؟ إلى أخي سيقف بجانبي، وإلى أبي سيعطيني، وإلى أمي ستدعو لي، إلى من أذهب؟ إلى عمي إلى خالي إلى القريب، إلى من أذهب؟ فإذا تدبر الأحدية فسيقول: هذا البلاء نزل من الواحد ولن يرتفع إلا من الواحد، وإنما تفعل ذلك إذا كنت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الواحد الأحد هو المتفرد بالعطاء وهو المتفرد بالمنع، وهو المتفرد بكشف البلاء سبحانه وتعالى، فإن قلبك لن يميل أبداً إلا لربك، فاكشف عن قلبك الآن، وارجع إلى الوراء حتى تنظر عندما نزلت بك البلية أنزلتها بغير الله أم لا؟ فوالله ما منا من أحد إلا وقد نزلت عليه البلية فأنزلها بغير الله جل في علاه، ووالله أقول ذلك يقيناً، ما منا من أحد إلا ويشكو الله لعباده وهو لا يدري؛ لأنه لم يتعبد لله جل في علاه بهذه الثقة العظيمة الجليلة التي تملأ القلوب، والتي تجعل الإنسان بحق لا يتذلل إلا له، ولا يتضرع إلا له، ولا ينزل البلاء الذي وقع به والملمات والحاجات والكربات إلا به، فهو يوقن أنها لا تنكشف إلا بالواحد الأحد، ومن يتأمل فقه الأنبياء وفقه الصالحين يجد ما يثلج به صدره، فهذا يعقوب عليه السلام قد حدث له من البلاء العظيم أن سرق منه يوسف وهو أحب أولاده إليه، ثم بعد ذلك أخوه، وهو مع ذلك ما زاد على أن قال: بليتي لا أوقعها ولا أنزلها إلا بالواحد الأحد الذي له الانفراد الكامل، فقال كما أخبر الله عنه: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86]، ولسان حاله: لا أشكو لكم ولا أشكو للبشر ليعينوني على ما أنا فيه، لا والله، وإنما أشكو بأس ما نزل بي إلى الله جل في علاه، واعلم أنك إذا أنزلت حاجتك بالله فإن الله أرحم بك من أمك ومن نفسك، وأنك إن اعتقدت ذلك اعتقاداً جازماً فإن قلبك لن يميل إلا لربك: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، فهم يقنطون من البأس الذي نزل بهم، والله جل وعلا قريب يعجل لهم بالتفريج، ويعجل لهم بالخيرات.

    إن الله لا يبتليهم ليؤذيهم، بل إن الله لا يبتلي إلا ليمحص ويرفع، فهؤلاء أنبياء الله ما أنزلوا ما هم فيه إلا بالله جل في علاه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل به البلاء، واشتد به الكرب، وآذاه المشركون حتى إنهم جعلوا سلى الجزور على كتفه وهو ساجد عند الكعبة، كما أنه في رحلته إلى الطائف لاقى الكثير من الأذى، وقد سألته عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقالت: (يا رسول الله! ما أشد الأيام التي رأيتها؟ فقال: ما رأيت يوماً أشد علي من يوم أن خرجت إلى الطائف فعرضت نفس على ابني عبد ياليل …) فذهب يعرض نفسه عليهم فلم يردوا عليه رداً طيباً، بل احتقروه واستهزءوا به صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وليس ذلك فحسب بل إنهم ألبوا عليه سفهاءهم وصبيانهم فأخذوا يرجمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، (فأتى إليه ملك الجبال فقال: إن الله بعثني أستأذنك إن أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت، فقال: أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله).

    أما ما يذكره البعض من قوله: (إلى من تكلني..)، فهو ضعيف، ونحن إنما نحتج هنا بالرواية الصحيحة التي هي أصح من شمس النهار، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم دائماً إذا نزلت به الملمات يقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ) فلا يُنزل ما هو فيه إلا بربه الواحد الأحد، وهكذا يتجلى فضل الأحدية، فطوبى لمن يتعبد بقلبه بهذه الصفة العظيمة الجليلة.

    من يتعبد الله بالأحدية لا يخاف إلا الله

    إن علمت أن ربك هو الواحد الأحد فإنك لن تعبد غيره، ولم تخف إلا منه جل في علاه، وإذا وقعت في أمر جلل فإن اعتقادك الصحيح سيكون بالواحد، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقد صح عنه أنه (نام ذات مرة تحت شجرة وسيفه معلق بالشجرة، فقام رجل كافر من الأعراب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترط السيف ثم قال له: يا محمد! -بعدما أيقضه- من ينقذك مني؟ هذا سيف مصلت على رقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ولنا أن نتساءل من منا يمكن أن يتدبر هذا الاعتقاد الصحيح، ويستحضر أن الواحد الأحد هو الذي يملك يد هذا الرجل، فيملك أن يشل هذه اليد في وقتها وفي لحظتها، بل يملك ما هو أعظم من ذلك! أن يقبض روح هذا الرجل! إن ذلك لا يكون إلا لمن يعتقد الاعتقاد الجازم في أحدية الله، وهو حين يعتقد ذلك لن يخف من أحد أبداً، ولن يوقع همه إلا في الله جل في علاه.

    وجسد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال للأعرابي: (الله هو الذي ينقذني منك)، فلما قال ذلك وقع السيف من يد الرجل.

    فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله متفرد بالإحياء والإماتة، ويحول بين المرء وقلبه، فكل يد لا تتحرك إلا بالله جل في علاه، وكل نَفَس لا يخرج ولا يدخل إلا بمشيئة الله جل في علاه، ولذا فكل من اعتقد ذلك وعمل به فقد فاز في هذه الدنيا والآخرة، وأصبح سيداً على الناس، وكان خير من طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال للرجل: (من ينقذك مني؟ فقال الرجل: كن خير آخذ) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير آخذ.

    كما أنك إذا تعبدت لربك بصفة الأحدية فإنك تعلم أن الممدوح بحق من مدحه الله، والمذموم بحق من ذمه الله جل في علاه، فالواحد هو الذي يمدح والواحد هو الذي يذم، فلو اجتمع من بأقطار الأرض ليمدحوك فلن ينفعوك بشيء، ولو اجتمع من بأقطارها ليذموك فلن يضروك بشيء أبداً إلا بإذن الله.

    وقد جاء أن أعرابياً دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أعطني -يعني: أعطني من الفيء- أعطني فإن مدحي زين وذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - وهو المتعبد لربه بهذه الصفة العظيمة الجليلة-: (ذاك الله)، فعلم أن المدح بحق من الواحد الأحد، وأن الذم بحق من الواحد الأحد، وأيما قلب عمِّر بهذا الإيمان، واعتقد هذا الاعتقاد فأنى يخسر في هذه الدنيا، وأنى تبور أعماله في الآخرة، بل سيكون من الفائزين المكرمين يوم القيامة.

    1.   

    صفة الباطنية لله تعالى

    من الصفات الذاتية لله جل في علاه التي لا بد للإنسان أن يتعبد لله جل وعلا بها: صفة الباطنية، والباطنية لها معنيان:

    المعنى الأول: الباطن هو القريب من العبد، فهو أقرب إليك من عنق راحلتك، وأقرب إليك من حبل الوريد.

    والمعنى الثاني في الباطنية: هو الخفاء والاحتجاب، فقولنا: الله الباطن، أي: الذي احتجب عن عباده فلا يعلمون كيفية صفاته سبحانه جل في علاه، ولا يتفكرون في كيفية صفاته، ولن يصلوا إلى كيفية صفاته جل في علاه.

    وهذه الصفة صفة ذاتية ثبوتية لا تنفك عن الله جل وعلا وقد ثبتت لله بالكتاب، وبالسنة، وبإجماع أهل السنة.

    أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3].

    وأما بالسنة: فقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فالله سبحانه هو أقرب للإنسان من حبل الوريد، وهو أقرب إلى العبد من عنق الراحلة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً).

    وفي رواية أخرى قال: (إنما تدعون من هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته).

    قرب الله لا ينافي علوه

    اعلم أن قرب الله من عباده لا ينافي علو الله جل في علاه؛ لأن التأصيل العام والتقعيد العام الذي قعده الله لنا في كتابه هو قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ولذلك نقول: لا ينافي العلو القرب، فهو قريب في علوه، وعليّ في قربه جل في علاه، ولا يقال: إن الله حال فينا كما قال غلاة الصوفية، فهم يقولون: بأن الله في كل مكان، حتى قال قائلهم وهو ابن عربي الكافر النكرة عليه من الله ما يستحق، وقال: وكل كلام في الكون كلامه. يعني: كل الكلام الذي يقال فهو كلام الله.

    وكان الحلاج يقول: ما في الجبة إلا الله، فهؤلاء يقولون بقرب الله وأن الله في كل مكان، وهم أصحاب عقيدة الاتحاد والحلول والعياذ بالله.

    أما أهل السنة فيقولون: قريب في علوه، عليّ في قربه، وجاء عن ابن عباس أنه قال: إن الكون كله بمراميه الشاسعة في يد الرحمن كحبة خردل في يدك أنت، فكيف لا تقتنع ولا تستيقن بأن الله قريب منك وهو على العرش مستوٍ سبحانه جل في علاه.

    ومن معاني الباطن: أنه يعلم كل شيء، فيعلم دقائق الأمور وجليلها، قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، فالله قريب إلى قلبك، يعلم نبضات قلبك سبحانه جل في علاه، فلا تواري عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره سبحانه، فهو قريب يسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى مخ سوقها سبحانه سبحانه سبحانه.

    وهو لقربه منا يعلم أنفاسنا، ويعلم ما يختلج في الصدور.

    أثر صفة الباطنية في إيمان العبد

    إذا تعبد العبد لله بهذه الصفة -صفة الباطنية- علم أن الله منه قريب، وإذا علم أن الله قريب منه علم أن دعائه لا بد أن يكون مسموعاً، ويستلزم من ذلك أن يكون مستجاباً، ويقال: مستجاباً وعلى قرب الإجابة حتى ولو طال الزمن؛ لأن ما هو آت فهو قريب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي)، قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].

    ومن العجب أن يبخل المرء على نفسه بالدعاء وهو يعتقد بأن الله قريب منه، وأنه يسمع همساته وبكائه وتضرعه! فلا يرفع يديه ليطلب من ربه جل وعلا ما يطمع في الحصول عليه من حاجة أخروية أو دنيوية.

    كما أنك إذا علمت أن ربك قريب، فستعلم أن الدعاء لا ينبغي أن تنزله إلا بالله جل في علاه، وقدوتك في ذلك الأنبياء، فهذا زكريا عليه السلام دخل على مريم فوجد عندها رزقاً، قال المفسرون: كان يجد رزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء، فسألها كما أخبر الله عنه: قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:37]، فلما علم القرب الحقيقي دعا ربه قائلاً: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:4-6]، وفي موطن آخر أخبر الله عنه أنه دعاه قائلاً: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران:38]، فاستجاب الله له في التو، وأصبح له ولد هبة من الله سبحانه وتعالى، فالله قريب من دعاء عباده، فلا يبخلن أحد على نفسه بأن يتقرب إلى القريب فيدعوه بحاجته، فإن الله سيقضي له حاجته.

    كما أنك إذا تعبدت لربك في الباطنية بالقرب استحييت من ربك، فإذا دنت منك المعصية علمت أن الله قريب منك يرى ما تفعل، ويسمع ما تقول، ويعلم نبضات قلبك، فاستحييت من ربك وابتعدت عن هذه المعصية، وقلت كما قال الأولون:

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب

    وإذا علمت أن الله جل في علاه رقيب منك، وأن باطنية الله جل في علاه في قلبك، فستوقن أنه على قرب منك، فيسمع الغيبة والنميمة، ويرى السرقة، ولا يخفى عليه النظر الحرام، ولا تغيب المعاصي عنه، وهو على قربه منك يمهلك ولا يهملك، وإذا أخذك لم يفلتك سبحانه جل في علاه.

    كما أنك إذا تعبدت لربك بهذه الصفة؛ بلغت إلى مرتبة الإحسان، ومراتب الدين ثلاث:

    المرتبة الأولى: الإسلام، والثانية: الإيمان، والثالثة: الإحسان، فمن أراد أن يرتقي من مرتبة الإسلام إلى الإيمان ثم الإحسان؛ فعليه أن يتدبر هذه الاسم الباطن، وعليه أن يتدبر هذه الصفة الجليلة ويسعى جاهداً لأن يتعبد لله جل في علاه، بهذه الصفة العظيمة.

    وقد ذكروا أن رجلاً عالماً كان يقرب منه طالباً من طلبة العلم فقالوا له: لِمَ تقرب هذا الطالب وتبعد هؤلاء الطلبة؟! ولِمَ يحظى هذا الطالب بالحفاوة عن هؤلاء وكلهم يدرسون عندك؟ فقال العالم: أريكم منه شيئاً تعرفون منه لِمَ أقرب هذا عن أصحابه وزملائه، فقال للذين يطلبون عنده العلم بعد أن أعطى كل واحد طيراً: كل واحد منكم يأخذ هذا الطير ويذبحه في مكان لا يراه أحد فيه، فأخذ كل طالب علم طيراً من هذه الطير وأخذ يجتهد أن يبحث عن مكان لا يراه أحد فيه، فيذبح الطير فيه، فذبح طيره الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وجاءوا جميعاً إلى هذا العالم كل يحكي: كنت قد اختبأت فذبحته ولم يرني أحد، والآخر يقول كما قال الأول وهكذا ...، ثم يأتي هذا الطالب النجيب الأريب الفقيه وقد أتى بطيره ولم يذبحه، فقال له العالم: لِمَ لمْ تذبح طيرك؟! فقال: يا معلمي! بحثت في كل مكان لا يراني الله فيه فما وجدت مكاناً إلا والله يراني فيه، كيف لا وهو الرقيب سبحانه وتعالى. ولذا ينبغي أن تدرك أن باطنية الله قرب من العبد، وكما أن هذا الطالب قُرب في الدنيا فسيكون في الآخرة من المقربين؛ لأنه تعبد الله بالإحسان، وهذه هي ثمرة الإحسان على المتورعين المتقين.

    وذكر أن أبا الإمام البخاري ذلك العلم الحبر، المحدث الفقيه، الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله هو كتاب صحيح البخاري ، ذكر أن أباه وهو يتصبب عرقاً من سكرات الموت كان يقول: يا بني! قد تركت لك ألف ألف دينار فيها دينار فيه شبهة، فكان الإمام البخاري هو ثمرة التعبد لله بالباطنية! فالأب كان يعلم أن الله يراه، ولم يقل يوماً كما يقول البعض اليوم: أتركها في رقبة عالم وأصبح سالماً، بل كان يتعبد لله لقربه منه، وأما نحن فنسأل الله أن يغفر لنا ما اجترأنا عليه من معاصي وما تجاوزنا من حدود الله جل في علاه، وما ذاك إلا لأننا جهلنا هذه الصفة.

    فالمتعلم دائماً يكون أفضل من الجاهل؛ لأن المتعلم بعدما يرجع إلى ربه يتعبد لله بهذا العلم، نسأل الله أن يغفر الله لنا اجتراءنا على معاصيه.

    1.   

    صفة التبارك لله تعالى

    الصفة الثالثة من صفات الله تعالى: صفة التبارك، وتبارك معناه البركة؛ لكن التبارك خاص لله جل وعلا، ولذا يمكنك أن تقول: هذا العبد بركة، ولا تقول هذا العبد تبارك، ومن الأول ما قاله: السخاوي في ترجمة النووي : النووي بركة، ويقولون: كثيراً على أصحاب التقى، وأصحاب الحسنات الزاهرات الظاهرة، يقولون عن هؤلاء: الجلسة معهم بركة، فالصحيح أن نصف الله بتبارك ولا نصفه بالبركة، فلا يقال: بركة الله، وإنما يقال: تبارك الله، كما قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1]، وقد ثبتت هذه الصفة لله في الكتاب، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [الفرقان:61]، وقال الله تعالى أيضاً: رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73].

    وثبتت هذه الصفة بالسنة فقد جاء في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن نبيناً من الأنبياء خر عليه جراد الذهب فجعل يحثو، فقيل له: ألم أكن قد أغنيتك؟! فقال: لا غنى لي عن بركتك)، فصفة التبارك صفة خاصة بالله جل في علاه.

    أثر صفة التبارك في إيمان العبد

    إن العبد يتعبد الله جل في علاه بهذه الصفة، فتحل عليه البركة في نفسه وماله وولده، وقد كان العوام يقولون قولاً حسناً جميلاً وهو: قليل مبارك خير من كثير غير مبارك فيه، فالعبرة بالبركة لا بالكثرة، فإن العبد إذا علم أن البركة من الله جل في علاه علم أن القليل من الله مبارك فيقنع به، ولا يتطلع لغيره، ولا يحقد أو يتطلع إلى الحرام فيرتشي أو يأخذ المال الحرام أو يأكل الربا؛ لأنه عنده قليل مهما بلغ، فهو ممحوق البركة، وأما القليل فهو يعلم أن الله إذا أنزل فيه البركة كفاه وكفى قوماً مثله.

    وقد صحت الأخبار أن البركة تحل بأهل الخير في آخر الزمان، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في علامات الساعة: (أن عيسى ابن مريم عليه السلام عندما ينزل يقتل الخنزير، ولا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ويبارك الله في الرمانة حتى أن القوم يستظلون بقشرها)، وذكر في ذات الحديث أن المرء يرى المال فائضاً عندهم، حتى أن كلاً منهم يأخذه يريد أن يتصدق به فما يجد من يأخذ منه الصدقة؛ وذاك لأنها قد عمت البركة، فإذا علم العبد أن البركة بيد الله جل في علاه قنع بهذا القليل، وهذا الذي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما نصح أبا ذر ، فقال له: (في أمر الدنيا لا تنظر إلا لمن هو دونك؛ حتى لا تزدري نعمة الله عليك، وفي أمر الآخرة انظر لمن فوقك؛ حتى تتنافس معه في الخيرات).

    والشاهد من الحديث قوله: لا تنظر إلا لمن دونك؛ وذلك حتى تعلم أن البركة معك وأن الله جل وعلا إذا بارك لك في هذا الطعام فلن ينفد، وإذا بارك لك في هذا المال فلن ينفد، ولا تخشى النفاد.

    أسباب البركة

    إن البركة من الله، وقد جعل لها أسباباً، ومن تلك الأسباب شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذا السبب قد انتهى بموت النبي صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن يقر أعيننا برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبارك لنا في مقامنا معه، وأن نشرب من يده الشريفة شربة ماء من الكوثر لا نظمأ بعدها أبداً.

    ومن أسباب البركة التي لا بد أن نأخذ بها حتى تحل علينا بركات الله:

    أولاً: تقوى الله جل في علاه، فبها تحل البركة، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96]، فلم يقل: كثرنا أموالهم، ولا زدنا لهم في العطاء، بل العطاء نفس العطاء، والفارق الذي أحدثه يقين العبد بربه هو البركة في ذلك العطاء.

    ثانياً: الصدق، فإن البائع والمشتري إن كانا صادقين فإن البركة ستكون معهما، وهذا ما جهله الباعة في زماننا هذا، فهم لفرط جهلهم يخادعون ربهم وهم المخدوعون الأغبياء الخاسرون؛ إذ أن الله جل وعلا يجعل البركة مع الصدق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وفي رواية قال: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)، وأما إن كذبا كما يفعل تجار زماننا هذا فإن الله سيمحق البركة من أموالهم ومكاسبهم كما محق البركة مع أكل الربا، وما صدق على البيع يصدق على الشركات، فتكون معهم البركة بشرط الصدق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر)، ومعلوم أن الله إذا كان معهم فإن البركة كلها ستكون معهم، فالمرء الذي يشارك غيره إن كان صادقاً مخلصاً ليس مخادعاً، فإن الله يكون معه ومع شريكه، وإذا كان الله معهما فإن البركة تحل عليهما.

    ثالثاً: ومن أسباب البركة كذلك ألا يتقدمن أمراً ولا يعملن عملاً إلا ويقدم بين يديه اسم الله، والذي يرى المصنفين ويتأمل مصنفاتهم يجد أن كتبهم وقد بدأت باسم الله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبعث بعثاً إلا قال: (اغزوا باسم الله)، وكان يبعث الدعاة إلى كسرى فارس وقيصر والروم ويصدر كتبه إليهم ب (باسم الله، من محمد رسول الله).

    فمن بدأ باسم الله كانت البركة معه؛ لأن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم لله جل في علاه، فإذا ذكر في قليل كثره، وإذا ذكر في كثير باركه، فإن البركة تكون مع اسم الله جل في علاه، ولذلك جاءت بعض الروايات التي فيها طعن وإن صححها بعض المحدثين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أجذم)، وفي رواية (فهو أبتر) وفي رواية: (فهو أقطع).

    فهذه الروايات كلها تبين لك أن البركة التامة مع ذكر اسم الله جل في علاه.