اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الأحدية والباطنية والتبارك لله عز وجل للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الأحدية والباطنية والتبارك لله عز وجل - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
مسكين من تجشم وحدث عما لا تحيط به الكلمات والأوصاف ولا تدرك كنهه العقول، وحسبنا أن نفسر ما وصف به نفسه من صفات، فالله أحد لا ند له؛ وفرد لا مثيل له، عرفناه بوحدانيته فاتجهت قلوب موحديه إليه وحده فلهجت باسمه، وخلصت لتنفيذ مراده وأمره، فهو الباطن القريب من عباده، يعلم سرهم وجهرهم وما تكنه صدورهم، فعجباً لمن يعصيه وهو قريب منه، ولا يستحيي ممن لا يخفى عليه أمره، إنه القائل عن نفسه: (تبارك)، وهل البركة إلا منه وإليه، فطوبى لمن حلت بركة الله بداره.
صفة الأحدية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: من الصفات الثبوتية الذاتية التي لا تنفك عن الله جل في علاه أزلاً وأبداً، صفة الأحدية، فالله جل وعلا هو الواحد الأحد الذي لا ند له، ولا شبيه له، ولا سمي له، وهذه الصفة ثبتت لله جل في علاه بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.فأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فوصف نفسه بأنه أحد.وأما السنة: فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: أن الله جل وعلا يقول: (وأنا الله الواحد الأحد)، أو قال: (وأنا الله الأحد الصمد)، ومعلوم أن لفظ الجلالة (الله) إذا أضيف إليه أي اسم من أسماء الله فإنه يعتبر الاسم المضاف إليه صفة.ورجحنا فيما سبق أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم لله جل في علاه، وأن كل الأسماء تضاف إليه على أنها صفات، ولا يضاف هو إلى هذه الأسماء، ففي الحديث السابق قال الله تعالى: (أنا الله الأحد)، فالأحد هنا صفة لله، وصفة الأحدية صفة ذاتية لله جل وعلا ثبوتية لا تنفك عن الله أزلاً وأبداً.وقد أجمع أهل السنة والجماعة على اتصاف الله بصفة الأحدية.
 من يتعبد الله بالأحدية لا يخاف إلا الله
إن علمت أن ربك هو الواحد الأحد فإنك لن تعبد غيره، ولم تخف إلا منه جل في علاه، وإذا وقعت في أمر جلل فإن اعتقادك الصحيح سيكون بالواحد، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقد صح عنه أنه (نام ذات مرة تحت شجرة وسيفه معلق بالشجرة، فقام رجل كافر من الأعراب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترط السيف ثم قال له: يا محمد! -بعدما أيقضه- من ينقذك مني؟ هذا سيف مصلت على رقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ولنا أن نتساءل من منا يمكن أن يتدبر هذا الاعتقاد الصحيح، ويستحضر أن الواحد الأحد هو الذي يملك يد هذا الرجل، فيملك أن يشل هذه اليد في وقتها وفي لحظتها، بل يملك ما هو أعظم من ذلك! أن يقبض روح هذا الرجل! إن ذلك لا يكون إلا لمن يعتقد الاعتقاد الجازم في أحدية الله، وهو حين يعتقد ذلك لن يخف من أحد أبداً، ولن يوقع همه إلا في الله جل في علاه.وجسد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال للأعرابي: (الله هو الذي ينقذني منك)، فلما قال ذلك وقع السيف من يد الرجل.فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله متفرد بالإحياء والإماتة، ويحول بين المرء وقلبه، فكل يد لا تتحرك إلا بالله جل في علاه، وكل نَفَس لا يخرج ولا يدخل إلا بمشيئة الله جل في علاه، ولذا فكل من اعتقد ذلك وعمل به فقد فاز في هذه الدنيا والآخرة، وأصبح سيداً على الناس، وكان خير من طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال للرجل: (من ينقذك مني؟ فقال الرجل: كن خير آخذ) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير آخذ.كما أنك إذا تعبدت لربك بصفة الأحدية فإنك تعلم أن الممدوح بحق من مدحه الله، والمذموم بحق من ذمه الله جل في علاه، فالواحد هو الذي يمدح والواحد هو الذي يذم، فلو اجتمع من بأقطار الأرض ليمدحوك فلن ينفعوك بشيء، ولو اجتمع من بأقطارها ليذموك فلن يضروك بشيء أبداً إلا بإذن الله.وقد جاء أن أعرابياً دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أعطني -يعني: أعطني من الفيء- أعطني فإن مدحي زين وذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - وهو المتعبد لربه بهذه الصفة العظيمة الجليلة-: (ذاك الله)، فعلم أن المدح بحق من الواحد الأحد، وأن الذم بحق من الواحد الأحد، وأيما قلب عمِّر بهذا الإيمان، واعتقد هذا الاعتقاد فأنى يخسر في هذه الدنيا، وأنى تبور أعماله في الآخرة، بل سيكون من الفائزين المكرمين يوم القيامة.
صفة الباطنية لله تعالى
من الصفات الذاتية لله جل في علاه التي لا بد للإنسان أن يتعبد لله جل وعلا بها: صفة الباطنية، والباطنية لها معنيان: المعنى الأول: الباطن هو القريب من العبد، فهو أقرب إليك من عنق راحلتك، وأقرب إليك من حبل الوريد. والمعنى الثاني في الباطنية: هو الخفاء والاحتجاب، فقولنا: الله الباطن، أي: الذي احتجب عن عباده فلا يعلمون كيفية صفاته سبحانه جل في علاه، ولا يتفكرون في كيفية صفاته، ولن يصلوا إلى كيفية صفاته جل في علاه.وهذه الصفة صفة ذاتية ثبوتية لا تنفك عن الله جل وعلا وقد ثبتت لله بالكتاب، وبالسنة، وبإجماع أهل السنة.أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3].وأما بالسنة: فقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) فالله سبحانه هو أقرب للإنسان من حبل الوريد، وهو أقرب إلى العبد من عنق الراحلة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً).وفي رواية أخرى قال: (إنما تدعون من هو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته).
 أثر صفة الباطنية في إيمان العبد
إذا تعبد العبد لله بهذه الصفة -صفة الباطنية- علم أن الله منه قريب، وإذا علم أن الله قريب منه علم أن دعائه لا بد أن يكون مسموعاً، ويستلزم من ذلك أن يكون مستجاباً، ويقال: مستجاباً وعلى قرب الإجابة حتى ولو طال الزمن؛ لأن ما هو آت فهو قريب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي)، قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].ومن العجب أن يبخل المرء على نفسه بالدعاء وهو يعتقد بأن الله قريب منه، وأنه يسمع همساته وبكائه وتضرعه! فلا يرفع يديه ليطلب من ربه جل وعلا ما يطمع في الحصول عليه من حاجة أخروية أو دنيوية.كما أنك إذا علمت أن ربك قريب، فستعلم أن الدعاء لا ينبغي أن تنزله إلا بالله جل في علاه، وقدوتك في ذلك الأنبياء، فهذا زكريا عليه السلام دخل على مريم فوجد عندها رزقاً، قال المفسرون: كان يجد رزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء، فسألها كما أخبر الله عنه: قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:37]، فلما علم القرب الحقيقي دعا ربه قائلاً: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:4-6]، وفي موطن آخر أخبر الله عنه أنه دعاه قائلاً: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران:38]، فاستجاب الله له في التو، وأصبح له ولد هبة من الله سبحانه وتعالى، فالله قريب من دعاء عباده، فلا يبخلن أحد على نفسه بأن يتقرب إلى القريب فيدعوه بحاجته، فإن الله سيقضي له حاجته.كما أنك إذا تعبدت لربك في الباطنية بالقرب استحييت من ربك، فإذا دنت منك المعصية علمت أن الله قريب منك يرى ما تفعل، ويسمع ما تقول، ويعلم نبضات قلبك، فاستحييت من ربك وابتعدت عن هذه المعصية، وقلت كما قال الأولون: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقلخلوت ولكن قل علي رقيبوإذا علمت أن الله جل في علاه رقيب منك، وأن باطنية الله جل في علاه في قلبك، فستوقن أنه على قرب منك، فيسمع الغيبة والنميمة، ويرى السرقة، ولا يخفى عليه النظر الحرام، ولا تغيب المعاصي عنه، وهو على قربه منك يمهلك ولا يهملك، وإذا أخذك لم يفلتك سبحانه جل في علاه.كما أنك إذا تعبدت لربك بهذه الصفة؛ بلغت إلى مرتبة الإحسان، ومراتب الدين ثلاث:المرتبة الأولى: الإسلام، والثانية: الإيمان، والثالثة: الإحسان، فمن أراد أن يرتقي من مرتبة الإسلام إلى الإيمان ثم الإحسان؛ فعليه أن يتدبر هذه الاسم الباطن، وعليه أن يتدبر هذه الصفة الجليلة ويسعى جاهداً لأن يتعبد لله جل في علاه، بهذه الصفة العظيمة. وقد ذكروا أن رجلاً عالماً كان يقرب منه طالباً من طلبة العلم فقالوا له: لِمَ تقرب هذا الطالب وتبعد هؤلاء الطلبة؟! ولِمَ يحظى هذا الطالب بالحفاوة عن هؤلاء وكلهم يدرسون عندك؟ فقال العالم: أريكم منه شيئاً تعرفون منه لِمَ أقرب هذا عن أصحابه وزملائه، فقال للذين يطلبون عنده العلم بعد أن أعطى كل واحد طيراً: كل واحد منكم يأخذ هذا الطير ويذبحه في مكان لا يراه أحد فيه، فأخذ كل طالب علم طيراً من هذه الطير وأخذ يجتهد أن يبحث عن مكان لا يراه أحد فيه، فيذبح الطير فيه، فذبح طيره الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وجاءوا جميعاً إلى هذا العالم كل يحكي: كنت قد اختبأت فذبحته ولم يرني أحد، والآخر يقول كما قال الأول وهكذا ...، ثم يأتي هذا الطالب النجيب الأريب الفقيه وقد أتى بطيره ولم يذبحه، فقال له العالم: لِمَ لمْ تذبح طيرك؟! فقال: يا معلمي! بحثت في كل مكان لا يراني الله فيه فما وجدت مكاناً إلا والله يراني فيه، كيف لا وهو الرقيب سبحانه وتعالى. ولذا ينبغي أن تدرك أن باطنية الله قرب من العبد، وكما أن هذا الطالب قُرب في الدنيا فسيكون في الآخرة من المقربين؛ لأنه تعبد الله بالإحسان، وهذه هي ثمرة الإحسان على المتورعين المتقين.وذكر أن أبا الإمام البخاري ذلك العلم الحبر، المحدث الفقيه، الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله هو كتاب صحيح البخاري ، ذكر أن أباه وهو يتصبب عرقاً من سكرات الموت كان يقول: يا بني! قد تركت لك ألف ألف دينار فيها دينار فيه شبهة، فكان الإمام البخاري هو ثمرة التعبد لله بالباطنية! فالأب كان يعلم أن الله يراه، ولم يقل يوماً كما يقول البعض اليوم: أتركها في رقبة عالم وأصبح سالماً، بل كان يتعبد لله لقربه منه، وأما نحن فنسأل الله أن يغفر لنا ما اجترأنا عليه من معاصي وما تجاوزنا من حدود الله جل في علاه، وما ذاك إلا لأننا جهلنا هذه الصفة.فالمتعلم دائماً يكون أفضل من الجاهل؛ لأن المتعلم بعدما يرجع إلى ربه يتعبد لله بهذا العلم، نسأل الله أن يغفر الله لنا اجتراءنا على معاصيه.
صفة التبارك لله تعالى
الصفة الثالثة من صفات الله تعالى: صفة التبارك، وتبارك معناه البركة؛ لكن التبارك خاص لله جل وعلا، ولذا يمكنك أن تقول: هذا العبد بركة، ولا تقول هذا العبد تبارك، ومن الأول ما قاله: السخاوي في ترجمة النووي : النووي بركة، ويقولون: كثيراً على أصحاب التقى، وأصحاب الحسنات الزاهرات الظاهرة، يقولون عن هؤلاء: الجلسة معهم بركة، فالصحيح أن نصف الله بتبارك ولا نصفه بالبركة، فلا يقال: بركة الله، وإنما يقال: تبارك الله، كما قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1]، وقد ثبتت هذه الصفة لله في الكتاب، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [الفرقان:61]، وقال الله تعالى أيضاً: رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73].وثبتت هذه الصفة بالسنة فقد جاء في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن نبيناً من الأنبياء خر عليه جراد الذهب فجعل يحثو، فقيل له: ألم أكن قد أغنيتك؟! فقال: لا غنى لي عن بركتك)، فصفة التبارك صفة خاصة بالله جل في علاه.
 أسباب البركة
إن البركة من الله، وقد جعل لها أسباباً، ومن تلك الأسباب شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذا السبب قد انتهى بموت النبي صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن يقر أعيننا برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبارك لنا في مقامنا معه، وأن نشرب من يده الشريفة شربة ماء من الكوثر لا نظمأ بعدها أبداً. ومن أسباب البركة التي لا بد أن نأخذ بها حتى تحل علينا بركات الله: أولاً: تقوى الله جل في علاه، فبها تحل البركة، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96]، فلم يقل: كثرنا أموالهم، ولا زدنا لهم في العطاء، بل العطاء نفس العطاء، والفارق الذي أحدثه يقين العبد بربه هو البركة في ذلك العطاء. ثانياً: الصدق، فإن البائع والمشتري إن كانا صادقين فإن البركة ستكون معهما، وهذا ما جهله الباعة في زماننا هذا، فهم لفرط جهلهم يخادعون ربهم وهم المخدوعون الأغبياء الخاسرون؛ إذ أن الله جل وعلا يجعل البركة مع الصدق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وفي رواية قال: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)، وأما إن كذبا كما يفعل تجار زماننا هذا فإن الله سيمحق البركة من أموالهم ومكاسبهم كما محق البركة مع أكل الربا، وما صدق على البيع يصدق على الشركات، فتكون معهم البركة بشرط الصدق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر)، ومعلوم أن الله إذا كان معهم فإن البركة كلها ستكون معهم، فالمرء الذي يشارك غيره إن كان صادقاً مخلصاً ليس مخادعاً، فإن الله يكون معه ومع شريكه، وإذا كان الله معهما فإن البركة تحل عليهما. ثالثاً: ومن أسباب البركة كذلك ألا يتقدمن أمراً ولا يعملن عملاً إلا ويقدم بين يديه اسم الله، والذي يرى المصنفين ويتأمل مصنفاتهم يجد أن كتبهم وقد بدأت باسم الله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبعث بعثاً إلا قال: (اغزوا باسم الله)، وكان يبعث الدعاة إلى كسرى فارس وقيصر والروم ويصدر كتبه إليهم ب (باسم الله، من محمد رسول الله).فمن بدأ باسم الله كانت البركة معه؛ لأن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم لله جل في علاه، فإذا ذكر في قليل كثره، وإذا ذكر في كثير باركه، فإن البركة تكون مع اسم الله جل في علاه، ولذلك جاءت بعض الروايات التي فيها طعن وإن صححها بعض المحدثين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أجذم)، وفي رواية (فهو أبتر) وفي رواية: (فهو أقطع).فهذه الروايات كلها تبين لك أن البركة التامة مع ذكر اسم الله جل في علاه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صفات الله وآثارها في إيمان العبد - شرح صفة الأحدية والباطنية والتبارك لله عز وجل للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net