إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة
  5. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر إثبات العين لله جل وعلا

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر إثبات العين لله جل وعلاللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفة العين من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وأجمع عليها سلف الأمة، فلله عينان تليقان بجلاله وكماله، ولم ينكر هذه الصفة إلا أهل البدع والضلال ممن لم يوفقوا لفهم الكتاب والسنة واتباع سلف الأمة.

    1.   

    إثبات صفة العين لله جل وعلا

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد: إخوتي الكرام!

    ما زلنا مع هذا العلم الشريف، وشرف العلم بشرف المعلوم، وليس أحد أشرف من الله جل في علاه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر إثبات العين لله جل وعلا على ما ثبته الخالق البارئ لنفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

    قال الله عز وجل لنبيه نوح صلوات الله عليه وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، وقال جل وعلا: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، وقال عز وجل في ذكر موسى: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، وقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما أثبته الخالق البارئ لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله تبارك وتعالى ما قد ثبته الله في محكم تنزيله ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الله مبيناً عنه عز وجل في قوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فبين النبي أن لله عينين، فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التنزيل الذي هو مسطور بين الدفتين ومقروء في المحاريب والكتاتيب.

    وعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال في هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58] قال: (رأيت رسول الله يضع إبهامه على أذنه، وأصبعه التي تليها على عينه) ].

    هكذا يشير إلى العين والأذن، والصحيح الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يشير إلى الأذن والعين، بل كان يشير إلى محل السمع والبصر؛ حتى لا يقال: إن لله أذن كما سنبين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ (قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك).

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور، عينه اليمنى كأنها عنبة طافية)].

    فلله جل وعلا صفات أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الصفات الصفات الذاتية الخبرية، ومعنى خبرية: أي لا يمكن للإنسان أن يعتقد أن لله هذه الصفة إلا من جهة الخبر والسمع، أي: يسمع بالآيات أو يسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا معنى الخبرية.

    وضابط هذه الصفات أنها بالنسبة لنا أو مسماها عندنا أجزاء وأبعاض، فيدي جزء مني، وعيني جزء مني، ورجلي جزء مني، لكن بالنسبة لله لا يقال: أجزاء وأبعاض، بل يقال: إنها بالنسبة لله جل وعلا صفة من صفات الكمال والجلال، ومن هذه الصفات الجليلة صفة العين، وصفة العين ثابتة لله جل وعلا، وهي تليق بجلاله وكماله وعظمته جل في علاه، وقد ثبتت هذه الصفة بالكتاب والسنة والإجماع.

    إثبات صفة العين لله تعالى بالكتاب

    فأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، ووجه الشاهد: بأعيننا، وأيضاً قال الله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، وجه الشاهد: (بأعيننا)، وقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، وجه الشاهد ( على عيني ).

    ففي هذه الآيات إضافة العين لله جل وعلا، وإن لم تضف إلى الله ما قلنا بأنها صفة له، كما بينا في صفة الساق، فإن جاءت مطلقة فلا نقول إنها صفة، فهل ننفيها عن الله أو نثبتها؟ لا ننفي ولا نثبت حتى تأتي القرينة، وإلا لو نفينا عن الله جل وعلا هذه الصفة فلعله أثبتها لنفسه ونحن لا نعلم، أو أثبتناها فلعله نفاها ونحن لا نعلم، فإن لم تأتينا الدلالة الواضحة على صفة من صفات الله فلا نثبت ولا ننفي، فالعين ما نثبتها إلا إذا أضيفت إلى الله جل وعلا، وقد أضافها الله لنفسه فقال: بِأَعْيُنِنَا [هود:37]، وقال: بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، وقال: عَلَى عَيْنِي [طه:39]، فالعين أضيفت لله جل وعلا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأنها معاني وليست أعيان، فهذا وجه الدلالة من هذه الآيات.

    إثبات صفة العين لله تعالى بالسنة

    وأما السنة: فقد ورد في البخاري ومسلم وفي غيرهما بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه لما حذر أمته من الدجال قال: وسأصفه لكم وصفاً لم يأت به أحد لأمته، إنه أعور، -ثم قال:- وإن ربك ليس بأعور)، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما رأى رعب الصحابة من الكلام عن الدجال عندما قال لهم: (أنه يأتي على الخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتخرج، ويأتي إلى السماء فيقول لها: أمطري فتمطر، ويستدبر الأرض كأنما تستدبره الريح) يعني: يقطعها في أوقات قليلة، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: كل هذه الأمور التي هي من مظاهر الربوبية وادعائه الإلهية لا تستغربون منها، فإن فيه علامة تثبت أنه ليس بإله ولا برب، وهذه العلامة: (إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور) أي: له الكمال المطلق، والجلال المطلق، والعظمة المطلقة، والعور عيب، والله منزه ومقدس عن كل عيب، فـالدجال أعور معيب، (وإن ربكم ليس بأعور)، يعني: له عين لكن هذه العين ليست معيبة.

    وهذا محل الشاهد: (وإن ربكم ليس بأعور)، ووجه الدلالة: أنه أثبت لله عيناً وأنها غير معيبة.

    وأيضاً هناك بعض الآثار التي تثبت عدد العيون لله ولكنها ضعيفة، ومنها: (يسجد المرء بين عيني الرحمن)، وهذا حديث ضعيف، فيستأنس به فقط.

    إجماع السلف على إثبات صفة العين لله تعالى

    وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة على أن لله جل وعلا عيناً تليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى، وليست بحدقة، وليست بجزء منه، بل هي صفة من صفات الكمال تليق بجلال الله جل وعلا.

    1.   

    إثبات أن لله تعالى عينين، والجمع بين الروايات في ذلك

    إذا أثبتنا لله جل وعلا عيناً تليق بجلاله وكماله فهي أكثر من عين وليست عيناً واحدة، وهذه دلالة القرآن، فقال: عَلَى عَيْنِي بالإفراد، وقال: بِأَعْيُنِنَا بالجمع، فهل نثبت لله عيناً واحدة أم أكثر من عين؟

    الجواب: أن الصحيح الراجح في ذلك أن السنة تفرق لنا بين الجمع وبين الإفراد، وتبين لنا عدد الأعين التي يتصف الله جل وعلا بها، فلله عينان ثابتتان كما سنبين.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم ليس بأعور)، وإذا نظرنا للآية الأولى قال: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ، فجعلها عين واحدة، ثم قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] فجعلها جمعاً، فنقول: إن الإفراد والجمع لا مخالفة بينهما؛ لأن المفرد هنا مضاف، والمفرد المضاف -عند الأصوليين- يفيد العموم، فيشمل أكثر من واحد، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، فذكرت النعمة هنا بالإفراد، مع أن نعم الله تعالى تترى لا تعد ولا تحصى، لكن (نعمة) هنا مفردة مضافة إلى الله جل وعلا، والمفرد إذا أضيف فإنه يشمل ويعم.

    وهنا قال: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ، إذاً فلا مخالفة بينها وبين (بأعيننا)؛ لأن المفرد المضاف يشمل الجمع.

    فإذا قيل: إذاً فهذه الآيات تدل على أعين كثيرة.

    فنقول: تحتمل أنها أعين كثيرة وتحتمل أن الجمع للتعظيم، وتكون لله عين واحدة أو أكثر من واحدة، والذي يبين لنا ذلك هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم ليس بأعور).

    ووجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن العور في اللغة معناه أن يكون الرجل له عينان إحداهما معيبة والأخرى صحيحة، فيقال: هذا أعور، يعني: له عينان: عين منهما معيبة والأخرى صحيحة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم ليس بأعور)، إذاً فله عينان، والأولى ليست معيبة والثانية أيضاً ليست معيبة.

    وأما الدجال فله واحدة معيبة كما في الحديث السابق.

    الوجه الثاني: أن المقام هنا مقام تمدح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدجال أعور)، فهو يبين عيبه، وهو في موقف مقارنة ومفارقة بين إلهية هذا المدعي المعيب وبين الإلهية الحقة التي تكون لله جل وعلا، فيقول: (إن الدجال أعور)، فمقام التمدح لله قال: (وإن ربكم ليس بأعور)، فإذا كان المقام مقام تمدح فإن تعدد الصفات يستلزم تعدد الكمالات، وكلما كثرت الصفات كثر الكمال، أما رأيتم بعض العلماء عندما يقول: الصفة إذا ضمت إليها صفة أخرى ازدادت كمالاً على كمال.

    فإذا قلت: الغفور الرحيم البر الكريم فهذه أسماء كلها، وكل اسم منها يتضمن كمالاً، فضم الصفة إلى الصفة والاسم إلى الاسم يعدد الكمالات، فكون لله أكثر من عين هذا يدل على كثرة الكمالات، والمقام مقام تمدح، فبين لنا أقصى ما يتمدح به أن لله عينين.

    ويستأنس في ذلك -كما قلت لكم- بالحديث الضعيف الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا سجد يسجد بين عيني الرحمن)، فهما ثنتان.

    1.   

    لوازم إثبات العين لله تعالى من الناحية السلوكية

    إذاً أخي الكريم! إذا اعتقدت اعتقاداً جازماً صحيحاً بأن لربك عيناً وهي من صفات الكمال والجلال والعظمة لله جل وعلا -وهما عينان-، فلازم ذلك أن الله يرى بهذه العين، فكن كريماً يا عبد الله! فإذا علمت أن الله جل وعلا يرى بعينه فلا بد عليك أن تعتقد أن رؤية الله تحيط بكل شيء، فإذا خلوت يوماً فلا تقل: خلوت ولكن قل: ربي يراني، وإذا نظرت ببصرك إلى محرم وما منا من أحد يفوت من هذا، ونستغفر ربنا ونعلن توبتنا وخير الخطائين التوابون، لكن الغرض المقصود أن المرء إذا نظر ببصره إلى محرم فليعلم بأن لله جل وعلا عيناً، وأن الله ينظر إليه بهذه العين، وأن الله يراه ويسبق بصر الله بصره عندما ينظر إلى الحرام، فيستحي العبد ويكون كريماً، فلا ينظر إلى محرم، وإذا نظر تاب وآب واستغفر، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه؛ فإن الحياء من الإيمان)، بل كل الإيمان حياء، والحياء لا يأت إلا بخير، فإذا اعتقدت هذا الاعتقاد الجازم الصحيح فكن كريماً واستح من ربك؛ فإن الله ينظر إليك إذا أطلقت بصرك إلى ما حرم الله جل وعلا.

    وأعلم أن لربك غيرة كما أن له عيناً ينظر بها، فإذا رأى الله جل وعلا بعينه عبده يفعل الفاحشة فإن الله جل وعلا له غيرة، ومن غيرة الله أنه وضع حاجزاً وحداً بينك وبين الحرام، وهذا الحاجز اعتقادك الصحيح بأن الله يراك.

    1.   

    أقسام الرؤية لله تعالى

    وإذا اعتقدنا أن الله يرانا فإن الرؤية رؤيتان: رؤية عامة، ورؤية خاصة.

    فأما الرؤية العامة: فهي رؤية الإحاطة، فقد أحاط الله بكل شيء بصراً، فلا يخفى على الله شيء دق وخفي، أو جل وعظم، فإن الله جل وعلا أحاط بصره بكل شيء، فيرى النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويرى عروقها جل في علاه، فلا تواري عنه سماءٌ سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره؛ فإنه أحاط بكل شيء رؤية.

    وهذه الرؤية تعم المؤمن وتعم الكافر، بل تعم كل الخلائق، فالجن الذين أخفوا على البشر فإن الله يراهم، والملَك الذي لا تراه فإن الله يراه، ويرى عروق النملة الصغيرة الدقيقة، ويرى كل ما خفي ودق، فهذه الرؤية العامة التي عمت الكافر والمؤمن، وعمت كل الخلائق تستلزم التهديد والوعيد لأهل الكفر والظلمة والفسقة والفجرة، الذين يتجرءون على الله جل وعلا، ويتجرءون على عباد الله، ويتعدون حدود الله، فإن الله ببصره يراهم، فإذا رآهم الله جل وعلا وأمر الملائكة أن تكتب ما يفعلون جازاهم ونكل بهم أشد النكال في الدنيا قبل الآخرة، وإليك نبأ ذلك من كتابه جل وعلا، قال الله محذراً ومنذراً أهل الكفر والفسق والظلم والفجرة الكفرة، قال الله جل وعلا: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14]، ألم يعلم هذا الكافر الفاسق الفاجر الذي يتعدى حدود الله بأن الله يراه، ولازم رؤية الله له أنه سيعذبه وينكل به أشد النكال في الدنيا قبل الآخرة، وألم يعلم الظالم عندما يظلم أن الله يراه وهو يظلم عبداً من عباده، أو ولياً من أوليائه، والله جل وعلا يقول كما في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).

    وقال الله جل وعلا أيضاً في سياق مثل هذه الآية: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [البلد:7]، وإن لم يره أحد من البشر أو من الجن أو من الملائكة فلم يكتبوا فإن رب السموات والأرض يراه، ومجازيه على ما يفعل.

    فهذه هي رؤية الإحاطة، فأنت إذا اعتقدت اعتقاداً جازماً بأن الله يرى كل شيء، ومحيط بكل شيء بصراً ورؤية لم تحزن على ما يفعل الكافر بالمؤمن؛ لأن الله إن لم ينصر أخاك المؤمن على هذا الكافر في الدنيا فإن الله جل وعلا سينكل بهذا الكافر نكالاً شديداً في الآخرة، فأنت تعتقد أن الله يرى فعل هذا الكافر في هذا المؤمن، والله قادر عليه، لكنه يرجئه لحكمة عنده خفية لا نعلمها، وإن بين لنا هذا الحكمة فنحن نسمع ونطيع.

    فهذه الرؤية -رؤية الإحاطة أو الرؤية العامة- إذا اعتقدها المرء اعتقاداً جازماً أراح واستراح.

    وأما الرؤية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمنين، وهي رؤية تثبيت توفيق وحراسة وعناية ونصرة وتأييد، وهذه الرؤية خاصة بالمؤمنين فلا يدخل فيها الكافر بحال من الأحوال، وهذه الرؤية هي التي ذكرها الله جل وعلا مسلياً نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] أي: اصبر على أهل الكفر في مكة وهم يتجبرون ويتجاسرون ويتجرءون عليك، وهم يكيدون لك كيداً، وهم يمكرون بك مكراً، وكأن الفاء في قوله: (فإنك) تدل وتشعر بالعلّيّة، لِمَ؟ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ، فهذا تسلية له، فاصبر فإن الله يراك، ويرى كيد الكائدين، ويرى كفر الكافرين، ويرى تجبر الجبابرة الذين يمكرون بك ويكيدون لك، فاصبر على ذلك لَمِ؟ لأن الله يراك ويراهم، والله إذا رآك ورآهم فإنه قادر عليك وقادر عليهم، فالله سيعصمك منهم، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، فهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد ظهر ذلك جلياً، فقد رأى الله جل وعلا أبا جهل ومن معه من صناديد قريش وهم يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم لقتله، فحدث بسبب هذه الرؤيا تسديد وتأييد وتوبيخ، فلما اجتمع الفتية ليقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم ينظرون إليه، فجعل الله من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، فهذا لازم من لوازم رؤية التسديد والتوفيق، فالله رآهم يفعلون ذلك فسدد ونصر النبي صلى الله عليه وسلم، ووفقه للخروج من هذا المأزق، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48].

    ونوح عليه السلام أيضاً قال الله تعالى تسلية له: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، فالله يراه وهو يصنع الفلك وهم يمرون عليه ويسخرون منه، وهو يسخر منهم، والله يرى هذه المجادلة، وبعدما رأى الله جل وعلا ذلك سلى نبيه أنه سيحفظه وسيسدده وسينقذه، ثم جاء فصل الخطاب الذي يؤكد لنا ذلك، ففجر الله تعالى الأرض عيوناً، وأمطرت السماء ماءها، فاجتمع ماء السماء مع ماء الأرض والعيون فأغرق كل شيء إلا سفينة نوح، فهذه من رعاية الله جل وعلا، وهي من لوازم رؤيته لنوح، قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، فأنقذ الله نوحاً ومن معه في هذه السفينة التي كانت تسير في هذه الأمواج المتلاطمة الشديدة، فسدد الله ووفق ورعى نوحاً ومن معه رعاية منه جل وعلا.

    وأيضاً تسديده وتوفيقه ونصره لموسى عليه السلام وهارون ضد فرعون، فإن موسى خشي أن يذهب إلى فرعون: قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45]، فقال الله تعالى مبيناً لهما رؤية الإحاطة والتسديد والتوفيق والنصرة: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، قال ابن عباس : أرى ما يكيدون وما يدور بينكم وبينه، وأحفظكم من كل سوء يدور بكم، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه.

    فقال الله جل وعلا لمن يفقه ويعقل عنه هذا الكلام: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ، وكأن موسى فهم من ذلك وفقه عن الله جل وعلا أنه إذا رآك خاصة وأنت مؤمن تنافح عن دينه فإنه سينصرك وسيوفقك وسيسددك، وهذا الذي حدث فقد أنقذ الله جل وعلا موسى ومن معه من بني إسرائيل من يدي هذا الكافر فرعون عليه من الله ما يستحق.

    إذاً: فالرؤية الثانية هي رؤية التوفيق والتسديد والنصرة، وهذه خاصة بالمؤمنين.

    رؤية التوفيق والتسديد الخاصة بالمؤمنين هل تشمل العاصي؟

    يبقى لنا في هذه المسألة أمر وهو: إذا كانت هذه الرؤية -رؤية التوفيق والتسديد- خاصة بالمؤمنين فهل تشمل العاصي أم لا؟

    والجواب: أنها تشمل ولا تشمل، نفي وإثبات، فعند طاعته وعند تقربه إلى الله جل وعلا بالطاعات فهو مؤمن يستبشر بقول الله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ، وعندما يفسق ويفجر ويعصي الله جل وعلا فإنه يخرج من هذه الرعاية والتسديد والتوفيق، نعوذ بالله من الخلان، وكما قال بعض العلماء: إذا سقط العبد من عين الله جل وعلا وَكَلَه لنفسه، فإذا وَكَلَه لنفسه وَكَلَه إلى ظلمة، وإلى بوار، وإلى ضياع.

    ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ليل نهار: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).

    فالصحيح الراجح أن نقول: إنه عند التُّقى، وعند الصلوات الخمس، وعند النوافل، وعند التسبيح، وعند الذكر، فليبشر بخير؛ لقول الله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ، فليبشر بتسديد وتوفيق ونصرة وإعانة ورعاية الله له، وأما عند الفسق والفجور فلنا كلمتان: الكلمة الأولى: إن كان صادقاً مخلصاً فإن الله جل وعلا أيضاً يكلؤه برحمته، ويجعله يتوب ويئوب، ويجعله يستحي من ربه مما فعل، وإلا نزل تحت الوعيد: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14]، وسيحاسب على ذلك، نعوذ بالله من الخذلان.

    1.   

    مذاهب أهل البدع تجاه هذه الصفة، والرد عليهم

    إننا نثبت صفة العين لله بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، فالعين في اللغة معلومة، وهي لها كيفية لكن نحن نجهل هذه الكيفية، وهو سبحانه يعلم كيفية صفته، فالكيف بالنسبة لنا مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    وأما أهل الضلالة والتحريف والتبديل الذين لا يعتقدون الاعتقاد السليم في ربهم، فقالوا: إن معنى قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أي: على رؤيتي، وقد وقع بعض أهل السنة والجماعة في هذا التأويل، فقالوا في قول الله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] أي: برؤيتنا، فقالوا: ليس لله عين، قالوا: ولو أثبتم لله عيناً فقد شبهتموه بخلقه، إذاً فلا بد أن ننفي هذه الصفة.

    والذين ضلوا في هذا الباب هم المشبهة والمعطلة والمحرفة، فالمعطلة هم الجهمية والمعتزلة، والمشبهة هم الذين غلوا في الإثبات، فشبهوا الخالق بالمخلوق، والمحرفة هم الأشاعرة الذين يقولون: نؤول، وهو تحريف وليس بتأويل.

    فالجهمية المعطلة قالوا: لا نثبت لله عيناً، وهؤلاء عندهم غلو، وهم أيضاً يقولون: لا سمع ولا سميع، ولا بصر ولا بصير، فنفوا كل الصفات، فهؤلاء يرد عليهم بأنهم خالفوا ظاهر القرآن وظاهر السنة، وخالفوا أبناء الأمة، وأيضاً قدحوا في الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا القدح يرجع إلى من حرف، وإلى من قال بالرؤية دون إثبات العين.

    فنقول لهم: إن الله أنزل كتابه على رسوله ليبينه للناس: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، ومن ضمن الذكر الذي نزل على رسوله ليبينه للأمة قول الله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ، وقول الله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، وقول الله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، فالواجب على الرسول في هذه الآيات التبليغ ثم التبيين. فإذا قلتم: إننا لا نثبت العين وأن النصيب فيها الرؤية إذاً فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد قصر في التبيين، فيلزمكم ذلك، وحاشاه صلى الله عليه وسلم، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ أتم البلاغ، وبيّن أتم البيان، ولما لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم بأن العين ليست عيناً ولكنها رؤية، علمنا أنه قد أثبت لربه ما أثبته لنفسه وهي العين.

    إذاً فالمعطلة خالفوا الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فالاعتقاد الصحيح أن لله جل وعلا عيناً تليق بجلاله وكماله.

    1.   

    الرد على المعطلة في استشهادهم بقوله تعالى: (تجري بأعيننا) على إنكار صفة الرؤية لله عز وجل

    يبقى هنا إشكال واحد وهو: أن الله تعالى يقول: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، فجاء أهل التحريف والتعطيل وقالوا: هل السفينة كانت تجري في عين الله؟

    والجواب: أن الباء هنا ليست للظرفية ولكنها للمصاحبة، أي: تجري برؤيتنا، ولازم الرؤية الإحاطة والنصرة والتسديد.

    فأنت إذا جاءك ضيف ومعه ولد فقال لك: اعتني بولدي هذا حتى أرجع إليك، فإنك تقول له: ولدك في عيني، أي: سأراه، ولازم رؤيتي له أن أرعاه وأسدده وأحفظه من كل سوء إن استطعت ذلك، وكذلك قولك: أنت في قلبي، تعني: حبك في قلبي، وقولك: أنت في عيني، أو ولدك في عيني، أي: تحت رعايتي وبصري، إذاً فلا إشكال في قول الله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، وأن (الباء) ليست للظرفية، وإنما هي للمصاحبة، أي: تصحبك رؤيتي، ولازم ذلك أن تصحبك رعايتي ونصرتي وتوفيقي وتسديدي لك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.