إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه
  5. القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - ضوابط في العبادات والأيمان والنكاح

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - ضوابط في العبادات والأيمان والنكاحللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوجد في الفقه الإسلامي قواعد كثيرة تدخل في أبواب متفرقة، وإلى جانب هذه القواعد توجد ضوابط فقهية كثيرة، وهذه الضوابط هي قواعد فقهية، لكنها تكون محصورة في باب من الفقه.

    1.   

    قاعدة تلازم الحكم مع العلة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    نختم الكتاب اليوم ببعض الضوابط وبعض القواعد المتفرقة؛ فكل قاعدة ضابط، وليس كل ضابط قاعدة؛ لأنها أعم من الضابط.

    القاعدة: الحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، طرداًوعكساً.

    والعلة: هي الوصف الحقيقي الذي أناط الشرع الحكم به، لكن الوصف لا بد أن يكون وصفاً حقيقياً يؤثر في الحكم.

    وقولهم: الحكم يدور مع علته حيث دارت، يستقى من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر) وهذا يعتبر هو الدليل الرئيسي الأصيل لهذه القاعدة العظيمة.

    قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91].

    وهذا أمر جازم على الانتهاء، فحرمت الخمر بسبب الإسكار، ووجه الدلالة من الحديث (كل مسكر خمر) وكأنه إشارة إلى أن الخمر حرمها الله في كتابه لأنها مسكرة، لكن التصريح في الآية، قال الله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43].

    إذاً: الذي يشرب الخمر لا يعلم فهو يهذي؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب الخمر كل ما خامر العقل بنشوة، وهذا قيد مهم جداً، فالخمر كل ما خامر العقل، يعني: غطى العقل بنشوة. ولذلك يجوز للإنسان أن يستعمل البنج في العمليات الجراحية؛ لأنه لا ترافقه نشوة.

    فالحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، فإذا وجد الإسكار وجد الحكم، وإذا انتفى الإسكار انتفى الحكم.

    نبيذ العنب يسكر قليله وكثيره فحكمه حرام؛ لأنه يسكر؛ ولأن العلة موجودة في الحكم.

    لكن شرب الرجل للكأس الواحدة من نبيذ العنب ولم يحدث الإسكار، وشرب الكأس الثانية ولم ير اختلالاً في عقله، نقول: إذاً هذا النبيذ ليس فيه إسكار، إذاً العلة انتفت والحكم انتفى، فهو حلال؛ لأن علة الحرمة هي الإسكار وقد انتفت.

    شرب الرجل كأساً واحداً من ماء الشعير فتخبط فيمن يراه، وعقله اختل وكان بنشوة يترنح، فحكم ماء الشعير حرام؛ لأنه وجد منه علامة الإسكار.

    ورجل رأى امرأة فأعجبته، فذهب ليخطبها فتكلم مع أبيها ورآها، فجاء رجل آخر يريد خطبتها، فالحكم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه).

    والعلة في نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج أو يخطب شخص على خطبة أخيه؛ لأن الخطبة على خطبة تحدث بها المشاحنة، ويتولد بها العداوة والبغضاء، والحكم يدور مع علته حيث دارت، فإذا وجدت العداوة والمشاحنة وجد التحريم.

    ولو انتفت العداوة والبغضاء انتفى الحكم، يقرر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم -حتى تعرف أن القاعدة قاعدة صحيحة سديدة سليمة- فقد قال في آخر الحديث: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن) وإذا حدث الإذن انتفت العداوة والبغضاء وانتفت الحرمة.

    أيضاً من الأمثلة على ذلك: أن الأصل في الصلاة أن يصليها الرجل قائماً، قال تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فهذا دليل واضح جداً على أن الصلاة الأصل فيها أن يقوم المرء ولا يقعد.

    فإذا وجد المرض وجدت الرخصة، وهي الصلاة جالساً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمران : (صل قائماً، فإن لم تستطع فصل قاعداً، فإن لم تستطع فصل على جنب) وإذا انتفى المرض انتفت الرخصة، فإذا صلى الرجل جالساً وهو يستطيع القيام، قلنا له: صلاتك باطلة.

    كذلك إذا سافر الرجل في رمضان، فهذا السفر -وهو الرخصة- يبيح الفطر بمشقة أو بدون مشقة، فإذا وجد السفر وجدت الرخصة بإباحة الفطر، وإذا انتفى السفر انتفت الرخصة.

    إذاً: الحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، طرداً وعكساً.

    أيضاً: الجهالة في البيع هي سبب حرمة البيع، فإذا وجدت الجهالة حرم البيع وفسخ العقد، وإن انتفت الجهالة صح البيع.

    أيضاً: القرض الذي جر نفعاً بشرط فهو ربا.

    فرجل أعطى رجلاً ألفاً، وقال للرجل: اقضني ألفاً وعشرة جنيهات، فهذه الزيادة تسمى ربا.

    أيضاً: البيع للسلع المباحة يجوز بشرط ألّا تستخدم في الحرام، فإذا وجدت من تشتري البنطال لتتبرج به، قلنا: حكم البيع حرام، وإذا علمنا أنها لم تفعل ذلك قلنا: يرجع الأمر إلى أصله، فالحكم يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً.

    هنا قاعدة أخرى، وهي: من شرع في عبادة تلزمه بالشروع ثم فسدت عليه قضى بنفس الصفة التي فسدت عليه.

    إذا شرع في عبادة تلزم بالشروع، ثم فسدت فعليه القضاء، وهذا القضاء لا بد أن يكون على نفس الصفة التي لزمته بها، هذه العبادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).

    وأيضاً: إذا دخل يصلي الظهر ففسدت عليه الصلاة فما زال مطالباً بإقامة صلاة الظهر.

    معنى هذه القاعدة: أن المرء إذا دخل في عبادة، وهذه العبادة مرخص له أن يتعبد بها بغير هذه الصفة، لكن دخل على هذه الصفة وفسدت عليه، فإذا أراد أن يقضي فلا يقضي بالترخيص الذي رخص له، بل يقضي بنفس الصفة، ومن المثال يتضح المقال:

    من سافر فله أن يقصر، فصلى خلف مقيم سيصلي العصر أربعاً، فلزم عليه الإتمام، ولكنه في الركعة الثالثة خرج منه ريح أو رعف دماً فخرج من الصلاة، فبعدما ذهب يتوضأ ويجدد وضوءه وجد الإمام قد انتهى من صلاته، فشغلت ذمته بهذه العبادة على صفة التمام، وهو مرخص له بالقصر في السفر، فإذا أراد قضاءها قصراً، قلنا: تأتي هذه القاعدة، فإن ذمتك قد شغلت بهذه العبادة على صفة التمام فلا يكون القضاء إلا على هذه الصفة.

    1.   

    قاعدة الحلف بغير الله لا يعتبر يميناً

    القاعدة الثالثة: الحلف بغير الله لا يعتبر يميناً شرعياً، يعني: فلا ينعقد اليمين.

    أولاً: القسم قسمان: قسم من الخالق، وقسم من المخلوق.

    أما الخالق فيقسم بذاته، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، بل ويقسم بمخلوقاته، فقد أقسم الله بنفسه وبربوبيته، قال الله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات:23]، وقال الله جل في علاه: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93].

    ويقسم أيضاً بمخلوقاته سبحانه جل في علاه، قال الله تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1].. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2]، وقال الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2]، بل أقسم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72].

    فأقسم الله بالمخلوق لعلتين وحكمتين ظاهرتين لنا:

    العلة الأولى والحكمة الأولى: التشريف والتعظيم.

    العلة الثانية: أن هذا فيه دلالة عظيمة على ربوبية الله جل في علاه، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقيم الليل يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل) هذه فيها دلالة على عظمة خلق هؤلاء، وعظم خلق هؤلاء دلالة على عظمة الخالق جل في علاه.

    أما القسم الثاني: وهو قسم المخلوق، فالمخلوق لا يجوز له بحال من الأحوال أن يقسم إلا بالخالق، فلا يقسم بشيء غير ربه جل في علاه، أو بأسماء الله الحسنى، وبصفاته العلى، وله أن يقسم بأفعال الله.

    ولا يجوز بحال من الأحوال أن تقسم بغير الله جل في علاه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع عمر رضي الله عنه وأرضاه يقسم بأبيه: (لا تحلفوا بآبائكم).

    وأيضاً في المسند عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك) وفي رواية: (فقد كفر) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله ومن قال لأخيه: تعال أقامرك، فليتصدق).

    فإذاً: القسم بغير الله لا يجوز؛ فإن كان لا يجوز، فهو أيضاً لا ينعقد، أي لا كفارة فيه، فلو قال: أقسم برحمة أبي، أو بشرف أمي إنه لا يأكل، ثم أكل، فليس عليه كفارة؛ لأن اليمين لا تنعقد.

    لكن يستثنى من هذه مسألة من قال: عليّ الطلاق، هذه المسألة لنا فيها نظر:

    النظر الأول: أن هذا من باب النذر. يعني: يلزمه طلاق امرأته، فقوله: عليّ الطلاق ليس قسماً وإنما هو نذر بمنزلة اليمين، وتدور المسألة على نيته، فلو قال: عليّ الطلاق ما تذهبي إلى أبيك، وذهبت إلى أبيها، قال شيخ الإسلام خلافاً لجماهير أهل العلم: المسألة دائرة مع نيته حيث قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

    ولو كان يفعل ذلك تهديداً فهذا نذر نزل منزلة اليمين فعليه كفارة يمين.

    إذاً: القسم ينعقد إذا كان بالله، أو بذات الله، فإذا أقسم رجل وقال: وروح الله لأتزوجن هنداً ، فلم يتزوج هنداً .

    إذا قصد بذلك عيسى، فهذه إضافة تشريف فلا ينعقد اليمين.

    1.   

    قاعدة ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً

    القاعدة الثالثة: ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً.

    وشرط هذه القاعدة: تساوي الفعلين.

    الأمثلة على هذه القاعدة: فصل الوتر أفضل من وصله؛ لأن الوتر له صورتان: الأولى: ثلاث ركعات بتشهد واحد، وهذا مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحالة الثانية: أن تصليها بالفصل، فتصلي ركعتين، ثم تتشهد، وتسلم، ثم تأتي بالركعة الثالثة، وهنا يأتي تطبيق القاعدة: ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً وثواباً، فالفصل فيه قراءة وركوع وسجود، وفي الركعة الثانية تشهد، ثم تسليم، ثم يقوم بالركعة الثالثة، فيجدد النية ثم تكبيرة إحرام، ثم القراءة، ثم بعد ذلك تشهد أخير، ثم سلام، فزادت النية مع التكبير، وزاد تشهد، وزاد سلام، وكل هذه الزيادات فيها زيادة في الأجر، فما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً وثواباً وأجراً، لكن بقيد وشرط هو: تساوي الفعلين.

    كذلك الصوم في الصيف أفضل من الصوم في الشتاء، لأن اليوم في الصيف يكون أطول، وأيضاً: شدة الحر والمشقة في الصيف أكثر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجرك على قدر نصبك ونفقتك).

    وأما في الشتاء فالنهار قصير، وأيضاً لا يوجد الحر فلا يكون شاقاً على الإنسان كالصوم في الصيف، ولذلك نحن دائماً ننصح المسافر بالفطر في رمضان إن كان في الصيف، وعليه القضاء في الشتاء عندما يكون النهار قصيراً.

    ولذلك يكون أجر الصيام في الصيف أفضل من أجر الصيام في الشتاء.

    أيضاً من صور هذه القاعدة: قيام الليل في الثلث الأخير أفضل من القيام في أول الليل، وهذا الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

    والوتر أيضاً في آخر الليل أفضل منه أول الليل، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً).

    وأيضاً قال الله تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا [المزمل:6]، هذا فيه دلالة على أن صلاة القيام في الثلث الأخير أفضل من الصلاة في أوله؛ لما في ذلك من ترك الفراش والقيام بين يدي الله.

    وهذا الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يأمره إلا بالأفضل، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ [الإسراء:79]، والتهجد لا يكون إلا بعد قيام من نوم، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].

    ومن الأمثلة كما قال السيوطي : إفراد النسكين خير من القران، أي: أن يفرد العمرة في سفرة، ثم يحج في سفرة أخرى، فهذا يكون أفضل، وهذه وجهة نظر أبي بكر وعمر وعثمان ؛ لأنهم كانوا يمنعون المتعة ويفضلون الإفراد؛ حتى يكثر عمَّار بيت الله الحرام.

    1.   

    قاعدة القرعة وسيلة شرعية عند الالتباس

    القاعدة الأخيرة: القرعة وسيلة شرعية عند الاشتباه: فإذا اشتبه على المرء أمور لا يستطيع الترجيح بينها، فعليه بالقرعة، وهذا أصل أصيل في شرعنا كما قال الله تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44]، فهذه قرعة؛ حتى يُرى هل زكريا هو الذي يكفل أم غيره، فكانت القرعة عند عدم الترجيح.

    وقال الله تعالى عن يونس: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141] أي: حدثت قرعة.

    وفي السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها سافر بها) أي: أخذها النبي صلى الله عليه وسلم معه في سفره.

    وقد يقول قائل: هل تقام قرعة في الأحكام الشرعية؟

    الجواب: الأحكام لا تشتبه؛ لأنك لا بد أن تفصل فيها، فالقرعة لا تدخل في الأحكام بحال من الأحوال.

    قال الله تعالى يبين لنا فصل الخطاب في مسألة الاشتباه في مسألة الأحكام: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُم [النساء:83] وهم العلماء، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [النساء:83]، وهذا لتفاوت بين عالم وبين عالم آخر في الترجيح والرد على المخالف.

    1.   

    ضابط الدخول بالأمهات يحرم البنات والعقد على البنات يحرم الأمهات

    ضابط: الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات.

    ودليله من الكتاب قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23] فإذاً: الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات.

    وحكمة التفريق بين أن الأم اشترط فيها الدخول، والبنت اشترط فيها العقد؛ لأنه إذا عقد على البنت فإنه لا بد له من الاحتكاك بالأم، فإذا لم تحرم الأم شق عليه ذلك، والمشقة تجلبت التيسير، فالعقد على البنت دون الدخول يحرم الأم، ولو حدث بعد العقد كلام وطلقها ولم يدخل بها، تصبح الأم محرماً يسافر بها، ويحج بها، فتعطى حكم المحرمية.

    1.   

    ضابط تحريم الجمع بين المرأتين في النكاح

    ومن الضوابط: يحرم الجمع بين كل امرأتين لو فرض أحدهما ذكراً، لم يجز له أن يتزوج الأخرى.

    فإذا فرضنا أن هنداً أخت لسعاد ، وإذا جاء رجل يريد الزواج بهما وهما أختان فنقول له: افرض أن سعاد ذكر فهل يجوز له أن يتزوج هنداً؟ لا؛ لأن الأخ لا يتزوج أخته.

    فإذاً: إذا فرضت البنت الأولى ذكراً لا يجوز لها أن تتزوج الثانية، فلا يجوز لك أن تجمع بينهما.

    مثال ثان: سعاد عمة زينب، فجاء الرجل يريد الزواج بسعاد وزينب، فنقول له: افرض أن زينب أصبحت ذكراً وسمّي عمراً، وعمرو أراد أن يتزوج من سعاد فلا يصح؛ لأنها عمته فلا يتزوج عمته، فنقول: إذا فرضنا الأول ذكراً لا يصح أن يتزوج الثانية، فلا يصح أن يجمع بين سعاد وزينب ؛ لأن إحداهما إذا فرضناه ذكراً لا يجوز أن يتزوج الثانية.

    قال تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23].

    وأيضاً: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع المرء بين البنت وخالتها، وبين البنت وعمتها قال: وإن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) بأبي هو وأمي.

    1.   

    ضابط تدرك صلاة الجماعة بإدراك السلام مع الإمام

    ومن الضوابط: قول مستقى من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ذهبتم إلى الصلاة فاذهبوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).

    وهذا حديث عظيم جداً، فهو يبين لنا أن المرء يدرك الجماعة بأدنى شيء، ولو بالتشهد الأخير؛ لأنه قال: ما أدركتم، وهذا اللفظ يدل على العموم، يعني: سواء أدركت التشهد أو أدركت الركوع أو أدركت السجود أو أدركت التسبيح، أو أدركت لحظة قبل السلام.

    وهذا الحديث عمل به الجمهور، وقالوا: إذا أدرك المسبوق الإمام في التشهد الأخير فليجلس ويكون قد أدرك الجماعة، وله ثواب الجماعة.

    وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: لا تدرك الجماعة إلا بركعة تامة، والركعة التامة تدرك بالركوع عند الجمهور.

    فكأنه قال: إذا دخل محمد على الإمام أحمد فوجد الإمام في التشهد الأخير فلا يدخل معه، بل ينتظر حتى يسلم الإمام، ثم ينشئ جماعة أخرى، وهذا الذي أخذ به علماء الحجاز، ودليلهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة). وفي رواية: (من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)، أو قال: (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة).

    مفهوم المخالفة: أنه إذا لم يدرك الركوع لم يدرك الصلاة، فلا يعتد بهذه الجماعة، وهذا المفهوم قوي جداً، لكنه مردود عليه بفضل الله سبحانه وتعالى؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة) أي: كتبت له الركعة، ولا يقصد بالصلاة الجماعة، أو الصلاة كلها.

    فإذاً: الجماعة يدركها المسبوق ولو بالتشهد الأخير خلافاً للحنابلة، وتطبيقاً لهذا الضابط.

    1.   

    ضابط الاستخارة لا تكون إلا في المباح

    القاعدة الأخيرة: الاستخارة لا تكون إلا في المباح.

    والاستخارة لغةً: طلب الخير.

    وفي الاصطلاح: طلب الخير من الله جل في علاه في الأمر المبهم، يعني: الأمر الذي لا يعرف خيره من شره.

    فالقاعدة تقول: لا استخارة في المندوبات أو في العبادات، أو الواجبات، فلو قلت لأحد الناس: تعال يا أخي صل الظهر فقال: أنا سأستخير، فأنظر هل فيه خير أم شر.

    فنقول: هذا عطل في فهمك فالواجبات لا استخارة فيها؛ لأن الخير قد علم فيها من الوحي، حيث بين الله جل وعلا أن الخير كله خير في الائتمار بأمره جل في علاه.

    أيضاً: المندوبات، رجل نقول له: صل في الليل، فقال: سأستخير الله لأرى هل قيام الليل خير لي أم لا؟

    قلنا: أيضاً هذا عطل في الفهم، فالاستخارة تكون في الأمور المباحة، وليست في العبادات ولا في الواجبات، ودليل ذلك حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: (كان رسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن).إلى آخر الحديث.

    هذا الحديث يثبت لنا أن الاستخارة في كل الأمور، وهذا عام يراد به الخصوص، أي أن قوله: (في الأمور كلها) يعني المباحات، لا العبادات، ولا المندوبات، ومن باب أولى الاستخارة في الحرام.

    المهم والغرض المقصود: الاستثناء في مسألة: لا استخارة في الواجبات ولا المندوبات، فإنه عند تعارض المصالح في المندوبات لك أن تستخير بأيهما تقدم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.