إسلام ويب

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - النهيللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يُعدُّ النهي من المباحث الأصولية الهامة، لما له من أثر في معرفة المنهيات التي نهى عنها الشارع الحكيم، ولذلك أفرده بعض العلماء بالبحث والدراسة والتأليف، وعلى القول الراجح من آراء العلماء أنه يقتضي الفساد، وهو على الدوام والفور بأصل وضعه.

    1.   

    تعريف النهي

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    النهي لغة: ضد الأمر، وهو الكف عن شيء معين.

    واصطلاحاً هو: طلب الكف على جهة الإلزام على وجه الاستعلاء، أي: من الأعلى للأدنى.

    مثاله: قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31]، فقوله: (لا تقتلوا) نهي، أي: يحرم عليكم قتل أولادكم.

    وقول الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32].

    وقول الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230].

    وإن كان النهي من الأدنى للأعلى فيكون رجاء ودعاء.

    مثل: قوله تعالى: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286].

    1.   

    صيغ النهي

    للنهي صيغ تدل عليه منها:

    أولاً: الفعل المضارع المقرون بلا الناهية، ويسمى إنشاء، أما إذا قرن بلا النافية فيسمى خبراً، كقول الله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ [البقرة:197]، وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الذاريات:51]، وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام:152]، وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام:150]، وكل ذلك تحريم.

    وهل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أم هو عام لجميع الأمة؟

    الجواب: أنه عام لجميع الأمة، فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعم كل الأمة.

    ثانياً: اسم الفعل بمعنى النهي، كقول المعلم للطالب: (صه) بمعنى: اسكت، و(مه) بمعنى: لا تفعل.

    ثالثاً: التصريح بالنهي، كقول الراوي في غزوة خيبر عندما صرخ الصارخ فيهم: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية).

    وقوله تعالى: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ [النحل:90] أي: يحرم فعل الفاحشة، ويحرم كل منكر.

    وقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ [النساء:23] إلى آخر الآية، فالتحريم هنا بمعنى النهي.

    رابعاً: النهي بمعنى الأمر، فيكون ظاهره الأمر، كقوله تعالى: وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] فـ(ذروا) معناه: اتركوا ظاهر الإثم وباطن الإثم، وإن كان أمراً في ظاهره، لكنه يتضمن معنى النهي، والقاعدة عند العلماء: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده على تفصيل بينهما، أي: ليس نهياً عن كل الأضداد، وهذا التفصيل ليس هنا محله.

    خامساً: التصريح بالاجتناب، كقول الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ [الحجرات:12]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) أي: أحرم عليكم فعل هذه السبع؛ لأنها من المهلكات، وقول الصحابي: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة، ونهى عن المتعة).

    1.   

    مسائل تتعلق بالنهي

    الأصل في النهي التحريم وأدلة ذلك

    من المسائل التي تتعلق بالنهي: أن الأصل في النهي التحريم، إلا أن تأتي قرينة تصرفه من التحريم إلى الكراهة.

    فإذا جاءتك آية أو حديثاً بصيغة: (لا تفعل)، فمعنى ذلك: أن هذا الفعل محرم، ومعنى المحرم: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله، وهذا هو القول السديد، حتى أن بعض العلماء يقول: إن النهي إذا كان عن الآداب فيصرف إلى الكراهة. وإذا نظرت إلى أول من أصل الأصول، وهو الإمام: الشافعي فقد نقل عنه السبكي وغيره أنه يرى: أن الأصل في النهي التحريم.

    ودليل ذلك: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن القران بين تمرتين) قال الشافعي : وهذا على التحريم.

    وكذلك: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء) قال الشافعي : وهذا أيضاً يدل على التحريم، ففي هذا دلالة على أن الشافعي يرى أن الأصل عنده في النهي أنه على التحريم، وهذا هو الصحيح والراجح والقول السديد.

    ودليل ذلك من الكتاب: قول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، فإذا قال: لا تلبس الخاتم من الحديد، وجب عليك أن تنتهي، وتحرم ذلك على نفسك، وهذا هو الذي جعل الصحابي الكريم يفعل ذلك انقياداً واستسلاماً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه، فأخذه من يده ثم ألقاه في الأرض) فقال له الناس: خذه وانتفع به -كالبيع ونحوه- فقال: والله لا ألتقط شيئاً ألقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: أنه كان معه عصا فضربه بهذه العصا، وقال: (يعمد أحدكم أن يضع جمرة من النار في أصبعه).

    وأيضاً من الأدلة على أن الأصل في النهي التحريم: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، انتهوا دون أدنى نظر ولا انتظار لأدلة، فهذا يقتضي وجوب الانتهاء عن الفعل الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

    كذلك من الأدلة على أن الأصل في النهي التحريم: ما ثبت من فعل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ففي غزوة خيبر لما نفد الطعام واشتد الجوع بهم، أخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، وغلت القدور بالحمر الأهلية، فجاء الصارخ فقال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية) فأكفئوا القدور بما فيها، مع أن حاجة الناس إلى هذا الطعام شديدة، ولو كان هذا النهي على الكراهة لأكل الناس من هذا الطعام، فدل ذلك على أن الأصل في النهي التحريم.

    وأيضاً: ما جاء في الصحيح من حديث أنس قال: دخلت على سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه ومعه صحبة من الأنصار، قال: فدخلت والكئوس تدور على الرءوس -أي: يشربون الخمر- فقرأت عليهم قول الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ .. [المائدة:90] إلى أن قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91] فكسروا هذه الكئوس وأكفئوا ما فيها، وقالوا: انتهينا يا ربنا! انتهينا يا ربنا! انقياداً لأمر الله جل وعلا، وتحريماً لما حرمه الله ورسوله.

    اختلاف العلماء في كون مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا

    من المسائل التي تتعلق بالنهي: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟

    ومعنى مطلق النهي يقتضي الفساد: أن العبادة إذا فُعلَتْ على غير وفق ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، أو جاءت على نهي، أو شيء حرمه النبي صلى الله عليه وسلم، فالعبادة باطلة ولا يعتد بها، وإن كان ذلك في المعاملات فالعقد يكون باطلاً، ولا يملك المشتري السلعة، ولا يملك البائع الثمن، وللعلماء في المسألة ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، ودليلهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، وهذا على العموم، وهو ما رجحه القاضي أبو يعلى من الحنابلة وجمهرة من علماء الحنابلة، وهو قول أهل الظاهر.

    القول الثاني: أن مطلق النهي لا يقتضي الفساد.

    القول الثالث: التفصيل، وهو القول الصحيح الذي عليه جمهرة من أهل العلم من الشافعية والحنابلة وغيرهم، والتفصيل هو: أن المنهي عنه أنواع: منهي عن ذات الشيء، ومنهي عن وصف لازم لذات الشيء أو شرط فيه، ومنهي عن أمر خارج عنه.

    وبالمثال يتضح المقال: فالنهي عن ذات الشيء مثل: النهي عن شرب الخمر، والنهي عن أكل لحوم الخنازير، والنهي عن مهر البغي -وهو: الأجرة التي تأخذها الزانية- والنهي عن ثمن الكلب، والنهي عن ثمن الدم، فكل ذلك منهي عنه لذات الشيء.

    وأما المنهي عنه لوصف لازم للذات، مثال ذلك: الذهب بالذهب مع التفاضل، أو مع الجهل بالمساواة، هل هو نهي عن ذات الذهب أم لا؟ لا، ليس نهياً عن ذات الذهب، وإنما هو نهي عن وصف لازم وهي: الزيادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب ربا إلا يداً بيد، سواء بسواء، مثلاً بمثل، هاء بهاء).

    مثال آخر: بيع العنب لمن يعصره خمراً، هذا نهي عن وصف لازم للذات، وكذلك النهي عن الصلاة بدون وضوء، فهذا نهي عن ترك شرط ملازم للذات، والنهي عن الصلاة مع عدم استقبال القبلة، قال تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144] أي: شطر المسجد الحرام.

    وأما مسألة النهي عن شيء خارج عنه، مثل: الوضوء بالماء المغصوب، فهو نهي عن الغصب، وضابط هذا:

    أن يكون المنهي عنه داخل الشيء وخارج الشيء، فمثلاً: الصلاة بالماء المغصوب، هل النهي هنا عن الغصب مختص بالوضوء، أو مختص بالصلاة؟ الجواب: أن هذا النهي في خارج الصلاة وداخلها، وكذلك النهي عن لبس الحرير داخل الصلاة وخارجها، فهذا ضابط يبين لنا أن هذا من المنهيات، الذي هو المنهي عنه لوصف لازم وليس للذات، فهو لأمر خارج عن الذات فلا يقتضي الفساد.

    فالأول والثاني حكمهما أنهما: يقتضيان الفساد، فمن فعل المنهي عنه لوصف لازم للذات فيقتضي الفساد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، ومن باب أولى إن كان ارتكب ما نهي عنه لذاته أيضاً يقتضي البطلان ويقتضي الفساد، أما الذي لا يقتضي البطلان ولا الفساد إذا كان المنهي عنه داخل الشيء وخارجه، مثال ذلك: الصلاة في الأرض المغصوبة، هل هذا النهي في الصلاة وخارجها؟ وهل تبطل الصلاة في الأرض المغصوبة؟

    ننظر في شروط الصلاة، هل هي متوفرة أم لا؟ وكذلك في أركانها، فنجد أنه أتى بالشروط والأركان على تمامها، فالصلاة إذاً صحيحة مع الإثم؛ لأنه صلى في أرض غصبها، والإثم منفك عن الصلاة، فهنا الجهة منفكة، فإذا كانت الجهة منفكة فيصح العمل مع الإثم، فإذا صلى في الأرض المغصوبة فصلاته صحيحة، لكن يشكل علينا عموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل، فالرد على هذا الإشكال أن نقول:

    هو صلى صلاة عليها أمرنا -بشروط وأركان صحيحة- فهذا العمل صحيح، وقد صلى على أرض مغصوبة ليست عليها أمرنا، فيأثم بذلك والجهة منفكة، فتكون الصلاة صحيحة؛ لأنها على ما أمر به الله ورسوله، ويكون الغصب غير صحيح، أي: أنه لا يمتلك هذه الأرض بالغصب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وهو عمل ليس عليه أمرنا، وكذلك الأمر في من غصب ماءً، أو سرق ماءً فتوضأ به وصلى، هل صلاته صحيحة أم باطله؟ نقول: الصحيح والراجح على خلاف بين العلماء: أن الصلاة صحيحة، ونحن هنا إنما نتكلم على الوضوء والصلاة لا على السرقة، فالنهي عام، سواء داخل الصلاة أو خارجها، سواء توضأ بهذا الماء أم بغيره، فإن كان النهي عن خارج أو داخل فالجهة منفكة، فنقول: الوضوء صحيح والصلاة صحيحة، لكنه بسرقة الماء يأثم، فتكون الصلاة صحيحة مع الإثم، هذا معنى هذه المسألة: هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟

    ونذكر بعض الأمثلة حتى تتضح هذه المسألة:

    مثال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، هل هذا النهي لذاته، أم لوصف لازم للذات، أم نهي عن شيء خارج عنه؟

    الصحيح: أن النهي هنا لوصف لازم للذات، فهو ليس نهياً عن ذات الشيء، إذ ممكن أن يبيع بيعاً صحيحاً، لكن قد يغرر بالمشتري بجهالة ثمن، أو كيل، أو وزن.

    مثال آخر: رجل لبس خاتماً من ذهب، ثم صلى صلاة العصر، فهل صلاته باطلة أم صحيحة؟

    الصلاة صحيحة، وهو آثم بلبسه خاتم الذهب.

    مثال آخر: صوم يوم العيدين، الأصل أن الصوم ليس منهياً عنه، ولكنه نهي عنه لذاته، وعلى ذلك يكون نهياً عن الصوم نفسه؛ لأن النهي فيه صريح، فينهى عن ذات صوم يوم العيدين.

    مثال آخر: بيع حبل الحبل، أو بيع الحمل، فلو أن رجلاً اشترى ما في بطن البقرة، ولم يشترها هي، لم يجز ذلك؛ لوجود نهي عن وصف لازم للذات، وهو جهالة وغرر، وهذا هو الصحيح.

    مثال آخر: بيع النجش، وهو: أن يزيد في ثمن السلعة لا ليشتريها وإنما ليغرر بالآخر حتى يشتريها بثمن مرتفع، فيكون نهياً خارجاً عن الذات.

    ومثله الغش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غشنا فليس منا) لكن لو تم البيع بغش، وتوفرت الأركان والشروط فالبيع صحيح، والنهي هنا خارج عن الذات فيصح البيع، لكن مع وجود الضرر في هذا البيع، فالإثم لا يرفع إلا بالتسامح.

    1.   

    دلالة النهي

    الأصل في النهي التحريم حتى تأتي قرينة تصرفه إلى الكراهة.

    مثلاً: الشرب قائماً، ورد النهي عنه، لكن صرف هذا التحريم إلى الكراهة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبعض العلماء يمثل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه) فالأصل في النهي التحريم.

    وأجيب بأنه: للكراهة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هو بضعة منك).

    والصحيح الراجح: أن هذا القول يحتاج إلى دليل؛ لأن قوله: (إنما هو بضعة منك) يمكن أن نقيده باليسار، وعلى ذلك لا يكون على العموم، إلا أن يأتينا أحد بنص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في السؤال: أيتوضأ أحدنا من مس ذكره؟ وهذه الرواية الصحيحة: (من مس ذكره فليتوضأ) ليس فيها زيادة يمين، فمن أتانا بهذه اللفظة، وكانت صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم قلنا هي صارفة، ولكن نبقي النهي هنا للتحريم، فمن مس ذكره بيمينه فهذا محرم.

    وأيضاً: ممكن أن يأتي النهي للإرشاد لا للكراهة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ : (يا معاذ ! إني أحبك - وقال:- لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)؛ فهذا النهي: (لا تدعن) للإرشاد وليس للتحريم أو الكراهة، فهو يرشده للخير، ويحثه على أن يقول دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

    1.   

    النهي المطلق للفور والدوام

    من المسائل المتعلقة بباب النهي: أن النهي يقتضي التكرار، فيجب على من علم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتهي عنه طيلة حياته وعلى الدوام، ولذلك قال القاضي القرافي قلت: للشيخ العز سلطان العلماء إن لم يقتض النهي التكرار ما وجد عاصياً في هذه الدنيا.

    والصحيح والراجح في ذلك: أن الله جل وعلا إذا قال: (انتهوا)، فالانتهاء يكون إلى يوم القيامة، إلا إذا عُلِّق بوصف معين فالحكم يدور مع علته حيث دار، وممكن أن يخرج النهي المعلق بوصف أو بعلة.

    فمثلاً: النهي عن الصيام ليلاً -الوصال- على قول من رجح بحرمة الوصال، فأنه يحرم الصيام من الليل إلى الفجر.

    ومن الأمثلة التي خرج بها النهي عن التحريم إلى الكراهة أو الإرشاد أو التحقير:

    نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن ينتعل الرجل وهو قائم، قال بعض العلماء: هذا النهي للكراهة، وهذا قول الجمهور، لكن نقول: إن الأصل في النهي التحريم وائتونا بالدليل والقرينة التي صرفت النهي إلى الكراهة، لكن ممكن أن تكون القرينة: خشية أن ينكب على وجهه، وإن تمكَّن فله أن يفعل، والله تعالى أعلم.

    والقاعدة التي قعَّدها جمهور الفقهاء: أن النهي أو الأمر إذا كان من الآداب فيصرف الأمر إلى الاستحباب، ويصرف النهي إلى الكراهة، وهذه مسألة تحتاج إلى دليل حتى تنضبط به المسألة.

    ويخرج أيضاً النهي من التحريم إلى الإرشاد، كقول الله تعالى: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ..)، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا).

    ويخرج النهي عن التحريم أيضاً إلى الدعاء؛ لأنه يكون من الأدنى للأعلى، كقول الله تعالى: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران:8].

    ويخرج أيضاً من التحريم إلى التحقير، كقول الله تعالى مرشداً لأهل الصلاح: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه:131]، يحقر زينة الدنيا.

    وأيضاً يخرج النهي عن التحريم إلى بيان العاقبة، كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42]، فالله جل وعلا لا يغفل عما يفعل الظالمون، وسيرجعون إليه ثم يحاسبهم على ما فعلوا.

    ويخرج أيضاً النهي إلى التيئيس، كقول الله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] فهو ييئسهم من أن هذا العذر غير مقبول في الدنيا، ومن باب أولى في الآخرة.