إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. الاختلاف في القواعد الأصولية - الاشتراك في اللفظ وتعارض الأدلة وعدم وجود نص في المسألة

الاختلاف في القواعد الأصولية - الاشتراك في اللفظ وتعارض الأدلة وعدم وجود نص في المسألةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أسباب الاختلاف بين العلماء والفقهاء: الاشتراك في اللفظ، ومنها: الأدلة التي ظاهرها التعارض، ومنها: عدم وجود النص في المسألة، وهذا يجعلنا نعذر العلماء والفقهاء في اختلافهم، مع النظر في أدلة كل منهم والترجيح إن أمكن.

    1.   

    الاشتراك في اللفظ

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ما زلنا مع هذا الكتاب الجليل الذي من أتقنه كان فقيهاً بحق، كتاب أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، هذا الكتاب يمرس طالب العلم على دقة النظر في الاستدلال، بالأدلة على الأحكام، أو استنباط الأحكام من الأدلة، وكما قلت: الفقيه العاري عن الأصول ليس بفقيه، بل هو مقلد، وأرفع ما يصل إليه أنه تابع وناقل عن غيره.

    في الدرس الماضي عند ذكر أثر خلاف الفقهاء قلنا: إنه يرجع إلى الاختلاف في فهم اللفظ الواحد الذي يكون له أكثر من معنى.

    أقوال العلماء في معنى الحيض واختلافهم في ذلك

    إن الألفاظ المشتركة كانت سبباً من أسباب الاختلاف والنزاع بين الفقهاء، مثال ذلك: قول الله جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    اختلف العلماء في معنى المحيض، وقالوا: المحيض يأتي مصدراً ويأتي اسماً للمكان، يعني: هو مشترك يقصد به محل الدم، أو زمن حضور الدم.

    القول الأول: المحيض هنا اسم للمحل، يعني: اعتزلوا محل الحيض، وهو الفرج، وأصحاب هذا القول يقولون: يجوز للرجل أن يباشر امرأته في الفرج دون إيلاج وفي غير الفرج؛ لأن الأمر بالاعتزال في الآية يتعلق بمحل الحيض، يعني: في الفرج، فقالوا: يجوز للرجل أن يقبل ويضم ويفاخذ، ويباشر تحت السرة وعند الفرج دون أن يلج، وإنما المحرم عليه فقط هو الإيلاج، قالوا: الدليل قول الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    يعني: اعتزلوا مكان الحيض، وهو الفرج فقط، أو اعتزلوا إدخال الفرج في الفرج، أما غير ذلك فلك أن تتمتع بزوجتك كما شئت، قالوا: وعندنا من السنة ما يعضد هذا المعنى، وهو حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه الصحيح الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اصنعوا كل شيء سوى النكاح) قوله: (سوى النكاح) ليس معناه: سوى العقد، وإنما يعني: سوى الوطء، بقرينة أنها زوجته، ومعنى الحديث: اصنع كل شيء قبل باشر ضم فاخذ، قالوا: وهذا دليل من أظهر ما يكون، وهو يعضد معنى قول الله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    يعني: اعتزلوا مكان الحيض وهو الفرج، هذا هو القول الأول، وهو الذي رجحه الشافعي ، وهو قول المالكية والأحناف والشافعية.

    القول الثاني: للحنابلة والظاهرية، وهؤلاء قالوا: إن معنى قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222] يعني: زمن الحيض، أي: ألا يباشر امرأته وهي حائض؛ لكن نحن نخصص عموم عدم المباشرة بما فوق السرة، أي: له أن يباشر فوق السرة وتحت الركبة، وقالوا: وهذا المعنى يعضده ما ورد في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر إحدانا وهي حائض- يعني: زمن المحيض- أن تتزر، فيباشرها من فوق الإزار) وورد في بعض الآثار التي فيها كلام أن الأمر بالمباشرة كان فوق الإزار، فقالوا: هذا دليل أيضاً على أن المعنى: لا تقربها زمن المحيض.

    نأتي إلى الراجح في ذلك، علمنا محل النزاع، وهو قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    وهل هو محل الحيض أو زمن المحيض؟

    من قال: إنه محل الحيض، أباح للرجل أن يباشر امرأته تقبيلاً وضماً ومفاخذة، ومن قال: زمن الحيض منع كل ذلك إلا المباشرة من فوق السرة أو تحت الركبة، فهل الراجح أن يباشر حتى يقارب الفرج دون أن يلج، أو لا يباشر إلا بما فوق السرة فقط؟

    أقول: الصحيح الراجح في ذلك الذي لا محيد عنه: أنه يباشر امرأته في كل مكان دون أن يلج فقط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم بالتصريح: (اصنعوا كل شيء سوى النكاح) و(كل) نص في العموم، (اصنعوا كل شيء) من تقبيل وضم ومفاخذة، لكن لا تدخل الفرج في الفرج، هذا من الأثر، أما من النظر الذي يرجح لنا ذلك، فلو قلنا بقول الآخرين على أن معنى قول الله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]: هو زمن الحيض، فنقول: عموم قول الله تعالى فَاعْتَزِلُوا .

    معناه: لا تقربها لا بضم ولا مباشرة ولا تقبيل، هذا ظاهر اللفظ، لكن قالوا: لا، نحن نخصص هذا العموم بالسنة، قلنا: إذاً اللفظ حملتموه ما لا يحتمل؛ لأن الأصل أن يبقى العام على عمومه، ويبقى المطلق على إطلاقه، وهنا الأصل عدم التخصيص، فأنتم بتخصيصكم أضعفتم دلالتكم، ونحن لم نخصص، فبقيت الدلالة عندنا سالمة من التخصيص، وسالمة من التقييد، وسالمة من المعارضة، فيكون هذا هو الأرجح، إذ العام الذي خصص قد ضعفت دلالته، والعام الذي لم يخصص لم تضعف دلالته، فهذا من النظر.

    إذاً: الصحيح الراجح أن للرجل أن يباشر امرأته في كل مكان دون أن يلج في الفرج، حتى ولو كانت حائضاً.

    أقول: محل النزاع في هذه المسألة هو الاشتراك في اللفظ، واللفظ هو (المحيض)، فالمحيض يتردد بين مكان الحيض وهو الفرج، ويتردد بين زمن الحيض، وقد رجحنا أنه مكان الحيض.

    أقوال العلماء في معنى قوله تعالى: ((فأتوا حرثكم أنى شئتم))

    المسألة الثانية: التي تتعلق بالاشتراك في اللفظ: هي مسألة إتيان المرأة في الدبر، وهذه مسألة مشكلة جداً، والناس تحسب أنها مسألة هينة، قال الله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

    قلنا: إن الخلاف بين العلماء يكون في كلمة تكلم الله بها في كتابه، لكنها تحتمل عند أهل اللغة أكثر من معنى، وهذه الكلمة هي قول الله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم [البقرة:223].

    اختلف علماء اللغة في معناها، وقالوا: إن لها أكثر من معنى، قالوا: (أنى) تأتي بمعنى كيف، والدليل قول الله تعالى حاكياً عن الرجل الذي مر على القرية وهي خاوية: قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:259].

    يعني: كيف يحيي الله هذه الأرض بعد موتها؟

    أيضاً قال أهل اللغة: هناك معنى آخر لكلمة (أنى) وهي أن تأتي بمعنى متى، وأتوا ببيت شعر يدل على ذلك، لكن هذا ليس في محل النزاع فنطرحه جانباً.

    قالوا: وعندنا معنى ثالث لكلمة (أنى) وهي أن تأتي بمعنى أين، والدليل على ذلك من كتاب الله، قال الله تعالى حاكياً عن زكريا، عندما دخل على مريم رضي الله عنها وأرضاها، فوجد عنده فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فقال: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا [آل عمران:37].

    أي: من أين لك هذا؟ فهنا (أنى) بمعنى أين.

    لما اختلف المعنى في (أنى) وأنها تأتي بمعنى كيف وأين أختلف الفقهاء في ذلك، فتعلق بعض العلماء بالمعنى الأول وهو كيف، وقالوا: قال الله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) أي: كيف شئتم وقد فسرها كثير من الصحابة: مقبلين ومدبرين، بمعنى يجامع الرجل امرأته من الأمام ومن الخلف، لكن في محل الحرث، في محل الولد الذي هو الفرج، ولذلك كان أنس يقول: كان إخواننا من المهاجرين يشرحون النساء تشريحاً يعني: ما يتركون موضعاً إلا ويستعملونه في التمتع بالأزواج، وهذا مما أباحه الشرع، جاء في الحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة) فقال: كانوا يشرحون النساء تشريحاً، فكان الواحد منهم يأتي امرأته مقبلة ومدبرة وعلى جنب ومضطجعة، فلما جاء المهاجرون إلى المدينة، تزوج بعض المهاجرين من الأنصار، وكان الأنصار لا يأتون النساء إلا في موضع واحد، على الظهر مستلقية فقط، فقام الذي هاجر إلى المدينة ليجامع امرأته كما كان يفعل، مقبلة ومدبرة ومضطجعة وعلى جنب، فقالت: لا إلا في موضع واحد، وهو الاستلقاء؛ لأنها لم تعلم بهذا الأمر، فلما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم هذا، نزل قول الله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

    يعني: كيف شئتم مقبلين مدبرين، المقصود أن يكون في محل الولد، قالوا: ولنا أدلة على أن معنى (أنى) كيف؛ لأننا لو قلنا بأين للزمت علينا لوازم باطلة ودخلنا في المحظور، وهو حرمة إتيان المرأة في الدبر، والدليل على الحرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث قال: (ملعون من أتى امرأة في دبرها) وهذا تصريح بالتحريم، ووجه الدلالة من التحريم في هذا الحديث: أن اللعن هو الطرد من رحمة الله، ولا يطرد من رحمة الله إلا من أتى بكبيرة.

    والدليل الثاني: قال النبي صلى الله عليه وسلم (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) وهذا أوضح في الدلالة؛ لأن الكفر دلالة على فعل الكبيرة، إن لم يكن كفراً أكبر فهو كفر أصغر، وهذا هو الراجح الصحيح.

    القول الثاني: قول بعض أهل العلم وهم ندر، فهؤلاء قالوا بحلية إتيان المرأة في دبرها، يعني: المسألة خلافية.

    فهؤلاء قالوا: قال الله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

    أي: فأتوا حرثكم أين شئتم، وقالوا: إن أين هنا تدل على العموم، يعني: أين شئتم، سواء في الفخذ أو في الورك أو في الثدي أو في الفم أو في الدبر أو في الفرج، الأصل عدم المنع حتى يأتي دليل بالمنع، فقالوا: يجوز للرجل أن يجامع امرأته في دبرها، وقالوا أيضاً: وإن كان الأصل معنا فنحن نقول بالقياس، وهذا نقل عن الشافعي ولكنه ضعيف، فروي أنه قال: أقيس الدبر على القبل، بجامع الدخول والإيلاج، أو بجامع الاستمتاع بالاستحلال بالعقد، لأنه ما دفع هذا المهر لها إلا ليستمتع بها كلية، وأنتم توافقوننا على أنه يجوز للرجل أن يباشر الإلية، بل حتى الدبر وإن قلتم: مع عدم الإيلاح، فنحن نقول بالإيلاج؛ لعدم المنع، وقد ورد عن بعض المحدثين، وهو عيسى بن يونس ، وهو ثقة وكانوا قد سألوه عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: هو أشهى من الماء البارد، يعني كأنه يقول: ليس بالحلال فقط بل هو أشهى من الماء البارد، وفي رواية في كتاب السر لـمالك ، وهذا الكتاب كأنه مكذوب عليه، أنهم سألوا مالكاً : أتؤتى المرأة في دبرها؟ قال: اغتسلت منه الآن.

    فالقول بحلية إتيان المرأة في دبرها منسوب لـمالك وللشافعي .

    ونقول في تحرير محل النزاع: الراجح الصحيح: هو حرمة إتيان المرأة في دبرها، وهو كبيرة من الكبائر، وأقول: نعم هناك خلاف معتبر؛ لأن بعضهم يقول: إن ابن عمر الذي كان يقول: إن (أنى) بمعنى أين، لكن قالوا: إنه رجع عن ذلك، وقالوا: لم يثبت عن مالك هذا القول، أما الشافعي فقوله مرجوح جداً وضعيف، فالصحيح أن الشافعي قال بحرمة إتيان المرأة في دبرها.

    إذاً: الصحيح الراجح أنه لا يجوز للرجل أن يأتي المرأة في دبرها، وإن كنت أقول بضعف الأحاديث التي تقول بأن من أتى المرأة في الدبر ملعون؛ لأن هذه الأحاديث أسانيدها كلها ضعيفة، وقد ضعف البخاري من المتقدمين المتقنين هذه الأحاديث كلها، وإن صححها الشيخ الألباني .

    إن قلنا بصحة هذه الأحاديث لغيرها، تبقى مشتملة على التحسين، لكن هناك ما يعضد قول من يقول بحرمة إتيان المرأة في دبرها وهو القياس الجلي، والقياس أنواع:

    النوع الأول:

    قياس العلة، وأصل القياس هو قياس العلة؛ لأن العلة في الأصل تكون نفس العلة في الفرع، مثال ذلك: حرم الله شرب الخمر؛ وعلة التحريم الإسكار مع النشوة، فلو وجد الإسكار مع النشوة في النبيذ نقول بالحرمة، قياساً على الخمر؛ لأن العلة الموجودة في الخمر هي موجودة أيضاً في النبيذ، فيبقى الحكم واحد، للاشتراك بجامع العلة، ومعنى قياس العلة: هو إلحاق فرع بأصل في الحكم بجامع العلة.

    النوع الثاني: قياس الشبه، وهو إلحاق فرع بأصل في الحكم للشبه بين الفرع والأصل، مثال ذلك: أن العلماء اختلفوا في العبد، هل العبد فيه شبه من الإنسان أم فيه شبه من البهيمة؟ فيه شبه من الإنسان من حيث أصل الخلقة، لكن فيه شبه من البهيمة من حيث إنه يباع ويشترى وله ثمن، فهذا قياس الشبه.

    القياس الثالث:قياس العكس، وقياس العكس تكون العلة في الفرع عكس العلة في الأصل، فيكون الحكم في الفرع مساوياً للحكم في الأصل، مثال ذلك: رجل زنى ورجل جامع امرأته في آن واحد، فالذي جامع امرأته في حلال وله بذلك أجر، أما الثاني الذي زنى فهو جامع مثل جماع الأول، فالجماع واحد لكن هنا الوصف مختلف، هذا حلال وهذا حرام، فيكون الحكم مختلفاً، فالأول مثاب، والثاني معاقب.

    إن القياس الذي نتكلم عنه الآن هو القياس الجلي أو قياس الأولى، بمعنى: أن العلة في الفرع أقوى منها في الأصل، مثال ذلك: رجل يضرب أمه وينتهرها ويسبها، يقول ابن حزم : لو فعل ذلك ليس بآثم، لأن الله تعالى يقول: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23].

    فالمنهي هو التأفف فقط، لكن نقول: إن العلة في الفرع الذي هو الضرب أقوى منها في الأصل الذي هو التأفف، فيحرم الضرب من باب أولى، خلافاً لـابن حزم الذي لا يقول بالقياس لا الجلي ولا غير الجلي، وهذا خطأ فاحش، والصحيح أن العلة هنا في الفرع أقوى منها في الأصل.

    فنقول: الذي يرجح لنا مسألة: أن إتيان المرأة في دبرها حرام هو القياس الجلي، قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    ونستنبط من هذه الآية لما حرم الله على الزوج أن يأتي المرأة وهي حائض، قال بوصف دقيق: هُوَ أَذًى .

    يعني: يتأذى به الرجل معنوياً وحسياً، وقد قال الأطباء في وقتنا المعاصر: إن الجماع في زمن الحيض يأتي بأضرار جسيمة على الرجل، فيؤذى معنوياً ويؤذى حسياً، معنوياً من منظر الدم فقد يتقزز من امرأته، بل قد لا يجامعها وهي طاهر، والأذى في الدبر أغلظ وأقوى من الأذى في الفرج؛ لأنه محل العذرة، فهو أشد من أذى الدم، فإن كان الأذى هنا في الدبر أقوى من الأذى في الفرج، فمن باب أولى إذا منع من الجماع في زمن الحيض في الفرج للأذى أن يمنع من أن يأتي المرأة في دبرها للأذى، فيكون القول الصحيح الراجح في قول الله تعالى: أَنَّى شِئْتُمْ يعني: كيف شئتم، مقبلة ومدبرة، لكن في محل الحرث، ولذلك الإمام مالك لما قيل له: كيف تقول ذلك؟ قال: من قال علي هذا فقد كذب، كيف وقد قال الله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة:223]، والحرث محل الولد، وإن كان الشافعي قد رده على محمد بن الحسن فقال: أرأيت لو نكحها في ثديها أو نكحها في وركها؟ أيصح أم لا يصح؟ فإن قال: لا يصح، فهذا مخالف، لكن الرد على هذا القول هين، نقول: إن الحرث هو الأصل، وغير ذلك جاء الدليل بحله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر امرأته وهي حائض دون الفرج، سواء فوق السرة أو تحت السرة أو في أي جزئية من جسدها يحل للمرء أن يتمتع به، لكن دون أن يولج، والصحيح الراجح في التمتع بالحائض دون الفرج ما قاله الشافعي في الأم: إنه يصح أن يتمتع بالإلية ويتمتع بحلقة الدبر دون أن يولج، وإنما المحرم عليه فقط الإيلاج.

    1.   

    تعارض الأدلة التي ظاهرها التعارض

    هناك أسباب أخرى أدت إلى الخلاف بين الفقهاء، منها: تعارض الأدلة التي ظاهرها التعارض، ولا يصح أن نقول: إن الأدلة تتعارض؛ لأنها خرجت من مشكاة واحدة، فأدلة الكتاب والسنة خرجت من مشكاة واحدة، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا إني قد أوتيت القرآن ومثله معه) وقبل ذلك قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34].

    قال الشافعي : آيات الله هي الكتاب، والحكمة هي السنة، فلا تعارض بين الكتاب والسنة، لكن نقول: الأدلة يمكن أن يكون ظاهرها التعارض في نظر المجتهد العالم الذي لا يستطيع أن يجمع بين الأدلة، فيأتي عالم آخر فيجمع بين الأدلة.

    اختلاف العلماء في مسألة نكاح المحرم

    من هذه المسائل التي نجمت عن الأدلة التي ظاهرها التعارض: نكاح المحرم، فهل المحرم يستطيع أن يعقد لغيره أو يعقد له؟ وهل نكاح المحرم يقصد به الوطء أم العقد؟ هناك من يقول: إن المراد بنكاح المحرم الوطء؛ لأن النكاح هنا يتردد بين الوطء وبين العقد، وهناك حديث في هذا، لكن ليس فاصلاً في محل النزاع، لكن نحن نقول: المقصود به العقد، ومن باب أولى أن يكون الوطء أيضاً؛ لأن الوطء حال الإحرام يفسد الحج على قول بعض العلماء، وبعضهم يقول: لا، لا بد أن يكمل، وهذا الراجح الصحيح يكمل حجه ويكون حجاً فاسداً. اختلف العلماء في مسألة نكاح المحرم؛ لأن الأدلة ظاهرها التعارض، قالت الأحناف: يجوز للمحرم أن ينكح، يعني: يعقد لأخيه ولابنه؛ وقالوا: دليلنا من السنة الحديث الذي في البخاري عن ابن عباس قال: (تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم)، وميمونة هذه كانت خالة ابن عباس .

    قال الجمهور وهم: المالكية والشافعية والحنابلة: لا يحل للمحرم أن ينكح أو ينكح، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح) وهذا دليل صريح جداً في حرمة نكاح المحرم، أما قول الأحناف فنحن نرد على الحديث الذي استدلوا به بعدة ردود:

    أولاً: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال ليس بمحرم، فعن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت: (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف)، وهذه قرائن تثبت ضبط الراوي أكثر من ابن عباس ، وقول الجمهور: المحرم لا يجوز له أن ينكح ولا يجوز له أن يعقد، ولا يجوز له من باب أولى أن يطأ امرأته في الحج، وهو الراجح الصحيح، وقد نقل البخاري نفسه عن ابن المسيب أنه قال: وهم ابن عباس في هذا الحديث، والذي يوضح وهم ابن عباس رضي الله عنهما في هذا الحديث هو قول أبي رافع ؛ لأن أبا رافع روى حديث تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بـميمونة قال رضي الله عنه: (تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت السفير بينهمايعني: أن أبا رافع هو الذي خطبها للنبي صلى الله عليه وسلم، فصاحب القصة أتقن وأضبط ممن بعد عن القصة، فهذا فيه دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهي حلال، فقول ابن عباس : (تزوج وهو محرم)وقول أبي رافع (تزوج وهو حلال)هذه الأدلة ظاهرها التعارض، لكن نقول: وهم ابن عباس ، والحكم لا يتعلق بالوهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكأن ابن عباس لم يقل هذا القول؛ لأن الذي حضر القصة كان أتقن وأضبط من ابن عباس فرواها لنا صحيحة سليمة.

    اختلاف العلماء في مسألة طهارة المني أو نجاسته

    المسألة الثانية: هل المني نجس أم هو طاهر؟ يعني: لو أن رجلاً جامع امرأته وأصاب المني ثوبه أو المكان الذي جامعها فيه فهل هذا المحل يكون نجساً أم يكون طاهراً؟

    أقول: في هذا خلاف بين العلماء، وسبب الخلاف هو الأدلة الظاهرة التعارض، قال الأحناف والمالكية بنجاسة المني، والدليل على ذلك الحديث الذي في صحيح البخاري أن عائشة قالت: (كنت أغسل ثوب النبي صلى الله عليه وسلم من المني، فيذهب يصلي وبقع الماء على ثوبه)فهذا حديث ظاهر جداً، قالوا: والغسل لا يكون إلا من نجاسة، ولو كان غير نجس لما غسلته.

    وقالوا: عندنا رواية أخرى نستدل بها، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يغسل الثوب من البول والغائط والمني)وهذه دلالة اقتران المني بالبول والغائط وهما نجسان فيكون المني نجساً.

    وقال الحنابلة والشافعية: المني طاهر وليس بنجس، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت (كنت أفرك المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ويذهب ويصلي فيه)يعني: تدلك المني ولا تغسله، وهذا مرفوع بالتقرير، كأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع عليها وهي تفرك المني من ثوبه فيصلي فيه.

    الدليل الثاني: ورد في صحيح ابن خزيمة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه).

    الدليل الثالث: عن ابن عباس وإن تكلم فيه بعض العلماء لكنه صحيح، أن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما المني كالبصاق والمخاط)والبصاق طاهر باتفاق العلماء لكنه مستقذر.

    فهذه أدلة صحيحة في البخاري وغيره وفيها الغسل وفيها الدلك والفرك، فكيف نجمع بينها؟ نقول: تحرير محل النزاع: أن الأدلة ظاهرها التعارض، فنجم عن ذلك الخلاف بين الفقهاء، لكن كيف نعتذر للأئمة، ونعلم أن الأئمة لم يقولوا بالهوى في الأحكام، بل كانوا يتلمسون السنة، لكن منهم من غابت عنه السنة، ومنهم من قاس قياساً بعدما رأى أن هذا الدليل ضعيفاً لا يوافق الحق، ومنهم من ظهرت له السنن فحكم بها، وهذا الذي بسببه جعل شيخ الإسلام يؤلف رسالة صغيرة اسمها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).

    فنقول: الخلاف بين الفقهاء له أدلة، ما كان الأمر عن هوى وتعصب مذهبي، بل كان الخلاف للأدلة التي ظاهرها التعارض، فعلينا أن ننظر هل الأدلة متعارضة وإلا يمكن الجمع بينها أو الترجيح إن لم يمكن الجمع؟ نقول: إن قول الشافعة والحنابلة: إن المني طاهر وهو الراجح الصحيح، ونقول: إن أدلة غسل المني ليس فيها ما يبين نجاسة المني ولا طهارته، وكون عائشة غسلت المني من الثوب، فيكون هذا الغسل للاستقذار، استحباباً لا وجوباً، أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغسل الثوب من البول ومن الغائط ومن المني)، فهذا الحديث ضعيف ولا حجة لكم فيه؛ لأن الأحكام لا تبنى إلا على الأحاديث الصحيحة.

    ثانياً: لو صح الحديث، فاستدلالكم بدلالة اقتران المني مع البول لا يعطيه حكمه، لأن دلالة الاقتران ضعيفة، والدليل على ذلك الله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ [الأنعام:141].

    فالأكل مستحب، لكن إتيان الزكاة واجبة، فهذا يبين أن دلالة الاقتران ضعيفة، فالصحيح الراجح في ذلك أن غسل عائشة للثوب كان عن استحباب، وأما الفرك فهو دلالة على عدم النجاسة، فيكون المني طاهراً، والذي يرجح لك ذلك جلياً هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق على الله وأفضل الخلق أجمعين وإمام المرسلين، لا يمكن أن يقول قائل: إنه قد ولد من نجاسة أبداً، وهذه التي احتج بها الشافعي على محمد بن الحسن وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد من شيء طاهر، ولا يمكن أن يولد النبي صلى الله عليه وسلم من شيء نجس، فلو كان المني نجساً لكان متولداً عنه.

    إذاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم هو أطهر الخلق أجمعين، وأفضل الخلق أجمعين لا يمكن أن يولد إلا من طاهر، وهذا يرجح بأن المني طاهر وليس بنجس.

    1.   

    عدم وجود نص في المسألة

    من الأسباب التي اختلف من أجلها العلماء أيضاً: عدم وجود النص في المسألة، وتتعلق بها مسألتان.

    مسألة الجد مع الإخوة

    المسألة الأول: الجد مع الإخوة، هل يرث الإخوة مع الجد أم لا؟

    أقول: الجد من الأصول، لكن اختلف العلماء اختلافاً شديداً في مسألة الجد مع الإخوة، فـأبو بكر وابن عباس وكثير من الصحابة يقولون: بأن الجد إذا وجد معه الإخوة لأب أو الإخوة الأشقاء، لا يرثون معه؛ لأن الجد ينزل منزلة الأب، ودليل ذلك قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج:78].

    فإبراهيم أبو النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً قول يوسف وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:38].

    فإبراهيم جده وليس بأبيه، ومع ذلك قال: إني اتبعت ملة آبائي إبراهيم.

    فالقرآن أنزل الجد منزلة الأب، فيأخذ الجد حكم الأب، فيحجب الإخوة الأشقاء والإخوة لأب.

    الدليل الثاني: الإجماع على أن الجد إذا وجد مع الإخوة لأم فإنه يحجبهم حجب حرمان فلا يرثون، وهذا هو قول الأحناف ورواية عن أحمد من الفقهاء.

    أما الذين قالوا بأن الجد يرث مع الإخوة بالاشتراك، بتقسيم معين بين الجد وبين الإخوة في المواريث، وهذا ما عليه جمهور الصحابة وجمهور الفقهاء، فـزيد بن ثابت الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (وأفرضكم زيد) يقول بالتشريك، وكذلك الشافعي وأحمد ومالك يقولون بالتشريك، وأيضاً ابن عباس وعمر رجعا عن القول الأول إلى هذا القول.

    ونكتفي بما قاله زيد بن ثابت والشافعية، قالوا: الإخوة يمكن أن يكونوا عصبة للنساء فيرثون بالتعصيب، مثال ذلك: هلك هالك عن بنت وإخوة وأخوات، فالبنت لها النصف، والدليل قوله تعالى: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11].

    والباقي يكون للذكر مثل حظ الأنثيين تعصيباً، فالأخ الذكر عصب النساء الأخوات وورث معهن، والجد لا يمكن أن يعصب الأخت.

    وقال أصحاب القول الأول: يمكن أن الجد يرث تعصيباً ويأخذ الكل إذا لم يكن أحد.

    فالصحيح الراجح هو قول الذين قالوا بأن الجد ينزل منزلة الأب؛ لقول الله تعالى: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ [يوسف:38].

    فيأخذ الجد حكم الأب فيحجب الإخوة، وهذا ترجيح شيخ الإسلام وهو قول الأحناف.

    مسألة قتل الجماعة للواحد

    المسألة الأخيرة في مسألة عدم وجود النص: رجل اجتمع عليه خمسة فقتلوه، فهل يقتلون به أم لا يقتلون به؟ هذه المسألة اختلف فيها الصحابة، وسبب الخلاف هو عدم ورود النص، وهذه المسألة ظهرت في عصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وهي أن امرأة كانت متزوجة من رجل في صنعاء، فسافر عنها وبقي مدة، وكان له ولد من غيرها، فالولد كان معها، فهذه المرأة اشتاقت لرجل والعياذ بالله، فخادنت رجلاً فكان يفجر بها فقالت لهذا الذي يفجر بها: إن هذا الولد سيفضحنا أمام زوجي، فلا بد من قتله، فالرجل قال: لا، ما أفعل ذلك، فبقيت خلفه حتى قتله هو ومن معه وهي، وقطعوه أرباً، ووضعوا كل جزء في كيس وألقوه في بركة ماء، فجاء الرجل يسأل عن ابنه، قالوا: مات، فلما علموا الحقيقة أمسكوا بهم وبعثوا بهم إلى عمر، وأخبروا عمر بالقصة، فجمع عمر كبار الصحابة، فاختلف علماء الصحابة في ذلك على قولين: فـعمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وغيرهم من علماء الصحابة قالوا: نقتلهم أجمعين، فقال عمر بن الخطاب : والله لو أن أهل صنعاء بأسرهم قتلوه لقتلتهم به؛ لقول الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179].

    وهذا قول جمهور العلماء المالكية والشافعية والأحناف، وقالت الحنابلة، وهو قول الزبير وابن المنذر ، وقول الزهري : إن عليهم الدية ولا قتل عليهم؛ لأن الله جل وعلا قال: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190].

    فهذا النزاع كان لعدم ورود الدليل.

    والصحيح الراجح في ذلك هو قول عمر بن الخطاب ومن وافقه، وأنهم لو تمالأ أهل صنعاء على قتله لقتلوا به، والدليل هو نفس ما استدلوا به: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190].

    فنحن نقول: نقتل من قتل، وقد قتل الخمسة الولد فيقتلون به، وأيضاً من باب سد الذريعة، لأن أي إنسان يريد أن يقتل إنساناً آخر يقول: لو قتلت هذا وحدي سأقتل به، فحفاظاً على حياته يأتي بخمسة مجرمين فيقتلون هذا القتيل ولا يقتلون به، وتصبح المسألة حيص بيص، وتهدر الدماء دون أدنى رقابة، وهذا يخالف حكمة الله في القصاص، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179].

    إذاً: الصحيح الراجح في ذلك: هو قتل المجموعة بالواحد.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.