إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القصاصللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عدل الله جل وعلا أن جعل القصاص يوم القيامة للعالمين، فلا ينجو أحد بظلمه حتى يقتص منه، وذلك يوم عصيب وشديد، يوم تشيب منه الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها، فما من أحد إلا وسيقتص له أو منه في ذلك اليوم الرهيب.

    1.   

    قدر أمة محمد بين الأمم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    بعد أن يشتد الكرب على الناس، ويعظم الخطب، وكل يذهب يلهث إلى من يشفع له عند ربه جل وعلا، يصور لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المشاهد العظيمة الخطيرة، التي تنخلع لها القلوب، وترتجف وتذهل منها العقول، يوم ينادى آدم عليه السلام كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينادى آدم: يا آدم! فيقول: لبيك ربي وسعديك والخير في يديك -أو قال: لبيك وسعديك- قال: ابعث بعث النار، فقال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)، وفي هذا الوقت يشيب الولدان وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، قال: (فشق ذلك على الصحابة فقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل) أي: من يأجوج ومأجوج ألف ومن المسلمين رجل واحد، ثم قال: (أبشروا، والله! إني لأرجوا أن تكونوا ربع أهل الجنة، فحمدوا الله وكبروا، ثم قال: والله إني لأرجوا أن تكونوا ثلث أهل الجنة) وفي رواية أخرى أنه قال: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)، ثم قال: (والله إني لأرجوا أن تكونوا شطر أهل الجنة -ثم مثل لهم مثل بينهم وبين الناس فقال:- أما إنكم في الناس كمثل الشعرة السوداء في الثور الأبيض) .

    وفي رواية أخرى أيضاً متفق عليها بين البخاري ومسلم قال: (مثلكم ومثل الناس كمثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود) فالمثل الأول: كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، والمثل الثاني: كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، وفي رواية الأحمر أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    وهنا ترتجف القلوب، بل تنخلع؛ لأن بعث النار تسعمائة وتسعة وتسعون، وبعد ذلك تدنو الشمس من الرءوس، وصورها لنا النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ليبين لنا هول هذا الموقف وعظمه؛ ليستعد المرء لهذا الموقف، وكل بحسب عمله.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تدنو الشمس من الرءوس قدر ميل أو قدر شبر)، وفي رواية: (قدر ميل وقدر شبر)، (فيعرق الإنسان ويبلغ العرق من الإنسان بقدر عمله) يعني: لهول الموقف، وطول الموقف، وعظم وخطر الموقف، فكل بحسبه وحسب عمله وحسب تقربه إلى الله جل وعلا، فمن سارع إلى الله وكان لسان حاله يقول: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84] فهذا الذي سيرضيه الله جل وعلا ويأمنه الرجفة، والخوف، والخطب العظيم، أما الذي يتقاعس في طاعة الله جل وعلا فسيشعر بهذا الخطب العظيم.

    الشمس تدنو من الرءوس فيعرق الناس، فمنهم من يصل العرق إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء، ونربأ بأنفسنا أن نذل وأن نخزى يوم القيامة، بل نسارع إلى ربنا جل وعلا فلا نعرق، ولا نشعر بدنو الشمس منا، كرامةً من الله لأهل الإيمان.

    1.   

    بيان صور من المقاصة يوم القيامة

    انتقل المصنف بعد أن صور لنا هذا الخطب العظيم إلى مسألة القصاص؛ لأن أهل الجنة لا يدخلونها وفيهم دنس من أكل أموال الناس بالباطل، أو الحقوق التي عليهم، بل لا بد أن ينظفوا من هذه الحقوق، ويقتص من كل واحد لأخيه حتى يدخل الجنة.

    فإن الله جل وعلا لا يترك العباد يدخلون الجنة وعليهم حقوق للآخرين؛ لأن هذه منافاة ومضادة لحكمة الله البالغة سبحانه وتعالى، فهو حكيم عليم، وعدل سبحانه وتعالى، فلا يدخل الجنة أحداً عليه حق لأحد، فإن الله يطهر عباده من هذه الحقوق بالمقاصة، أو القصاص، ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم وحث أصحابه أن يتحللوا، ولا يحتفظ أحد بمظلمة لأحد في الدنيا، فإن الدراهم والدنانير تفوت مع الدنيا، أما الحسنات والسيئات فهي أحوج ما يكون يوم القيامة، كما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت لأخيه مظلمة فليتحلل فإنه ليس ثمة درهم ولا دينار) .

    أي: ليس في يوم القيامة درهم ولا دينار، قال: (إنما هي الحسنات والسيئات) فتؤخذ الحسنات من الذي عليه الحق إلى الذي له الحق، فإن لم يكن ثمة حسنات فالسيئات التي على من له الحق توضع على الذي عليه الحق).

    وورد أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: (لي عبيد -يعني: عمال- يسرقونني ويخونونني، قال: وإني أسبهم، أو أضربهم، أو أشتمهم فما لي أو علي؟ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم: أنك ستأتي يوم القيامة فيعرض جرم هؤلاء العبيد -من الخيانة والسرقة التي تحدث معك- ثم يقاس فعلك معهم، فإن كان هذا أشد من هذا أخذوا منك حسناتك، وإن كان فعلهم أكبر من فعلك أخذت أنت منهم الحسنات مقاصة عند الله جل وعلا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس:44]).

    وأقوى في الدلالة وأعظم في البيان أن الله جل وعلا سيقتص من البهائم، حتى النملة من النملة يقتص منها (فإن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى شاتين ينتطحان فقال لـأبي ذر: هل تعرف لم ينتطحان؟ فقال: لا يا رسول الله، قال: الله يدري فيقضي بينهما) فإن الله جل وعلا سيقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء، فالمقاصة لا بد منها يوم القيامة، فلا يظلم الناس شيئاً.

    1.   

    حرمة دم المسلم عند الله

    أول ما يقتص به بين العباد: الدماء كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول ما يقضي الله فيه بين العباد الدماء) وكيف لا؟! والله جل وعلا بين عظم وخطر الدماء، وبين عظم وشرف وقدر المسلم عنده جل وعلا، وهذه الدماء التي تسال ليلاً ونهاراً، مشرقاً ومغرباً، وليس هنا من يتحرك لهذه الدماء، ولا يعرف عظم هذه الدماء إلا الله جل وعلا؛ لأنها عند الله شريفة عظيمة، ولئن تزول السماوات والأرض أهون عند الله من أن تسال هذه الدماء؛ لأن هذه الدماء المسلمة عند الله عزيزة شريفة، كيف لا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل امرئ مسلم لأكبهم الله في النار ولا يبالي) فدم المسلم عند الله جل وعلا غالٍ.

    وذات مرة دخل ابن عمر على الكعبة فطاف بها فقال: أنت الكعبة عظمك الله وشرفك، وإن حرمة دم المسلم عند الله أعظم منك، وأشرف منك، وكيف لا يكون دم المسلم عند الله جل وعلا أعظم من الدنيا وما فيها وزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من أن يسال دم المرء المسلم؟ وقد نصب الله الحرب على من عادى المسلم، فكيف بمن أسال دمه؟! وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) يعني: أعلمته بالحرب، ولم أر أدلة تبين أن الله نصب الحرب إلا على صنفين اثنين:

    الصنف الأول: الذي يعادي أولياء الله جل وعلا، لا ليقتلهم بل يعاديهم فقط، لا ليحبسهم.. لا لينكل بهم.. لا لينتقم منهم.. بل ليعاديهم بقلبه فقط، فإن الله نصب الحرب عليه.

    والصنف الثاني الذي نصب الله الحرب بينه وبينه: آكل الربا نعوذ بالله من ذلك، فالذين يأكلون الربا نصب الله الحرب بينه وبينهم، قال الله تعالى لآكلي الربا إن لم يتوبوا: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279].

    فنصب الله الحرب لمن يعادي الدم المسلم فكيف بمن يسيل دمه؟!

    فمن ساعد على قتل مسلم، أو أرشد إلى قتله، أو أباح، أو سهل، أو يسر، أو رضي بقتل امرئ مسلم فعند الله الموعد، وعند الله تجتمع الخصوم، وأقسم برب السماوات والأرض أن الكفار لا يزنون أي زنة لدم العبد المسلم الذي يسبح الله ويذكره.

    أولم يأتكم نبأ زكريا عليه والسلام لما اختبأ من اليهود حين قتلوا يحيى، وفر منهم إلى أقرب شجرة ففتحت الشجرة نفسها لزكريا، فقالت: اختبئ في، فاختبأ فيها كما روى ذلك ابن كثير في قصص الأنبياء، فاختبأ فيها فأغلقت الشجرة على زكريا ولم يبق منه إلا قطعة من الثوب، فجاء بنو إسرائيل -عليهم من الله ما يستحقون- يتتبعون زكريا ليقتلوه، فنشروا الشجرة وقسموه نصفين، لكن الله جعله لا يشعر بالألم إلا كوخزة الدبوس.

    وامرأة بغي من بني إسرائيل قدم لها رأس نبي من أجل إرضائها، فما قتل يحيى إلا لأنه أفتى للملك اليهودي أنه لا يصح أن ترد امرأتك؛ لأنك طلقتها ثلاثاً فلا تنكحها حتى تنكح زوجاً غيرك، فاشتدت غيضاً على يحيى، فما زالت توعز له حتى قتل يحيى وقدم لها رأسه على طبق وهو نبي من الأنبياء، فهم يتتبعون الأنبياء فكيف نستغرب أن يتتبعون الأبرياء؟!

    وهذه الآثار عن بني إسرائيل رأس أمرنا فيها أن نقول: نحدث عن بني إسرائيل ولا حرج، لا نكذب ولا نصدق حتى تأتينا الأدلة، وفي بعضها: قال الله تعالى: لو شعر زكريا بالمنشار وهو يقسمه نصفين لأكبهم الله كلهم في النار انتصاراً لزكريا عليه السلام، فالمؤمن عند الله جل وعلا غالٍ وثمين، ودمه عند الله شريف، لا يهدر بحال من الأحوال.

    ولذا فإن الله جل وعلا نصب القصاص يوم القيامة أول ما يكون في الدماء، ففي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: (يأتي المقتول يوم القيامة يحمل رأسه وأوداجه تشخب دماً فيقول: يا رب! سله فيم قتلني؟) فإن كان قتله بالحق فسيذكر ذلك، والله جل وعلا يصدق ذلك أو يكذب، وإن كان بالباطل فعند الله الموعد ولا بد أن يقتص منه.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو يجلس معهم يبين لهم عظم القصاص: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) فقال النبي صلى الله عليه وسلم مصوباً لهم معنى المفلس وأن النظر للآخرة لا للدنيا، فالدنيا لا تساوي عند الله شيئاً، فقال: (المفلس من أمتي الذي جاء بصلاة وصيام وذكر -عبادات حج وزكاة وجهاد- ثم قال: جاء وقد سب هذا، وشتم هذا، أو اغتاب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فأكب في النار) فهذا هو المفلس بحق، جاء بحسنات كالجبال ففنيت؛ لأنه قدح في الناس، ولم يراقب الله جل وعلا في الناس، فاقتص منه في الآخرة.

    نعوذ بالله من مسألة القصاص، ونستحل من أي أحد اغتبناه، ونسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا، وأن يجعلنا نذكر محاسن من اغتبناه في أي مجلس من المجالس، أو أخذنا من أحد درهماً أو ديناراً لا يحل لنا، ونسأل الله أن يخلصنا من الدنيا لا لنا ولا علينا، فلا يكون علينا لأحد شيئًا، وإن كان لنا على أحد شيء فنحن نسامحه.

    تأتي الأم لابنها، الأم التي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: (أمك، ثم أمك، ثم أمك)، الأم التي جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة تحت قدمها، التي جعلها هي والأب وسط الجنة، فلا تدخل الجنة إلا بهما، وقد قال الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] فالأم أرفع منزلة من الأب، تأتي يوم القيامة فتقول: (أي بني! ألم تكن لك بطني وعاء؟ أي بني! ألم يكن لك ثديي سقاء؟ أي بني! ألم يكن لك حجري غطاء؟ أي بني! أحتاج إلى حسنة اليوم، فيقول الابن لأمه: أي أم! إني أحوج لها منك اليوم) ويبخل بهذه الحسنة على أمه التي تحتاجها.

    فنحن أحوج ما نكون إلى هذه الحسنات، وكل منا سيقتص منه في الآخرة، ونعوذ بالله أن نتجرأ على أحد، أو أن نغتاب أحداً، أو أن نهضم حق أحد، نعوذ بالله من ذلك، وإذا فعلنا ذلك فنسأل الله أن يغفر لنا ويقتص منا في الدنيا لا في الآخرة، فليس هناك درهم ولا دينار، بل هي الحسنات والسيئات.

    1.   

    المقاصة يوم القيامة بين الحيوانات

    يوم القيامة سيقتص من العجماوات غير المكلفة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى شاتين تنتطحان فقال لـأبي ذر: (يا أبا ذر ! أتدري لماذا تنتطحان؟ قال: لا أدري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله يدري وسيقضي بينهما).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله سيقتص للشاة الجلحاء -يعني: التي ليس لها قرون- من الشاة القرناء، ثم يقول للبهائم: كوني تراباً، هنالك: يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40])، وهذا الحديث روي مرفوعاً وروي موقوفاً، فالقصاص سيكون بين الوحوش.

    وقد تكلم في هذه الأحاديث الصحيحة بعض المتكلمة وأهل العقل من المعتزلة وغيرهم مثل الغزالي ، والألوسي وغيرهما، أما نعيم الألوسي فسلفي معروف، وكتابه (روح المعاني) في التفسير من أنفع وأمتع الكتب، لكن له هنات وزلات في هذا الكتاب، ففيه بعض التصوف والاعتزال، وقال الغزالي عن الوحوش: لا قصاص بينها، وهذه الأحاديث إنما جاءت كناية عن العدل، فتبين عدل الله جل وعلا، واستدل على ذلك بالعقل فقال: ما من شيء إلا وله حكمة عقلية، والله جل وعلا عللها بالحكم والعقل يأبى ذلك؛ إذ إن القصاص معناه: الثواب والعقاب، ولا ثواب ولا عقاب على العجماوات، وأيضاً القصاص من التكليف ولا تكليف على العجماوات.

    وهذا دليل عقلي صحيح، لكن نقول: عندنا قاعدة وهي: أنه إذا أتانا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا قول لأحد مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    والقاعدة الثانية: العقل الصحيح لا يخالف بحال من الأحوال النقل الصريح الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    اما قوله: لا حكمة في ذلك، إذ لا ثواب ولا عقاب فنقول: بل هناك حكمة عالية جداً وهي بيان أثر اسم الله الحكيم، وأن الله من صفاته العدل، فمن كمال عدل الله جل وعلا أن يقتص من العجماوات غير المكلفة مقابلة، فما بالكم بالذين كلفوا، أيتركهم سداً وهملاً دون قصاص؟! لا والله! وهذا يفتح لأهل العقول القياس الجلي، وقياس الأولى، وهو إن كان الله جل وعلا سيقتص من القرناء للجلحاء، فمن باب الأولى أنه سيقتص من الذين أوتوا الكتاب، وأوتوا الفهوم والعقول منهم، فهذه الحكمة البليغة العالية التي ترد على أهل العقل.

    وهناك إجابة ثالثة وهي: أن هذه المقاصة أو القصاص من باب المقابلة، لا من باب الثواب والعقاب.

    1.   

    وجود الجنة والنار مخلوقتان الآن

    بعد ذلك انتقل المصنف إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الجنة والنار مخلوقتان.

    والجنة لغة: هي البستان كثير الأشجار والثمار، قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا [الكهف:32].

    وشرعاً: هي دار المقامة، ودار الخلود التي كلمنا الله عنها بأنها منازلنا الأولى.

    والنار لغة: مادة الإحراق.

    وشرعاً: هي أيضاً دار المقامة للكافرين.

    وقد بين الله جل وعلا أن النار والجنة مخلوقتان الآن خلافاً للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع، قال الله تعالى عن الجنة: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] وأعدت: فعل ماضٍ، بمعنى: أنه قد فرغ منها، وقال عن جهنم: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] فجهنم أيضاً محل للكافرين وقد أعدت، وأعدت يعني: فرغ منها.

    وأيضاً في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس حين كسفت الشمس يوماً، وبعد أن صلى بالناس صلاة الكسوف قال: (أريت كل شيء في مقامي هذا، حتى إني رأيت الجنة عندما رأيتموني تقدمت فأخذت عنقوداً -يعني: رأى الجنة ورأى ما فيها من ثمار- ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا -أو ما بقيتم- وأريت النار فلم أر منظراً كاليوم أفظع من هذه النار).

    وقال: (ورأيت فيها عمرو بن لحي وهو الذي سيب السوائب)، وفي رواية أخرى في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ورأيت النار، ورأيت هرة تخدش امرأة -أي: تأخذها في النار، فالهرة في النار والمرأة في النار- فقلت: ما هذه؟ -يعني: ما شأنها- فقيل: هذه المرأة حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض) فهذه المرأة حبست هرة، وما حبست رجلاً يقول: لا إله إلا الله.. ما حبست رجلاً يقيم الليل بدموعه لله.. ما حبست رجلاً يجوب الأرض شرقاً وغرباً يدعو إلى الله جل وعلا.. ما حبست رجلاً باع نفسه لله وقال قسطاً وعدلاً: أنا وقف لله.. ما حبست رجلاً ينشر دين الله جل وعلا، حبست هرة فقط فكان عقابها أن الهرة تخدشها في نار جهنم.

    فما بال الذين يجحفون على أهل الله، وعلى أولياء الله، ويحبسون الذين ينشرون دعوة الله جل وعلا، لا يبغون من ذلك إلا إعلاء كلمة الله، فيجحفون عليهم، ويشددون وطأتهم عليهم؟! ألا يعتبرون بالمرأة التي عذبت بالهرة؟! الجزاء من جنس العمل، فقد جعل الله لها هرة تخدشها في النار.

    وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (لما صلى العيد شق الصفوف ونزل على النساء فوعظهن، ثم أمرهن فقال: تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) وقوله: (رأيتكن أكثر أهل النار) رؤيا الأنبياء حق، أو أنه رآهن عند الإسراء والمعراج (قلن: لم يا رسول الله؟ قال: تكفرن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: تكفرن العشير والإحسان) فيحسن لها الرجل طيلة حياته أو مدة من الزمن (فإذا رأت منه شيئاً قالت: ما رأيت خيراً منك قط).

    وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم عن الجنة قال: (رأيت قصراً فيها، ورأيت امرأة وضيئة -يعني: امرأة شديدة الجمال- تتوضأ فقلت: لمن هذا القصر؟ -فالنبي صلى الله عليه وسلم من تواضعه- يقول: فحسبت أنه لي، فقيل: هو لعبد من أمتك يدعى عمر قال: فعلمت غيرة عمر فلم أدخل هذا القصر) ورؤيا الأنبياء حق.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال في منزلة سعد : (لمنديل من مناديل سعد بن معاذ -رضي الله عنه وأرضاه- خير من الدنيا وما فيها) .

    فالجنة موجودة، والنار أيضاً موجودة، وقد بين ذلك الله جل وعلا في كتابه إجمالاً، وفصل لنا النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلاً في سنته صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مكان الجنة والنار

    إذا كانت الجنة والنار موجودتان فأين مكانهما؟

    الجواب: ليس عندنا تفصيل عن ذلك، ولكن الإجمال جاءنا في الكتاب، فقال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18] فالجنة في عليين، والتفصيل لا نعرفه، ونعرف أن الفردوس الأعلى أوسط الجنة وأعلى الجنة، وأن عرش الرحمن هو سقفها.

    والنار أسفل سافلين، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7]، وفي حديث البراء الطويل في عذاب القبر أنه قال: (أن صدق عبدي، اكتبوا كتاب عبدي في عليين ثم أعيدوه إلى الأرض) يعني: أعيدوا روحه إلى الأرض، ثم قال في الفجار: (كذب عبدي، اكتبوا كتاب عبدي في سجين) يعني: أسفل سافلين.

    1.   

    وصف الجنة

    لسنا بصدد وصف الجنة والنار، لكن نمر عليها مرور الكرام، أما الجنة فقد بينها الله لنا إجمالاً تشويقاً للقلوب كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: (أعددت لعبادي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

    وهناك أنهار في الجنة كما ورد في بعض الآثار: أن المرء يأخذ النهر ويمشي به حيث ما أراد من كرامة الله لأهل الجنة، فأنهار الجنة أصناف مختلفة متنوعة:

    الصنف الأول: أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِن [محمد:15] أي: غير مشوب، وغير مكدور أبداً، فالماء صافٍ أصفى من الماء الذي تراه الآن.

    الصنف الثاني: وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15] أي: أحلى ما يكون، وأطعم ما يكون مذاقاً للعبد المؤمن في الجنة.

    الصنف الثالث: وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [محمد:15] ففي الجنة خمر لا يذهب بالعقول، بل يتمتع بها من امتنع عنها في هذه الدنيا، وقد وصفه الله جل وعلا وصفاً بديعاً بقوله: لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة:19] أي: لا يأتيهم الصداع، ولا تذهب بعقولهم، ولا يتمايلون ويتبخترون كما يفعل أهل الدنيا، يرزقهم الله هذه الخمر، وهي خمور نقية أعدت للمؤمنين.

    الصنف الرابع: وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ [محمد:15] وهذا اللبن أطعم ما يكون مذاقاً في الجنة.

    وأهل الجنة إذا اشتهى المرء منهم شيئاً جاءه سريعاً إلى مكانه، يعني: لو نظر إلى الطير فاشتهاه لجاءه سريعاً مشوياً جاهزاً محضراً له، فقط عندما يشتهيه!

    أما ما في الجنة من خير ومتعة الشهوة لأهل الجنة فقد بينه الله جل وعلا بأكبر وصف، وأمتع وصف، وأوجز وصف حيث قال: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56] ولو لم يكن لها ميزة إلا هذه الميزة لكفت، إذ إن المرأة إذا قصرت طرفها على زوجها كانت من أفضل نساء العالمين، والله جل وعلا بهذه الميزة خلق كل حور العين للمقربين.

    وهذا يبين لك الفرق بين المقرب وبين صاحب اليمين، حيث قال الله تعالى عن حور صاحب اليمين: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ [الرحمن:72] أي: قصرهن الله جل وعلا، بخلاف أولئك فقد خلقن أصالة قاصرات الطرف، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الحور: (تنظر إليه فتقول: والله! ما خلقت إلا لك، وما رأيت أجمل منك، وما زلت تزداد لي بهاءً، ثم تغني له: نحن الجميلات التي لا نبأسن، نحن الخالدات التي لا نمتن، ويرى مخ ساقها من وراء لحمها من شدة بياضها وجمالها).

    والمرأة في الدنيا عندما ترفض أن تلتقي بزوجها إن أرادها فإن الملائكة تلعنها، وتأتي حور العين وتقول: لا تفعلي معه هذا -انظر: ضرائر في الدنيا وفي الآخرة- إنه ليس لك، إنه لي وسيأتيني قريباً، يعني: سيموت ويدخل الجنة إن كان من الصالحين.

    وللمرء اثنتان من حور العين، أما الشهيد فله سبعون حورية من حور العين، رزقنا الله وإياكم الشهادة وطلبها بصدق من الله جل وعلا.

    وأما أشجار الجنة فقال الله تعالى عنها: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة:30] فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، وفسرها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة شجرة يسير فيها الراكب أربعين سنة)، وهذا تفسير لقول الله تعالى (في ظل ممدود).

    والثمار بينها الله جل وعلا بقوله: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:20-21] نسأل الله جل وعلا أن نكون من أهل الجنة.

    1.   

    وصف النار

    النار أصعب ما تكون، وأنكى ما يكون من عذاب من هذه النيران، بين النبي صلى الله عليه وسلم أن صخرة وقعت فيها فما نزلت إلى القعر إلا بعد سبعين خريفاً، وأيضاً في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يجاء بالنار لها سبعون ألف زمام، يجر كل زمام سبعون ألف ملك) ولا يعلم عظم هذه النار إلا الله جل وعلا، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة) نعوذ بالله من ذلك.

    طعامهم فيها الحميم ومن غسلين نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء، وهم في سلاسل يسحبون على وجوههم، فيمثل بهم في نار جهنم، وإذا أرادوا الماء شربوا من حميم شرب الهيم، قال تعالى: هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة:56] نعوذ بالله أن نكون منهم.

    1.   

    مسألة فناء الجنة والنار

    هل الجنة والنار تفنيان؟

    أقول: الجنة لا تفنى بالاتفاق، فلا خلاف بين أهل العلم في أن الجنة لا تفنى؛ لأن الله جل وعلا لما تكلم عن أهل النعيم قال: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء:57] فبين أنهم في خلود دائم لا موت فيه، وأيضاً عندما يؤتى بالموت ويراه أهل النار وأهل الجنة على الصراط فيذبح يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، فلا خلاف بين أهل العلم في أن أهل الجنة يخلدون فيها وأنها لا تفنى.

    أما مسألة فناء النار فقد ورد عن الأولين والآخرين أنها لا تفنى إلا ما ورد عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم من أن النار تفنى، واستدلوا على ذلك بكثير من الآثار والأدلة التي لا معول عليها، وقد ورد كلام آخر عن شيخ الإسلام وابن القيم أنها لا تفنى، وهذا الأليق بشيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم .

    أما دليلهم الذي استدلوا به على فناء النار فقالوا: قال الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:107] فاستدلوا بهذا الاستثناء، وقالوا: قد ورد بسند صحيح عن ابن مسعود وأبي هريرة أنهما قالا: (ليأتين زمان على النار ليس فيها أحد) وهذا هو الشاهد، ووجه الاستدلال: أنها تخلوا فإذا خلت فنيت لأنه لا عمل لها.

    والصحيح الراجح: أن هذا الكلام من أخطأ الخطأ، وإن كانت من شيخ الإسلام تغفر في بحر الحسنات، ومن مثل شيخ الإسلام؟ والمعصوم من عصمه الله وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، وإن كانت من هذا العالم فقد اجتهد فأخطأ فله أجر، وإن كان قد أصاب فله أجران، لكن الصحيح خلاف قول شيخ الإسلام وابن القيم .

    1.   

    وجوب لزوم الكتاب والسنة

    في هذا المقام تقعيد وتأصيل مهم لأهل العلم وهو أن نقول: شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، فلو أفتى أحد من المشاهير اللوامع، الذين تضرب لهم الطبول، ويعرفهم القاصي والداني، والذين بلغوا في العلم مداه، بفتوى خالفت الكتاب والسنة، لرد هذا القول على من قال به كائناً من كان، وقد قال ذلك أجل الناس، وأشرف الناس، وأعلى الناس، وأعلم الأمة الشافعي حيث قال: إن خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله، ودخل عليه امرؤ يسأله: يا شافعي ‍! ما تقول في مسألة كذا؟ وكان بجانبه المزني والبويطي وتلاميذ الشافعي ، فأجابه رجل فقال: هذه المسألة قال فيها رسول الله، وأنهى المسألة.

    والواجب علينا إذا قيل في مسألة: قال رسول الله أن نقول: سمعنا وأطعنا.

    وبعض السائلين يكون جاهلاً لا يفقه شيئاً، فعندما تقول له: قال رسول الله، يقول لك: الشيخ الفلاني أفتى بحلها، وتقول: قال رسول الله، وقال الله، وهو يقول: الشيخ الفلاني وجدته يفعلها، أو السلف كانوا يفعلونها، ولقد قال بعض الصحابة: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول: قال رسول الله وتقولون: قال فلان، وقال فلان!

    فلذلك لما قيل للشافعي: أتقول بهذه المسألة؟ أو أتقول بهذا القول؟ قال: أرأيتني خرجت من كنيسة؟! وهذه دلالة على كفر أهل الكنائس.. على كفر أهل الصليب وعباد الصليب، فلا يجوز لامرئ مسلم قط أن يهنئهم بهذا العيد، قال بعض علمائنا: من أهداهم بيضة في عيدهم فقد كفر، تقعيداً وتخريجاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (فإذا وجدتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) وقال: (لا تبدءوا أهل الكتاب بالسلام) ، فكيف بتهنئة العيد والرضا بكفرهم، والقاعدة المشهورة: الرضا بالكفر كفر.

    والضابط في هذه القاعدة أن نقول: إذا كان الكفر الذي كفر به المرء كفراً متفقاً عليه، لا خلاف فيه ولا نزاع، وهو كفر لنا فيه من الله برهان، فمن رضي به فقد كفر.

    والدليل على هذه القاعدة قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد:28] وفي الآية الأخرى يقول تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:7-9]، وقوله تعالى: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140].

    وهنا أقول: العالم الذي يعلم عقيدتهم، ويعلم كفرهم البين، ثم يجلس في مجلسهم الكفري، ويرضى بكفرهم، بل يذهب ويهنئهم ويقبلهم ويحتضنهم، فهذا رجل لا نقول فيه إلا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

    ونقول له: قد بين الله لك بالاتفاق أن هؤلاء كفار فبين لهم كفرهم، أما الذين لا يعرفون إذا استفتوا أقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم ولا تهنئونهم بالعيد؛ لأنكم بتهنئتكم لهم في هذا العيد تقرونهم على كفرهم، وأنتم مأمورون شرعاً أن تبينوا لهم كفرهم، حتى يعلموا يقيناً أنهم على باطل، وأنهم إن لم يرجعوا إلى دين الله فهم على كفر وضلال.

    ولقد اتصل بي أخ وقال لي بالتصريح: السلام عليكم، أنا كل مدرائي نصارى، وكل عيد يهنئونني ويأتوني بالهدايا، ويجاملونني، فماذا أفعل؟ قلت له: لا تهنئهم، بل ادعهم إلى الإسلام، فهذا هو الفعل الصحيح، قال: أريد أن أسلم عليهم فقط، وأجاملهم بعيدهم كما يفعلون، قلت له: لا تفعل، قال: إن أخذت بقولك فسأفقد وظيفتي، قلت له: أيهما أفضل، أن تفقد وظيفتك أم تفقد دينك؟

    فهذا الرجل لا يعتمد على ربه في الرزق، بل يحسب أنه إن لم يسلم عليهم في عيدهم، ويهنئهم بكفرهم، فسيضيع عمله؛ لظنه أن الرزق بأيديهم، وهذه عقيدة فاسدة، فالعطب في عقيدته الأولى جره إلى عطب في عقيدته الثانية.

    فمن سلم عليهم في يوم عيدهم فقد رضي بكفرهم، فهو ينزل هذه المنزلة إن كان من العالمين المتقنين الفاهمين لعقيدتهم الخربة.

    والمقصود أنه لما قال الشافعي: أخرجت من كنيسة؟ يبين له أن هؤلاء أهل كفر، فإني إن رددت قول النبي لكنت مثلهم، فانظر: على حديث واحد يرده بعد أن اقتنع به يرى الشافعي أنه يمكن أن يكون مثلهم، قال: أرأيتني قد خرجت من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زناراً؟ يعني: يهودياً، يقول: قال رسول الله فماذا أقول أنا؟ أقول: قال رسول الله، وأقول به، ولذلك نقول: المرء إذا جاءه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت وأطعت، ويقدم قول النبي على قول أي أحد كائناً من كان.

    فنقول: أولاً: جاءتنا الأدلة التي قعدت لنا وأصلت الخلود للجنة والخلود للنار، منها قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [المائدة:119] أي: على التأبيد، فهذه الآية تثبت عدم فنائها.

    ونرد على أدلة شيخ الإسلام من وجهين:

    الوجه الأول: أن هذه الآثار لم تثبت، وأهل الحديث عللوا هذه الآثار بالانقطاع وبغيره.

    فإن تنزلنا مع الخصم وقلنا: ثبت عن ابن مسعود وأبي هريرة أنهما قالا: (ليأتين زمان على النار ليس فيها أحد) فنئوله على أن المقصود ليس فيها أحد من الموحدين.

    ونحن نقول: إن نار الموحدين تفنى، لما ثبت في الصحيحين من حديث الشفاعة أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله علية وآله وسلم: (اذهب فمن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان فأخرجه) وبعد ذلك دينار، ثم نصف دينار، ثم مثقال ذرة، ثم حبة من خردل، ثم قال: (أذن لي ربي أن أشفع فيمن قال: لا إله إلا الله، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله) وهذا بيان بأن من قال: لا إله إلا الله وكان يصلي فهو يخرج من النار ولا يخلد فيها، وتفنى هذه النار، ويكون تأويل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم على أن التي تفنى هي نار الموحدين، ويلتئم الشمل وتجتمع الأدلة، ولا نزاع بإذن الله.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنات، وأن يبعدنا جمعياً عن النيران.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    الأسئلة

    بيان مغفرة الكبائر

    السؤال: هل تغفر الكبائر ؟

    الجواب: هذا على خلاف بين أهل العلم، ففي حديث أنه يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين، لأنه مرتبط بحقوق الآخرين، ويقاس عليه كل حقوق الآخرين فإنها لا تغفر، بل لا بد من المقاصة، أو يرضي الله جل وعلا الذين لهم الحق على هذا الرجل.

    وهل تغفر الكبائر التي بين الصلاة والصلاة، وبين العمرة والعمرة، والحج والحج؟

    فيه خلاف بين أهل العلم، وأنا متوقف عن الترجيح؛ لأن أدلة الفريق الأول قوية، وأدلة الفريق الثاني قوية، ولم أستطع الترجيح بينهما .

    بيان أول ما يحاسب عليه المرء

    السؤال: ورد حديث بأن أول ما يقضى بين الناس في الدماء، وورد حديث آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب المرء عليه الصلاة) فما توجيهكم لهذين الحديثين؟

    الجواب: نقول: إن أول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين الله الصلاة، وأول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين الناس الدماء.

    منزلة نساء الدنيا بين حور الجنة

    السؤال: ما منزلة المؤمنات بين الحور العين في الجنة؟

    الجواب: منزلتها بين الحور العين أنها الرئيسة والحور وصيفات لها.

    بيان أكثر أهل الجنة

    السؤال: هل يعمل بمفهوم المخالفة لحديث: (وإني رأيتكن أكثر أهل النار

    الجواب: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع) مما يدل أن أهل الجنة أكثرهم من الرجال.

    تعريف الحديث الموقوف

    السؤال: ماهو الحديث الموقوف؟

    الجواب: الحديث الموقوف: هو الذي أوقفه رواته على الصحابي، كأن يقولوا: قال أبو هريرة: (يقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء) فهنا القول نسب لـأبي هريرة فهذا الموقوف، أما المرفوع: فهو ما رفع للنبي صلى الله عليه وسلم.

    رد توجيه الغزالي لحديث المقاصة بين الوحوش

    السؤال: لماذا لا يؤخذ بقول الغزالي في توجيه حديث المقاصة بين الوحوش؟

    الجواب: لأن القاعدة الأصولية تقول: إن اللفظ يبقى على ظاهره إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، فعندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقتص الله من الشاة القرناء للشاة الجلحاء) ظاهر اللفظ أن الله جل وعلا يأمر الشاة التي ليس لها قرون أن تنطح التي نطحتها بقرونها في الدنيا.

    بقاء بعض الذنوب بعد مجاوزة الصراط

    السؤال: هل يجاوز الصراط احد وعليه ذنب؟

    الجواب: نعم، فبعد أن يمر على الصراط يقف حتى ينظف من كل ما عليه من حقوق، ويعطيها للناس ثم بعد ذلك يدخل الجنة نظيفاً.

    حقيقة نعيم البرزخ

    السؤال: هل يدخل أحد الجنة حقيقة وهو في البرزخ؟

    الجواب: لا، ليس دخولاً في الجنة، بل يعرض عليه مقعده من الجنة، ويعرض عليه مقعده من النار، ويأتيه من طيبها وريحها، لكن لا يدخل الجنة أحد حقيقة إلا يوم القيامة، فحياة البرزخ حياة لا هي حياة أخروية ولا هي حياة دنيوية، بل حياة غيبية يعلمها الله جل وعلا.

    أما ما قيل لـحبيب كما قال تعالى: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ [يس:26] فإن المعنى: مآلك إلى الجنة، فهذا هو المعنى الصحيح بالقرائن المحققة والمؤصلة من العمومات التي أثبتت أنه لا دخول للجنة إلا في الآخرة، وكل ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة أو النار كل هذا يكون في البرزخ والدليل على ما قلناه هو قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]، فإنهم لم يدخلوا بل قال: (يعرضون)، ثم قال بعد ذلك: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، أما الأرواح فهي في حواصل طير تطوف بالجنة وتتنعم، أما الأجساد فلا تدخل الجنة إلا في الآخرة، والجمع بين الجسد والروح لا يكون إلا في الآخرة.

    حقيقة الجنة التي فيها آدم

    السؤال: ما هي الجنة التي كان فيها آدم، أهي جنة الآخرة أم جنة أخرى؟

    الجواب: هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء، فمنهم من قال: جنة أخرى، وأول قوله: اهْبِطَا [طه:123] على أنها جنة في الأرض، أو بين الأرض والسماء، وليست جنة الآخرة، والصحيح أنه كان في جنة الآخرة، ومن أبين الأدلة وأفصحها على أن الجنة التي كان فيها آدم هي جنة الآخرة أن النبي صلى الله علية وسلم قال: (فحج آدم وقال: أنت آدم خلقك الله بيده) إلى آخر الحديث حيث قال: (أخرجتنا ونفسك من الجنة) فإن قيل: هو قال: الجنة مطلقة، ولم يقيد بهذه وتلك، نقول: إذا أطلقت فهي جنة الآخرة.

    الاستسماح من الغيبة

    السؤال: ما هو المخرج إن اغتبت أحداً في مجلس ثم لم أجده لأستسمحه؟

    الجواب: يكفي من ذلك أن تنشر محاسنة في المجلس الذي أسأت إليه فيه، والعبد إذا صدق الله في توبته؛ فإن الله يقلب قلب عدوه فيكون حبيباً له.

    شرح حديث (...أنا أحق بذلك منك)

    السؤال: ما الحكمة من قول الله تعالى للمتخاصمين إذا عفا أحدهما عن الآخر: (أنا أحق بذلك منك) .. الحديث؟

    الجواب: الحكمة في ذلك هو إظهار سبيل رحمة الله جل وعلا بعباده، لكن هذا ليس لأي أحد، بل لمن علم الله في قلبه مخافته، وإلا فإبليس كان يدعى بطاووس الملائكة؛ لشدة عبادته، لكن علم الله من قلبه الكبر والتكبر فابتلاه بالأمر بالسجود فلم يسجد لكبره؛ فلعنه، وجعله من الخارجين والملعونين إلى يوم القيامة.

    الحكمة من رؤية المؤمنين لأهل النار في النار

    السؤال: ما الحكمة من رؤية المؤمنين لأهل النار في النار وهم يعذبون؟

    الجواب: من متعة أهل الجنة أن ينظروا إلى الفسقة الفجرة الكفرة في النار يعذبون، بل وأهل النار يقولون: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ [الأعراف:50]، فهذا من تمام متعة أهل الجنة، بأن تشفى صدورهم وهم يرون أهل الكفر يعذبون أمامهم، وأيضاً هذه من زيادة النكاية والعذاب والتوبيخ والتنكيل بأهل الكفر وهم في النار، حيث يرون أهل الجنة يمتعون وينعمون بما ينعمون به في الجنة.

    استقلالية حياة البرزخ بالعذاب والنعيم عن حياة الآخرة

    السؤال: هل عذاب القبر يرفع قسطاً من عذاب الآخرة؟

    الجواب: لا، عذاب القبر لا يرفع قسطاً من عذاب الآخرة، ونعيم القبر لا يقلل من نعيم الآخرة، بل حياة البرزخ لها أحكامها الخاصة بها، والآخرة لها حياة أخرى غير الحياة البرزخية ولها أحكامها الخاصة بها،كما أن الدنيا لها أحكام خاصة بها.

    حكم تارك الصلاة

    السؤال: ما حكم تارك الصلاة؟

    الجواب: تارك الصلاة تركاً كلياً بحيث لم يسجد لله سجدة يكفر ولا يدخل في دائرة الإسلام إلا إذا صلى، والذي يصلي ويقطع ليس بكافر، بل هو فاسق فقط، والخلاف في حكم تارك الصلاة خلاف فقهي وليس خلافاً عقدياً.

    قدر المسافة بين الدرجات في الجنة

    السؤال: ما قدر المسافة بين الدرجات في الجنة؟

    الجواب: ينظر صاحب الدرجة الأدنى إلى درجة الأعلى منه بدرجة واحدة كما ينظر الذي في الأرض للكوكب في السماء كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: الفارق بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، فحري بنا أن نسعى جاهدين لأن نلتقي بالنبي في الفردوس الأعلى، ومن أروع ما يقال في هذا المقام: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، نعوذ بالله ممن يتقاعس عن طاعة الله جل وعلا.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.