إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مراجعة كلام الله - رؤية النبي صلى الله عليه وسلم

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مراجعة كلام الله - رؤية النبي صلى الله عليه وسلمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفة الكلام لله عز وجل من الصفات التي قد تضافرت عليها الأدلة من الكتاب والسنة والعقل، وهي صفة فعلية تليق به عز وجل، فنثبتها لله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وإثباتها لله عز وجل، لا يستلزم منه إثبات آلة الكلام من فم ولسان وغيرهما، والقرآن فرع عن هذه الصفة، فهو كلام الله عز وجل، وهذا اعتقاد السلف، ثم خلف من بعدهم خلوف قالوا بخلق القرآن، فتصدى للرد عليهم أئمة السلف.

    1.   

    لا يستلزم من إثبات صفة الكلام لله إثبات آلة الكلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم الجليل كتاب: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للإمام اللالكائي ، وقلنا: إن من إبداع هذا العلامة الجهبذ في تصنيفه لهذا الكتاب وترتيبه إياه: أنه اكتفى بالإجمال ثم بعد ذلك أخذ في التفصيل اقتداء بكتاب الله جل وعلا واقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالإجمال مشوق ثم التفصيل يؤسس ويقعد.

    وقد تكلمنا فيما سبق عن جماع صفات الله جل وعلا، ووصلنا إلى صفة الكلام، وأن القرآن هو كلام الله جل وعلا سمعه جبريل عليه السلام من الله جل وعلا، ثم نزل به إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذكرنا قاعدة مهمة جداً وهي: أن الله متكلم، ولا يستلزم من إثبات الكلام إثبات آلة الكلام، فلا نقول: لله عز وجل فم ولسان، وهناك مخلوقات تكلمت وليس لها فم أو لسان، فكذلك ولله المثل الأعلى لا يلزم من كلام الله وجود فم أو لسان لله عز وجل، فمثلاً: النار تكلمت، فأين لسانها؟! والسماء تكلمت فقالت: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] فأين فمها ولسانها؟!

    والعبد القريب من ربه جل وعلا، والذي يعلم صفات الله وأسماء الله جل وعلا، ويتعبد بها، أحب عباد الله إلى الله وأعلمهم به، وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم العلم إلى علمين: علم بالله، وعلم بأمر الله. وأشرف العلوم: العلم بالله، وأنت تعبد ربك جل وعلا فحري بك أن تعرف من ربك؟ وما هي صفاته؟ وما أسماؤه؟ فكلما تعرفت على أسماء الله وصفاته أحببته، وكلما أحببت الله جل وعلا تعبدت له وأخلصت له، وكلما أخلصت له قربت من المنزلة عند الله جل وعلا حتى يرفعك إلى قبل درجة النبوة، فلا يفرق بينك وبين النبي إلا درجة النبوة، والعلماء في درجة النبوة، فلا يفرق بين العالم والنبي إلا درجة النبوة، ولذا حظي العلماء بهذه المنزلة العظيمة، وأعظم العلماء وأشرفهم وأعلمهم: أعلمهم بالله وأخشاهم له، وكلما ازددت علماً بربك ازددت له خشية وإنابة وإخلاصاً وتعبداً.

    1.   

    إدلة صفة الكلام لله تعالى

    الأدلة على أن الله متكلم: أن الله عز وجل قد تكلم مع مخلوقات عدة، منها: الملائكة، والأنبياء ومنهم: موسى، وآدم، وسمعت حواء صوت الله عز وجل: أَلَمْ أَنْهَكُمَا [الأعراف:22]، وكلم الله القلم، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) فتكلم الله مع القلم وسمع القلم صوت الله عز وجل، يا له من قلم! ويا له من شرف عظيم، نسأل الله أن يسمعنا صوته في الآخرة، وأن يتحدث معنا برضاه، آمين اللهم آمين.

    وتكلم الله مع الجمادات، منها: السماء والأرض، فقال لهما: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11].

    وتكلم مع الجنة والنار، وتكلم مع الجبال، والجبل يسمع ويحب ويريد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا أحد يحبنا ونحبه).

    وتكلم الله مع إبليس فقال: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وقوله: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف:13]، وآيات كثيرة فيها تكلم الله مع إبليس اللعين.

    فكل هذه أدلة من الكتاب تدل على أن الله متكلم.

    وأما الأدلة من السنة على أن الله متكلم فحديث القلم السابق، وأصرح وأوضح منه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: (إذا أحب الله عبداً نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبوه).

    وحديث المعراج الذي خص الله فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالكلام، كما اصطفى موسى بالكلام؛ ولذلك قال بعض العلماء: جماع كل صفات الخير للأنبياء جمعها الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما إثبات صفة الكلام لله عز وجل بالعقل فجائز، مع أن بعض العلماء يقول: أنت لم تر الله، ولم يحدثك الثقة عن الله جل وعلا، ولم تر مثل الله جل وعلا، فكيف تقول: بالعقل نثبت صفة الكلام لله عز وجل؟ وشيخ الإسلام ابن تيمية ينكر أمر القياس بين الخالق والمخلوق، فلا يصح أن نقيس بقياس بين الخالق والمخلوق بأي من الأحوال؛ لأن القياس لا بد فيه من وجود علة مشتركة بين الأصل والفرع حتى نقيس الفرع على الأصل، فأيهما تجعله أصلاً وأيهما تجعله فرعاً؟!

    فأقول: هناك قاعدة عظيمة تقول: كل صفة كمال فالله يتصف بها.

    وبالعقل أي صفة نقص فإن الله تعالى لا يتصف بها؛ لأن الله له الكمال المطلق.

    وأما قولهم: كيف تقيسون الخالق بالمخلوق؟

    فالجواب: القياس أنواع: قياس شبه، وقياس علة، وقياس أولى، والذي يستعمل في حق الله هو: قياس الأولى، لا قياس علة ولا قياس شبه.

    فإذا كان الإنسان يتكلم، والكلام صفة كمال له، والأخرس عندنا ناقص، بل المتكلم الذي لا يستطيع أن يعبر عما بداخله ويفسر ما يريد ناقص، ولذلك فرعون أنكر على موسى عليه السلام عدم إفصاحه في الكلام، فقال الله على لسانه: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52].

    فبين أن هذه صفة نقص، والله جل وعلا قد شفاه من ذلك، والله له حكمة في ذلك، وقد طلب الله أن يكون هارون عوناً له؛ لأنه أفصح منه لساناً، فالكلام صفة كمال.

    فإن كان هذا كمالاً فمن باب أولى نقول: إن الله متكلم، وإن كان عدم الكلام أو عدم استطاعة الكلام نقص فمن باب أولى ننزه الله عنه، أما ترى أن الله قد أنكر على قوم عبدوا أصناماً لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر، فقال عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا [الأعراف:148]، وقوله: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [طه:89]

    إذاً: صفة الكلام هي صفة ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة والعقل.

    1.   

    الكلام صفة فعلية لله عز وجل

    هنا سؤال: هل هذه الصفة خبرية أم فعلية أم ذاتية؟

    والجواب: فعلية، فهي قديمة النوع حادثة الأفراد، أي: هي من الأصل موجودة عند الله جل وعلا، ما استحدثت بعدما خلق الله موسى وقال له: يا موسى! إني أنا الله، وإلا كان الله جل وعلا غير متكلم وأضيفت له هذه الصفة، وكان غير متكلم، ثم كملت له هذه الصفة وحاشا لله، ولذلك نحن نقول ونرد على أهل الكلام: لو دخلت على رجل ومكث مدة طويلة لا يتكلم، ثم بعد ذلك تكلم، فهل تستطيع أن تقول: إنه كان أخرساً، وما تكلم إلا في هذا الوقت؟ لا، وإنما تقول: عنده صفة الكلام وهو متكلم، لكن يتكلم وقت ما شاء.

    إذاً: إذا أثبتنا لله صفة الكلام، فقد تكلم الله وسمعت المخلوقات صوت الله جل وعلا، وأسمع الله من شاء كيفما شاء كما شاء، والقرآن فرع عن هذه الصفة، فالقرآن كلام الله جل وعلا.

    فالقرآن هو: كلام الله المتعبد بتلاوته -وبهذا يخرج: الأحاديث القدسية والنبوية- المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، ابتدأ بالفاتحة وانتهى بسورة الناس.

    1.   

    القرآن كلام الله غير مخلوق

    أجمع الصحابة على أن القرآن هو كلام الله جل وعلا، فقد روى البيهقي أن أبا بكر راهن قريشاً على غلبة الروم، فلما سألوه عن ذلك قرأ هذه الآيات: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ [الروم:1-3]، فلما حدثت الغلبة للروم، قالوا له: من أين أتيت بهذا؟ هل هو من عندك أو من عند صاحبك؟ فقال: ليس من عندي ولا من عند صاحبي، ولكن هو كلام الله جل وعلا.

    أيضاً: الخلفاء الراشدون قالوا: القرآن كلام الله، وغيرهم كـابن عمر وابن عباس وكثير من الصحابة، كما قال عمرو بن دينار : أدركت تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن القرآن كلام الله جل وعلا.

    ورأى ابن عباس رجلاً يدعو فيقول: اللهم رب القرآن اغفر لنا، فقال ابن عباس : القرآن ليس بمربوب، القرآن كلام الله جل وعلا.

    وورد عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: وكان شأني أحقر عند نفسي من أن يتكلم الله في شأني من فوق سبع سماوات.

    أيضاً: من التابعين: ابن المسيب والزهري وأبو حنيفة -كبار التابعين وصغار التابعين- وبعدهم الشافعي وأحمد ومالك وابن عيينة والثوري وأبو جعفر المنصور ، كلهم اتفقوا على أن القرآن كلام الله جل وعلا غير مخلوق.

    قاعدة في التكفير

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ جماع ما روي بكفر من قال: إن القرآن مخلوق ] قبل أن أبدأ في شرح أي مسألة يتكلم فيها المصنف، لا بد أن أقعد قاعدة مهمة جداً، حتى نضبط الفروع بإرجاعها إلى الأصل، وهذه القاعدة هي: أن الكفر حق من حقوق الله جل وعلا، فلا أحد يقوى عليه إلا بدليل ناصع، أسطع وأوضح من شمس النهار، فلا أحد يلقي بالكفر على أحد إلا بدليل قاطع، أيضاً: لا بد أن نثبت أن هذا الفعل أو القول كفر، سواء من الكتاب أو من السنة، أو إجماع الصحابة أو إجماع أهل العلم، فمثلاً: لو قلنا: إن إلقاء المصحف في الزبالات كفر، أو سب الذات الإلهية كفر، فلا بد من دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإذا قال قائل: إن القرآن مخلوق، وقلت: إن هذا كفر، فلا بد عليك أن تأتي بدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع على ذلك، حتى تبرأ ساحتك عند الله؛ لأن هذا حق لله جل وعلا.

    فنقول: عندنا أدلة تثبت أن من قال: إن القرآن مخلوق، فإنه يكفر، أو أن هذه المقولة كفر، منها:

    أولاً: قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، وقوله: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:80] فأثبت أن هذا الكلام كلام الله جل وعلا، فهو قد أضاف الكلام إلى الله جل وعلا، فإن قال قائل: الكلام مخلوق، فقد كذب بصريح القرآن، وإذا كذب بصريح القرآن فهذا كفر بواح؛ لأن الله جل وعلا يقول: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122] فإن قال: لا أصدق هذا؛ فقد كذب الله جل وعلا، ومن وقع في التكذيب فقد كفر.

    ثانياً: أن الذي يعتقد هذه المقولة شبه الخالق بالمخلوق، وتشبيه الخالق بالمخلوق كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وتنقيص من حق الله جل وعلا، قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فالله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وهو ينزل الله من منزلته جل وعلا إلى منزلة المخلوق.

    ثم إذا أثبتنا أن هذه المقولة كفر بصريح القرآن أو السنة أو الإجماع فلا بد من توافر الشروط وانتفاء الموانع؛ حتى نحكم بالكفر على فلان أو علان، وتقام عليهم الحجة، وتزال أي شبهة عنهم، فلعله يكون لهم تأويل، ويثبت لنا هذا ما نقل عن الإمام أحمد أنه قال: من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر. وقال الشافعي: من قال: إن القرآن مخلوق فهو زنديق. وسئل ابن المبارك عن رجل يقول: إن القرآن مخلوق، فقال: امرأته بائنة منه، فقالوا: لم؟ قال: هي مسلمة وهو كافر، وقال ابن عيينة : من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر ويقتل ولا يصلى عليه.

    وقيل للإمام أحمد : هل نخرج بالسيف على المأمون؟ فقال: لا، هم عندي جهال، ولم يكفر المأمون مع أنه ضربه بالسياط، وامتحنه على خلق القرآن.

    وناظر شيخ الإسلام ابن تيمية الجهمية الذين ينفون الاسم والصفة -ليس فقط ينفون صفة الكلام، بل حتى كل اسم لله- فقال لهم: لو قلت بقولكم كفرت، ولكنكم عندي جهلة. فلجهلهم عذرهم الإمام ابن تيمية .

    1.   

    حكم قول: لفظي بالقرآن مخلوق

    مسألة من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، هل هو مثل من قال: إن القرآن مخلوق أم لا؟ هذه مسألة عويصة ومعرفتها مهمة جداً، والناس فيها على ثلاث طوائف:

    الطائفة الأولى: الواقفة، وهذه فرقة من فرق الجهمية، فمثلهم مثل من يقول: إن القرآن مخلوق؛ ولذلك توقفوا في أمر اللفظي، فالواقفة جهمية أصلاً.

    الطائفة الثانية: قالوا: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وهم غلاة الصوفية، كـابن عربي وابن سبعين، فهم يقولون: كل كلام في الأرض كلام الله؛ لأن عندهم الحلول والاتحاد، فلا فرق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق هو الخالق، والخالق هو المخلوق، ولذلك قال ابن عربي :

    كل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه

    يعني: أي كلام فيه سب، وأي كلام تزدري الأذن أن تسمعه، يقول: هذا كلام الله، حاشا لله! لأن عنده أن المخلوق خالق، والخالق مخلوق، ولا يدري ما الفرق بينهما، حاشا لله! وهذه الطائفة أكفر أهل الأرض، عليهم من الله ما يستحقون.

    الطائفة الثالثة: طائفة أهل السنة والجماعة القائلون: لفظي بالقرآن مخلوق، وقد حصل كلام ونزاع بينهم في المراد بهذه المقولة، فالإمام أحمد والشافعي وابن عيينة وغيرهم من الأئمة قالوا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو زنديق، وقالوا: لا تصح هذه المقولة؛ لأن قولي: لفظي بالقرآن مخلوق، هي كقولي: القرآن مخلوق. وخالف في ذلك البخاري وابن خزيمة وابن جرير الطبري فقالوا: هذه المقولة لا شيء فيها، وهي كلام صحيح.

    ونحن نقول بالتفصيل، فهل تكلم الصحابة والتابعون بهذا الكلام؟ لا، وإنما هذه المقولة بدعة ظهرت في القرون المتأخرة، وهناك قاعدة تقول: كل كلام في حق الله فهو مجمل لا يقبل بالإطلاق، ولا يرد على الإطلاق، كالجهة والمكان، ولكن نقول للقائل: ما تقصد؟ فإن كان يقصد حقاً قبلنا الكلام، وإن لم يقصد حقاً رددنا الكلام.

    فلو أنه قصد أن لفظه بالقرآن الذي يتلوه مخلوق يعني بسم الله الرحمن الرحيم الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] فهو قد قال بقول المبتدعة الذين قالوا: إن القرآن مخلوق، ونرد عليه القول، ونزيل عنه الشبهة؛ فإن أصر على ذلك فقد كفر؛ لأن هذا القول قول كفر.

    وإن قصد فعله وكتابته ولسانه وصوته الذي يطلع منه، فهذا حق، فإن فعله مخلوق، وتلاوته مخلوقة، ولسانه مخلوق، وقلبه مخلوق، وصدره مخلوق، والله جل وعلا والنبي صلى الله عليه وسلم قد سميا التلاوة فعلاً، والله سيجازي الإنسان على فعله، وفعل الإنسان مخلوق، ولذلك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار) والفعل من كسب العبد، وهو مخلوق.

    وعندنا أدلة تثبت أن التسطير للقرآن مخلوق، والقلم مخلوق، والآلات التي أقرأ بها مخلوقة، قال الله تعالى: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:1-3] فكل هذه مخلوقات غير الكتاب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب؛ فكتب) فكان من ضمن ما كتب: القرآن، فالقلم مخلوق، والقرآن مسطر، وهذا التسطير مخلوق، والورق مخلوق.

    أيضاً: كلام الله جل وعلا في الصدور وفي القلوب، والصدور مخلوقة، قال الله تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49]، وقال الله جل وعلا: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:192-194]، فالقرآن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وقلب النبي صلى الله عليه وسلم مخلوق.

    كذلك: تلاوة العبد من فعل العبد، وهي مخلوقة، قال الله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، وقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16]، وقوله: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:18]، وقوله: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ [الإسراء:106]، وقوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121] فهذه التلاوة مخلوقة؛ لأنها من كسب وفعل العبد.

    أيضاً: هذا القرآن يسمع بالآذان، والآذان لا شك أنها مخلوقة، قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] فيسمع كلام الله بالآذان المخلوقة، وهذه الآلات كلها مخلوقة، فإذا قلت: اللسان الذي تكلم بكلام الله مخلوق. فلا شيء عليك، وإذا قلت: القلب الذي حفظ كلام الله مخلوق. فلا شيء عليك، وإذا قلت: الصدر الذي وعى كلام الله جل وعلا مخلوق. فلا شيء عليك، وإذا قلت: القلم الذي كتب بسم الله الرحمن الرحيم الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] مخلوق. فلا شيء عليك.

    وبعد معرفتنا فصل الخطاب في حكم قولنا: لفظي بالقرآن مخلوق، نعلم أن الإنكار الشديد على الإمام البخاري ليس تحته طائل؛ لأن الإمام البخاري قال: إن التلاوة من فعل العبد، وفعل العبد مخلوق. لكنه لم يقل: إن القرآن مخلوق.

    وأما الجواب عن أئمة الهدى: الإمام الشافعي وابن عيينة والإمام أحمد واسحاق بن راهويه الذين قالوا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو زنديق. أنهم أرادوا بذلك سد الذريعة وحسم المادة؛ لأن غليان الفتنة كانت في تلك العصور كثيرة جداً، فما من بيت إلا ودخلته الفتنة، فأرادوا حسم المادة وسد الذريعة؛ لأن هذه المقولة مجملة، فقالوا: نحسم المادة ونسد الذريعة، ولا نقول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ حتى لا يتوهم أحد أنك تقول: إن القرآن مخلوق.

    1.   

    رؤيا النبي حق وضوابطها

    ذكر المؤلف بعد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من رآه في المنام فقد رأى الحق، وأن بعضهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، وهذه المسألة مهمة جداً، فأقول: إن رؤيا النبي حق، لكن حتى لا يأتي لنا المتهوكون الذين يرفعون عن أنفسهم التكليف برؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي لنا من يتبجح علينا ويقول: إن الذي يرى النبي في المنام سيراه في الآخرة، والنبي حي بيننا، وممكن يراه الإنسان في اليقظة، واللوازم عند ذلك لا تنتهي، فنقول لهم: إن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق، لكن بشروط منها:

    الشرط الأول: أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم بنفس الصفة التي وصفها أهل العلم في الكتب المسطرة، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي) فكثير جداً يقول: رأيت رأساً، رأيت بدناً دون رأس، رأيت أبيضاً أملحاً، رأيت غترة سوداء، وكلام معيب جداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضابط هذه المسألة ما ضبطها به العلماء، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: رأيت النبي، فقال له: صفه لي؟ فوصفه له، قال: ما رأيت النبي. وابن سيرين كان من دأبه أن من قال له: رأيت النبي، يقول له: صفه لي؟ فإن كان الوصف يوافق الوصف المسطر المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قد رأيته، وإن لم يكن قال: لم تره.

    الشرط الثاني: أن لا يأتينا ببدع من القول، وذلك كأن يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: لا تصل الخمس! صل الأربع فقط! أو أناس ينتظرون رؤية الهلال، فيأتي فيقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال: صم غداً فإن رمضان غداً! فكل هذا الكلام لا يصح؛ لأن الشرع قد تم، والوحي قد انتهى.

    وأما بالنسبة لما ذكره المصنف أن رجلاً قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: من قال: إن القرآن مخلوق جعلت يمينه يمين قر، فعاش بعد ذلك يوماً أو يومين، ثم يصير إلى النار؛ فإن هذه الرؤى ليست بحجة شرعية، ولذلك أنكر بعض العلماء على المحقق المدقق الإمام ابن القيم في كتابه: الروح؛ لأنه ملأ كتابه بالرؤى، مع أن كل كتب ابن القيم تمتلئ بقال الله، قال رسوله، قال الصحابة الفضلاء، لكن فيه يقول: ورأى صديق في المنام كذا، ورأى صاحبنا في المنام كذا، ورأى فلان كذا وكذا، فالحجة الشرعية ليست في المنام، لكن لا بأس أن نستأنس بهذا الكلام.

    ثم روى المصنف بعض الروايات عن أكثر من واحد من السلف أنه قال: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر.

    1.   

    الأسئلة

    فعل الله صفة من صفاته

    السؤال: إن قيل: إن الله كتب التوراة بيده، فهل فعل الله مخلوق؟

    الجواب: لا، ففعل الله ليس بمخلوق، وإنما فعل الله صفة من صفاته. والألواح التي كتبها الله لموسى بيده مخلوقة، ولذلك عندما ألقى موسى الألواح من يده فتكسرت لم يعاتبه الله عز وجل.

    الإضافة إلى الله نوعان

    السؤال: المضاف إلى الله نوعان، فما هما؟

    الجواب: المضاف إلى الله نوعان: إلى عين قائمة بذاتها، وإلى معنى ليس بعين. والعين القائمة بذاتها إضافتها إلى الله إضافة تشريف، وذلك مثل قولنا:

    الكعبة بيت الله، ناقة الله، عيسى روح الله، موسى كليم الله، كتاب الله.

    وأما الإضافة إلى معنى، فهي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وذلك مثل قولنا: عزة الله، كرم الله، رحمة الله، قدرة الله، فكل هذه إضافة صفة إلى موصوف؛ لأنها معنى، وليست بعين قائمة بذاتها.

    حكم الحلف بالمصحف

    السؤال: ما حكم الحلف بالمصحف؟

    الجواب: إن قصد كلام الله الذي هو صفة من صفات الله، فقد أقسم بالله، أما بالورق المخلوق فهذا لا يجوز القسم به.

    حكم وضع اليد على المصحف عند الحلف

    السؤال: ما حكم وضع اليد على المصحف عند الحلف؟

    الجواب: بدعة، ولا يجوز ذلك.