إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القرآن كلام اللهللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن كلام الله والناس يقرءونه بأصواتهم ويكتبونه بأقلامهم وما بين اللوحين هو كلام الله غير مخلوق، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في القرآن، وقد فتن في قضية خلق القرآن أقوام من المعتزلة وجاء بعدهم الكرامية وطوائف من الفلاسفة يخوضون في هذه المسألة بعقولهم العقيمة وأفهامهم السقيمة، ومن يضلل الله فما له من هاد.

    1.   

    القرآن كلام الله تعالى

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

    القرآن كلام الله غير مخلوق، يجب اعتقاد هذا، وسوف أدلل على هذه المسألة وأبين الشاهد ووجه الاستدلال ومحل الاستدلال من الأدلة.

    قال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] محل الشاهد: (وكلم الله) الفعل مضاف إلى الله، والله هو الفاعل، ثم أكد بالمصدر وهو المفعول المطلق المؤكد للفعل، ولم يقل: تخييلاً ولا خلقاً، وإنما قال: (تكليماً)، فهذا مفعول مطلق مؤكد للنوع، والنوع هنا المبين هو الكلام، فالله جل وعلا هو المتكلم والسامع هو موسى عليه السلام.

    وقال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، هذا دليل على أن القرآن كلام الله، وأن الله متكلم، وأن الكلام صفة من صفات الله.

    وجه الشاهد وكيفية الاستدلال هو: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ الكلام مضاف إلى الله جل وعلا، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان ومعان، إضافة الأعيان مثل: بيت الله الكعبة، فهي عين قائمة بذاتها، والإضافة هنا إضافة مخلوق لخالقه، وهي إضافة تشريف.

    مثال آخر: عيسى روح الله، فهل الروح معنى أم عين؟ الروح عين قائمة بذاتها، فإنها تؤخذ على حنوط والملك يسحبها، وتعلق في الشجرة، فهي عين قائمة بذاتها، لذلك: عيسى روح الله مضاف إلى الله إضافة تشريف.

    النوع الثاني: إضافة المعاني، مثل قولك: كلام الله، فهل الكلام عين قائمة بذاتها؟ وهل جدتم كلاماً يمشي أمامكم ترونه وتسلمون عليه؟ الكلام معنى، كذلك قولك: وعزة الله لأفعلن كذا وكذا، هذه صفة لموصوف، كذلك قولك: قدرة الله ورحمة الله، وكرم الله، وعطاء الله، كل هذا من إضافة المعاني، فإضافة الكلام إلى الله جل وعلا إضافة صفة إلى موصوف.

    عقيدة المعتزلة في القرآن الكريم

    قالت المعتزلة عن القرآن: إن قلتم: إن الله يتكلم فقد شبهتم الخالق بالمخلوق؛ لأن كل متكلم له مخرج، إذاً شبهتم الخالق بالمخلوق وقلتم: إن لله مخرجاً وفماً يتكلم به.

    نقول لهم: لا يلزم من ذلك التشابه؛ لأن الألفاظ قد تطلق ولا يراد بها المعنى المتبادر إلى الذهن من اللفظ، وذلك لقرينة تصرفها عن ذلك، مثل قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62] وفي سورة الأحقاف قال: فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف:24] إلى آخر الآية ثم قال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] لم تدمر المساكن مع أن الله جل وعلا قال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ وهذا الشيء يدخل فيه المساكن وغيرها، فيكون المعنى: كل شيء صالح للتدمير.

    وعلى نفس السياق نقول في قوله تعالى: الله خالق كل شيء أي: كل شيء قابل للخلق فهو مخلوق.

    والرد عليهم نظراً: نقول: السماوات تتكلم: قَالَتَا أَتَيْنَا [فصلت:11] فكيف تكلمت؟! أين لسان السماء؟! أين المخرج من السماء؟!

    وجاء في السنة أن النار قالت: (أكل بعضي بعضي)، وقالت: (جعلتني للمتكبري)، وغير ذلك مما ورد أنه يتكلم، ولا نرى للنار مخارج، فإذا لم نعرف للمخلوقات مخارج في كلامهم، ولم نعرف كيفية الكلام، فمن باب أولى الخالق الذي لا يعلم كنه ذاته جل وعلا، فلا تعلم حقيقة صفاته وكيفيتها، وهذا يسمى قياس الأولى، فإن كانت المخلوقات لا نعلم كيفية تكلمها فكيف بالخالق الذي لا يمكن أن نعلم كيفيته جل وعلا؟!

    حكم من يقول لفظي بالقرآن مخلوق

    قال بعضهم: لا يجوز أن تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن عين كلام الله هو عين كلام المخلوق، والذي قال هذا هم الاتحادية والحلولية، فهم يقولون: كل كلام في الأرض كلامه، فالسب والشتم وقبيح الكلام ينسب إليه جل وعلا تعالى عما يقولون علواً كبيراً! قال قائلهم:

    وكل كلام في الأرض كلامه سواء علينا نثره أو نظامه

    والذي قال هذا هو ابن عربي، وهذا الرجل من أكفر أهل الأرض، ومع ذلك يعظمونه، وهو الذي يقول بالاتحاد والحلول.

    واختلف السلف في قوله: لفظي بالقرآن مخلوق، فالإمام أحمد وعلي بن المديني وغيرهما يقولون: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، أما البخاري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة والبيهقي ومسلم فإنهم يقولون بجواز القول بأن لفظي بالقرآن مخلوق، ونقول: هذه كلمة مجملة. ونحن أصلنا في اعتقادنا أن الكلام المجمل الذي ينسب إلى الله لا ننفيه ولا نثبته، لكن نقول للقائل: ما تقصد؟ فإن كان القصد صحيحاً فالكلام صحيح، وإن كان القصد باطلاً فهو باطل.

    إذاً: هذه لفظة مجملة فنسأله، فإن قال: قصدي القرآن فهو كافر؛ لأنه يقصد أن القرآن مخلوق، وإن قال: قصدي صوتي ونبراتي وفعلي وكسبي وتلاوتي فهذا حق على حقيقته، وعندنا أدلة على ذلك تثبت أن كل هذه الأفعال مخلوقة.

    فالقرآن كتب وسطر في اللوح المحفوظ، وهذا التسطير كان مخلوقاً، قال تعالى: وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ [الطور:2-3] والرق مخلوق.

    وفي الصحيحين: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) فالقلم نفسه الذي كتب القرآن مخلوق، كذلك التلاوة تكون باللسان واللسان مخلوق، قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45] والتلاوة هذه اكتساب وأفعال مخلوقة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه) بفعله وكسبه وإرادته، فهذه أفعال مخلوقة، فالأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة، فإذا قال: أقول: لفظي بالقرآن مخلوق وأقصد فعلي وكسبي باختياري فهذا صحيح، أما الكلام نفسه: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فهذا ليس مخلوقاً، وإنما هو كلام الله جل وعلا.

    أيضاً القلوب تعي القرآن والصدور تحفظه، وهذه الصدور مخلوقة، وكذلك القلوب، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء:192-194] فهذا القلب مخلوق.

    إذاً: الجملة المجملة لا ننفيها ولا نثبتها، ولكن نسأل ماذا تقصد؟ فإن كان حقاً أثبتنا بلفظه الشرعي، وإن كان باطلاً رددناه.

    ومن الأمثلة على الكلام المجمل كذلك: السؤال عن الجهة، نقول: كلمة الجهة مجملة، فلا ننفيها ولا نثبتها، ولكن نقول: إن قصدت بالجهة العلو فهذا حق، وإن قصدت بالجهة كل مكان فهذا باطل، وهكذا في كل شيء آخر من صفات الله تعالى نقول: هذا مجمل لا نثبت ولا ننفي حتى لا نتقول على الله بغير علم، فمثلاً: هل يمكن للإنسان أن يصف الله بالإذن أو ينفيها؟ لا؛ لأنه لم يرد دليل على ذلك، فلعل لله أذناً لا نعلمها، قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36].

    ضوابط التكفير

    يقول الإمام أحمد : من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، ولا يعني هذا أنه يكفر بعينه إلا إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع.

    فهناك قاعدة رصينة لابد للمجتهد أن يعتقدها ويعمل بها عند التكفير، وهي النظر في القول أو الفعل ثم في القائل أو الفاعل، ولهذه القاعدة ترتيب معين:

    أولاً: يثبت أن الفعل أو القول بالكتاب أو السنة كفر، هذه أول خطوة لابد أن يعملها المجتهد لكي يكفر.

    الثاني: ينظر في حال القائل أو الفاعل هل توافرت فيه الشروط؟ وهل عنده الأهلية الكاملة؟ وهل هو فاهم للكلام؟ وهل ينطق بكلام رصين ليس مخموراً وليس مغمى عليه؟ وهل انتفت عنه الموانع من الجهل والشبهة في مثل هذا؟ فإذا توافرت الشروط وانتفت الموانع فإنه يكفر بذلك.

    إذاً: أصل قول الإمام أحمد من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، الفعل كفر، والقول كفر، ولا يكفر القائل بعينه حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، أي: تتوافر الشروط وتنتفي الموانع.

    عقيدة الكرامية في القرآن الكريم

    اتفقت الكرامية مع أهل السنة والجماعة في أمر وافترقت معهم في أمر في مسألة القرآن، فالكرامية اتفقت مع أهل السنة والجماعة في أن القرآن صفة من صفات الله جل وعلا وأنه كلام الله جل وعلا تكلم به ويتعلق بمشيئته، واختلفت مع أهل السنة والجماعة في أن القرآن أو الكلام مكتسب ويقصدون بذلك أن هذه الصفة حادثة لم تكن لله جل وعلا.

    لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رد على الكرامية وقال: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، يعني: صفة الكلام موجودة أصلاً، فمثلاً: لو دخل رجل فوجد رجلاً ساكتاً ومرة ثانية وجده ساكتاً وثالثة ساكتاً فإنه سيقول: هذا أصم أبكم، لكن لو وجده في الرابعة يتكلم، وسمع كلامه، فإنه لا يمكن أن يقول عنه: إنه أصم أبكم، فهو عندما كان ساكتاً فهو متكلم بالقوة، فلما تكلم أصبح متكلماً بالفعل، وهكذا القول عن كلام الله، فهو يتكلم متى شاء كيف شاء.

    عقيدة الفلاسفة في القرآن الكريم

    الفلاسفة قالوا بالعقل الفياض، وسموا الله جل وعلا العلة الفاعلة، وقالوا عن القرآن: إنه فيض فاض على محمد صلى الله عليه وسلم ثم جاءه تخييل، أي: تخيل أن هناك صورة بيضاء جاءته تسمى جبريل. وهذا كلام ابن سينا والفارابي وهو منسوب لـأرسطو أيضاً.