إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القدر - البدعة

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القدر - البدعةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بين لنا الإسلام عن طريق الوحيين الاعتقاد الصحيح الذي لا يخالطه باطل، وهو ما كان عليه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم من بعده، وما كان عليه سلف الأمة الصالح.

    1.   

    اعتقاد الإمام الثوري

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    نتحدث عن اعتقاد الثوري رحمة الله عليه، قال له شعيب بن حرب أخبرني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر أن القرآن غير مخلوق. فأجابه الثوري فقال: القرآن كلام الله, غير مخلوق.

    لم يعطه حديثاً صريحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولكن أجابه بعدة أحكام, مستقاة ومستنبطة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا فيه تلميح وإشارة من الجهبذ العالم الجليل أمير المؤمنين في الحديث: أن القصد والغرض المقصود من نصوص الكتاب والسنة هو الفهم, واستنباط الأحكام من دقة النظر في النصوص, ولذلك قال الله تعالى عن كتابه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82].

    وقال الله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

    وكان ابن مسعود يقول: يقرءون القرآن يهذونه هذ الشعر, أي: لا يتدبرون ولا يفهمون ولا يفقهون معانيه, وأصرح الأدلة التي توضح الغرض المقصود من النصوص النبوية أو النصوص القرآنية قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) أي: رب حامل فقه ليس بفقيه, وقال: (رب مبلغ أوعى من سامع) ولذلك أنكر المحدثون على يحيى بن معين شدة تحريه في التجريح والتوثيق وحفظ النصوص والأحاديث دون فقه معناها.

    ويروى في ذلك أن يحيى بن معين كان مع محدث من المحدثين, فمرت امرأة فقالت: أأستفتيكم؟ فقالوا: سلي, فقالت: إن زوجي توفي ووصى أن أغسله, وإني حائض فهل أغسله؟ فقالوا لها: لا نعرف في ذلك شيئاً, فانتظري حتى يأتيك من يفتيك, فمر عليها أبو ثور الكلبي وكان فقيهاً شافعياً, فنظر في المسألة ودقق وقال: غسليه, فقد كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها (ترجل شعر النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض) والميت يساوي الحي في الحرمة فغسليه، فلما سمع يحيى بن معين هذه الرواية قال: نعم هذه الرواية جاءتني من طريق فلان عن فلان عن فلان, ووقفت المرأة حتى سمعت جميع الطرق وحتى انتهى منها قالت: أين كنت لما سألتك؟! ولذلك عاب الإمام أحمد وعاب كثير من المحدثين على من يروي الحديث ولا يفقه معناه.

    فالغرض المقصود تدبر المعنى واستنباط الأحكام من الأدلة, ولذلك نرى سفيان العالم الفقيه المحدث, من فقهاء المحدثين, له مذهب ولكن اندثر ومن فقهه أنه ما أجاب شعيب بن حرب بنص حديث بل أجابه بأحكام مستنبطة مستفادة مستقاة من كثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, فكان أول الكلام أنه قال: القرآن كلام الله, ثم قال: غير مخلوق, ومن قال غير هذا فهو كافر.

    فالقرآن كلام الله, قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [التوبة:6].

    والشاهد قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فأضاف الكلام إلى الله جل وعلا, والمضاف إلى الله نوعان:

    مضاف معنى, ومضاف ذات, فالمضاف المعنى أن الصفة تضاف إلى الموصوف, ومن ذلك إضافة الكلام إلى الله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] والكلام معنى، فهو ليس بجسم يمشي أمامك!

    فإذا أضيف إلى الله أو أضيف إلى أي أحد, كأن أقول: كرم محمد, فوصفت محمداً بالكرم؛ لأن هذا معنى.

    فإذا قلت: كلام الله, أضفت الصفة هذه أو المعنى هذا إلى الله جل وعلا.

    لكن عندما أقول: الكعبة بيت الله, والكعبة الآن نراها أمامنا قائمة بذاتها, فتضاف إلى الله إضافة تشريف.

    وقالت النصارى: قال الله تعالى: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171] أي عيسى روح الله وهذه إضافة إلى الله جل وعلا, فاحتجوا بهذه الآية على أنه جزء من الله, حاشا لله! فنقول لهم: ماذا تفسرون قول الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] فهل كل ما في السماوات والأرض منفصلة عن الله جل وعلا أو جزء منه؟ لا أحد يقول: إنها جزء منه، بل حتى النصارى لا يقولون بهذا.

    فنقول: كل ذات قائمة بنفسها إذا أضيفت إلى الله فإضافتها إلى الله إضافة تشريف.

    قوله: (فهو كافر) يعني: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر.

    في عقيدة الثوري ذكر المسح على الخفين

    قال: يا شعيب بن حرب ! لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك.

    في هذا مسألتان: المسألة الأولى: المسح على الخف, وهي مسألة فقهية، والذي جعله يدخلها في باب الاعتقاد أنها سنة متواترة, فتكون مسألة اعتقادية وهي: إنكار المتواتر, أو منكر السنة التي جاءت بالآحاد.

    ومنكر المتواتر هو الذي: أنكر ما هو قطعي الدلالة مثل القرآن, فالقرآن قطعي الدلالة؛ لأنه وصل إلينا بالتواتر, والسنة قطعية الدلالة؛ لأنها وصلت إلينا بالتواتر, فالذي ينكر المتواتر يكفر وهذه قاعدة؛ لأنه أنكر ما أجمعت عليه الأمة.

    فمن أنكر المسح على الخفين يكفر؛ لأن المسح على الخفين جاء من طريق التواتر.

    ثم فرع عليها مسألة فقهية نعرج عليها ونمر مرور الكرام, فإن كنت قد ارتديت الخفين على طهارة وتوضأت ثم وصلت إلى رجلك, هل تخلع الخف وتغسل أم تمسح؟ قال بعض العلماء: الغسل أولى وكان ابن عمر يفعل ذلك, وكان يقول: أنا مولع بغسل رجلي, وبعضهم يقول: تمسح, وفصل شيخ الإسلام ابن تيمية المسألة فقال: إن كان قد خلع الخفين يغسل وإن لم يخلع يمسح وهذا هو الأفضل، وأي مسائل فيها خلاف فالأيسر هو الأفضل.

    في عقيدة الثوري ذكر الإسرار بالبسملة

    قال: يا شعيب بن حرب ! لا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بها.

    وهذه أيضاً لا تدخل في الاعتقاد, وهي مسألة فقهية, ولكن نعرج عليها أيضاً مرور الكرام، البسملة من الفاتحة بالدليل الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السبع المثاني الفاتحة)، وقال: (بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] آية منه) فمن لم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] مع الفاتحة في ركعة من صلاته فركعته تبطل, فالصحيح أن بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] آية من سورة الفاتحة.

    أما بالنسبة الإسرار والجهر, فقد قال جمع غفير من الصحابة وعلى رأسهم ابن عمر وابن عباس من فقهاء الصحابة بالجهر, والصحيح الراجح أن المسألة فيها إسرار وفيها جهر.

    والسنة التي أميتت وأستغرب أنها ماتت أن كل الأئمة لا يصلي جهراً على الدوام, فهذه ليست بسنة, وفي هذا إماتة للسنة, بل إحياء السنة أنه يجهر تارة ويسر تارة, والأغلب الإسرار؛ لأن الذين رووا الجهر رووا أنه أسر, لكن من السنة أن يجهر بها أحياناً.

    مراتب القدر

    ثم قال: يا شعيب بن حرب ! لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره, وحلوه ومره, كل من عند الله عز وجل.

    القدر هو قدرة الله, وسر من أسرار الربوبية, استأثر الله بعلمه، قال الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].

    ولا يستقيم إيمان عبد حتى يؤمن به؛ لأنه ركن من أركان الإيمان.

    وحتى يستقيم إيمان العبد بالقدر لا بد أن يؤمن بالقدر، وهو على أربع مراتب:

    المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الشامل, والإيمان بأن الله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون. المرتبة الثانية: الإيمان بالكتابة, وأن الله كتب كل شيء, والكتابة على مراحل:

    كتابة في اللوح المحفوظ, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لما خلق القلم قال له: اكتب, قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة).

    المرحلة الثانية: الكتابة العمرية, وهي عندما يأتي الملك يقول: يا رب! ذكر أم أنثى؟ يا رب ما العمل؟ يا رب! ما العمر؟ ويكتب ما يؤمر به.

    الكتابة الثالثة: الكتابة العامية أو الكتابة الحولية كما قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، وقال عنها: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]، قال ابن عباس : يكتب أهل الحج والأموات والأحياء في هذا العام.

    المرحلة الرابع: الكتابة اليومية: كتابة الملك الذي معك, فكل عبد معه رقيب وعتيد.

    المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر: المشيئة, ومشيئة الله عامة, إن شاء الله شيئاً كان وإن لم يشأ لم يكن.

    المرتبة الرابعة: الخلق.

    إذاً: علم, فكتابة, فمشيئة, فخلق, هذا إجمال الكلام على القدر.

    ثم فصل سفيان أيضاً فقال: يا شعيب بن حرب ! تالله! ما قالت القدرية ما قال الله.

    (ما) الثانية ليست نافية, بل هي اسم موصول, والمعنى: والله! ما قالت القدرية الذي قاله الله, فقد خالفت قول الله وخالفت قول الملائكة وخالفت قول المؤمنين.

    ثم ارتقى وقال: حتى خالفت صاحبهم إبليس.

    القدرية هم الذين يقولون: إن القدر علم فقط، فينكرون مراتب القدر الأخرى، وعندهم أن الله جل وعلا لا يعلم فعل العبد إلا بعدما يفعله العبد، قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23]

    الشاهد قوله: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] أي: أن الله بيده الإضلال والهداية, وهم ينكرون ذلك, ويقولون: الذي ضل ضل بفعله, والذي اهتدى اهتدى بفعله, والله يكذبهم ويقول: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] وأنا أوضح نقطة مهمة جداً وهي: ليس الفرار من الكلام على الجبرية أن نقول: إن الله ما أجبر العبد على فعل, هذا ليس بصحيح.

    فالصحيح الراجح: أن الله جل وعلا أجبر الفاسق أن يكون فاسقاً, لكن بعد أن أحب الفسوق وفضل الفسوق على الهدى, فالله جل وعلا ختم على قلبه، وفتح عليه باب الفسوق, لكن القول بأن الله علم أن هذا الفاسق فاسق فكتبه في اللوح المحفوظ فاسق بعلم الله فقط, فهذا ليس إجباراً, وإنما هو علم أنه فاسق؛ لأنه يعلم ما يكون, فعلمه أنه فاسق فكتبه في اللوح المحفوظ.

    والقدرية على ثلاثة أصناف:

    الصنف الأول: الذين ينفون علم الله جل وعلا, وأن الله لا يتحكم بفعل العبد, ولا يتحكم في إرادة العبد, فالعبد هو الذي يتحكم في إرادته، وله إرادة مستقلة، وعندهم أن العبد خلق أفعاله بنفسه.

    فنقول: إن الله عز وجل يتحكم في أفعالنا، لكنه يتحكم في أفعال العباد لحكمة، والله حكيم ويضع الشيء في موضعه, والله جل وعلا له المشيئة العامة، فكل شيء تحت حكمته, والله جل وعلا يقول: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان:31].

    لمعترض أن يقف ويعترض ويقول: لماذا أنا لم يشأ الله جل وعلا أن يدخلني في رحمته, وأدخل فلاناً وفلاناً في رحمته؟ فنقول له: انظر إلى ختم الآية أو انظر إلى سابقتها قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30]، فهو يعلم أنك لست أهلاً للهداية.

    فالله حكيم يضعك في موضعك, قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36].

    ولذلك قال الله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5] وهذا إثبات أن الله تحكم فيه وأجبره على الفسق لكن بعدما زاغ هو, وقال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] فأغلق الله قلوبهم.

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] لم؟ لم لا يؤمنون؟

    أيضاً قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، كذلك قال الله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف:155]، والتصريح هنا (فتنتك) أولاً ثم التصريح في الآية تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف:155]، فالإضلال والهداية بيد الله جل وعلا, وكما قال الله على لسان نوح عليه السلام: وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34] فالله سيغويهم ولا يصح القول بأن الله تحكم في إراداتهم فالله ظالم, حاشا لله, فالله حرم على نفسه الظلم, والله عادل وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين, ومن حكمته وعدله أنه يضع الضلال فيمن يستحق الضلال.

    وقال تعالى: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف:89].

    ووجه الشاهد قوله: ( يشاء ربنا) وفيه إثبات مشيئة الله جل وعلا.

    وقال أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ [الأعراف:43] أي: أن الهداية والإضلال بيد الله جل وعلا, وقال أهل النار: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106] فالشقاء قد كتب في اللوح المحفوظ عليهم, وهذا هو وجه الشاهد.

    وخالفوا قول أخيهم إبليس: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:39] فأثبت أن الغواية بيد الله.

    1.   

    أقسام البدعة

    قال: يا شعيب ! لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر, والجهاد ماض إلى يوم القيامة.

    من أصول أهل السنة والجماعة: الصلاة خلف الفاسق والفاجر والمبتدع.

    لكن البدعة على قسمين: بدعة مكفرة, وبدعة مفسقة, والصلاة تجوز خلف إمام البدعة المفسقة لا البدعة المكفرة, وأصل ذلك من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا أنتم الصلاة لوقتها ثم صلوا معهم) كما كان يفعل ذلك أنس رضي الله عنه, فقد كان يصلي بالبيت في أول وقت الصلاة وعندما يصلي أمراء بني أمية -وهم كانوا يؤخرون الصلاة- كان يصلي معهم, والعلماء ضربوا لذلك أروع الأمثلة، مثل ابن عمر وأنس مع أظلم أهل الأرض في ذلك العصر وهو الحجاج، وكان الصحابة يذلون في عصر هذا الرجل الطاغية الأرعن, فكانوا يصلون خلفه, والوليد بن عقبة كان أميراً على الكوفة وكان يصلي خلفه ابن مسعود, فصلى خلفه فصلى بهم الوليد الفجر أربعاً, فبعدما انتهى من السلام استدار عليهم وقال: أزيدكم, فقال له ابن مسعود : مازلنا معك في زيادة, وقد صلى بهم مخموراً!

    ووجه الشاهد أن المخمور لا يكون إماماً, وهذا فسق ومخالفة لشرع الله جل وعلا.

    1.   

    الجهاد ماض إلى يوم القيامة

    قال: (والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة).

    النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيام) فالأمة لن تعز إلا بالجهاد؛ لأنه فاصل بين أهل الكفر وأهل الإسلام, وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله).

    1.   

    إثبات صفة اليد

    قال: يا شعيب بن حرب ! إذا وقفت بين يدي الله عز وجل فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري , ثم خل بيني وبين ربي عز وجل.

    قوله: وقفت بين يدي الله, إثبات لصفة من صفات الله جل وعلا ألا وهي صفة اليد, وهي صفة ذاتية, ومعنى الصفة الذاتية أنها أزلية أبدية لا تنفك عن الله جل وعلا, وهذه الصفة تسمى صفة خبرية, وضابطها أن مسماها عندنا أجزاء وأبعاض.

    فالعين جزء مني، فإذاً تكون صفة لله جل وعلا خبرية؛ لأن مسماها عندي بعض وكذلك الرجل واليد, وهذه الصفات خبرية لأن مسماها عندنا أبعاض وأجزاء.

    صفة اليد صفة ذاتية خبرية, ومعنى خبرية أي لا يمكن إعمال العقل فيها, ولو لم يرد النص بها لا يمكن أن نثبتها لله جل وعلا.

    والصفات الفعلية يقرها العقل؛ لأنك تقول: إذا فعلها العبد وكانت صفة كمال له فمن باب أولى أن يتصف الله بها, أما الصفات الخبرية فلا تثبت بالعقل, بل تحتاج إلى دليل لإثباتها.

    مثلاً: صفة اليد ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع, قال الله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، وقال الله جل وعلا: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64].

    وقال تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]

    وقال تعالى: أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71]

    وأما السنة ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة, سحاء الليل والنهار، يخفض ويرفع) سبحانه وتعالى.

    وفي حديث رؤية أهل الجنة لربهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم يرفع الحجاب فيرون الله جل وعل) فينظرون إلى وجه الله, ولا يتنعمون نعيماً مثل هذا النعيم, نسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذا النعيم.

    وأجمع سلف الأمة على أن الله جل وعلا له يد, وكيفيتها مفوضة إلى الله جل وعلا, لا نعلمها، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، ولابد من الإجابة عن بعض إشكالات.

    الإشكال الأول: أن الله جل وعلا قال: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] فأثبت أن له يداً واحدة, ثم قال الله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]

    وقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] فأثبت اثنتين, ثم قال: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71]

    فهل لله يد واحدة أم يدان أم ثلاث أم أربع أم خمس أم أكثر من ذلك؟

    الجواب: قوله: (يد الله فوق أيديهم) (يد) مفرد مضاف: يد الله, والمفرد المضاف يعم -كما يقول أهل الأصول- المفرد هنا أو الواحدة لا تخالف الجمع في قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71].

    وكيف نجمع بين الاثنين والجمع؟ كما قال الله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64].

    والجواب: أن قول الله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71] ليس للجمع ولكنه للتعظيم, ثم قال سفيان : إذا سألك الله جل وعلا فخل بيني وبين ربي.

    وهذا فيه إثبات أيضاً للبعث قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ التغابن:7] فأثبت الوقوف بين يدي الله جل وعلا, وهذا مصرح به في الأحاديث الكثيرة كما سنبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقف الله جل وعلا يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان) يقف العبد بين يدي ربه يذكره, يقول: عبدي! أما تذكر ذنب كذا؟ ويقرره بذنوبه, فيقول العبد: أي رب! أي رب! فينظر العبد أيمن منه وأشأم منه لا يجد إلا النار، فلا يجد إلا ما قدم، فيظن أنه قد هلك, فيأتي الرحيم ويلقي عليه ستره, ويقول: عبدي قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها لك اليوم في الآخرة، نسأل الله أن نكون منهم, آمين يا رب العالمين.

    أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم.