إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - العلاقة بين الحمد والشكر

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - العلاقة بين الحمد والشكرللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذا الملف يتناول الكلام عن معنى الحمد والشكر والفرق بينهما، وأن الله تعالى ليس كمثله شيء من مخلوقاته، فقد نزه نفسه عن الصاحبة والولد، ونفذ قهره وقوته على جميع مخلوقاته، فلا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى كما وصف نفسه ووصفه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان بها وتلقيها بالتسليم والقبول من غير تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل.

    1.   

    مقدمة لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    تعريف الحمد والفرق بينه وبين الشكر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الحمد لله المحمود بكل لسان ].

    الحمد هو الثناء الجميل الحسن على المحمود جل في علاه فيما هو أهل له من صفات الكمال، والجلال، والبهاء، والعظمة، فهو ثناء باللسان وإقرار بالقلب.

    والفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد لا يستلزم وجود النعمة عند الحامد، بخلاف الشكر، فالحامد يمدح ربه بصفات الكمال والجلال، والشاكر يمدح ربه على نعمة أسداها إليه، فالفارق بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من الشكر من حيث المتعلق به، إذ تعلَّق بصفات الكمال والجلال والبهاء والعظمة لله جل في علاه، وبأسماء الله وأفعاله التي لا تنتهي، والشكر أخص من ناحية المتعلق به؛ إذ الشكر لا يكون حمداً أو مدحاً إلا على نعمة أسداها الرب جل في علاه.

    والحمد أخص من ناحية الآلة، فإن الحمد يكون باللسان، ويكون باللسان والقلب معاً، إذ بالقلب إقرار بصفات الكمال لله جل في علاه، وإقرار بجمال الله، وببهاء الله، وعظمة الله جل في علاه.

    وأما الشكر فيكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، فيكون باللسان بأن يشكر الله على النعمة التي أسداها إليه، وفي ذلك يقول الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].

    ويكون بالقلب بالإقرار بأن المنعم هو الله جل في علاه.

    ويكون بالجوارح بالعمل الصالح، قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا [سبأ:13]، والذي أسدى النعمة في الأصل وبحق هو الله جل في علاه، وجعل البشر سبباً في ذلك، وشكر السبب من شكر المنعم، لكن الجهلة تميل قلوبهم للسبب والواسطة وينسون بذلك الأصل وهو الله جل في علاه الذي أسدى إليهم هذه النعمة.

    فالحمد أعم من حيث المتعلق، والشكر أعم من ناحية الآلة.

    إذا أنعم الله عليك بنعمة البصر فعليك ألا تطلق البصر في الحرام، وهذا من شكر النعمة، وإذا أسدى الله إليك الصحة فعليك أن تستخدمها في طاعة الله جل في علاه، كنصرة المظلوم، فهذا من شكر الجوارح.

    والسمع نعمة من نعم الله جل في علاه، لا بد من تأدية شكرها، ومن تأدية شكرها عدم سماع الغيبة والنميمة والغناء، والكلام الفاحش، والسب، وعدم سماع الكلام الذي لا يرضي الله جل في علاه.

    وأيضاً نعمة اليد ونعمة اللسان، وغيرها من النعم التي لا بد من شكرها.

    العلاقة بين الحمد والشكر

    العلاقة بين الحمد والشكر أنهما إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، أي: إذا اجتمعا في اللفظ افترقا في المعنى، فمن قال: أحمد الله وأشكره فقد جمع بين الحمد والشكر في اللفظ، فيفترقان في المعنى فيكون الحمد خاصاً باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح.

    وإذا افترقا في اللفظ اجتمعا في المعنى، فالحمد يدخل تحته الشكر، فالحمد لله يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، والشكر يدخل تحته الحمد فيكون بالثناء الجميل على الله بصفات كماله، ويكون بإقرار القلب على أن المنعم هو الله، ويكون بعمل الجوارح.

    فوائد الحمد والشكر

    فوائد الحمد والشكر كثيرة أهمها:

    الفائدة الأولى: حب الله جل في علاه، فإن العبد الذي يحمد الله على النعم التي أسداها الله إليه يكون محبوباً عند الله جل في علاه، ودرجات المحبة متفاوتة عند الله جل في علاه.

    أما الدليل على ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أحد أحب إليه المدح من الله)، والحمد أصله المدح والثناء الحسن على الله جل في علاه، فالله يحب ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن الله يحب إذا أكل أحدكم الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها)، فهذه دلالة صريحة على أن الله يحب من العبد الحمد، وإذا حمد العبد الله أحبه الله، فإذا أحبه الله جعل له القبول في الأرض، كما في الصحيحين: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يكتب له القبول في الأرض).

    وإذا أحب الله عبداً نقله من درجة المحبة إلى درجة المحبوبية، فإن الله إذا أحب عبداً عصمه من السيئات، وإن أساء فإن الله يلهمه التوبة.

    وأيضاً: إذا أحب الله عبداً سهل له أموره، وفتح له كل أبواب الطاعة، وأغلق عليه كل أبواب المعصية، وفتح له أبواب العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فالتفقه في الدين من محبة الله للعبد، فإن الله إذا أحب عبداً بصره بالطريق الذي يسير فيه إلى الله جل في علاه، وجعله يرتقي إلى المعالي والدرجات العلى عند الله مع الأنبياء والمرسلين.

    والعبد الذي يحبه الله جل في علاه لا يخلو من بلاء أيضاً، فقد قال الإمام مالك : من لم يبتل فليشك في إيمانه، وفي محبة الله له، والدليل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الترمذي بسند صحيح أنه قال: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم) فالابتلاء شرط في محبة الله للعبد.

    والبلاء أنواع: بلاء حسي، وبلاء معنوي، فالبلاء الحسي: كالتضييق في المال مثلاً، وكالمرض والحوادث، والبلاء المعنوي: كالهم، والغم، والحزن، ورسوب الأولاد وغيرها.

    وابتلاء الله للعبد دلالة على محبته، كما في سنن الترمذي أو النسائي : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أحب الله ورسوله، قال: انظر ما تقول، قال: أحب الله ورسوله، فقال: فأعد للفقر تجفافاً) أي: استعد للبلاء؛ لأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، فمحبة الله جل في علاه تحققت من كثرة الحمد وكثرة الشكر؛ ولذلك فإن الله مدح عبده نوحاً بأسمى ما فيه، فقال: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3] واختار ربنا جل في علاه أفضل الأسماء لنبيه وأكرم الخلق عليه وأحبهم إليه فهو خليله محمد صلى الله عليه وسلم فمن أسمائه محمد وأحمد، ومعناهما كثير الحمد وكثير المحامد؛ وكان الكفار إذا أرادوا أن يذموا محمداً كانوا يقولون: مذمماً، ومن أخلاقياته العالية أنه كثير الحمد لله جل في علاه.

    ودرجات المحبة عند الله: درجة المحبة، ودرجة المحبوبية.

    فدرجة المحبة: هي أول درجات المحبة عند الله جل في علاه، ويرتقي إليها المرء بفعل الواجبات كالصلوات الخمس، والانتهاء عن المحرمات.

    والمرأة إذا أدت الفرائض، وانتهت عن المحارم، وأطاعت زوجها؛ بلغت درجة المحبة أو أرقى من ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن المرأة إذا أرضت ربها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها، فطاعتها لزوجها هو الركن الركين؛ ولذلك لما جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (انظري أين هو منك؟ فإنما هو جنتك ونارك) أي: فلا تدخلي الجنة إلا بطاعته، فإذا عصيته فإن الله جل وعلا لا يرضى عنك وسيدخلك النار، فقد ورد في مسند أحمد بسند صحيح: (أن المرأة إذا أطاعت زوجها وأطاعت ربها كانت كالمجاهد)، أي: فقد بلغت درجة الجهاد في سبيل الله؛ لأنها أرضت الله في حسن تبعلها لزوجها.

    فالمرأة غير الرجل، فالرجل إذا أتى بالفرائض وانتهى عن المحرمات بلغ درجة المحبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) وهذه درجة المحبوبية التي هي أرقى من درجة المحبة، وهذه الدرجة لا ينزل عنها العبد أبداً حتى وإن عصى؛ لأن الله جل في علاه فتح له باب المعصية ليبتليه ويعلمه أن الله إذا وكله إلى نفسه فقد وكله إلى هلاك وضلال، وأن الله جل وعلا إذا لم يحطه بكفالته سيصبح فريسة لهواه وللنفس وللشيطان، وإن الله جل وعلا يكتنفه بفضله وبرحمته؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو ويقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) .

    فإن العبد المحبوب لدى ربه إذا وكله إلى نفسه أراد أن يعلمه أنه إذا وكل إلى نفسه فإنه وكل إلى بوار وإلى هلاك، وأيضاً أراد أن يعرفه بأن الله جل وعلا هو الذي يتفضل عليه بحفظه وعصمته من الشيطان، فإذا عصى ألهمه بعد ذلك التوبة ليرتقي منزلة فوق المنزلة التي هو فيها.

    الفائدة الثانية من فوائد الحمد والشكر: تثبيت النعم، فإن النعمة -التي أسداها الله للعبد- لا تثبت إلا بالشكر، ولذلك قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53] أي: يغيروا ما في قلوبهم، فلا يقرون بأن هذه نعمة الله جل في علاه، ولا يشكرون ربهم، فتثبيت النعم بالشكر.

    الفائدة الثالثة وهي مهمة جداً: زيادة النعم، فإن النعم يولد بعضها بعضاً، بسبب الشكر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7].

    وقال علي بن أبي طالب : الدين قسمان: قسم صبر وقسم شكر، فمن أتى بالصبر فقد أتى بنصف الدين، ومن أتى بالشكر فقد أتى بالكمال، فإذا أتى بالكمال بلغ المنازل العلى عند ربه جل في علاه.

    1.   

    معنى قول المصنف: المعبود بكل مكان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ المعبود بكل مكان ].

    بمعنى: أن الله جل وعلا يعبد في المشرق وفي المغرب، وفي البحار، وفي أعالي السماء، وفي كل حين وفي كل مكان.

    أما في كل حين فلن تجد شمساً تشرق على أرض إلا وفيها ذاكر لله جل في علاه، ولن تجد سماءً إلا وفيها عابد لله جل في علاه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً لنا ما يحدث في السماء: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجد لله) .

    فكثير من الملائكة مسخرون للتسبيح فقط كحملة العرش، ومنهم من يحج إلى البيت المعمور وإلى بيت العزة في السماء الدنيا، والبيت المعمور يطوفه كل يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون إليه إلى يوم القيامة، فالملائكة يعبدون الله جل في علاه في كل طبقة من طبقات السماوات السبع، وفوق العرش فعبادة كل شيء تغاير عبادة الشيء الآخر حسب ما أوجب الله على العباد من العبادة، قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93] وقال جل في علاه: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83] فكل من في السماوات والأرض يعبدون الله، فالماء والعرش يسبحان الله، وما من شيء إلا ويسبح بحمد ربه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44] .

    جاء بسند صحيح عن ابن مسعود قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فكل ما خلق الله من حجر وشجر ونهر وبحر وسمك وغيرها فإنها تعبد الله جل في علاه.

    بل إن هناك جبلاً يحب رسول الله، ويحب صحابته فالحب في الله عبادة، كما قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل عرى الإيمان) أي: فقد استكمل الإيمان، ونال ولاية الله جل في علاه بالحب في الله والبغض في الله، فالجبل يعبد الله بحب رسول الله وحب صحابته؛ ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل على المدينة قال: (هذا أحد جبل يحبنا ونحبه).

    والأرض تقر بما فعل العبد الطائع عليها، وتشهد له بما صنع من عبادة لله جل في علاه.

    1.   

    معنى قول المصنف: يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون ].

    (يعلم ما كان) أي: بما حدث في الأمم السابقة.

    (وما يكون) أي: بما سيكون ويئول إليه الأمر، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة سنون خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو الفويسق يتكلم في أمر العامة).

    وفي زماننا هذا فإن الرجل المزور الذي يزيف الأقوال يصبح صادقاً ومبجلاً، والرجل الصادق يصبح مهاناً.

    وما أكثر الرويبضات الذين يتصدرون في أمر العامة وهم ليسوا بأهل، فيناصرهم الناس ويزعمون أنهم يناصرون الحق، فحسابهم عند ربهم في ذلك، وعند الله تجتمع الخصوم.

    وقوله رحمه الله: (ويعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون) أي: في علم الغيب، كما قال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:27-28] فإن يرد الله الكفار إلى الدنيا مرة ثانية، ويبعث إليهم الرسل، فسيعودون إلى ما كانوا عليه، وهذا ممكن وليس مستحيلاً، فإن الله جل وعلا إذا أراد أن يقول للدنيا كوني فستكون، قال تعالى إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]، أما المستحيل فهو بقاء الكون إذا كان له عدد من الآلهة، قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:91] وقال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22] أي: لفسدت السماء والأرض؛ فإن رب الشمس والعياذ بالله لو اختلف مع رب القمر فإنه سيحبس الشمس، فكل إله يذهب بما خلق ويعلو بعضهم على بعض.

    فالمقصود: أن علم الله يشمل كل شيء، علم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، سبحانه يعلم ما في السماء، وما في الأرض، وما في البحار، ويَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ولا تواري عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، سبحانه جل في علاه وهو العليم الخبير، قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

    1.   

    معنى قول المصنف: جل عن الأشباه والأنداد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [(جل عن الأشباه والأنداد)]، فهذا من الميل والإلحاد في تصحيف الله جل في علاه أن يجعل له نداً؛ ولذلك قال الله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

    فلا أحد يسامي أو يجاري الله جل في علاه في عظمته وكرمه وكماله وبهائه وقدرته سبحانه جل في علاه، قال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    وقال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165] وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) فالندية هنا في الربوبية، وفي الحمد والشكر، لأن من لوازم الربوبية أنه الخالق والرازق والمدبر والآمر والناهي وغيرها، فالربوبية إذا اجتمعت مع الإلهية افترقتا، وإذا افترقتا فتكون الندية في الربوبية أو الإلهية، فهو جل عن الند والنظير سبحانه جل في علاه.

    1.   

    معنى قول المصنف: وتنزه عن الصاحبة والأولاد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وتنزه عن الصاحبة والأولاد ] أي: نفي عن الله أن يكون شبيهاً بالخلق؛ لأن المخلوق هو الذي يحتاج لغيره، فالرجل يحتاج إلى المرأة والمرأة تحتاج إلى الرجل، ومن قال أن لله صاحبة أو ولداً فقد نزل الخالق منزلة المخلوق، فإن الله جل في علاه صمد أحد لم يلد ولم يولد، ولم تكن له صاحبة.

    1.   

    معنى قول المصنف ونفذ حكمه في جميع العباد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ونفذ حكمه في جميع العباد ] أي: أن الله تعالى قهر العباد بالعبادة له جل شأنه، فعبادة الربوبية لا يمكن لأحد أن يردها على الله؛ لأن العبادة عبادتان: عبادة اختيارية، وعبادة قهرية، والعبادة القهرية: هي عبادة الربوبية، كالمرض والموت وغيرهما، ونفذ حكمه في كل الخلق عندما يأمر بالنفخة الأولى فيموتون إلا ما شاء الله، وبالنفخة الثانية يبعثون من قبورهم إلى ربهم جل في علاه، لا يتخلف أحد عن ذلك.

    1.   

    معنى قول المصنف: لا تمثله العقول بالتفكير

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ].

    وهذه العبارة مصداقها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تتفكروا في الله ولكن تفكروا في خلق الله) وهذا الحديث حسن كما قال بعض العلماء، فالله جل في علاه لا يصله الفكر.

    ولذلك ورد في الآثار أن من الناس من كان يتكلم في صفات الله، فقيل له: صف لنا جبريل ومعه الأجنحة الثمانمائة أو الستمائة، فما استطاع، فقيل له: صف لنا ثلاثة أجنحة من أجنحة جبريل ونعفيك من باقي الأجنحة، فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً، فقال: رجعت رجعت؛ لأنه لم يستطع أن يتفكر في كيفية صفة المخلوق فمن باب أولى ألا يتفكر في كيفية صفة الخالق الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] وهذه الآية فيها إثبات الصفات، قال تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] بلا تمثيل ولا تشبيه، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    1.   

    وجوب إثبات صفات الله تعالى على الوجه اللائق به

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:5-7] ].

    (الرحمن) اسم من أسماء الله ويتضمن صفة كمال وهي الرحمة.

    وفي قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] الاستواء صفة من الصفات، وقوله تعالى: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] إثبات صفة العلم لله جل في علاه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل.

    وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7] ].

    فلابد للمسلم أن يعبد الله بالتسليم التام، فإن العبد لا يمدح بالعبودية التي هي أرقى مقامات يصل إليها الإنسان إلا بالتسليم الكامل لله، فإن الله مدح إبراهيم عليه السلام بالتسليم الكامل حيث قال: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131] أي: استسلمت وخضعت وآمنت لكل أمر من أوامر الله ولكل حكم من أحكامه، دون أدنى معارضة، وآمنت بآيات الصفات فأثبت لله ما أثبته لنفسه، ونفيت عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.

    كما قال الإمام الشافعي : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معنى التشبيه والتمثيل

    وقد ذكر المصنف عدم التعرض لآيات الصفات أو أحاديثها بالتأويل، أو التشبيه، أو التمثيل، والتمثيل: هو التشابه من كل وجه، أي: المطابقة، أما التشبيه: فهو التشابه في أغلب الصفة، كأن يقال: صفة اليد لله تشبه صفة المخلوق، حاشا لله من ذلك! فنؤمن بقول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فنقول: استوى ربنا على العرش، ونؤمن بهذا الاستواء ونعلم معناه، ولا نكيفه بكذا أو كذا، ولا نشبهه باستواء الخلق، لأن قولنا: استوى محمد على الكرسي بمعنى: جلس وعلا عليه، لكن استواء الله بمعنى: علا وارتفع واستقر، ولا نقول: جلس؛ لأن الحديث الذي ورد فيه أن الله علا وقعد أو علا وجلس، حديث باطل، لا تصح أي رواية من رواياته أن تنسب للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فنقول: استواء الله لا يماثل استواء محمد من أكثر من وجه:

    الوجه الأول: أن استواء محمد على الكرسي يدل على أن محمداً يحتاج للكرسي، فإذا سحبته منه وقع على الأرض، لكن العرش نفسه يحتاج إلى الله جل في علاه، وهذا من المفارقات.

    الوجه الثاني: استواء محمد على الكرسي دلالة على نقص محمد، أما استواء الله جل وعلا على العرش فهو دلالة على كمال الله؛ لأنه يفعل ما يشاء وقت ما شاء.

    فهذا إثبات صفة الاستواء دون تمثيل أو تشبيه.

    معاني التأويل

    أما التأويل فله ثلاثة معان:

    المعنى الأول: ما يؤول إليه حقيقة الأمر، ففي الجنة -مثلاً- عنب وموز وفاكهة، وذكر ابن عباس أن فاكهة الجنة تشبه فاكهة الدنيا في الاسم فقط، أي أنه يتشابه الاسمان ويختلف المسميان، فعندما تدخل الجنة وتأكل من فاكهتها يظهر لك تأويل ما قاله الله تعالى: وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57] فتعرف حقيقتها عندما تأكلها وأنت في الجنة.

    فتأويل الأمر أي: حقيقة الأمر الذي يراه المرء عين يقين، كما قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:53].

    والمعنى الثاني: تفسير الكلمة، فمعنى قوله تعالى: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ [الأنبياء:95] يعني: وجب على القرية، وهذا الذي قاله ابن عباس ، وعندما قرأ قول الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7] لم يقل: وأنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تفسيره.

    المعنى الثالث: التحريف، وهذا هو المقصود في العقيدة أن الأشاعرة وغيرهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فيقولون في قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] أي: قدرة الله فوق قدرتهم.

    وفي قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أي: استولى.

    وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد عجب ربنا من صنيعكم) يقولون: عجب ملائكته، أو عباده، ولم يثبتوا الصفة لله تعالى، فيحرفون صفة الله بأهوائهم دون أدنى دليل، فأهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله كاليد والقدرة، والعين، والرجل، والساق، ويسلمون كل ذلك لله على حقيقته دون تحريف الكلم عن مواضعه.

    رد النصوص وأنواعه

    والرد هو التكذيب والإنكار وله أنواع: منها: الرد بالتأويل بقرينة حال أو قرينة مقال، والرد بغير التأويل، فالأول ليس بكفر، والثاني كفر.

    فالرد بالتأويل كالذين منعوا الزكاة في خلافة أبي بكر ، فإنهم تأولوا قول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103] قالوا: الله جل في علاه أمرنا بإخراج الزكاة على أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وليس لغيره، فإن صلاة أبي بكر ليست كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن أهل السنة والجماعة لا يرونهم كفاراً بذلك.

    لكن لو جاء أحد في عصرنا هذا وقال: الزكاة ليست واجبة علينا، فهي خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان موجوداً أعطيناه الزكاة، أما وهو غير موجود فلن نخرج الزكاة، فيقال فيه: أنه كافر مرتد؛ لأنه رد حكم الله بدون أدنى دليل، أما الذين منعوا الزكاة في عصر أبي بكر فكانوا لا يزالون في عصر التشريع، والنبي صلى الله عليه وسلم مات وهم كانوا حديثي عهد بإسلام؛ ولذلك ما كفرهم الصحابة على تأويلهم.

    فالرد بتأويل سائغ إذا كان له وجه من اللغة كأن يقول في قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] يعني: نعمة الله فوق نعمهم، وعنده قرينة من اللغة أن اليد بمعنى النعمة، والدليل على ذلك حديث صلح الحديبية، عندما قال عروة للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! إني ما أرى حولك إلا أوباشاً من الناس -يصغر من قيمتهم- أو قال: أشواباً -يعني: أخلاطاً- سيفرون عنك عما قريب، فقال أبو بكر : نحن نفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ امصص بضر اللات، وهذه كانت مسبة شديدة جداً لـعروة والعرب ما تقبلها، فقال عروة من هذا؟ فقالوا: أبو بكر ، فقال لـأبي بكر : لولا يد لك عندي لرددت عليك، فسكت عن الرد للنعمة التي أسداها إليه.

    فمن رد قول الله تعالى مثلاً: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] فقال: اليد بمعنى النعمة، فهذا له مسوغ؛ فلا يكفر.

    لكن من يرد قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فيقول: معنى استوى: رحل فهذا كفر، لأنه ليس له مسوغ من اللغة بحال من الأحوال.

    وأئمة السلف يؤمنون ويعتقدون في صفات الله، فالسلفي الحقيقي هو الذي يتعلم علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    1.   

    إثبات المعنى للصفات مع تفويض الكيفية

    قال المصنف رحمه الله: [قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا)، و(إن الله يرى يوم القيامة)، وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها بلا كيف ولا معنى ].

    وقول المصنف رحمه الله تعالى: [ وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً ].

    هذا الكلام لا يصح، ويرد على المصنف مع حسن الظن به، فإنه لم يقصد التفويض، والتفويض عندنا تفويضان:

    تفويض للكيفية، وتفويض للمعنى، وأهل السنة والجماعة يفوضون الكيفية فيقولون: لله يد لكنا لا نعلم كيفية يد الله جل في علاه، فهذا تفويض للكيفية.

    وأما تفويض المعنى فكتفويض معنى اليد، فاليد للبطش وغيره، هذا المعنى المعلوم، فمن فوض معنى اليد فقال: لا يعلم معناها، فإنه يدخل بذلك في قسم أهل البدع والضلال الذين يفوضون الكيفية والمعنى، ويقولون: لا نعلم عن اليد إلا تقارب الياء مع الدال، والمصنف رحمه الله من أهل السنة الجماعة ولا يمكن أن يقصد ذلك، إنما يقصد أن اللفظ المشكل الذي لا يعرف حقيقة معناه يفوض معناه؛ لأن اللفظ ينقسم إلى محكم ومتشابه، ويرد المتشابه للمحكم ليظهر المعنى.

    فمثلاً: قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1] وقال الله تعالى: ( الم )[البقرة:1] وقال: كهيعص [مريم:1] كل هذه حروف، والراجح عند أهل العلم أنها من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله، فهذا هو تفويض المعنى لله سبحانه وتعالى؛ لأنه الذي يعلم معناها، إذاً: هو يقصد عدم التعرض للمعنى في المتشابه الذي لم يظهر معناه.

    ومذهب الإمام أحمد التسليم لصفات الله، ولذلك قال: أعتقد أن ربي ينزل نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله، بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، فمن قال: هل يخلو العرش أو لا يخلو؟ نتوقف على ذلك، وكذلك في رؤية المؤمنين لله يوم القيامة.

    ويقول: ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه.

    فعندما نقول: ينزل، لا نقول: ينزل ويخلو منه العرش أو يبقى معه العرش، أو يكون فوق وهو نازل، أو السماء تقله أو تظله.. حاشا لله؛ فإنه ينزل نزولاً يليق بجلاله؛ فمن قال: السماء الدنيا تقله، والسماء الثانية تظله، فقد كيف صفات الله، وحاشا لله أن نقول ذلك، فهو ينزل نزولاً لا نعلم كيفيته، نزولاً يليق بجلاله وكماله.

    وإذا كان الكون كله في يد الرحمن كحبة خردل في يد أحدنا، فلك أن تعلم أن صفات الكمال لله جل وعلا لا يمكن للإنسان أن يصل إليها.

    ثم نقل كلاماً نفيساً للإمام الشافعي وهو أنه قال: [ آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    1.   

    الترغيب في السنة والتحذير من البدع

    جاءت الآيات والأحاديث مستفيضة بالترغيب في السنة والتحذير من البدع، فقد أمرنا باقتفاء أثر السلف الصالح ونبذ المحدثات، أي: البدع، فإنها الضلالات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) .

    السنة في اللغة معناها: الطريقة.

    وفي الاصطلاح: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من اعتقاد ومن عمل، وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله! قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي) فمن كان على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح فهو على سنة، ومن خالفهم فهو على بدعة لا بد أن يرجع عنها.

    أما اتباع السنة فالحث عليها والترغيب فيها والأمر بها فهو ركن؛ لأن التوحيد توحيدان: توحيد عبادة، وتوحيد اتباع.

    وتوحيد العبادة: أن تكون كلها لله جل في علاه. وتوحيد الاتباع: أن يوحد المتبع وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] وقال جل في علاه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] .. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] فقد قرن الرسول معه في الأحكام ليبين أنه لزاماً ووجوباً تتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل أشد من ذلك أن الله حذر أيما تحذير من عدم قبول حكم النبي صلى الله عليه وسلم وسننه، فقال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] فإذا اختلف المسلم مع أخيه، فلا يتحاكمان إلى قول الشيخ الفلاني أو العلاني، وإنما يتحاكمان إلى ما قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فلا يرد حكم الله وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بقول غيرهما كائناً من كان؛ لأن المسألة مناطها كلها على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    فمثلاً عندما سألت عائشة رضي الله عنها وأرضاها النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحق الناس بالزوج؟ قال: أمه) يعني: أن الأم تأكل قبل الزوجة، ويذهب الزوج إلى أمه قبل أن يذهب إلى زوجته، ويقدم أمه على أولاده فلذات كبده، فهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فلا بد أن تقول الزوجة: سمعت وأطعت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الأم مقدمة على الزوجة وعلى أولادها، فيجب الرضا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم بدون مشاحة ويجب على الزوجة أن ترضي زوجها بحبها لأمه ليرضى الله عنها؛ لأن المرأة لا بد أن تعلم أن هذا حكم الله وحكم الرسول فتسلم.

    قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] فلا بد أن نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته إلى شخصه، وبعد مماته إلى سنته صلى الله عليه وسلم.