إسلام ويب

من أهوال يوم القيامةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالقيامة هو إيمان باليوم الآخر، بما يتضمنه من بعث، وحشر، ونشر، وحساب، وجزاء، وإن ذلك اليوم فيه من الأهوال مالا تدركه العقول، ولا تستوعبه الأفهام. وقد جاء ذكر هذه الأهوال في القرآن والسنة تارة بالتفصيل وتارة بالإجمال، وهذه المادة تتناول بعض هذه المشاهد لذلك اليوم العصيب.

    1.   

    الإيمان وأهميته

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    عظم قدر نعمة الإيمان على البشر

    أيها الإخوة في الله! من أعظم ما يَمن الله به على الإنسان: نعمة الإيمان، والطاعة والهداية، والتوجه الصحيح إلى الله، وقد منّ الله بهذه النعمة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، فأما على النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فيقول الله له: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [الفتح:1-2] أي: نعمة الدين.

    ويقول في سياق مَنّ هذه النعمة على الناس وتذكيرهم بها: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164] ويقول في سورة الحجرات: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ [الحجرات:7] هذا الخطاب موجه للصحابة ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن غاب عنا بشخصه فإنه لن يغيب عنا بهديه ومنهجه وسنته، وما من شيء إلا وقد بينه لهذه الأمة، إما خيراً فدلها عليه أو شراً فحذرها منه، وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء -ما تركنا في متاهات، ولا أمام معميات، وإنما وضع أقدامنا على الصراط، ودلنا على المحجة البيضاء- ليلها كنهارها -ليس فيها غبش ولا سواد- لا يزيغ عنها إلا هالك) كشخص لا يريد أن يمشي فهذا لابد أن يزيغ، أما شخص يريد الطريق الصحيح، فهي واضحة مثل وضوح الشمس في رابعة النهار، على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، يقول الله في معرض التذكير بالنعم: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات:7] ثم ذكرهم الله بنعمة وجود النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:7-8] هذه النعمة .. وهذا الفضل .. والفضل الحقيقي والنعمة الحقيقية أن يحبب الله إليك الإيمان، وأن يزينه في قلبك، فينشرح صدرك له، وتحبه فتموت في سبيله، لا تستطيع أن تعيش إلا بالإيمان، فلو فارقك الإيمان لحظة واحدة لمتَّ، كالسمكة؛ لو فارقت الماء لحظة لماتت، لا يمكن أن تعيش إلا في بحبوحة الإيمان؛ لأن الله حببه إليك، وأيضاً زينه في قلبك، فزين لك الإيمان فلا تر حلية أعظم من حُلي الإيمان، وزين لك لباس الإيمان فلا تر لباساً أعظم من لباس الإيمان، وزين لك كنز الإيمان فلا تر كنزاً أثمن منه، حين يكنز الناس المال والذهب، وحينما يتزين الناس بالحلي والملابس وتتزين أنت بالإيمان:

    إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى     تقلب عرياناً ولو كان كاسيا

    فخير لباس المرء طاعة ربه     ولا خير فيمن كان لله عاصياً

    وحق كل نعمة أن تُشكر، يقول الناظم:

    وحق كل نعمة أن تشكرا     حتى يزيد ربنا ويكثرا

    المحافظة على النعمة تكون بشكرها

    إذا زدت من الشكر زادك الله من النعم، لكن إذا أعطاك ربي وبعثرتها وما قدرتها، وأهنتها؛ سلبها منك لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] إن شكرت نعمة الإيمان والهداية والدين وتمسكت بها زادك الله من نعمة الإيمان والدين.

    انظروا! لا ينصرف ذهن أي إنسان إذا ذُكرت النعمة إلى أنها نعمة المال أو العافية، لا. هذه نِعَم، لكنها نِعَم مشتركة بين المسلم والكافر، بل إنها نِعَم تزيد عند الكفار أكثر من المؤمنين، جاء في الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب؛ فمن أعطاه الدين فقد أحبه).

    ولذا صرف الله النعم الدنيوية عن أنبيائه صيانة لهم، وبسطها على أعدائه مكراً بهم، هل معنى هذا أنه لما أعطى الله قارون نعمة المال أن الله يحبه، ولما أعطى الله الوليد نعمة الولد هل الله يحبه؟! ولما أعطى الله فرعون نعمة الملك هل الله يحبه؟! لا. لكن يمكر بهم، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55].

    وجوب الحفاظ على نعمة الإيمان

    هذه النعمة أيها الإخوة! نعمة الإيمان والهداية، إذا رزقك الله إياها فتشبث بها وتمسك بها حتى تموت، فإذا دخلت الجنة تقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا، إذا دخلت الجنة تحمد الله الذي هداك لنعمة الإيمان والتي كان من آثارها وثمارها عليك أن أدخلك الله الجنة بسببها، لكن من يبدل هذه النعم ولا يعرف قدرها فهو المغبون الخاسر.

    نعمة الإيمان موجودة معنا يوم أن اختارنا الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واختارنا الله عز وجل من أهل لغة الضاد -العربية- نقرأ القرآن بدون كلفة ولا مشقة، بينما هناك من المسلمين من يبذلون السنين الطوال وهم يقرءون القرآن ولا يعرفون منه حرفاً واحداً، ويتمنون أنهم يعرفون حرفاً وما يستطيعون، ويعيش بعضهم طوال حياته لا يعرف شيئاً من القرآن ولا من الدين إلا ألفاظاً يقولها ولا يدري ما معناها، إن الله أعطاك اللسان العربي، واختار لك الأرض العربية، واختار لك أرضاً هي مهد القداسات وأرض الحرمين الشريفين، واختار لك أن تكون مؤمناً، ما ظنك لو كنت يهودياً؟! أما كان يمكن! ما ظنك لو أنك نصراني؟! أو مجوسي؟! تعبد الثور والبقرة! يجلس المجوسي أمام البقرة وإذا بالت عليه اعتبرها نعمة عليه، هل هناك أضل من هذه العقول؟!

    ويقول أحد المشايخ: دخلت وأنا في (دلهي) في معبد من معابدهم، أريد أن أعرف ماذا يفعلون -معبد الهندوس- يقول: وإذا بهم عباقرة في الفكر، وبروفسورات في الطب والهندسة والذرة، لكن في عبادتهم ما هو في منأى عن فكرهم! يقول: وجدت رجلاً قد شاب رأسه، قلت من هذا؟ قالوا: هذا عميد أو مسئول جامعات كبيرة في الهند يقول: وإذا به جالس -الله يكرمكم- عند مؤخرة الثور، يقول: جالس ويده ممدودة إلى الثور يطلب منه الرحمة والشفقة والحنان.

    لا إله إلا الله! ما أضل هذه العقول!

    فكان يمكن أن تكون يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو ملحداً أو شيوعياً أو كافراً؛ لكن الله جعلك مؤمناً، ألا تحمد ربك على هذه النعمة -يا أخي- ثم أيضاً كونك مؤمناً وفي أرض إيمانية أيضاً زادك هداية واستقامة، الآن كثير من الشباب في المقاهي على الدخان والمنكرات واللعن والسب والشتيمة، وأنت الله اصطفاك واختارك واجتباك وجعلك من أهل ذكره وشكره وبيوته ومجالس العلم .. هذه نعمة لا تقدر بثمن، لا تظن أنك على هون، وأنك مسكين. لا والله، والله هذا هو الملك، وهذا هو العز:

    هذا هو الملك لا تزويق أبنية     ولا الشفوف التي تكسى بها الجدر

    عقوبة التفريط في كنز الإيمان

    الملك الحقيقي أن تكون عبداً لله، والذلة والخسران والخذلان أن تكون عبداً للشيطان وللشهوات، أعظم عقوبة يُعاقب الله بها المخذول أن يصرفه عن الدين، وأن يتركه عبداً لشيطانه والعياذ بالله.

    ومن لم يعرف قدر هذه النعمة وبدلها، أي: جاءته نعمة الدين وذاقه وإذا به يتركه، فقد توعده الله بالعذاب الشديد، يقول الله عز وجل: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:211] كيف تبدل نعمة الله عز وجل؟! كيف تنصرف وتنحرف؟! كيف تحور؟! كيف ترجع بعد أن ذقت هذا وسرت في الطريق الصحيح؟! هذه مصيبة. ولهذا يقول عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3].

    فمن أعظم العقوبات لمن سار في الطريق ثم رجع عنها أن يطبع الله على قلبه، فإذا طُبع -أي: ختم وقفل- فلا يفقه حتى لو أتيت تذكره بعد ذلك، تقول: اتق الله -يا أخي- أنت وأنت ... لا يفقه ولا يفهم شيئاً، منكوس مقفول مطمور مقبور في جسده، مقبور في الأرض، كأنك تكلم ميتاً: فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3] لمَ طبع على قلوبهم؟ لأنهم رجعوا بعد أن ساروا، وآمنوا بعد أن كفروا.

    فيا إخواني في الله! علينا أن نحمد الله، وأن ننظر إلى من لا يشاركنا في طريق الإيمان نظرة الحنان والعطف والشفقة عليهم، فنرحمهم ونمد حبال النجاة لهم لعل الله أن ينقذهم بسببنا، أما أن نراهم وهم يتردون ويهلكون ثم ننظر إليهم بعين الإكبار، وننظر إلى أنفسنا بعين الاحتقار فقد حقرنا نعمة الله، ولهذا جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (من أوتي القرآن -أي: الدين- ثم رأى أن غيره أفضل منه؛ فقد عظم ما حقر الله، وازدرى نعمة الله) من أوتي القرآن وأوتي الإيمان والدين، ثم رأى أن غيره أفضل منه؛ فقد حقر شيئاً عظمه الله وازدرى نعمة الله تبارك وتعالى.

    1.   

    يوم القيامة وأهواله

    أيها الإخوة! درس هذه الليلة هو بعنوان: (من أهوال يوم القيامة) ومن رحمة الله بنا أن نقلنا إلى أن نعيش أحداثاً، تحدث في يوم القيامة ووصفها لنا حتى لكأننا نشاهدها مشاهدة العين، وهذه رحمة أيضاً، أن يخبرك الله أنه ستكون يوم القيامة أشياء، وأحداث جسام منها: أن تتفطر السماوات، وتنشق الأرضون، وتتكور النجوم وتتكدر، وتسير الجبال، وتسجر البحار، بعد ذلك تذهل المرضعات عما أرضعت، وتحشر الوحوش، هذه أحداث أخبرنا الله بها، وأمرنا أن نستعد لهذا اليوم المهول الذي تتقطع فيه القلوب من الخوف والهلع والحزن، لماذا؟! للأحداث الكونية الضخمة العظيمة التي تكون فيه، هذا من رحمة الله تبارك وتعالى بنا لكي نستعد، حتى لا يأتي شخص ويقول: ما كنت أعلم أنه سيحدث هذا الأمر، ولو كنت أعلم أن هذا حادث لاستعديت، لا. بل تعلم فإن الله قد أخبرك بكل هذه الأحداث حتى تكون في أهبة الاستعداد؛ ولتكون من الناجين الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    ويوم القيامة -كما سبق أن قلنا- يوم عظيم هوله، شديد أمره، لا يلاقي العباد أبداً مثله، يدل على عظمته وأهواله أمور:

    وصف الله له بالعظمة

    الأول: أن الله وصف هذا اليوم أنه عظيم، والله عز وجل عظيم، ولا يعظم العظيم شيئاً إلا لكونه عظيماً، يقول الله عز وجل عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ:1] عن أي شيء يتحادثون؟! عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ [النبأ:2] نبأ ماذا؟! نبأ البعث الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ:3] بين مكذب ومصدق، الكافر يكذب والمؤمن يصدق، قال الله: كَلَّا [النبأ:4] أداة زجر وردع وتوبيخ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [النبأ:4-5] تأكيد على أن الله عز وجل سيبعثهم وسيعلمون عاقبة كفرهم وتكذيبهم، ثم يَعْرِض الله بهم جولة في الأفاق والكون ليستدلوا بها على عظمة الله وقدرته على البعث فيقول: أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً [النبأ:6-16] لماذا هذا كله؟! إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً [النبأ:17] أجل إن الله يخلقكم، ويجعل لكم الأرض مهاداً، والجبال أوتاداً، والسماء عماداً، وأمطار تأتي من السماء، وينبت لكم ثماراً من أجل أن تعيشوا وتموتوا وتنتهي المسألة؟! لا. هذا من أجل شيء وهو: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً [النبأ:17] وكأن شخصاً يقول: يا رب متى؟ قال: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً [النبأ:18] جماعات .. زرافات، كل مجموعة مع من يشاكلها: وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً [النبأ:19-21] .

    والله عز وجل يذكر هذا اليوم بأنه عظيم بقوله: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5] وهذا الخطاب موجه للمطففين، والتطفيف: خُلُق سيئ ولا ينحصر في البيع والشراء بل في كل شيء، فالمطفف: هو الذي إذا اكتال لنفسه يستوفي، وإذا كال للناس ينقص، هناك وادٍ في النار اسمه ويل: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] من هم؟ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:2-3] لماذا؟! مكذبين قال الله: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5].

    والتطفيف: قد تكون وأنت في الصلاة مطففاً، أي: تنقص في صلاتك فلا تتم ركوعها ولا سجودها، وقد يكون في عملك في الوظيفة، إذا جاء الراتب تستوفيه، لكن إذا جاء العمل لا تؤديه، هذا تطفيف، لو نقصوا عليك من راتبك مائة ريال أو خمسين أقمت الدنيا وأقعدتها، لكن كل يوم ما تأتي إلا الساعة الثامنة والنصف، والدوام في الساعة السبعة والنصف، طيب من سمح لك من سبعة ونصف إلى ثمانية ونصف؟! قد تقول الرئيس، الرئيس لا يملك، قد تقول المدير، المدير لا يملك، لا يملك السماح لك أبداً، إلا ولي الأمر؛ لأن الصلاحيات بيده، والصلاحيات التي حددها لك هي سبعة ونصف، فيجب أن تكون سبعة ونصف على مكتبك إلى اثنين ونصف ليس خوفاً من المدير ولا الرئيس، ولكن خوفاً من الله، إذا جلست وأديت عملك على هذا الوجه هل يمكن أن يبقى عندك معاملة؟! أو يتعطل مراجع؟! أو تدحرج المعاملات دحرجة وتمررها بدون فحص وتحقيق؟! لا. لماذا؟! لأن عندك وقتاً طويلاً، سبع ساعات تفرح بالموظف أو بالسكرتير أو بالوارد إذا أتى بالمعاملات تقول الله يجزيك خيراً وهات نقطع الوقت ونتسلى، لكن الذي ينام إلى الساعة تسعة ويدخل الساعة عشرة، ويدخل من يوم يدخل (للحمام) ثم يقول: هات الفطور يا ولد، ودخل الغرفة وساعة فطور، رغم أن هذا ممنوع، لكن أين المدير؟ أين الرئيس؟ قالوا: يفطرون انتظر قليلاً، اقعد قليلاً، مطعم، سفرة كاملة، وبعد الفطور شاهي، وبعد الشاهي كلام، وسحب نفسه وجلس على الماسة قليلاً وجاءت المكالمات والجرائد ويقول: ما هي الأخبار؟! وبعدها أذن للظهر، قام وترك مكتبه وذهب وصلى أو لم يصل، ورجع وقال: غلقوا الدوام يا جماعة! ماذا تريدون أفعل بعد الظهر أنا بشر ولست آلة؟ ما رأيكم إذا جاءته المعاملات؟! يحزن أم يفرح؟! يحزن، لماذا؟! لأنه ليس معه وقت، وبالتالي إما أن يمررها بدون شرح ولا قراءة ولا اطلاع أو يهملها تحت الدرج في المكتب ويجعلها إن كان جاء مراجع طلع معاملته، وإن لم يأت جلست شهوراً، بعض المعاملات تجلس في مكتب الموظف شهور ولا تتحرك إلى أن يأتي شخص يبعثرها ويعقب عليها ومعه رقم، وإن لم يوجد لديه رقم فلا يمكن أن يتصور أن معاملته تنتهي، فالمطفف هو الذي يستوفي راتبه وينقص عمله: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5].

    من المطففين من يطفف في بر والديه، يستوفي من والده كل شيء، ولا يُعطي والده شيئاً، والده سبب كل نعمة عليه .. نعمة الخلق والإيجاد هي من الله وسببها الوالد، نعمة التربية والإمداد والتدريس والكساء والغذاء والسكن، كم نعم من الله عليك بسبب والديك؟!

    أمك إذا مرضت في جوف الليل تبكي، وأبوك يحملك ويذهب بك إلى المستشفى ولو مشى على وجهه، أبوك إذا ما عنده ما يدفع به لو يبيع ثوبه أو كوته من على كتفه من أجل أن يشتري علاجك، ثم إذا كبرت وأصبحت رجلاً تتنكر؟!! أنت مطفف، لماذا؟ لأنك أخذت ولم تعط، استوفيت ولم تف فأصبحت من المطففين: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5].

    وتارةً يصفه الله عز وجل بالثقيل فيقول: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً [الإنسان:27] يوم عظيم ثقيل، وتارةً يصفه الله عز وجل بالعسير، وأنه غير يَسير فيقول: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:9-10] لكنه بهذا المنطوق، والمفهوم منه أنه على المؤمنين يسير، اللهم يسره علينا يا رب العالمين.

    ورد أن يوم القيامة قدره خمسون ألف سنة، وأن المؤمن لا يشعر به إلا كما بين صلاة العصر إلى المغرب، وهذا أضيق وقت، من العصر إلى المغرب لا تفعل شيئاً، قد تشرب (فنجان) شاهي، أو تقعد مع أولادك وإذا بك والمغرب يؤذن، هذا المؤمن يخفف الله عليه وقت يوم القيامة حتى كأنه منذ تدلي الشمس للغروب إلى أن تغيب الشمس، وإذا به نجح، وأخذ كتابه بيمينه وقيل: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70] بينما ذاك طويل، ثقيل، عظيم، عسير، غير يسير، خمسين ألف سنة، وهو شاخص ببصره إلى السماء: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم:43] لا يقدر على أن يغمض عينه غمضة واحدة، وبعد ذلك قلبه ليس في صدره، بل في نحره: كَاظِمِينَ [غافر:18] مكظومة أنفاسهم من عظمة الأهوال التي ينتظرونها والمفاجآت التي يتوقعونها، الآن الذي يخرجونه للسيف كي يقتل قصاصاً هل يبقى قلبه في مكانه؟! ما رأيكم في فترة الانتظار مذ يجلسونه إلى أن يضرب بالسيف؟ بعدما يقرءون الإعلان، ما أطول هذه الفترات -يا إخواني- وهي خمس دقائق، لماذا؟! لأنه ينتظر السيف يضرب رقبته، أو ينتظر البندقة وهي تخرق ظهره وتخرج كبده أمامه، فهو في تلك اللحظات جالس هل يفكر في شيء غير هذا؟! لو مرت أمامه امرأة عارية هل ينظر إليها؟! لو سمع أغنية هل يتغنى بها؟! وهي ضربة سيف أو بندقية؛ لكن يوم القيامة ليست ضربة سيف، ضربة السيف أمنية .. ضربة البندقية أمنية، في يوم القيامة ليس هناك موت، فيه عذاب، يقول الله عز وجل: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17] هذا الأمر الأول: أن الله عظمه.

    إخبار الله عن شدة الخوف والفزع فيه

    الثاني من الأمور التي تدل على هول يوم القيامة: أن الله عز وجل أخبر بأن الرعب والفزع والهلع والخوف يصيب العباد في ذلك اليوم، فالمرضع تذهل عن وليدها، وهذا تعبير به إذ لا يمكن في الدنيا أن تترك ولدها أبداً فلو حصل وأنت جالس في البيت لا سمح الله وسقط سقف البيت، كل شخص من الجالسين في المجلس وهم يسمعون الانهيار يهربون، لكن المرضع لا تشرد إلا وولدها في يدها، نعم. لا يمكن أن تشرد لوحدها وتترك ولدها، ولو شردت ثم ذكرت ولدها رجعت تأخذ ولدها ولو ماتت.

    لكن في يوم القيامة لعظمه: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [الحج:2] ووضع الحمل لا يأتي إلا من شدة الخوف، المرأة إذا بلغها أمر خطير جداً وكبير تُسقط، هذه تُسقط لكن لا تضع الحمل الكامل، أما هذه الحامل التي لا ينتظرها شيء لكن ما آن الأوان لأن تضع الحمل، أمر خارج عن إرادتها من أهوال يوم القيامة.

    وأيضاً يَحصل للناس نوع من الهلع؛ لدرجة أنهم يصبحون كالمجانين، قال الله عز وجل: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] ولشدة الهول تشخص أبصار الناس خصوصاً الظلمة منهم؛ لشدة الرعب، ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً، ولا يخفضون أبصارهم، يقول الله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ [إبراهيم:42-43].

    وترتفع قلوبهم -والعياذ بالله- إلى حناجرهم، فلا تخرج ولا ترجع، يقول الله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:18-19] ويقول: يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37].. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ [النازعات:8-9] وحسبك أن تعلم أن من لم يبلغ الحُلم ولم يدر ما الأمر ولم يبلغه النهي ولا يعرف الدين؛ صغير، لكن لما يخرج وهو يبعث يرى الأهوال هذه فيشيب رأسه، يقول الله تبارك وتعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً [المزمل:17] يشيب الصغير، فكيف بي وبك! إنا لله وإنا إليه راجعون!

    انقطاع الأنساب والأسباب فيه

    الثالث من الأمور التي تدل على عظمة يوم القيامة: انقطاع جميع العلاقات والوشائج بين البشر، فعلاقة النسب والزمالة والأموال لا تنفع، كل شيء وكل علاقة لا تنفع في يوم القيامة، يقول الله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] يقول عز وجل: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101] فكل إنسان لا يهتم في ذلك اليوم إلا بنفسه حتى الأنبياء، يأتي الناس إليهم فيقولون: نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي، اشفعوا. أنتم أنبياء لكم منزلة، ومكانة، فيقولون: إن ربنا قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، لا أستطيع. اذهبوا إلى غيري! نوح يحيل على إبراهيم، وإبراهيم يحيل على موسى، وموسى يحيل على عيسى وكل واحد يذكر له خطيئة، نوح يقول: إني قد دعوت على قومي، وإبراهيم يقول: قد كذبت، وما كذبة إبراهيم؟! قال: إن هذه أختي، وقال: إني سقيم، وهي كذبات كلها في صالح الإسلام، وقال: بل فعله كبيرهم يعني الصنم الكبير، وموسى يقول: إني قد قتلت نفساً، وعيسى يحيل الأمر على محمد ولا يذكر ذنباً، ولما يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة الكبرى صلوات الله وسلامه عليه يقول: (أنا لها أنا لها؛ فيسجد تحت العرش ويثني على الله بمحامد لم يثنها عليه من قبل ولا يعلمها في الدنيا ثم يقول الله له: ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع) اللهم شفع فينا نبيك محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

    بل إن الإنسان ليس فقط هو الذي تنقطع علاقته بالنسب، وإنما يفر من أحب الناس إليه، يقول الله: فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:33-36] وصاحبته: أي: زوجته، وبنيه أي: أولاده لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] عندك من المشاكل والأهوال ما يكفيك، وأنت لست فارغاً لتستوعب ولو ربع مشكلة مع شخص من الناس، غارق إلى مسامعك في المشاكل، يأتي الأب إلى ولده فيقول: بحق أبوتي أعطني حسنة أو نصف حسنة أتبلغ بها وأرجح بها ميزاني، فيقول له: وأنا يا أبي بحق بنوتي لك ربيتني ورعيتني أريد منك نصف حسنة أو ربع حسنة، فيعود يفر منه يقول: أردت منك وإذا بك تريد مني وإذا بكل واحد يفر من الثاني: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].

    محاولة الافتداء منه بملء الأرض ذهباً

    الرابع من الأمور التي تدل على عظمة هذا اليوم: أن الكفار يوم القيامة يستعدون، ويبذلون القدرة على أن يتخلصوا من كل ما معهم، ولو كان ملء الأرض ذهباً وفضة في سبيل الخلاص من عذاب يوم القيامة، يقول الله: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ [يونس:54] ويقول عز وجل: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ [الرعد:18] لو أن له ملء الأرض ذهباً أحمر يود أن يقول: خذوه على أن أسلم من العذاب؛ لكن ما ينفع بل إنه مستعد أن يدفع ويبذل كل شيء، ولكن الله لا يقبل منه، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:91].

    وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (يجاء بالكافر من أهل النار؛ من أقل أهل النار عذاباً يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟! قال نعم، قال: قد سألتك أهون من ذلك، تعبدني لا تشرك بي شيئاً، وتطيعني ولا تعصيني)هذا أهون، أم أن تفتدي بمثل الأرض كلها ذهباً؟! والله أهون -يا إخواني- لنا أن نعبد الله، ونسير في طاعة الله، أما أن نفرط ثم نأتي يوم القيامة ومعنا ملء الأرض ذهباً، والله ما ينفع، يقول الله: وَلَوِ افْتَدَى بِهِ [آل عمران:91] ما عنده شيء.

    ويصل الحال بالظلمة والكفار والفجرة والفساق إلى أن يتمنى الإنسان لو يفتدي بأعز الناس عنده، ولو كانت أمه أو أبوه أو إخوانه أو أخواته أو زوجته أو أولاده .. مستعد أن يقدمهم ويخرج، يقول الله: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ [المعارج:11-14] كلهم ليس عنده رحمة ذلك اليوم، لو أنه قيل له: ما رأيك نهلك من في الأرض وننجيك أنت؟! يقول: نعم نجني يا رب، لماذا؟! لأنه لا يقدر ولا يستطيع أن يتحمل العذاب؛ لأنه عذاب الآخرة والنار، ليس مثل عذاب الدنيا، قد تتحمل عن أبيك السيف، لماذا؟! لأنك تقول سوف أموت بواحدة، ممكن أن تتحمل عن ولدك الموت فتموت، لكن لا يمكن أن تتحمل عن أبيك أن تضرب بالسيف وتعود للحياة وتضرب بالسيف وتعود للحياة، وتقطع مرة وتعود الحياة تقول: والله ما أقدر على هذا، كذلك أهل النار لا يموتون، فالموت أمنية من أمانيهم، ولذا يود الإنسان وهو في النار -مما يعاني من العذاب الشديد والأكيد- أن يفتدي بكل ما يملك في هذه الدنيا حتى قال الله: وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ [المعارج:14] قال الله: كَلَّا [المعارج:15] كلام فارغ لا ينفع إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:15-16] تنزع شوي الشخص من بطنه نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى [المعارج:16-18] نعوذ بالله وإياكم من ذلك.

    طول هذا اليوم وشدته

    من الأمور التي تدل على هول يوم القيامة وشدته: طوله.

    يوم القيامة يوم عظيم هائل طويل جداً، لا يعلم طوله إلا الله عز وجل، والله عز وجل أخبرنا بأن طوله خمسين ألف سنة، قال العلماء: خمسين ألف سنة في العدد، لكن اليوم الواحد من أيام الآخرة ليس مثل يومنا أربعة وعشرين ساعة قال الله: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ [الحج:47] خمسين ألف سنة واليوم الواحد منها كألف سنة من أيامنا، هيا اضرب خمسين ألف سنة في ثلاثمائة وستين يوماً، ثم اضرب الناتج في ألف سنة؛ لأن أيام الدنيا أربع وعشرين ساعة محكومة بالشمس والقمر ودورة الشمس؛ لكن لا يوجد في يوم القيامة شمس، فالشمس قد كورت وانتهت، فلا توجد شمس ولا يوجد ليل ولا نهار، ولا أيام إلا اليوم الآخر، قال الله فيه: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ [الحج:47] فهل هناك أطول من هذا اليوم، خمسون ألف سنة والناس وقوف في العذاب، أنت إذا أتيت المطار وبقي على الطائرة مثلاً ساعة ودخلت؛ تشعر بالقلق والحرج، فإذا قرب الوعد ولم يبق إلا نصف ساعة قلت: قرب الموعد، لكن وأنت تنتظر، جاءك بلاغ من السعودية: السعودية تأسف وتعلن عن تأخير رحلتها المتجهة إلى كذا وكذا وسوف يكون موعد الإقلاع الجديد بعد ثلاث ساعات، ما رأيك في ثلاث ساعات؛ طويلة أم ليست طويلة؟! الله!! تقول: الله المستعان. إنا لله وإنا إليه راجعون! ثلاث ساعات أظل قاعداً، أين أذهب في ثلاث ساعات؛ لا يوجد مكان أنام فيه؛ ولا أجلس على الكرسي أريح أرجلي، بعضهم يرجع من المطار من أجل ثلاث ساعات.

    هل يوجد كرسي في الآخرة تقعد عليه؟! أو مظلة تتظلل بها؟!! أو طعام تأكل منه؟! أو كساء يسترك؟! أو نوم تستريح به؟! لا يوجد إلا وقوف والعرق يسيل حتى يلجم الناس به في ذلك اليوم؛ فهذا اليوم لطوله ولعظمته هو مما يدل على هول هذا اليوم العظيم، يقول الله تبارك وتعالى في هذا اليوم: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً [المعارج:4-6] لماذا؟! يرونه بعيداً؛ لأن نظرتهم قياسية على أيامهم: وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:7] لأن نظرة الله قياسية على أيامه فيكون قريباً فالدنيا كلها لا تساوي عند الله إلا مثل قطرة من بحر: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم؛ ثم ينزعها فينظر بم ترجع) ولطول هذا اليوم يظن الناس في يوم القيامة أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة، ولهذا يقول الله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ [يونس:45] وبعد ذلك يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة، وتقول لهم الملائكة: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:112-113] والعمر كم هو في الدنيا؟! عمر الدنيا منذ خلقها الله إلى أن يفنيها آلاف السنين، وعمر الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم يفنيها بالنسبة ليوم الآخرة يوم أو بعض يوم، أي: ليس يوماً كاملاً. لا إله إلا الله!

    يقول تبارك وتعالى محذراً الناس أنه سيحشرهم: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:46] ويقول: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [طـه:104] وأمثلهم طريقة أي: أحسنهم رأياً وتسديداً وخبراً يقول: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [طه:104] ويقول: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] ويقول عز وجل: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:112-118] هذه -أيها الإخوة- الأمور الخمسة نستدل بها على عظمة هذا اليوم.

    1.   

    أهوال يوم القيامة

    أما الأهوال التي تكون فيه فهي كثيرة منها: الدمار الكوني الشامل الرهيب الذي يُصيب الأرض وجبالها، والسماء وطباقها ونجومها وشمسها وقمرها، إذ تتبدل كل معالم الكون، فلا يبقى شيءٍ على أصله، تدمير كامل، وهذا التدمير يشعر الإنسان بالخوف، إذا هبت الرياح العاتية، أو نزلت الأمطار الغزيرة، كيف يكون وضع الناس؟! يخافون إذا اشتعلت الحرائق، أو وقع حادث مروري، أو تهدمت عمارة، أو حدث خسف أو انزلاق في الأرض كيف يصير؟ لكن كيف شعورك يا مسلم إذا تَدمركل شيء في الكون؟! فالله عز وجل يحدث للأرض زلزلة، ودكاً ونسفاً للجبال، وتسجيراً للبحار، وتشقيقاً وتفتيتاً للسماوات، والشمس تكور، والقمر يخسف، والنجوم تكدر ويذهب ضوءها وينفرط نظامها؛ لأنه حدث تدمير كامل لهذا الكون، وسوف نذكر بعض هذه الأهوال منها:

    الأول: أن الله عز وجل في ذلك اليوم يقبض الأرض، ويطوي السماء، يقول الله عز وجل: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67] ويقول: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104].

    دك الجبال ونسفها

    من الأهوال: دك الجبال ونسفها: إذ يخبرنا الله عز وجل أن أرضنا هذه الثابتة وما عليها من الجبال الشم الراسية، أنها يوم القيامة تُحمل، ثم تُدك دكةً واحدة، قال الله: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة:13-16] وعند ذلك تتحول القوة والصلابة والمتانة إلى رمل ناعم مطحون، لماذا؟! لأن الله حملها ودكها، فتطحن الجبال طحناً حتى تصير مثل الرمل، يقول عز وجل: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً [المزمل:14] مثل كثبان الرمل المهيلة المتفتتة الناعمة بعد قوتها وصلابتها يفتتها الله تبارك وتعالى، أي تصبح مثل هذا الوضع، وفي موضع آخر يقول تبارك وتعالى: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [المعارج:9] والعهن: هو الصوف المنفوش أي: بعد قوتها تصير مثل العهن الذي إذا لمسته فملمسه ناعم، لماذا؟ لعظمة ما حصل لها من الدك والتدمير، ثم إن الله عز وجل يزيل هذه الجبال عن مواضعها، لا يبقى جبلاً أبداً، ويسوي الأرض حتى لا يكون فيها موضع مرتفع، تصير الأرض كلها مستوية ما فيها جبل ولا سهل ولا قصر ولا منخفضوإنما كلها سواء، يقول الله عز وجل: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:3] ويقول: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً [النبأ:20] ويقول: وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [المرسلات:10] ويقول: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً [الكهف:47] أي ظاهرة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، ويقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً [طه:105-107] كلها مستوية.

    تفجير البحار وتسجيرها

    من الأهوال العظيمة: تفجير البحار، هذه البحار التي أمامنا الآن يحولها الله عز وجل يوم القيامة إلى مادة مشتعلة (كالبنزين) كيف؟! كيف طلع لنا البترول الآن؟! البترول أو المادة المشتعلة التي عليها الآن حياة البشر بإذن الله، هذه -كما يقولون- كانت مواداً عضوية في وسط البحار وكان فيها أشجار وحيوانات ومواد حية، وبعد ذلك مع التغيرات الكونية في الأرض انطمرت تحت الأرض ثم ضغطت عليها ثم تحولت في باطن الأرض بقوة وحرارة الأرض وما فيها من صهر للمواد العضوية، ثم ظهر البترول الذي تحرقه.

    فهذه البحار يوم القيامة يحولها الله عز وجل إلى نار حمراء، البحار كلها تكون ناراً حمراء، لا إله إلا الله! البحر الأحمر هذا الذي ترونه الآن في الخريطة، لما تنظر إلى خريطة المملكة العربية السعودية تجد أن البحر الأحمر يمتد من الشمال بفرعيه خليج العقبة وخليج السويس ، ثم يمشي هكذا خط صغير إلى أسفل البحر عند مضيق باب المندب ثم ينحني إلى البحر العربي ثم يلف إلى الخليج العربي هذه كلها بسيطة، لكن لو أتيت تقطع البحر الأحمر من طرفه إلى طرفه تحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أيام بالباخرة، وهو في الخريطة لا يزيد على اثنين (سانتي)، حسناً.. انظر للذي يسافر إلى أمريكا وهو يخرج من أوروبا كم يقطع إلى أمريكا ، يمشي ست ساعات لا يرى إلا المحيط الأطلسي، ست ساعات على طائرات (البويونج) الكبيرة الضخمة التي سرعتها (1200كم) في الساعة، يعني سبعة أو ثمانية آلاف كيلو تمشيها على البحر، هذه البحار كلها ستكون يوم القيامة نار حمراء، حسناً.. إذا صارت هذه ناراً كيف أنت وأنا ذاك اليوم؟! لا إله إلا الله! هذه البحار التي تغطي الجزء الأعظم من أرضنا؛ لأنها ثلاثة أخماس الأرض.

    الأرض خمسة أخماس، ثلاثة منها ماء، واثنين يابس، ويعيش في باطنها الكميات الهائلة التي لا يتصورها العقل من الكائنات، وتمشي فوقها السفن، وتعبرها البواخر، وتعيش في بطنها الغواصات، هذا علمناه في هذا العصر، علمنا في هذا العصر هول الانفجار الذي يحصل عند خلخلة النظام والتوازن الكهربائي في ذرة واحدة من ذرات اليورانيوم.

    اليورانيوم هو: مادة من المواد الصلبة المعدنية في داخلها إلكترونات كثيرة تصل إلى خمسين أو ستين إلكتروناً وتدور هذه الإلكترونات دوراناً عكس عقارب الساعة حول النواة، وبعد ذلك فيها معادلة كهربائية هذه سالبة وهذه موجبة، استطاعوا أن يخلخلوا هذه المعادلة فحصل انفجار في الذرة، هذا الانفجار يحصل به الآن تدمير يسمونه تفجير الذرة، أي: الموت والهلاك، إذا كان تفجير الذرة يسبب للبشر الهلاك كيف بتفجير البحر؟! ذرات الماء كل الماء الذي في البحار هذا تتفجر ويخلخل فيها النظام الكهربائي، وتتحول إلى طاقة تدمير لا يعلمها إلا الله، يقول الله عز وجل: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:3] كأن البحر قنبلة فجرت، وفي آية ثانية يقول: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:6] أي: أشعلت، هذه آية من آيات الله. لا إله إلا الله!!

    مور الأرض واضطرابها

    أيضاً من أحداث وأهوال يوم القيامة: مور الأرض: تمور أي: تضطرب، تكون مثل الشيء الذي يطلع وينزل، وانفطارها: أن تنفطر وتتشقق، سماؤنا الجميلة التي ننظر إليها فتنشرح صدورنا لرؤيتها تمور موراً، وأيضاً تضطرب اضطراباً يقول الله: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً [الطور:9] ويقول: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق:1] ويقول: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار:1] تنفطر وتنشق وبعد ذلك تصبح ضعيفةً واهية كالقصر العظيم، أو كالبنيان المتين الراسخ عندما تصيبه الزلازل من كل جانب فتراه بعد القوة يصبح هزيلاً واهياً ضعيفاً متشققاً ينتظر دقةً ليسقط، أما لون السماء الجميل هذا فإنه يتغير .. ويصير أحمر، لماذا؟! لأن الأرض كلها حمراء، الأرض كلها نار لا تظل زرقاء، فالانعكاس الذي كان في الأرض على شأن السماء، الأرض بحار وجبال زرقاء وسوداء تنعكس على السماء، الآن لا، يقول الله عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37] قال العلماء: إن لونها يصير مثل لون الورد، أحمر لانعكاس أضواء البحار المسجرة والملتهبة عليها، نعوذ بالله وإياكم من سخط الله عز وجل.

    تكوير الشمس وتدميرها

    أيضاً من الأهوال في ذلك اليوم: تكوير الشمس والخسف الذي يحصل للقمر والتناثر الذي يحصل للنجوم؛ لأن هذه الشمس التي نراها كل يوم في كل صباح تغمر أرضنا بالضياء والحياة، وتمدنا بالقدر الوافي من الطاقة، وما يدب على هذه الأرض، لا يستطيع أن يعيش إلا بوجود هذه الشمس، وفي يوم القيامة تنتهي هذه الشمس ولا يبقى لها مجال ولا وجود، لماذا؟ لأنها انتهت: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:1-3] إلى آخر الآيات.

    أما النار يوم القيامة فإنها تُسعر أي: تشعل، النار هي الآن مشتعلة ولها نفس في الصيف ونفس في الشتاء، فنفسها في الشتاء أعظم ما نجد من البرد، وهو من زمهرير جهنم، ونفسها في الصيف الذي يصيب العالم كله، أعظم ما نجد من الحر وهو من صيف جهنم ومن حرارتها -والعياذ بالله- لكن يوم القيامة حين يقرب دخول الكفار والفجرة إليها تُسعر يعني: تذكى، قال الله: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [التكوير:12].

    أما الجنة فإنها الآن مزينة، وقد أفلح من دخلها، قال الله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] إلى آخر الآيات.

    أيضاً يوم القيامة تزلف وتزين وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [التكوير:13] أي: قربت وأدنيت من أهلها، نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهلها ووالدينا وإخواننا وأخواتنا وجميع إخواننا المسلمين، وفي ذلك اليوم يعلم كل واحد ما حضر وما قدم من العمل، يقول الله عز وجل: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14].. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5].. يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] ومما قيل في هذا المعنى، قول أحد الشعراء:

    مثل وقوفك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

    إذ كورت شمس النهار وأدنيت     حتى على رأس العباد تسير

    وإذا النجوم تساقطت وتناثرت     وتبدلت بعد الضياء كدور

    وإذا البحار تفجرت من خوفها     ورأيتها مثل الجحيم تفور

    وإذا الجبال تقلّعت بأصولها     فرأيتها مثل السحاب تسير

    وإذا العشار تعطلت وتخربت     خلت الديار فما بها معمور

    وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت     فتقول للأملاك أين نسير؟

    وإذا تقاة المسلمين تزوجوا     من حور عين زانهن شعور

    وإذا الموءودة سئلت عن شأنها     وبأي ذنب قتلها ميسور

    وإذا الجليل طوى السما بيمينه     طي السجل كتابه المنشور

    وإذا الصحائف نُشرت فتطايرت     وتهتكت للمذنبين ستور

    وإذا السماء تكشطت عن أهلها     ورأيت أفلاك السماء تدور

    وإذا الجحيم تسعرت نيرانها     فلها على أهل الذنوب زفير

    وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت     لفتىً على طول البلاء صبور

    وإذا الجنين بأمه متعلقٌ     يخشى القصاص وقلبه مذعور

    هذا بلا ذنب يخاف لهوله     كيف المقيم على الذنوب دهور

    نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحيي قلوبنا، وأن يرزقنا الإيمان والعمل الصالح، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    ما يجب على التائب بعد التوبة

    السـؤال: عمري خمسة وعشرون عاماً وقد كنت خلال الفترة الماضية لا أصلي ولا أصوم ولا أعرف الله؛ ثم تبت بعد ذلك توبةً نصوحاً فبم تنصحني، وأرجو منك أن تدعو لي في هذا المسجد؟

    الجـواب: ندعو لك يا أخي وندعو لجميع شباب المسلمين وعصاة المسلمين أن يهديهم الله إلى دينه القويم، وأن يردهم إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرهم بهذا الدين، وأن يثبتهم عليه حتى يلقوه.

    أما وصيتنا إليك ونصيحتنا لك أن تحمد الله على نعمة التوبة، وأن تشعر بنعمة الله وفضله عليك حينما اجتباك وتاب عليك، ثم تستمر في الطريق؛ عن طريق القراءة لكتاب الله، لا ندل شبابنا إلا على كتاب الله: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] عليكم بالاعتصام بالقرآن الكريم، تلاوةً وتدبراً وتحاكماً وتطبيقاً وعملاً واستشفاء، اجعل القرآن كل شيء في حياتك، لابد من قراءة القرآن، فكل شر يصيب الإنسان سببه ترك القرآن، ما علمنا أبداً أحداً تعرض لشر أو تعرض لنكبة أو لرجعة في دينه وهو يمسك ويحفظ القرآن ويداوم عليه، ثم السنة المطهرة، وطلب العلم، فاحفظ من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كل يوم حديثاً، ثم اعرف معناه من كتب السنن والشروح حتى تعرف كيف تعبد الله، ثم حافظ على الطاعات، فكل أمر أمرك الله به سارع إليه، وابتعد عن المعاصي والذنوب، وكل نهي نهاك الله عنه ابتعد عنه، ثم ابحث عن الرفيق الصالح الذي يعينك فإن الدرب طويل، وفيه مشقة ولابد من رفيق يعينك على طاعة الله، ثم ابتعد واحذر من رفيق السوء المخذل الذي يقودك إلى النار ويصرفك عن طاعة الله، هذه وصيتنا لك؛ ثم اثبت -يا أخي- واطلب من الله عز وجل أن يثبتك واصبر؛ لأن الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا [آل عمران:200] كأنك في معركة فاصبر وصابر ورابط، واتق الله لعلك تفلح.

    التحذير من رفقاء السوء

    السـؤال: نأمل تقديم نصيحة شاملة للشباب، مع التحذير فيها من أصحاب السوء والطريق التي تبعدهم عن الله؟

    الجـواب: إن الكلام الذي قلته لأخي عام لكل شاب، ننصحه بأن يستقيم على الطريق وأن يحذر من رفقاء السوء.

    حكم الجهر بالبسملة وحكم إسرارها

    السـؤال: نرجو جواباً مفصلاً في حكم الجهر بالبسملة في الصلاة؟ وهل جهر النبي في صلاته؟ وما حكم صلاة من جهر بها؟ وحكم صلاة من أسر بها؟ وما الأفضل في الحالتين، ولماذا؟

    الجـواب: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أنه جهر بالبسملة وأسر بها، ولكن ثبت أن جهره كان أقل من إسراره، كان يُسر بالبسملة كثيراً ويجهر بالبسملة قليلاً، ويحقق ابن القيم رحمه الله المسألة تحقيقا عظيماً في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد , ويقول: إن السنة التي ثبتت بالاستمرارية؛ الإسرار، أما السنة التي ثبتت بالانقطاع وعدم الاستمرار فهي الجهر؛ ولذا لا يُنكر على من جهر ولا ينكر على من أسر، أما الصلاة فهي صحيحة في الحالتين سواء جهر الإنسان أو لم يجهر، ولكن الإسرار أفضل، والإمام الشافعي يرجح الجهر، والإمام أحمد بن حنبل يرجح الإسرار، ولما زار الشافعي الإمام أحمد وصلى خلفه أسر احتراماً لرأي أحمد لعلمه أن معه دليلاً يسند إسراره، فالمسألة فيها سعة والحمد لله، لكن لابد من البسملة، وليس معنى الإسرار: أنك لا تبسمل؟! لا. لابد أن تبسمل في سرك أو جهرك.

    صفة الطفل الذي لم يظهر على عورات النساء

    السـؤال: الخمار -الحمد لله- منتشر في هذه المنطقة، فنرجو تحديد السن الذي يجب به تغطية المرأة فيه عن الأطفال؟

    الجـواب: الطفل الذي ينبغي على المرأة أن تتحجب منه هو الطفل الذي ذكره الله في سورة النور: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31] قال العلماء: الطفل الصغير الذي يعرف تحديد جمال المرأة من عدمه، فهذا قد اطلع على العورات، لما تأتي على طفل صغير عمره سنة أو سنتين تقول له: فلانة جميلة أو ليست جميلة؟! لا يعرف، لكن لو أتيت على طفل عمره عشر سنوات تقول له: فلانة جميلة أم ليست جميلة؟! يقول: لا. جميلة، فهذا حدد العورات، حدد وعرف، الجميلة من القبيحة، لماذا؟! أصبح ذكياً، هذا يمنع ولا ينبغي له أن يكشف على النساء؛ لأنه أجنبي.

    وجوب تعليم الأم ونصيحتها

    السـؤال: أمي لا تعرف طريقة الصلاة فهي تتكلم وتزيد وتنقص منها، ولقد نصحتها ولكن دون جدوى؟!

    الجـواب: مسئولية أمك عليك، نريدك داعية في أمك فقط، وإذا نجحت في أمك فكثر الله خيرك، ومن تتصور يكفك أمك؟! من ترقب من الجماعة يأتي ويدخل عليها يعلمها درساً، وأنت تقول بدون جدوى؟! لا وألف لا. لابد من جدوى لكن بلطف، الآن وغداً وبعده وكل يوم وكل وقت تقول لها وتقرأ عليها وتعلمها يا والدة لا تتكلمي ولا تنظري واقرئي الفاتحة، بعض النساء لا يعرفن الفاتحة، لماذا؟! لسانها من يوم عرفت نفسها وهو معكوف على قراءة معينة تقول: يَاَكَ نَعْبَدْ يَاَكَ نَسْتَعِين، لكن قل لها في يوم واحد، بعض الشباب يأتي يقرئ أمه قال اقرئي: أقرأها الفاتحة، وإذا بها كلها مكسرة قال: ما تعرفين تركها، لا. اجلس عندها أول ليلة في الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] تقول هي: الحمد لله ربَ العالمين، قل: لا. بل: ربِ العالمين، ولا تكثر عليها، وغداً تأتي بالحمد لله إلى أن تضبطها بعد أسبوع الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] تقول هي: الرحمنُ الرحيم، قل: لا ليست الرحمنُ، وعلمها بفمك وبحركتك، اكسري فمك افتحي عند الفتحة اكسري عند الكسرة، ضمي عند الضمة الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:3-4] بعضهن تقول: مالَك يوم الدين، أي: ما هو لك يوم الدين، يَاَكَ نَعْبَد يَاَكَ نَسْتَعِين، قال: هي لا تعرف؟! حسناً.. على مَن تقع مسئوليتها؟ أنت تعرف -يا أخي- كم لك متعلم؟! أنت الآن في الجامعة من يوم طلبت العلم وما علمتها ولا في يوم من الأيام، سبحان الله، أنت مسئول يوم القيامة عن هذه الأم، فنقول لك: علمها كيف تصلي، وتقرأ الفاتحة، وماذا تقول في الركوع، ولا تقول: إن لسانها لا ينعكف، لا مع الدوام يصير اللسان جيداً، الحديد الصلب إذا أدخلناه في النار صار ليناً، الحبل إذا داوم على الحجر قطعه، فكيف ما إذا ما داومت على تعليم أمك لا ينفع؟! بل ينفع إن شاء الله؛ فقط تريد لك نفساً طويلاً وصبراً.

    حكم مزاحمة الناس في الصف الأول

    السـؤال: من الملاحظ في هذه الحلقات وغيرها أن بعض الناس يأتي متأخراً، ثم إذا بدأت المحاضرة تقدم إلى الصفوف الأولى، وبعد الصلاة يُصر على أن يجد مكاناً في الصف الأول، فيؤدي هذا إلى إزعاج الذين قد سبقوا إلى المسجد من بعد صلاة العصر، ولا يستطيعون أداء الصلاة بخشوع وركوع وسجود، نرجو نصح هؤلاء؟

    الجـواب: صدق أخي الكريم، لا مانع إذا أتيت إلى الصفوف من أجل أن تقترب، لكن الأولوية ليست لك، عليك إذا انتهت المحاضرة ألا تزاحم، أنت أتيت هنا من أجل أن تسمع، انتهى السماع ارجع مكانك، ودع الصف الأول للأول، أما أن تأتي مع آخر الناس وتقعد في الصف الأول، وإذا أقيمت الصلاة قمت تزاحم الناس، هذا إيذاء، والإيذاء لا يجوز، ما رأيكم بالذي يأتي متأخراً ثم يقفز ويزاحم على المائدة، سيقول له الناس: اجلس مكانك هناك، أو في المائدة الثانية، لماذا تأخرت؟! وكذلك من يجلس في بيته إلى أن تغرب الشمس أو إلى أن يؤذن ثم يأتي ويجلس وراء الصف ثم إذا أقيمت الصلاة قرب، عليه إذا أقيمت الصلاة للعشاء أن يرجع مكانه، ولا يضايق إخوانه؛ لأن مضايقتهم إيذاء، وإيذاء المسلم حرام، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) فما نريد أن نتعرض لهذا الوعيد الشديد، نعوذ بالله وإياكم من ذلك.

    حكم تنشيف اليد بعد الوضوء

    السـؤال: توضأت ذات يوم ثم نشفت يدي فقال لي أحد الشيبان: لا يجوز تنشيف الذراعين بعد الوضوء واستدل بحديث (فإن الذنوب تخرج مع آخر قطر الماء) هل هذا -يا شيخ- صحيح؟

    الجـواب: لا. هذا الحديث صحيح وهو: (إذا توضأ ابن آدم فغسل وجهه خرج مع آخر قطرة من وجهه كل خطيئة نظرتها عيناه أو شمتها أنفه أو قالها بلسانه) هذا صحيح، لكن يخرج مع الماء من حين غسلت وجهك وانتهيت فلا يبقى قطر الماء بل ينتهي، إذا مسحت معناه مسحت الذنوب كلها إن شاء الله، ولكن من يستدل يستدل بحديث ثانٍ وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توضأ قدم له منديل أحمر فرده) قال العلماء: رده لعدم رغبته في التنشيف لا لعدم جواز التنشيف، إذ أنه لو كان غير جائز لبين للأمة؛ وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وما دام أنه ما بيّن إذاً ليس بدين، وإنما تركه عادةً، فأنت إذا توضأت وأردت أن تمسح لا مانع، وإذا لم ترد فلا مانع، ولكن يقول بعض العلماء: إن القضية تخضع للجو الذي أنت فيه، الذي يعيش مثلاً في مكة أو جيزان إذا توضأ يريد يقعد الماء عليه ما يريد يمسح لماذا؟! لأن الماء يزيد جسمه رطوبة وطراوة، وإذا دخل الغرفة وفي هواء خفيف على الماء اللزج يعطيه نوعاً من النشوة والراحة، لكن الذي يعيش في أبها وتوضأ وخرج ووجهه يقطر بالماء وصفقته الرياح وتقشر وجهه هذا ما يصلح له، فالقضية فيها سعة والحمد لله.

    حكم تأخير صلاة الفجر عن وقت الجماعة

    السـؤال: يقول أُشهد الله الذي لا إله إلا هو على حبك -نقول أحبك الله يا أخي- صلاة الفجر تفوتني أحياناً رغم أن أبي يوقظني على الوقت وإذا فاتتني أحس بأن قلبي يتقطع فأريد أن توصيني؟

    الجـواب: أولاً بارك الله فيك، وما دام أن قلبك حي بحيث إذا فاتتك مرة تحس بحرقة المعصية وألم المخالفة، فهذه علامة حياة قلبك، وبعد ذلك نقول لأبيك: بارك الله فيه عندما يوقظك في الوقت، ولكن يجب أن تعاونه بنفسك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـربيعة بن كعب الأسلمي يقول: (أعني على نفسك بكثرة السجود) أي: بكثرة الصلاة، إذا سمعت أباك يوقظك للصلاة فعاون أباك على نفسك، بمجرد ما تسمع أباك أو المؤذن فانهض مباشرة، وإذا قمت قل أولاً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا استعذت بالله فانهض مرة ثانية وتوضأ ويذهب كل شيء منك، لكن بعض الناس يستعيذ بالله وهو نائم يقول: أعوذ بالله من الشيطان ويجلس مكانه، لماذا؟! لأنه يضارب الشيطان وهو (مضطجع) الآن لو أتيت على شخص تضاربه وأنت مضطجع هل يخاف منك؟! لا. لأنك مضطجع، والشيطان الآن في معركة معك؛ فإذا بدأت تحاربه ماذا تفعل؟! تقوم وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن على المخدة وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: مكانك جيد نم بلا استعاذة بلا كلام فاضي، ولا يقوم الإنسان، لكن متى تقوم؟! إذا قمت واستعذت بالله وبدأت في مضاربة الشيطان ومحاربته بالقوة الضاربة وهي قوة الاستعاذة بالله قمت؛ لأن الله يقول:وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:200] فالاستعاذة بالله عند النهوض هذه واحدة مما يعينك.

    ثانياً: النوم المبكر.

    ثالثاً: النوم على طهارة.

    رابعاً: النوم على ذكر الله.

    خامساً: النوم على نية القيام لصلاة الفجر؛ لأن من الناس من ينام أصلاً وهو مبيت في نيته أنه لا يقوم، عازم على عدم الصلاة من أول الليل، هذا لا يوقظه الله، لكن ذاك الذي ينوي من أول الليل بأنه سينهض فإن الله يعينه ويأخذ بيده.

    سادساً: وبعد ذلك قراءة الآيات والأذكار، وهذه كلها مؤيدات، ثم إذا جاءت ساعة الصفر فانهض، الآن الموظفون والمدرسون أليس عندهم موعد؟! مثلاً ينتهي الدوام الساعة السابعة خاصة عند المدرسين؛ لأن دوامهم شديد؛ لأنه إذا تأخر المدرس يتأخر معه أربعون طالباً يضيعون معه، خلاص سبعة ينتهي الدوام فماذا به يقوم الساعة سبعة إلا ربع؟ وإذا أتاه نوم أو شيء لا يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا. يعوذ من الخصمية ومدير المدرسة الذي يقفل الدوام عليه ويعطيه إنذاراً، يقوم على طول، لكن يوم كانت صلاة وما في قلبه إيمان يدفعه إلى أن يقوم، يتكاسل ولا يقوم.

    فنقول: يا أخي الكريم! نسأل الله الكريم أن يعينك على أداء صلاة الفجر، وأن يتوب عليك إذا أخرتها أحياناً، وأن يوفق والدك لإيقاظك، ونطلب منك أن تعين والدك على هذا بالاستعاذة، وبسلك الأسباب المؤدية إلى صلاة الفجر.

    ويقول: ادع لي بالإخلاص. ندعو الله لجميع المسلمين بالإخلاص والتوفيق والتقوى والعمل الصالح والعلم النافع.

    حكم الهجر فوق ثلاث ليال

    السـؤال: تخاصمت أنا وأخي منذ عشرة أشهر، وقبل أيام قلائل نويت أن أقيم الصلح معه لما علمت ما في ذلك من فضل، ولكن اكتشفت أخيراً أنه يمارس العادة السرية، فهل إذا خاصمته ولم أكلمه بغضاً له لما كان منه هل يعرض عملي على الله يوم الإثنين والخميس؟!

    الجـواب: أولاً: لا يجوز لك أن تهجر أخاك، سواء شقيقك أو المسلم أكثر من ثلاثة أيام، والحديث صحيح في هذا: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال) وإذا هجر المسلم أخاه فوق ثلاث ليال فقد ارتكب محرما،ً وترتب على هجره عدم رفع عمله إلى الله عز وجل، أعمالك كلها ترفع يوم الاثنين والخميس، لكن الله عز وجل يردها ويقول: (دعوهما حتى يصطلحا) إلا عمل رجلين متشاحنين في غير ذات الله طبعاً، فأنت أخطأت في هجرك لأخيك مدة عشرة أشهر، ولكنك أصبت يوم أن راضيته وأصلحت ما بينك وبينه، إذ ينبغي على كل مسلم أن يصالح المسلمين ولا يبقى في قلبه على مسلم غيظاً، فتش أنت، وراجع نفسك لا تبق ، اذهب وسلم عليه من أجل أن يقبل عملك عند الله تبارك وتعالى، واعلم أن أي تردد يحصل عندك من مراضاة المسلمين إنما هو من الشيطان، يريد منك أن تبقى حماراً يركب عليك حتى يوردك النار؛ لأنه يفرح أن تصلي ولا تقبل صلاتك، ويفرح أن تصوم ولا يقبل صيامك، ويفرح أن تقرأ القرآن ولا تقبل قراءتك، هو لا يريدك أن تفعل شيئاً، ولكن إذا فعلت وتعبت ولم يقبل، أحسن وأحسن عنده.

    ولذا يأتيك من هذا الباب كيف تراضيه؟! كيف تصالحه؟! غير معقول هو فعل فيك ... هذه كلها نزغات الشيطان، استعذ بالله واذهب إلى هذا الأخ المسلم وأمسكه وقل: تعال، أنت ما أخطأت عليّ، ولو كان هو المخطئ، قل: أنت ما أخطأت علي الخطأ مني أنا، ولكن عفا الله عما سلف، سامحني سامحك الله، لا يجوز لي يا أخي أن أهجرك، ولا يجوز لك أن تهجرني سأموت وتموت، وتسامحا.

    أما أخوك هذا الذي علمت أنه يمارس العادة السرية، فكيف علمت أصلاً؟! أريد أسألك كيف علمت؟! لأن الواحد يمارس العادة السرية بينه وبين نفسه، ما أحد يفعلها في السوق، وما أعتقد أن الواحد يعمل الجريمة ويعلم الناس، يمكن بلغك هذا الخبر وهو غير صحيح.

    أولاً: انصح أخاك وبيّن له حكمها، وأنها حرام ولا تجوز فإذا قال: جزاك الله خيراً، انتهى الأمر فلا تقاطعه ولا تبغضه وتتخذ من حكم العادة السرية سبباً لبغضه لجذور تاريخية قبل عشرة أشهر، وتريد تلبسها بأنه بغض في الله، ما على الله حيلة، لا. هذا أخوك راضه وصالحه وانصحه؛ فإن استجاب فالحمد لله وإن أبى فأمره إلى الله، ولا تبغضه؛ البغض كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : وسيلة من وسائل الدعوة لا تصلح في كل حال، من الناس من إذا أبغضته ازداد ببغضك له معصيةً لله، هذا يحرم بغضه؛ لأنك لو ما أبغضته لبقي على حال معين.

    مثلاً: واحد من أنسابك لا يصلي في المسجد -مثلاً- أو يسمع أغاني أو على معصية، ثم أنت أبغضته في الله، لماذا؟! لأنه يسمع الأغاني وبعد ذلك علم زميلك أو نسيبك ماذا؟! قال: والله لا يأتيك من أجل أنك تسمع الأغاني، قال: عجيب ويفعل بي هكذا، والله لا أصلي من أجله، هيا ماذا انتفعنا من بغضك؟! نقول: أحب فيه الجوانب الحسنة وأبغض فيه الجوانب السيئة، واكره عمله السيئ بقلبك، ولا تواده في معصية الله عز وجل، لكن متى تنقطع الصلة به إذا ترك الصلاة، وأصر على تركها هناك لا ينبغي؛ لأن الله يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22] أما بغض من يقلع عن معصيته ببغضك له فواجب مثل بغضك لزوجتك أو ابنتك أو ولدك إذا أبغضته في الله؛ لأنه إن ارتكب معصيةً أثر بغضك عليه؛ لأن بغض الأب أو الزوج صعب على الولد والزوجة، فتسأل البنت تقول: لماذا أبي غضبان؟! أو لماذا زوجي غضبان؟! غضبان لأنك فعلت كذا وكذا، أما أن تسكت ولا تبغضها فتستمر في معصيتها يكون عليك إثمها.

    حكم إيذاء المصلين بالروائح الكريهة

    السـؤال: هناك جماعة من المصلين هداهم الله يشربون الدخان وبعضهم يأكل القات والشمة ويأتي إلى المسجد ورائحته تنفر؛ فيبعد الخشوع من الناس، ويسبب لهم الروائح الكريهة، فنرجو منكم نصيحتهم؟

    الجـواب: لا يجوز إيذاء عباد الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى من أكل ثوماً أو بصلاً أن يأتي إلى المسجد، نهاه عقوبةً وردعاً له وكف يد له، وهذا يعتبرونه أكثر عقوبة، تسلط على الموظف ومنعه من عمله، وعملك ما هو؟! الصلاة، وكف يدك عن الصلاة إذا أكلت ثوماً أو بصلاً أي: لا تأكل ثوماً ولا بصلاً، ليس معناه: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مصلانا)أن تضرب في البصل والثوم إلى مسامعك وتقول: أنا ما أصلي، لماذا؟! قال: أكلت ثوماً وبصلاً، شخص من الناس كان مدعواً إلى وليمة ويوم قلنا: هيا الصلاة، قال: والله أنا آسف، لماذا؟ قال: أكلت بصلاً، يعني معي إجازة من الصلاة، قلنا: والله خيبة لك حين أكلت بصلاً، أجل منعت نفسك وحرمتها من رحمة عظيمة ومن نعمة ما أعظم منها وهي نعمة الصلاة.

    وكذلك إذا كان الثوم والبصل وهو من الأمور المباحة والنعم المحللة وليس بحرام، منهي عنه عند إتيان الصلاة فكيف بالأمور المحرمة كالدخان والشمة والقات وهذه محرمة أصلاً؛ فكيف إذا جئت بها وأنت مدخن ودخلت المسجد بها والباكت في جيبك، وبعضهم يضع الباكت هناك في رجله ويدخل وبعضهم يطفيها عند الباب، لا يا أخي يا طيب ما دمت تصلي، وطيبك الله عز وجل بالإيمان وبالصلاة فعليك أن تطيب نفسك من هذه الخبائث؛ لأن الله يقول:الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26].

    حكم الأناشيد الإسلامية

    السـؤال: ما رأيكم في الأناشيد الإسلامية التي تردد، وقد سمعتها رقيقة في الأداء، والصوت يشبه صوت المغني، وبعض الإخوة الملتزمين يستمعون لها أكثر من استماعهم للأشرطة الباقية، وبعضهم ينام عليها؟

    الجـواب: يجب أن يكون عندنا اعتدال في قضية الأناشيد الإسلامية، وقد سمعت فتوى جيدة للشيخ عبد العزيز بن باز وهو أنه قال: إنها جائزة ولا بأس بها، الأناشيد الإسلامية وهي الأبيات الشعرية التي يرددها الإنسان بنغمة دون أن يرافقها طبل ولا عود ولا آلة لهو، وإنما بلسانه يرددها، مثلا:

    ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيب

    هذا بيت شعر ليس فيه شيء، لكن يأتينا واحد قال: لا هذه مثل الأغاني أجل ماذا تريدني أقول؟!

    ألا ليت الشباب يعود

    ماذا تريدني أن أفعل، هذه ليست أناشيد هذه (خبال) لا يجوز يا أخي النشيد، أردد الكلام بشيء مفيد، أما أن أردده بطريقة مشينة كي أبرهن أنها ليست أغاني، لا. فنقول: إذا كان النشيد أبياته وشعره طيباً، يرفع النفس، ويبارك الروح، ويبعث على الحماس، والقوة، والرجولة، وردده شباب بدون آلات لهو وكان يستعمل من قبل الشباب المؤمن على فترات بحيث لا يكون وقته كله أناشيد؛ لأن معظم الشباب ما معه في سيارته ولا عند رأسه إلا أناشيد إسلامية، عندك محاضرة؟! قال: لا. هذه لا أريدها، عندك قرآن؟! قال: لا. ماذا معك؟! قال: أناشيد!! أنعم بلحيتك! ضيعت حياتك! لا -يا أخي- يجب أن يكون عندك أناشيد ومحاضرات وقرآن، وبعد ذلك إذا سمعت القرآن ولان قلبك، وسمعت المحاضرة وعرفت طريق دينك، واحتجت إلى شيء من الترويح تسمع الأناشيد المحللة، لماذا؟! لحديث: (ساعة وساعة) والحديث في صحيح مسلم عن حنظلة بن أبي عامر الأسيدي، حنظلة بن الربيع رضي الله عنهما غسيل الملائكة، قال حنظلة بن أبي عامر الأسيدي كاتب وحي النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن لقي أبا بكر قال: (نافق حنظلة نافق حنظلة قال: وما ذاك؟! قال: يا أبا بكر إنا نكون مع النبي صلى الله عليه وسلم فيذكرنا بالجنة والنار حتى لكأننا نراها رأي العين، ثم إذا خرجنا من عنده عافسنا النساء والأولاد ونسينا، قال: والله إني لأجد مثل ذلك -يقول له أبو بكر: وأنا مثلك- فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حنظلة قال: نافق حنظلة ، قال: وما ذاك؟! فأخبره، قال: يا حنظلة ! ساعة وساعة، والله لو تبقون في الشوارع كما تبقون عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة) يعني: أن الإنسان بشر، لو أنه يقعد في كل حالاته مثل ما هو عند الرسول لكان من الملائكة، والملائكة صنف آخر ونحن بشر إذا أردنا التسلية ولكن بشرط أن تكون بالحلال، فلا يأتي شخص يغني ويقول ساعة وساعة، يشغل له أم كلثوم أو أي أغنية ويقول: ساعة وساعة، لا. تلك ساعة لله والساعة الثانية أيضاً لله لكن أقل، أما ساعة لله وساعة للشيطان، فلا. مثلما يقول بعض الناس: ساعة لربك وساعة لقلبك، لا.: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] الساعات كلها لله، والأوقات كلها لله، الليل نقضيه كله لله والنهار كله لله، حتى نَومنا لله، وأكلنا وشربنا لله، أيضاً أناشيدنا لما آتي بشريط وأسمع الأناشيد أقصد به وجه الله لماذا؟! لأني أتأمل في كلماته، أتأمل في أنه بديل صالح للأغنية الماجنة، أما أن نضيق على شبابنا ونقول لا، لا تأتوا بالأناشيد، هذا تحريج وتضييق والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الحرج على الأمة وقال في الحديث: (يسروا ولا تعسرا، وبشروا ولا تنفروا) وفي الحديث الآخر: (ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).

    حكم مشاهدة المصارعة

    السـؤال: ما حكم مشاهدة المصارعة؛ لأنني لا أشاهدها -والحمد لله- إلا وقد نام أهلي ولا أجد فكاكاً من مشاهدتها؟

    الجـواب: ما هي المصارعة؟! المصارعة بشر عُزلوا عن الله فلا يعرفونه، وما فهموا من هذه الحياة إلا ما تفهمه الثيران، فهناك مصارعة للثيران في أسبانيا وهناك مصارعة للثيران البشرية في بعض دول العالم، يأتي الواحد ويتربى على النعم ويقوي عضلاته ثم يقعد يعافس رفيقه ذاك، وكل ذلك في وضع مزرٍ متعرٍ ما معه إلا (سلب) يغطي سوأته، بل يضغط على سوأته حتى تبقى سوأته بارزة حتى كأنما هو عارٍ، ثم يأتي ليصارع ذاك وأنت مسلم ما تخاف الله تطالع فيه، أما تعلم بأن نظرك إلى عورته حرام، وأن تشجيعك له حرام، ما هي الجدوى والفائدة التي تخرج بها بعدما رأيته، عفس يده أو خبط به أو دقه أو قفز على رأسه، وبعد ذلك ماذا يصير؟! ما النتيجة؟! هل توجد نتيجة يا إخواني؟! نعم. سخط الله، وغضب الله، وقضاء عمرك في هذه الربع ساعة أو النصف ساعة في معصية الله، هذه نتيجة مؤلمة والله، فنقول: يا أخي! يا مسلم! اتق الله ولا تنظر.

    أما أفلام الكرتون فهذه لا ننصح بأن يشاهدها الأطفال؛ لأن الطفل إذا رأى الكرتون يبني عنه علم ويتصور أنه حق، فإذا كبر ورأى أنها شيء ليس صحيحاً اضطربت المفاهيم في رأسه وتزعزعت المعلومات وبقي يعيش بعقلية الكراتين، وأنت إذا أتيت تسب شخصاً أو تشتمه تقول: أصلك كرتون يعني ما تفهم، وكذلك من عقليته وهو صغير كرتون سيبقى في عقلية الكراتين إلى أن يموت.

    حكم الاستعاذة في كل ركعة

    السـؤال: هل يجوز الاستعاذة في كل ركعة قبل الفاتحة؟

    الجـواب: لا. الاستعاذة فقط في أول ركعة من أول الصلاة، ثم بعدها إذا قمت للركعة الثانية تسمي ولا تستعيذ.

    حكم التلاعب بالصلاة وعدم الخشوع

    السـؤال: ما رأيكم فيمن يعرف كيفية الصلاة والوسائل الموصلة إليها، ولكنه يتساهل ويهمل، ولا يخشع وقد يتكلم في المساجد، ولا يخشع في صلاته بم تنصحه؟

    الجـواب: ننصحه بأن يتقي الله؛ لأن الصلاة كما قلنا في الأسبوع الذي قبل الماضي كلها عشر دقائق، اضبط نفسك وحاصر نفسك وجاهدها ثم وسوس وفكر بعدها إلى الفجر وكلها دقائق، نسأل الله أن يعيننا وإياكم.

    إدراك الركعة لمن لم يقرأ الفاتحة

    السـؤال: إذا أدركنا الإمام في الركوع ولم ندرك الفاتحة فهل تحسب لنا الركعة؟

    الجـواب: موضوع خلاف بين العلماء ولكن جماهير العلماء؛ الأئمة الأربعة وجماهير العلماء يرون أن إدراك الركوع إدراك للركعة، ويرى الإمام البخاري وطائفة من أهل الحديث أن إدراك الركوع لا يتم به إدراك الركعة؛ لأنه لم تقرأ الفاتحة، ولكن الراجح من أقوال أهل العلم أن إدراك الركوع إدراك للركعة؛ لحديث في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت الذي يستدل به البخاري وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) هذا حديث عام في الصلاة التي يحضرها الإنسان من أولها، أما في سنن أبي داود وإن كان في سنده مقال وهو (إدراك الركوع إدراك للركعة) فهو حديث خاص في القضية والخاص كما هو معروف في الأصول مقدم على العام.

    حكم من أحدث في الصلاة

    السـؤال: إذا كان المصلي في مسجد مزدحم جداً وتذكر أنه غير متوضئ أو أحدث فهل ينتظر حتى تنتهي الصلاة أم يقطع الصفوف أم ماذا؟

    الجـواب: إذا تذكر أنه غير متوضئ أو أحدث أثناء الصلاة فعليه أن ينصرف من الصلاة، ويخرج ولا يمكث معهم أبداً، كيف يخرج؟! يمشي من وسط الصفوف، ولا يسمى هذا قطعاً للصلاة؛ لأن سترة الإمام سترة للمأمومين، ولذا لو أن شخصاً مشى بين الصفوف فلا ينكر عليه، ولو أن شخصاً مشى بين يدي الإمام فينكر عليه، لماذا؟ لأن السترة تنعقد للإمام، وابن عباس رضي الله عنه جاء إلى الصف يوم عرفة ونزل عن حمار، وقطع الصفوف بالحمار، وهو راكب عليها، على أتان -أي أنثى الحمار- وما أنكر عليه أحد، ثم أطلق الحمار وقطع الصفوف ثاني مرة وجاء ووجد مكاناً وجلس فيه، فأنت إذا كنت غير متوضئ أو انتقض وضوءك أثناء الصلاة انصرف رأساً بدون سلام، بعض الناس يقول: السلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم لا يوجد سلام، لا سلام إلا في الختام، إذا أكملت صلاتك تسلم، أما ما دمت ما أكملتها لماذا تسلم؟ لأن الصلاة هي أقوال ظاهرة وباطنة مفتتحة بالتكبير مختتمة بماذا؟! بالتسليم، إذا أحدث الإمام فإنه إن كان حدثه طارئاً، أي دخل الصلاة وهو متوضئ، وأحدث في الصلاة فيأخذ شخصاً من بعده ويجعله يكمل الصلاة، أما إذا كان حدثه سابقاً للصلاة، دخل الصلاة وهو محدث، لكنه صلى ناسياً وهو في الصلاة تذكر فيعيدون الصلاة من أولها؛ لأن الصلاة في الأصل بنيت على غير طهارة.

    أدلة تحريم تعاطي الدخان

    السـؤال: أنا شاب في زهرة الشباب، وفي أفضل مراحل عمري، وفي طريق طيب وهو العلم، ولكن ابتليت بشرب الدخان، فما تنصحني به؛ لأنني لا أحتاج إلا إلى نصيحة، لا أحتاج إلى غيرها، بين لي حكم شربه وانصحني وانصح شباب الأمة وثروتها؟

    الجـواب: الدخان حرام وأدلة تحريمه سبعة: الدليل الأول: أنه خبيث والله يقول: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] هل بقي بعد هذا الدليل دليل -يا إخواني- عندما تعرف أنه خبيث والله يقول: يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] ويقول: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:5] أي: أن الخبائث محرمة عليكم.

    الدليل الثاني: أنه مسكر ومفتر: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وفيه مادة مخدرة، لكنها قليلة لا تقضي على المخ، ولكن يقول العلماء: لو أن مدخناً أخذ سجارةً ومصها مصاً متواصلاً إلى أن ينهيها ثم أشعل الثانية ثم أشعل الثالثة ثم الرابعة لا يكمل خمساً أو ستاً إلا وهو إما ميت بفعل النوكوتين أو مصروع بفعل المواد المسكرة، لكن لما يتناول قليلاً ويتركها قليلاً ثم يمصها لا يأتيه سكر لكن: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وضربوا على هذا -مثلاً- لو أن إنساناً أخذ كوب خمر ثم أخذ منه ملعقة وتركها على حليب وشربها لا يسكر، لكن ما حكم الحليب هذا بكوب بملعقة خمر؟! حرام، لكن لو شرب كوب الخمر كله يسكر: (فما أسكر كثيره فقليله حرام).

    الدليل الثالث: أنه مضر بالصحة، إذ أنه يسبب للإنسان أمراضاً كثيرة أهمها سرطان الرئة والتهاب القصبة الهوائية والتهاب الرئتين واسوداد الشفتين، وازرقاق العينين، وتسود الأسنان، وبعد ذلك انهيار القوى، والضعف، والحدة في المزاج، واتساع حدقة العينين، واحمرارهما، فترى المدخن أقل شيء يزعجه؛ لأن النار تشب في منخره وعقله -والعياذ بالله- فهذه مضرة، ومادام أنه مضر وجب الحذر منه ومن كل المضرات؛ لأن الله يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء:29].

    الدليل الرابع: أنه تبذير وإسراف، والله قد نهى عنه وقال: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] والمبذر الذي يضيع ماله، لو أني أخذت مائة ريال ومزقتها الآن ماذا تسموني؟! مجنون مبذر، كيف تمزق مائة ريال؟! لكن لو ذهبت اشتريت بها كرتون دخان وشربته ما أنا مبذر؟!! لا. ولا مجنون واحد؟! بل مائة مجنون، لماذا؟! لأن الذي أحرق أو مزق الريال ارتكب واحدة، لكن ذاك الذي اشترى دخان أذهب الريال، وأحرق صدره، وأغضب ربه، وأزعج ملائكته، وشوش على صحته، من أجل ماذا؟! من أجل دخان طالع نازل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلا يجوز أن تبذر؛ لأن الله لا يحب المسرفين.

    الدليل الخامس: أنه لا يبسمل عنده، لا يذكر عليه اسم الله؛ لأن الله يقول: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121] ما سمعنا مدخناً قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ومادام أنه لا يسمي الله عليه فلا يأكل منه.

    السادس: أنه لا يحمد الله عند خاتمته، إذا أكلت قلت: الحمد لله الذي أطعمني وسقاني من غير حول مني ولا قوة، ولكن لم نسمع ولن نسمع شخصاً ينتهي من السجارة ويقول: الحمد لله الذي أطعمني، ماذا أطعمك؟! النار! تحمد الله على النار! لا إله إلا الله!

    الدليل السابع: أنه يعلم صاحبه خصلة من خصال الحيوان لا تليق بالإنسان، وهي أن الإنسان إذا أكل طعاماً ثم بقي منه فضلة فإنه يرفعه، أما شارب الدخان فإنه إذا شرب الدخان ثم بقي منه شيء فإنه يدوسه بقدمه، ولا يصنع هذا إلا الحيوان، إذا فرغ من العلف داسه وبال عليه، وهذا إذا انتهى من السجارة داسها برجله أمام الناس، لماذا يدوسها؟! كي لا تحرق الأرض؛ لأنه عارف أنها لو ظلت تحترق عملت حريقة في المجتمع أو في سيارة أو مستودع أو أي شيء.

    فنقول لك يا أخي الكريم يا من تعيش في زهرة شبابك، وتعيش في أحسن مراحل عمرك، وفي طريق العلم الشريف، ربما أنك طالب في الشريعة أو أصول الدين أو أي مجال من مجالات العلم، ننصحك نصيحةً ونرجو الله أن تدخل قلبك، ونقول لك: اترك الدخان، واعتصم بالله، وكن صاحب إرادة قوية، وانتصر على نفسك وعلى سيجارتك، وستعاني يوماً أو يومين أو ثلاثة من جراء العادة وطغيانها، لكن إذا تحررت عن العادة فسوف تمر بك أيام وليالٍ ثم تشعر بأنك طليق من العادة، ولا لها أي ضغط عليك، وتحمد الله الذي نجاك من هذه الشغلة.

    والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.