إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [477]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • باب الفتن باب أغلق بمبعث النبي صلوات الله وسلامه عليه وفتح أو كسر بموت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في تزايد إلى قيام الساعة.

    1.   

    تابع ما جاء في الفتن ودلائلها

    شرح حديث (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن البراء بن ناجية عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً، قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى).

    قال أبو داود : من قال: خراش فقد أخطأ ].

    ذكر الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين؛ فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: بل مما مضى)، قيل في هذا الحديث: إن المراد بذلك: قوة الإسلام في هذه المدة، ثم بعد ذلك يحصل التغيير، وقيل: إن المقصود بدوران الرحى: الحروب التي تحصل وتقع، ولا شك أن مدة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله تعالى عنهم كانت خلافة راشدة، وكان الخير عظيماً والإسلام منتشرا،ً وقد حصل بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وتولي علي رضي الله عنه شيء من الاقتتال والاختلاف حيث وجدت الفتن، وحصل اقتتال بين المسلمين، ثم بعد ذلك حصل اجتماع للمسلمين على يدي الحسن بن علي رضي الله عنهما بتنازله لـمعاوية وحصول اجتماع الكلمة على معاوية بعدما كانت الفرقة وكان الخلاف قبل ذلك، وتحقق ما أخبر به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في قوله في الحسن رضي الله عنه، وقد حمله معه على المنبر وهو طفل صغير، وكان ينظر إليه وينظر إلى الناس، ويقول: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وقد تحقق ذلك في عام واحد وأربعين من الهجرة، والذي سمي بعام الجماعة، حيث اجتمعت الكلمة وصار على الناس خليفة واحد، هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)، وقد آتى الله الملك بعد مدة الخلفاء الراشدين معاوية بن أبي سفيان ، وهو خير وأول ملوك المسلمين؛ لأنه صحابي، والخلفاء الذين جاءوا بعده على مختلف العصور والدهور ليسوا من الصحابة، فهو أول الملوك وخير الملوك رضي الله عنه وأرضاه، وقد جاء إطلاق الخلافة على الخلفاء الراشدين وعلى ثمانية من بعدهم، وذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فإن هؤلاء الخلفاء هم الخلفاء الراشدون، وثمانية من خلفاء بني أمية.

    قوله: [ (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين) ]،قيل: إن المراد بذلك مدة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وهي ثلاثون سنة، ويضاف إليها خمس أو قريباً من ذلك في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن المراد بذلك: ما حصل في سنة خمس وثلاثين من الهجرة من قتل عثمان رضي الله عنه، وما حصل بعد ذلك من الفتن، لكن كما هو معلوم أن استخدام التاريخ الهجري إنما حصل في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكن إذا اعتبرت مدة الخلفاء الراشدين الأربعة التي هي ثلاثون سنة، وضم إليها خمس سنوات من بعدها فيكون معنى ذلك أن هذه المدة هي الخلافة الراشدة، وقد حصل فيها الخير الكثير، وإن وجد شيء من الاختلاف.

    وعلى هذا يكون المقصود برحى الإسلام: قوته واستقامته وسلامته، وكونه على منهاج النبوة، وكون الخلافة خلافة نبوة، ويكون بدوران الرحى حصول الخير والنفع، كما أن الرحى إذا دارت على الحب وصار طحيناً ودقيقاً بسبب دوران الرحى حصل بذلك النفع.

    فيكون معنى هذا: أن الدوران يشبه دوران الرحى بطحن الحب، فيكون في ذلك فوائد للناس، وهذا يطابق ويوافق ما حصل في زمن الخلفاء الراشدين الذين خلافتهم خلافة نبوة، وقد قال عليه الصلاة والسلام (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) فعلى هذا يكون المعنى: حصول استقامة وقوة خلافة راشدة، وخلافة نبوة في خمس وثلاثين سنة؛ منها ثلاثون مدة الخلفاء، ومنها خمس هي المدة الباقية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله ذاك.

    ودوران الرحى بهذا المعنى على اعتبار النفع، وأن خلافة الخلفاء الراشدين حصل فيها خير وهي خلافة راشدة، ويستقيم على معنى دوران الرحى بالحب وطحن الحب، كونه يصير دقيقاً يستفاد منه، ومعلوم أن الحب لا يستفاد منه إلا بالطحن، والرحى هي التي تطحن الحب وتجعله دقيقاً فيكون معنى ذلك أنه حصل للناس في هذه المدة فوائد عظيمة وخير كثير.

    ولهذا من الأبيات التي يلغز بها بعض الشعراء بحجري الرحى، فيقول:

    أخوان من أم وأب لا يفتران من التعب

    ما منهما إلا ضن

    يشكو معاناة التعب

    فلنا بصلحهما ردى

    ولنا بحربهما نشب

    إذا اصطلحا وانطبق واحد على الثاني بلا حركة، فلن يكون هناك حب يطحن، فاصطلاحهما لا نستفيد منه، ولكن إذا صار بينهما حرب، وهذا يدور على هذا، فيحصل الطحين ويستفيد الناس.

    وهذا يؤتى به في كتب الأدب في الإلغاز.

    ومعلوم أن الاقتتال إنما حصل بعد قتل عثمان ، وقبل اجتماع الكلمة على معاوية، ولكن على هذا المعنى الذي ذكرته، والذي ذكره بعض العلماء: أن المراد به القوة والانتشار والاستقامة، فيدخل في ذلك مدة الخلفاء الراشدين مع خمس سنين من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأما على القول بأن دوران الرحى المقصود به الحرب، فالحرب إنما حصلت بعد مقتل عثمان ، فقد حصلت الفتن وحصل الاقتتال بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وهم مجتهدون، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور له، والواجب هو إحسان الظن بالجميع، وعدم النيل من أحد منهم، بل الواجب هو الترضي عنهم ومحبتهم وموالاتهم جميعاً، وسلامة القلوب والألسنة من كل ما لا يليق بهم، هذا هو الواجب في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (فإن يهلكوا فسبيل من هلك) ]، يعني: من الأمم السابقة، والهلاك لا يلزم أن يكون بتلف وذهاب أجسادهم، بل يكون بانحرافهم وحصول فتن وأمور مضلة.

    قوله: [ (وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين سنة) ]، ولا شك أنه لم يحصل الهلاك، ولكن حصل قيام الدين، وقيام الملك لبني أمية بعد عهد الراشدين، وقد حصل في زمن بني أمية خير ونفع عظيم، وفتحت الفتوحات وبلغت الديار الإسلامية المفتوحة إلى المحيط الأطلسي غرباً، وإلى بلاد السند والهند والصين شرقاً، وقد سبق أن مر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وقد بلغ ملك هذه الأمة في زمن بني أمية مبلغاً وصل إلى حد المحيط الأطلسي غرباً وإلى الصين شرقاً، فصار في ذلك القوة للإسلام وأهله.

    ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة)، والخلفاء الثمانية هم خلفاء بني أمية، وقبلهم الخلفاء الراشدون الهادون المهديون، فهذا فيه بيان أن الإسلام قوي حيث انتشر في هذه المدة، وفتحت الفتوحات، وكثرت الخيرات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية.

    قوله: [ (وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً) ]، قيل المقصود به: ملكهم، وقد قام ملك بني أمية هذه المدة من حين بويع معاوية رضي الله عنه بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، فمدة سبعين بعد ذلك فيها قوة، وبعد ذلك حصل الضعف في بني أمية، وحصلت الحروب والاقتتال الذي أدى إلى ظهور بني العباس وتغلبهم على بني أمية وانتزاعهم الملك منهم، فتكون مدة السبعين هي من خلافة معاوية إلى تمام السبعين، وخلافة بني أمية تبلغ تسعاً وثمانين سنة، لكن في آخرها حصل اضطراب وقلاقل وفتن، ولكن مدة السبعين سنة هي مدة الخلفاء الأقوياء والتي حصل فيها خير كثير، وفتحت الفتوحات، وكثرت الخيرات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وقوي الإسلام وصار عزيزاً، وأمر الناس ماضياً، فتحقق ما أخبر به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من قوله: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة)، فيكون المقصود بذلك الخلفاء الثمانية الذين هم من بني أمية، وهم من كانوا في مدة سبعين سنة ابتداء من خلافة معاوية ، وفي آخرها التي هي فوق السبعين مقدار تسعة عشر سنة بقية مدة الخلافة الأموية حتى ظهر عليهم العباسيون وتغلبوا عليهم. وانتزعوا الملك منهم، تلك كان فيها ضعف، وعدم قوة، وعدم استقامة؛ بسبب الحروب والفتن التي حصلت في آخر عهد بني أمية.

    قوله: [ (قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى) ].

    يعني: كأن السبعين بعدما مضى.

    تراجم رجال إسناد حديث (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سليمان الأنباري ]

    محمد بن سليمان الأنباري صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا عبد الرحمن ].

    هو عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    سفيان هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    هو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ربعي بن حراش ].

    ربعي بن حراش ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن البراء بن ناجية ].

    البراء بن ناجية ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ عن عبد الله بن مسعود ].

    عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : من قال: خراش فقد أخطأ ].

    خراش بالخاء بدل الحاء، في والد ربعي ، فإنما هو بالحاء المهملة، وليس بالخاء المعجمة، ويقال: الحاء المهملة والخاء المعجمة؛ لأن رسم الحاء والخاء واحد، والنطق بها واحد، إلا أن هذه فيها إعجام نقطة وتلك خالية مهملة.

    ولا يقال: الجيم المعجمة؛ لأن الجيم رسمها ولفظها يختلف عن الحاء والخاء؛ لأن الحاء والخاء بينهن تشابه، وأما الجيم فهي تختلف في النطق عن الحاء والخاء، فلا يقال: الجيم المعجمة؛ لأن لفظ الجيم أخرجها عن الحاء والخاء، لكن الحاء والخاء رسمها واحد والنطق بها واحد، إلا أن الفرق في النقطة، فلذلك احتاجوا إلى أن يقولوا: معجمة ومهملة، فهنا حراش بالحاء المهملة هو الصواب، ومن قال: خراش بالخاء المعجمة فقد أخطأ.

    المقصود بالهلاك في قوله ( فإن يهلكوا فسبيل من هلك )

    قوله: [ (فإن يهلكوا ...) ].

    الهلاك هنا معلوم أنه ليس هلاك وذهاب الأجسام؛ لأن هذه الأمة لا تهلك، بل لابد وأن تبقى وهي باقية، ولكن الذي حصل هو هلاك في التصور والعمل، وليس أن الله يهلكهم بسنة عامة ويقضي عليهم، فهذا لا يكون في هذه الأمة، ولكن يحصل لهم أن يهلكوا بأن يكونوا على خلاف الهدى والاستقامة، فيكون فيه شيء من الضلال ويكون سبيل من مضى ممن ضل، وليس المقصود به الهلاك الذي هو الفناء، وألا يبقى لهم وجود.

    وقوله: (مما مضى) معناه: أنه تابع لما مضى؛ وهذه السبعون مضافة إلى الخمس والثلاثين، وهذه مدة الخلفاء الراشدين ومدة قوة بني أمية .

    شرح حديث (يتقارب الزمان وينقص العلم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قيل: يا رسول الله! أية هو؟ قال: القتل القتل) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يتقارب الزمان)، وتقارب الزمان فسر بقلة فائدة الأعمار، وبغير ذلك، وفي هذا الزمان حصل تقارب الزمان، واتصال الناس، وصار الناس كأنهم في قرية أو مدينة بحيث لو حصل حادث في أي موضع من الدنيا فإن خبره يصل إلى الدنيا كلها في دقيقة واحدة، وكذلك أيضاً اتصال الناس بعضهم ببعض رغم وجود المسافات الشاسعة، ويكلم بعضهم بعضاً ويتبايعون، وترسل البضائع، وتنقل الأخبار، ويطمئن بعضهم على بعض، وكان فيما مضى لا يصل الخبر إلا بعد مدة طويلة بالانتقال على ظهور الإبل، وليس ببعيد أن يكون هذا من تقارب الزمان، وكذلك أيضاً سهولة الانتقال بالطائرات بتلك السرعة الهائلة التي يقطع فيها الإنسان مسافات بعيدة في ساعات، وكان هذا الذي يقطع الآن بأقل من ساعة يقطع فيما مضى في عشرة أيام أو ربما شهر، فلا شك أن هذا فيه تقارب، والناس صاروا كأنهم في قرية أو في مدينة بما يسر الله عز وجل لهم من هذه الوسائل سواء عن طريق الاتصالات الهاتفية، أو عن طريق الطائرات والسيارات، وما إلى ذلك من الوسائل التي سخرها الله في هذا الزمان، فليس ببعيد أن يكون معنى هذا الحديث ما حصل في هذا الزمان.

    قوله: [ (وينقص العلم) ]، يعني: يحصل نقصان العلم وقلته وضعف أهله وذلك بالانشغال عنه، وبموت أهله الذين هم متمكنون منه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، فالقراء كثيرون والفقهاء قليلون .. وما أكثر من يقرأ وما أقل من يفقه، ومعلوم أن ذهاب أهل العلم الذين هم متمكنون منه والذين هم مرجع فيه يعد خسارة كبيرة على الناس، ويتضح ذلك في هذا الزمان بوفاة شيخ الإسلام الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، والشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله عليه، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه، فإن هذا يبين لنا أن ذهاب مثل هؤلاء نقص كبير وخسارة كبيرة للناس؛ لما أعطاهم الله عز وجل من سعة العلم ونفع الناس، وما خلفوه من تراث وعلم يبين لنا شدة الخسارة وعظم المصيبة بذهاب من هو متمكن في العلم.

    قوله: [ (وتظهر الفتن) ]، وما أكثر الفتن في هذا الزمان وقبل هذا الزمان وفي مختلف الأزمان، ولكن في هذا الزمان الفتن كثيرة، نسأل الله السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    قوله: [ (ويلقى الشح) ]، الشح في النفوس والبخل بالمال، والشح هو شدة البخل.

    والفرق بين البخل والشح: أن الشح هو شدة البخل، والبخل أعم والشح أخص؛ لأن الشح هو أشد ما يكون من البخل، وهذا واقع في هذا الزمان وفي أزمان كثيرة حيث تكون الدنيا عند الناس غالية حتى يقتتلوا عليها، وتحصل الشحناء بسببها بين الأقارب والأصدقاء.

    قوله: [ (ويكثر الهرج) ]، الذي هو القتل في الفتن.

    قوله: [ (قيل يا رسول الله! أية هو؟ قال: القتل القتل).

    قولهم: أية هو؟ يعني: ما هو الهرج الذي أخبر عن كثرته وحصوله ووجوده، (قال: القتل القتل).

    تراجم رجال إسناد حديث (يتقارب الزمان وينقص العلم ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا عنبسة ].

    هو عنبسة بن خالد الأيلي، وهو صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود .

    [ حدثني يونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن ].

    حميد بن عبد الرحمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن أبا هريرة قال ].

    أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    الأسئلة

    مناسبة حديث الخروج على الولاة في كتاب الفتن

    السؤال: ما مناسبة هذا الحديث في كتاب الفتن؟

    الجواب: كأن المناسبة هي فيما يتعلق بالخروج على الولاة؛ لأن هذا من الفتن ومن البلاء الذي يحصل للناس، إذ الواجب السمع والطاعة للولاة، فلا يجوز الخروج عليهم ولو كانوا جائرين؛ لأن الجور أخف من الفوضى ومن اختلال الأمر، ومن قواعد الشريعة: ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما، والجور ضرر أخف من الفوضى وبقاء الناس في أحوال مضطربة لا يأمنون فيها على أنفسهم، ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، بل هم دائماً في خوف وقلق من أن يعتدي عليهم أحد؛ لأنه لا يوجد صاد ولا راد وليس هناك رادع، ومعلوم أن السلطان نفعه عظيم وفائدته كبيرة، وقد بين أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه عظم منزلة السلطان وما يترتب على وجوده من الخير الكثير، ومن حصول المصالح ودرء المفاسد، وذلك في قوله رضي الله عنه: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)؛ لأن من الناس من يقرأ القرآن ويرى القوارع والزواجر ومع ذلك لا تحرك ساكناً في قلبه، ولا تؤثر عليه، ولكنه يخاف من سلطة السلطان، ومن بطش وقوة السلطان، ولهذا يقول شيخنا محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه: (من لم تقومه الكتب قومته الكتائب)، والكتب هي: القرآن والبيان، والكتائب هي: الجيوش، وهي جمع كتيبة، ولهذا ذكر الله عز وجل في سورة الحديد هاتين القوتين: قوة البيان، وقوة السلطان والسيف والحديد، فقال: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد:25]، فذكر الله هاتين القوتين: القوة البيانية التي هي الأساس والتي لا بد من الأخذ بها والعمل بما جاء فيها، والقوة الحسية التي فيها الردع، وهذا هو معنى قول شيخنا: (من لم تقومه الكتب قومته الكتائب)، فهو من جنس ما قاله عثمان رضي الله عنه: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).

    أخذ إذن الإمام في ضرب عنق الخارج عليه

    السؤال: قوله: (فإذا جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر) هل يشترط في ضرب رقبة الآخر إذن الخليفة الأول؟

    الجواب: نعم، لا بد من هذا؛ لأنه إذا أمكن أن يتخلص منه بما دون ضرب عنقه فإن هذا أمر مطلوب؛ لأنه لا يصار إلى الأمر الأشد والأعظم إلا إذا لم يوجد ما هو دونه.

    عدم جواز الخروج على الإمام

    السؤال: هل يصح الاستدلال بقوله: (فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه) أنه إذا لم يكن صادقاً في البيعة فيجوز له الخروج على الإمام، يعني: هل هذه من شروط البيعة التي تجب فيها طاعة الإمام؟

    الجواب: لا يجوز الخروج مطلقاً، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في النهي عن الخروج، وذلك النهي هو من قبيل سد الذرائع التي تفضي إلى ما هو أخطر مما أقدم على الخروج من أجله، وهو ما قد يُدَّعى من الظلم والجور.

    وقد أورد ابن القيم رحمه الله في كتابه: أعلام الموقعين تسعة وتسعين دليلاً في سد الذرائع، وجعل آخرها جمع عثمان رضي الله عنه الناس على مصحف واحد من أجل دفع الاختلاف في القرآن، وأن يكون الناس على مصحف واحد حتى لا يختلفوا، وجعل الفائدة التي قبلها: تحريم الخروج على الولاة؛ لما يترتب على الخروج عليهم من الضرر الذي هو أكبر من حصول الجور الذي قد يكون سبباً في الخروج، فجاءت النصوص الكثيرة في تحريم الخروج، وأن ذلك لا يجوز في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة قد بينها رسول الله عليه الصلاة والسلام وهي قوله: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)، وقال: (لا. ما صلوا) فدل هذا على أن المسلم لا يجوز الخروج عليه، والكافر سواء كان أصلياً أو مرتداً يجوز الخروج عليه، ولكن هذا الخروج مشروط في أن يكون وراءه فائدة وهي التخلص منه، أما إذا كان الخروج مع ضعف وعدم قدرة، وتكون النتيجة أن يقضي الكافر الأصلي أو المرتد على من خرج ويبقى الكافر في مكانه، فهذا ليس فيه مصلحة وليس فيه فائدة، وأما المسلم فلا يجوز الخروج عليه بحال، كما جاء ذلك مبيناً إلا في حالة الكفر البواح الذي عند الناس فيه من الله برهان.

    حكم الخارج على الإمام إن غَلب

    السؤال: ما الحكم إذا استطاع الخارج أن يغلب الإمام الأول ويأخذ الحكم منه؟

    الجواب: إذا حصلت الغلبة والقهر وكونه تسلط وغلب واستقر الأمر واستتب الأمن فإنه لا يجوز الخروج عليه، وهذه إحدى الطرق التي ذكرها العلماء في نصب الخليفة وتولية الإمام؛ لأن الخليفة يتم توليه باتفاق أهل الحل والعقد على ذلك، كما حصلت بيعة أبي بكر وبيعة علي رضي الله تعالى عنهما، أو بعهد الخليفة إلى خليفة من بعده كما حصل من أبي بكر لـعمر فإنه استخلفه، أو يكون بانتزاع الولاية بالقوة ثم استتباب الأمن واستقرار الأمور؛ فإنه عند ذلك لا يصار إلى الاقتتال بعد أن استقرت الأمور، وهذا مما أجمع عليه، ومن أمثلة ذلك: انتقال الولاية والخلافة من الأمويين إلى العباسيين، فإن أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح هو الذي جاء بعد مروان بن محمد الأموي آخر خلفاء بني أمية، وتوليه لم يكن باتفاق وما كان بعهد وإنما كان بتسلط وبقوة، واعتبرت خلافة بني العباس خلافة، وهذا مما اتفق عليه ومما أجمع عليه أنه طريق صحيح للخلافة.

    إدراج أبي داود حديث ابن عمرو في الفتن لتعلقه بالولاية

    السؤال: لعل مناسبة حديث ابن عمرو ما جاء في صحيح مسلم في أول هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وإنها ستكون فتن يرقق بعضها بعضاً، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء فتنة فيقول: هذه هذه، فمن أحب أن تأتيه منيته..) إلى آخره؟

    الجواب: هذا لا شك فيه، لكن هذا المقدار الذي أورده أبو داود يناسب منه الخروج على الولاة فإن ذلك من الفتن؛ لأنه يصير فيه قتل وأضرار، واختلاف القلوب، والأيدي يحصل بسطها ومدها تبعاً للقلوب، ولا شك أن الذي جاء في صحيح مسلم من هذه التفاصيل التي سمعناها واضحة في الفتن.

    الجمع بين وجود الشرك ويأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب

    السؤال: كيف يجمع بين حديث: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب)، وبين هذا الحديث: (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين

    الجواب: لا تنافي بين الحديثين؛ لأن حديث: (أيس أن يعبده) معناه: أن جزيرة العرب كلها تصير على عبادته، وأنه يحصل فيها الارتداد، وهذا لا يكون، وأما كونه يوجد قبائل أو جماعات تخرج وترتد، والإسلام باق، والمسلمون باقون، فإن هذا حاصل وواقع.

    أما كون الجزيرة كلها تحصل فيها الردة وتبقى خالية من الإسلام وأهل الإسلام فهذا لا يكون؛ ولهذا يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، واليأس يحمل على العموم، وليس على منع ذلك مطلقاً؛ وكما هو معلوم في زمن أبي بكر حصلت الردة، ووجد في جزيرة العرب مرتدون، فإذاً يوفق بينها بأن حديث: (أيس الشيطان) معناه: أنه لا تحصل العبادة له مطلقاً؛ ولا تحصل الردة الكلية التي لا يبقى أحد دون أن يرتد، فإن الجزيرة يبقى فيها الإسلام، ولا ينقطع منها حتى إن وجد فيها من خرج وارتد عن الإسلام.

    دخول كل من يدعو إلى ضلال في الأئمة المضلين

    السؤال: هل يدخل في الأئمة المضلين مؤسسو الجماعات الإسلامية المعاصرة؟

    الجواب: كل من يدعو إلى الضلال وإلى مخالفة الكتاب والسنة في أي وقت وفي أي حين يدخل تحت ذلك.

    خطاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم باسمه في القرآن والسنة

    السؤال: ذكر أكثر أهل العلم بأن الله تبارك وتعالى لم يخاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم باسمه؛ لكن في الحديث هنا قال: (وإن ربي قال: يا محمد!) فما التوجيه؟

    الجواب: لعله يقصد القرآن؛ لأن فيه (يا أيها الرسول)، (يا أيها النبي)، وما فيه يا محمد، وهذا جاءت به السنة عن رسول الله، ولعل من قال بهذا إنما يقصد القرآن لا السنة.

    الجمع بين حديثي غربة الإسلام وعدم ظهور أهل الباطل على أهل الحق

    السؤال: كيف الجمع بين قوله: (وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق)، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً

    الجواب: هذا لا يدل على ذهاب الإسلام وأهل الإسلام، وإنما يكون هناك قوة ونفوذ وانتشار، وفي بعض الأحيان يكون هناك شيء من الضعف، لكن لا تخلو الأرض من قائم لله بحجته.

    معنى ظهور أهل الباطل على أهل الحق

    السؤال: هل يمكن حمل ظهور أهل الباطل على أنه لا يكون لأهل الباطل حجة على أهل الحق؟

    الجواب: الأظهر هو الغلبة والتفوق وكونهم يتسلطون عليهم ويكون الأمر بأيديهم، ويقضون على الإسلام والمسلمين، هذا هو الذي لا يكون.

    عدم اجتماع الأمة على الخطأ

    السؤال: قوله: (ولا تجتمع على ضلالة) هل يدخل في الضلالة الخطأ؟

    الجواب: نعم، لا يمكن أن يجتمعوا على خطأ، ولا يمكن أن يتفقوا كلهم على خطأ.

    معنى قوله (لا تجتمع أمتي على ضلالة)

    السؤال: ما المقصود بقوله: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، هل الأمة بجميعها أو هناك فئة خاصة؟

    الجواب: المقصود به الذين هم أهل الاستقامة، وإلا فكيف يلتقي من هو على استقامة مع أصناف الفرق الضالة التي هي داخلة في أمة الإجابة، وأمة الإجابة يدخل تحتها فرق كثيرة، ولكن هناك فرقة واحدة هي الناجية وهي التي اجتماعها وإجماعها هو الحجة، أما المبطلون المنحرفون عن الجادة فلا يعتد بهم في الإجماع ولا عبرة لهم فيه، وإنما المراد بذلك: الذين هم على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين هم على الكتاب والسنة، وعلى منهج النبوة، أما المنحرفون عن الجادة فإنه لا يمكن أن يوجد أي إجماع مع دخول فرق الضلال مطلقاً، إذ صفات الله عز وجل لا يمكن أن يكون عليها إجماع؛ لأن أكثر الفرق إما شبهوا وإما أولوا وحرفوا، ومن الفرق من قال: إن القرآن مخلوق، وعلى هذا لا يكون محل اتفاق، وعليه فلا إجماع؛ لأن بعض الفرق الضالة خالفت، ومن الفرق من قالت: إن الله لا يرى في الدار الآخرة مطلقاً، ومن الفرق من قال: إن العاصي خالد مخلد في النار، ومن الفرق من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عرج به إلى السماء، ومنهم من قال: لا يوجد عذاب في القبر، فليس المعتبر أمة الإجابة الذين يدخل فيهم فرق مختلفة، وهي ثلاثة وسبعون فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي ما كان على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما المعتبر الذين هم على الجادة، وعلى الاستقامة وعلى الكتاب والسنة، ولا يعتبر الذين خرجوا عن الجادة وعما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    حكم منازعة الإمام بالأحزاب والانتخابات

    السؤال: هل يدخل في منازعة الإمام هذه الأحزاب السياسية التي تريد الوصول إلى الحكم بأي سبيل وبشتى الطرق؟

    الجواب: إن الذين يسعون إلى الخروج على الإمام والوصول إلى الحكم عن طريق الأحزاب لا شك أن هذا يعتبر من الخروج على الإمام، لكن هذا الذي وجد في كثير من الأقطار في هذا الزمان من وجود أحزاب، ووجود منافسات، وانتخابات وما إلى ذلك، كل هذا إنما جاء وافداً على المسلمين من الكفار، والإسلام الولاية مبنية فيه على الطرق الثلاث التي أشرت إليها آنفاً، وهي: اتفاق أهل الحل والعقد، وعهد الخليفة إلى خليفة من بعده، وحصول تغلب من شخص يقهر ويغلب الناس، وتستقر الأمور ويستتب الأمن، فعند ذلك يسمع له ويطاع.