إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [451]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • امتن الله على خلقه بنعم شتى، لا تعد ولا تحصى، ومنها نعمة اللبس، وجعل ذلك لحكمة فيها كرامة للإنسان، من ناحية ستر عورته، والتزين بين بني جنسه، واتقاء الحر والقر، ومن كمال نعمة المولى تعالى على عباده أن شرع لهم أحكاماً يتعبدون الله تعالى بها في هذه النعمة، وقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم مباحات وواجبات وسنناً ومستحبات ومنهيات وآداباً تتعلق بهذه النعمة العظيمة. ومما ذكره صلى الله عليه وسلم الدعاء عند لبس ثوب جديد، وما يقول له من يراه، وذكر أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء في لبسه من أنواع الثياب، والنهي عن لبس ما يؤدي إلى الشهرة أو الكبر والتعالي على الخلق.

    1.   

    اللباس

    شرح حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب اللباس.. باب.

    حدثنا عمرو بن عون أخبرنا ابن المبارك عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه إما قميصاً أو عمامة ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له) .

    قال أبو نضرة : فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوباً جديداً قيل له: تبلي ويخلف الله تعالى ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ كتاب اللباس ].

    ذكر أبو داود رحمه الله هذا الكتاب باسم اللباس، وكذلك كثير من المؤلفين مثل البخاري وغيره يذكرونه بهذا الاسم، وأما النسائي رحمه الله فإنه عبر عنه بالزينة، وجعل اللباس جزءاً من الزينة، بحيث أنه يشتمل على اللباس وعلى ما يتعلق بالتجمل وبما يتعلق بالشعر والترجيل وغير ذلك.

    أما الإمام أبو داود رحمه الله فقد عقد لما يلبسه الإنسان كتاباً خاصاً به هو اللباس، بين فيه ما يحل وما يحرم من ذلك، ما يسوغ وما لا يسوغ، وأتى بعد ذلك بكتاب الترجل الذي هو الزينة التي هي غير اللباس، وأما النسائي رحمه الله فقد جمع الاثنين في كتاب واحد فقال: كتاب الزينة، فجمع بين ما يتعلق باللباس وما يتعلق بالتجمل الذي يتعلق بالشعر ما يؤخذ وما يترك وما إلى ذلك، فجعل الكتاب عاماً شاملاً للباس وغيره، ومن المعلوم أن اللباس من الزينة.

    أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استجد ثوباً..) يعني: لبس ثوباً جديداً سماه باسمه -ثوب أو قميص أو عمامة أو إزار أو سراويل- وقال: (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه؛ أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له) يحتمل أنه كان يسميه، ويقول: هذا ثوب أو هذا قميص الحمد لله الذي ..، أو أنه يسميه في داخل الدعاء يعني بأن يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا الثوب -كسوتني هذا القميص، ويسميه في داخل الدعاء.

    وإذا ذكره في داخل الدعاء فيكون من جنس ما ورد في الاستخارة أن الإنسان يذكر حاجته في داخل الدعاء: (اللهم إن كنت تعلم أن هذه الحاجة المعينة التي هي كذا وكذا خير لي في ديني ودنياي) فيكون هذا من جنس ذاك أو هذا نظير ذاك.

    وعندما يلبس الإنسان الثوب الجديد فإنه يدعو بهذا الدعاء، أولاً: يحمد الله عز وجل على ما أنعم به عليه، وأن هذا من فضل الله عز وجل عليه، وهو الذي يكسو ويرزق عباده، وهو الذي يتفضل على عباده بكل خير وبكل نعمة كما قال الله عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18]، قال وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، وجاء في حديث أبي ذر الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه وهو حديث قدسي: (يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته) وهو حديث طويل، وفيه ذكر الكسوة، وأن الله تعالى هو الذي بيده كل خير وبيده كل نعمة وهو المتفضل بالنعم والذي يجود على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، ومنها ما يتعلق باللباس.

    (أسألك من خيره وخير ما صنع له) يعني كونه يستفيد منه في ستر العورات، وفي حصول الزينة، ويستعمل في طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    (وأعوذ بك من شره) وهو أن يصير عند المرء كبر وترفع وتعاظم إذا لبس ثوباً جديداً أو نفيساً فإن هذا من شره الذي يحصل بسببه، وكذلك أن يستعمل هذه النعمة في المعصية بأن يكون كسا نفسه من أجل الوصول إلى مضرة الآخرين، مثل أن يظهر نفسه بالمظهر الجميل، حتى أن من يراه لا يظن فيه سوءاً من ناحية السرقة، ثم بعد ذلك يسعى إلى السرقة وإلى أخذ أموال الناس بالباطل، فكل هذا من الأمثلة التي هي داخلة في الشر الذي يكون في الثياب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من شرها وشر ما صنعت له.

    [ قال أبو نضرة : فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوباً جديداً قيل له: تبلي ويخلف الله تعالى ].

    أورد هذا الأثر عن الصحابة وهو بالإسناد المتقدم، أعني أنه بنفس الإسناد.

    [ فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوباً جديداً قيل له: تبلي ويخلف الله ].

    يعني: أنك لبست هذا الثوب، والله تعالى يبقيك حتى يبلى، وإذا بلي يخلف الله عوضاً عنه، ويعوض عنه مثله وما هو أحسن منه.

    فقوله: [ تبلى ويخلف الله ].

    هذا دعاء له بطول العمر وبالبقاء حتى يبلى الثوب من طول لبس صاحبه له، وبعد بلائه وذهابه يخلف الله عز وجل عنه خيراً منه، ويعوض عنه ما هو خير منه، فيكون في ذلك دعاء له بالبقاء وبحصول الخير وبحصول العوض الذي يكون بعد بلاء الثوب وطول مكث صاحبه.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة بعدما كساها -أعطاها ثوباً-: (أبلي وأخلقي) أو (أبلي وأخلفي) فيكون المعنى على رواية (أخلفي) أنه إذا بلي الثوب يحصل الخلف والعوض عن الشيء الذي قد حصل، فهذا الذي جاء عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم مطابق لما جاء في الحديث الذي سيأتي.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه...)

    ٍقوله: [ حدثنا عمرو بن عون ].

    ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا عبد الله بن المبارك ].

    عبد الله بن المبارك المروزي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الجريري ].

    هو سعيد بن إياس الجريري ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي نضرة ].

    هو المنذر بن مالك بن قطعة ، ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي سعيد الخدري].

    هو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهور بكنيته ونسبته -بكنيته أبي سعيد ، ونسبته الخدري - وهو صاحبي مكثر من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد طريق ثانية لحديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس عن الجريري بإسناده نحوه ].

    أورد الحديث من طريق أخرى، وأحال على السابقة.. وقال: نحوه.

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ، ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا عيسى بن يونس ].

    عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    تراجم رجال إسناد طريق ثالثة لحديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا محمد بن دينار عن الجريري بإسناده ومعناه ].

    أورد الحديث من طريق أخرى وأحال على ما تقدم.

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن دينار ].

    محمد بن دينار صدوق سيئ الحفظ ورمي بالقدر وتغير قبل موته، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن الجريري بإسناده ومعناه].

    تراجم رجال إسناد طريق رابعة لحديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه...)

    [ قال أبو داود : عبد الوهاب الثقفي لم يذكر فيه أبا سعيد وحماد بن سلمة ، قال: عن الجريري عن أبي العلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال أبو داود : حماد بن سلمة والثقفي سماعهما واحد ].

    أورد أبو داود أن حماد بن سلمة وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي رويا الحديث ولكنهما ما ذكرا أبا سعيد .

    ومعناه أن أبا نضرة أضافه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون مرسلاً.

    و حماد بن سلمة قال: عن الجريري عن أبي العلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم..

    وهذا كذلك مرسل ولكنه من غير طريق أبي نضرة ، وإنما من طريق أبي العلاء وهو يزيد بن عبد الله بن الشخير أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير .

    قوله: [ قال أبو داود : عبد الوهاب الثقفي لم يذكر فيها أبا سعيد ].

    عبد الوهاب الثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وحماد بن سلمة قال عن الجريري عن أبي العلاء ].

    حماد بن سلمة دينار البصري ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    و الجريري تقدم.

    و أبو العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشخير ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : حماد بن سلمة والثقفي سماعهما واحد ].

    يعني من ناحية روايتهما عن الجريري.

    شرح حديث (..ومن لبس ثوباً فقال الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال حدثنا نصير بن الفرج حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد -يعني ابن أبي أيوب - عن أبي مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل طعاماً ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: ومن لبس ثوباً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ].

    أورد أبو داود حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل طعاماً وقال: الحمد لله الذي أطمعني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول لي ولا قوة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن لبس ثوباً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) وفي هذا أن الإنسان عندما يلبس اللباس يحمد الله عز وجل على هذه النعمة، وهو الذي كسا ورزق، وهو الذي أطعم ورزق، وكل ذلك من رزق الله، سواء كان ذلك طعاماً أو لباساً، وكل شيء يحصل الإنسان منه على فائدة سواء كان مالاً أو ولداً أو زوجة أو طعاماً أو لباساً؛ كل ذلك من رزق الله؛ فإذا حمد الله عز وجل على تلك النعمة التي يتفضل الله بها عليه، أثابه بأن يغفر له ما تقدم من ذنبه.

    وفي هذه الرواية زيادة: (وما تأخر)، لكن هذه الزيادة غير صحيحة؛ لأن الأحاديث التي وردت ثبتت فيها مغفرة ما تقدم دون ما تأخر، ولكن هذا لا شك أنه فضل عظيم من الله عز وجل، وهو كون الإنسان تكفر له الذنوب بسبب حمد الله عز وجل وشكره على نعمه.

    ومن المعلوم أن هذه الذنوب التي تكفر إنما هي الصغائر، وتكفر بكون الإنسان يحمد الله ويثني عليه سبحانه وتعالى، أو كونه يأتي بعبادة مثل الصيام كيوم عاشوراء ويوم عرفة، فإن الله تعالى يكفر له ما تقدم بالنسبة للاثنين، وما تأخر بالنسبة إلى يوم عرفة، بالإضافة إلى ما تقدم.

    وهذا إنما هو في الصغائر دون الكبائر التي لا تكفر إلا بالتوبة.

    أما كونه يلبس اللباس ويحمد الله، وهو مصر على الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، فلا يقال: إن هذا الكلام كفَّر كل ما مضى من جرائم وقعت منه مع أنه مقيم عليها، ويتحين الفرص ليقع فيها مرة أخرى والعياذ بالله؛ فإن هذا لا يكفر بمثل هذا الدعاء ولا يكفِّره الصيام يوم عرفة أو عاشوراء، ولكن تكفره التوبة.

    وأما الصغائر فإنها تكفر بالأعمال الصالحة، وتكفر بمثل هذا الذي جاء في الحديث من حمد الله عز وجل والثناء عليه سبحانه وتعالى على نعمه من لباس وطعام.

    تراجم رجال إسناد حديث (.. ومن لبس ثوباً فقال الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة...)

    قوله: [ حدثنا نصير بن الفرج].

    نصير بن الفرج؛ ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الله بن يزيد ].

    عبد الله بن يزيد المقري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سعيد -يعني ابن أبي أيوب - ].

    سعيد بن أبي أيوب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي مرحوم].

    أبو مرحوم صدوق، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن سهل بن معاذ بن أنس ].

    سهل بن معاذ بن أنس لا بأس به، وهي بمعنى صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    وهو صحابي أخرج له البخاري

    في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    تكرار الدعاء عند الطعام أو لبس الثوب

    أما هل يكون الدعاء كلما لبس الثوب، وأكل الطعام أو هذا لأول مرة؟ فالذي يظهر فيما يتعلق بالطعام أنه كلما أكل طعاماً ذكر الدعاء، وأما فيما يتعلق باللباس فإذا قاله في كل مناسبة يلبس فيها ثوبه فحسن، وإن أتى به عندما يلبس الثوب لأول مرة؛ فالذي يبدو أن ذلك كافٍ، وإن أتى به في كل مناسبة أو في كل حالة فذلك خير وثناء على الله عز وجل لقوله: (من لبس ثوباً فقال: ...) إلخ.

    1.   

    الأسئلة

    ذكر أبي داود لفظ (باب) دون ترجمة

    السؤال: هذا ثالث كتاب يبدؤه الإمام أبو داود بلفظ: (باب) دون ترجمة؟!

    الجواب: معناه أنه يذكر أحاديث بدون ترجمة معينة بل يذكر (باب) فقط، ومعناه أن تلك الأحاديث التي أوردها لم يضع لها ترجمة معينة، ولكنها داخلة ضمن كتاب اللباس، وهي هنا فيما يتعلق بآداب اللباس.

    حكم البدء بلبس الثوب الجديد يوم الجمعة

    السؤال: هل يستحب لبس اللباس الجديد يوم الجمعة، وهل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استجد ثوباً لبسه يوم الجمعة؟!

    الجواب: لا أدري عن ثبوت الحديث المذكور؛ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتجمل يوم الجمعة، وكان كما جاء في الحديث الذي فيه أن عمر رضي الله عنه اقترح عليه أن يشتري الجبة، وقال: تلبسها للوفود وللجمعة.

    ومعلوم أنه كان يتزين للجمعة، ويلبس أحسن الثياب، وكذلك يشرع للناس أن يلبسوا أحسن الثياب عند ذهابهم للجمعة، لكن كونه لا يفعله إلا يوم الجمعة لا أدري عن ثبوت مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كونه من ناحية أنه يستعمل الجديد أو التجمل للجمعة صحيح فقد كان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك.

    ومعلوم أن اللباس يكون للجمعة ولغير الجمعة كالتجمل للوفود إذا قدموا، لأنه قد يكون قدومهم في غير الجمعة، والجمعة لا شك أنها من المناسبات التي يتجمل لها، ويتجمل لغيرها.

    حكم تخصيص ثوب ليوم الجمعة

    السؤال: هل يجوز تخصيص ثوب أو شماغ معين ليوم الجمعة فقط؟

    الجواب: ليس فيه محذور، لكن أن يلبس الإنسان شيئاً من الألبسة وإذا جاء يوم الجمعة يغير ويلبس ألبسة نظيفة أمر طيب، أما كونه يخصصه للجمعة فلا أعلم به بأساً، فإن يسير الإنسان على حالة حسنة في جميع الأوقات ويبدل ثيابه يوم الجمعة بحيث تكون جميلة سواء كانت جديدة، أو غير جديدة هذا هو الذي ينبغي.

    وصف عمامة المصطفى صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ذكر في بعض الأحاديث العمامة، فكيف كانت عمامة النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: عمامة النبي صلى الله عليه وسلم كانت محنكة، وكانت مدورة على رأسه، وكان يمسح عليها -أي: على ذلك النوع من العمائم- فهي كانت على رأسه ومحيطة بجوانبه، وتكون لحيته بادية؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يصلون وراءه وجوانب وجهه بادية لا يسترها شيء من وراءه، وكانوا يستدلون على قراءته في الصلاة السرية باضطراب لحيته؛ لأن عوارضه من اليمين والشمال وهم يرونها تضطرب بسبب القراءة -تتحرك بسبب القراءة- ومعنى هذا أن العمامة فوق الرأس، وأنها ما نزلت من ورائه بحيث لا يرى عارضاه مثل ما هو موجود في العمائم التي علينا، حيث لا يرى الإنسان جوانب الوجه ولا يرى اللحية أو العوارض من اليمين ومن الشمال، لأنها تستر، أما الرسول فكان يضعها على رأسه، ولا تستر جانبي وجهه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه كما أسلفت؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يستدلون على قراءته في الصلاة السرية باضطراب لحيته، يعني كونها تتحرك بسبب القراءة.

    تضمن الدعاء بطول العمر أن يكون على طاعة الله

    السؤال: ألا ينبغي أن يقيد الدعاء (تبلي ويخلف الله تعالى) أي بطول عمره لكن على الطاعة؟

    الجواب: ما ورد شيء يدل على هذا؛ لكن لا شك أن المقصود عندهم طول العمر في الطاعة، ولم يكن في أذهانهم رضي الله عنهم إلا الطاعة والاستقامة على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما يدعى لمن لبس ثوباً جديداً

    شرح حديث (.. أبلي وأخلفي..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فيما يدعى لمن لبس ثوباً جديداً.

    حدثنا إسحاق بن الجراح الأذني حدثنا أبو النضر حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بكسوة فيها خميصة صغيرة فقال: من ترون أحق بهذه؟ فسكت القوم فقال: ائتوني بـأم خالد، فأتي بها فألبسها إياها، ثم قال: أبلي وأخلفي مرتين، وجعل ينظر إلى علم في الخميصة أحمر أو أصفر ويقول: سناه سناه يا أم خالد !) وسناه في كلام الحبشة: الحسن ].

    أورد أبو داود باباً [ فيما يدعى لمن لبس ثوباً جديداً] يعني: كيف يدعى له؟

    أورد رحمه الله حديث أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنها، وكانت صغيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أتي بكسوة فيها خميصة صغيرة، فقال: (من ترون أحق بهذه؟) يعني: من ترون أن نعطيه هذه الكسوة الصغيرة أو هذه الخميصة الصغيرة؛ لأنها لا تصلح إلا لصغير؟ فسكت القوم وما قالوا شيئاً ولا قالوا: أعط فلانة أو فلانة؛ لأنها لباس بنت صغيرة، فدعا أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص وكساها إياها وقال: (أبلي وأخلفي) أو (أبلي وأخلقي) روايتان.

    (أخلقي) بمعنى أنه يكون خَلِقاً أي: بالياً، وجمعه: الأخلاق، وخلق الثوب معناه ذهبت جدته وتغير وضعه وتغيرت حاله من حال الجدة والحسن إلى حال أخرى دون تلك.

    وجاء الحديث بلفظ: (أخلفي) وهي أولى لأنه يكون معناه شيئاً جديداً ويكون تأسيساً، وأما (أخلقي) فيكون تأكيداً لأبلي؛ لأن أخلقي معناها (أبلي)، فيكون (أخلقي) معطوف على (أبلي) ويكون من قبيل التأكيد إذ هما لفظان مترادفان، عطف أحدهما على الآخر من أجل تغايرهما في اللفظ واتفاقهما في المعنى، لكن (أخلفي) لها معنى آخر غير (أبلي)، وهو أنه يكون هناك خلف وعوض عن الذي يبلى، وأنه إذا بلي مع بقائها فالله تعالى يعوضها ويخلف عليها خيراً من ذلك.

    ثم أيضاً هذا مطابق لما تقدم من كون الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يقولون: (تبلي ويخلف الله)، ومعناه أن يطول عمرك وبقاؤك حتى يبلى الثوب الذي عليك ويعوضك الله خيراً، وهنا (أبلي وأخلفي) معناه أن يطول عمرها، وأن الله تعالى يعوضها خيراً عندما يبلى هذا الثوب الذي كساها إياه النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ (وجعل ينظر إلى علم في الخميصة أحمر أو أصفر) ].

    أي: خطوطاً يخالف لونها لون الخميصة.

    [ (سناه) ] يعني: أن هذا شيء جميل أو هذا شيء حسن، مداعبةً للصغير، وتأنيساً له، وقال لها: (سناه، سناه) قالوا: لأنها ولدت في أرض الحبشة، وهو بمعنى (حسن) بلغة الحبشة.

    تراجم رجال إسناد حديث (أبلي وأخلفي..)

    قوله: [ حدثنا إسحاق بن الجراح الأذني ].

    إسحاق بن الجراح الأذني صدوق أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا أبو النضر ].

    أبو النضر هاشم بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إسحاق بن سعيد ].

    إسحاق بن سعيد ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

    [ عن أبيه].

    هو سعيد بن عمرو بن العاص ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن أم خالد بنت خالد ].

    أم خالد بنت خالد رضي الله عنها، وهي صحابيه أخرج لها البخاري وأبو داود والنسائي .

    1.   

    الأسئلة

    حكم الكنية للصغير

    السؤال: هل يؤخذ من حديث أم خالد فائدة وهو جواز التكنية للصغير؟

    الجواب: نعم يؤخذ منه جواز التكنية للصغير، ومثله الحديث الذي فيه (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟!) مع أنه طفل صغير، وكان يكنى بـأبي عمير ، فالصغير يكنى.

    حكم التكلم بغير العربية

    السؤال: ما حكم الكلام بغير اللغة العربية؟

    الجواب: الكلمات التي تذكر على سبيل المداعبة لا بأس بها إذا كانت مفهومة عند الناس، وفيها مصلحة وفائدة.

    أما كونه يأتي بشيء لا يعرفونه ولا يفهمونه فهذا لا ينبغي ولا يستقيم.

    وبعض الناس يتكلم بغير العربية زهداً في اللغة العربية ومحبةً للغات الأخرى، وهذا لا يصلح.

    وكونه يقول الكلمة الطيبة العربية أحسن من كونه يأتي بكلام أعجمي.

    1.   

    ما جاء في القميص

    شرح حديث (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في القميص.

    حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا الفضل بن موسى عن عبد المؤمن بن خالد الحنفي عن عبد الله بن بريدة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص) ].

    أورد أبو داود باب ما جاء في القميص أي: الأحاديث الدالة على استحباب لبسه والترغيب فيه.

    والقميص: هو ما يجعل على سائر الجسد، ويغطى به الجسد كله دون الرأس والرقبة، ويكون له جيب يظهر منه الرأس، وكمان تخرج منهما اليدان، وهو أحسن اللباس وخيره؛ لأنه أكمل في الستر من غيره، بخلاف الإزار فإنه قد ينحَلَّ وتنكشف العورة، وأما القميص فهو محمول على الكتفين، ولا مجال لسقوطه كما هو الحال بالنسبة للإزار، وقد جاء النهي في الحج عن لبس القمص والعمائم والسراويلات، أما في غير الحج فهو أحسن اللباس؛ لما فيه من تمام ستر الجسد، والبعد عن انكشاف العورة.

    أورد أبو داود حديث أم سلمة قالت: [ (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص) ]، والسبب في ذلك ما أشرت إليه من أنه كامل الستر، وأنه لا يكون معه انحلال كما يحصل من الإزار.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص)

    قوله: [ حدثنا إبراهيم بن موسى ].

    إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الفضل بن موسى.

    الفضل بن موسى السناني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد المؤمن بن خالد الحنفي].

    عبد المؤمن بن خالد الحنفي لا بأس به -بمعنى: صدوق- أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن عبد الله بن بريدة ].

    عبد الله بن بريدة بن الحصيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أم سلمة ].

    أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، واسمها: هند بنت أبي أمية ، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    بيان معنى القميص وأنه ساتر للبدن من العنق إلى الساق

    المشهور الآن عند البعض أن القميص ما كان ساتراً لأعلى البدن ويلبس مع البنطال أو الإزار، وهذا اصطلاح جديد في القميص، ومعناه في حديث أم سلمة -بل وفي السنة عموماً- أنه القميص الذي ينزل عن الركبتين ولا يتجاوز الكعبين، سواء الذي يستعملونه للنوم أو يستعملونه في البيت، أو ما يقال له اليوم: ثوب، هذا كله قميص ما دام أنه يغطي من العنق إلى ما بين الكعبين والركبتين.

    شرح حديث (كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص) من طريق أخرى وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زياد بن أيوب حدثنا أبو تميلة حدثني عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن أم سلمة ].

    في تحفة الإشراف في ترجمة عبد الله بن بريدة : [ عن أمه عن أم سلمة ] وساق هذا الحديث [ (لم يكن ثوب أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قميص) ].

    وأمه لم نجد لها ترجمة، وسواء كانت صحابية أو غير صحابية، فما دام أن الحديث هو من الطريق السابقة فليس فيه مشكلة، ولا أدري هل هي أمه أو أبوه؟ مع أنه معروف بروايته عن أبيه.

    غير أن البخاري يرجح أنه عن أمه فقد نقل صاحب العون عن المنذري أنه قال: [ وروى بعضهم هذا الحديث عن أبي تميلة عن عبد المؤمن بن خالد بن عبد الله عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة .. وقال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة أصح، هذا آخر كلامه، وعبد المؤمن هذا قاضي مرو لا بأس به ].

    والحديث الأول من طريق عبد الله بن بريدة عن أم سلمة مباشرة.

    وعلى كلٍ فالحديث صحيح.

    وفي نسخة محمد عوامة تنبيه على أنه في نسخة لـأبي داود جاءت (عن أبيه) وجاءت أخرى (عن أمه) قال: [(عن أبيه) من (ص) فقط، والذي في حاشية (ك) والتحفة والترمذي رقم (1763) ونقله عن البخاري : عن أمه ].

    قوله: [ حدثنا زياد بن أيوب ].

    زياد بن أيوب هو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا أبو تميلة ].

    وكان يقال له: شعبة الصغير يعني: لإتقانه وضبطه، وشعبة معروف بالضبط والإتقان، ويوصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، ومثل ذلك ما ذكر في ترجمة ابن أبي زيد القيرواني أنه كان يقال له: مالك الصغير.

    واسم أبي تميلة يحيى بن واضح ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (كانت يد كم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن بديل بن ميسرة عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أنها قالت: (كانت يد كم قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرصغ) ].

    أورد أبو داود حديث أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها قالت: (كانت يد كم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرصغ) والرصغ: هو الرسغ، وهو المفصل الذي بين الكف والساعد، وهو الذي تقطع منه اليد في السرقة، ويقال فيه: الرسغ والرصغ، بالسين والصاد.

    تراجم رجال إسناد حديث (كانت يد كم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ)

    قوله: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ].

    إسحاق بن إبراهيم الحنظلي مشهور بـابن راهويه ، وهو ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا معاذ بن هشام ].

    صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بديل بن ميسرة].

    بديل بن ميسرة ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن شهر بن حوشب ].

    شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أسماء بنت يزيد].

    أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها، حديثها أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    والحديث فيه: شهر بن حوشب .

    حكم إطالة الكم أكثر من الرسغ

    السؤال: إذا طال الكم حتى جاوز الرسغ، فهل يعتبر من الإسبال؟

    الجواب: إذا كانت اليدان في الثوب فلا شيء في ذلك ولا أعلم شيئاً يمنع ذلك، لكن من الواضح أنه ليس بجيد أن تصير اليدان داخل الثوب؛ لأنه يكون فيه مشقة عند التناول وعند الأخذ والإعطاء، وأما من ناحية كونه فيه إسبال أو ليس فيه إسبال فلا أعلم شيئاً في هذا، لكن الذي يبدو أن كونه إلى الرصغ هو الأجمل والأنسب وفيه سهولة وتمكن من الأخذ والإعطاء دون حاجة لحسر كمه عن يده.

    1.   

    ما جاء في الأقبية

    شرح حديث (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الأقبية.

    حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب المعنى أن الليث -يعني: ابن سعد - حدثهم عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما أنه قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية ولم يعط مخرمة شيئاً، فقال مخرمة: يا بني! انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت معه، قال: ادخل فادعه لي، قال: فدعوته، فخرج إليه وعليه قباء منها، فقال: خبأت هذا لك، قال: فنظر إليه -زاد ابن موهب مخرمة ثم اتفقا- قال: رضي مخرمة ) قال: قال قتيبة : عن ابن أبي مليكة لم يسمه ].

    والأقبية: لباس قيل إنه ضيق، من لباس العجم، وهذا هو القبا، بالمد بدون همز، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إنه لباس ضيق من لباس العجم.

    أورد أبو داود حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن أباه قال له: لنذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل أنه جاءه أقبية ولم يعطِ مخرمة شيئاً، أي: أنه لم يرسل إليه بشيء منها، وإلا فإنه قد ادخر له منها، وخبأ له قباءً، وهيأ له ذلك.

    قوله: (لم يعطِ)، يعني أنه لم يرسل إليه، ولكنه قد أبقى له شيئاً ليعطيه إياه، كما تبين ذلك من كلامه صلى الله عليه وسلم مع مخرمة بعد أن جاء إليه.

    فطلب مخرمة من ابنه المسور أن يذهب معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلما جاءا قال: (اذهب فادعه لي)، يعني: حتى يخرج إليه ويكلمه، فقد يكون عنده أحد، وهو لا يريد أن يتكلم عند الناس في مثل هذا الأمر، (فخرج إليه وعليه قباء منها، فقال: خبأت هذا لك).

    يعني: أبقيته وادخرته لك.

    [ قال: فنظر إليه، زاد ابن موهب مخرمة].

    يعني: هو فاعل (نظر)، أي: أن ابن موهب قال: (فنظر إليه مخرمة)، فذكر الفاعل لـ(نظر) وأنه اسم ظاهر.

    وأما قتيبة الذي هو الشيخ الثاني فإنه لم يذكر الفاعل اسماً ظاهراً.

    [ ثم اتفقا قالا: رضي مخرمة].

    [ رضي مخرمة ].

    كلمة (رضي مخرمة) يحتمل أن يكون الذي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون قالها مخرمة ، والأقرب أن الذي قالها مخرمة، يعني: قد رضيت. وذكر اسمه بالاسم الظاهر بدل الضمير.

    وبعض النسخ فيها استفهام (أرضي مخرمة؟).

    فإذا ثبت الاستفهام فيكون هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.

    والاستفهام يقوي احتمال أن القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرواية التي لم يرد فيها استفهام.

    [ قال قتيبة عن ابن أبي مليكة لم يسمه].

    يعني: أن الذي سماه هو الشيخ الثاني، الذي هو ابن موهب، وأما قتيبة فإنه قال: (عن ابن أبي مليكة) ولم يسمه، وأما ابن موهب فسماه وسمى أباه، فقال: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة.

    تراجم رجال إسناد حديث (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ويزيد بن خالد بن موهب ].

    يزيد بن خالد بن موهب ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ المعنى أن الليث ].

    (المعنى) أي: أن روايتيهما متفقتان في المعنى.

    (أن الليث ) وهو ابن سعد المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثهم عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ].

    عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المسور بن مخرمة ].

    المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود .