إسلام ويب

شرح الأربعين النووية [18]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حث الإسلام على الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة، ومن ذلك توطيد مبدأ وعلاقات الأخوة بين المسلمين، وهي تعني التآلف والترابط والتعاون على البر والتقوى، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه من الخير والصلاح، وأن يكره له ما يكرهه لنفسه، فمن فعل ذلك فقد حسن إيمانه وكمل، ولأجل عظم هذا الأمر فقد حرم الإسلام دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، ولم يبح لأحد أن يستحلها مهما كان الأمر، إلا من ارتكب شيئاً يجعله حلال الدم فقد حل دمه، كالثيب الزاني، والقاتل، والمرتد عن الدين.

    1.   

    شرح حديث: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )

    عن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري و مسلم .

    هذا حديث عظيم، بين فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن من كمال الإيمان في المؤمن والمسلم أن يكون محباً لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يكره له ما يكره لها، فيكون حريصاً على الخير لنفسه ولغيره، ولا يكون شأنه متعلقاً بنفسه فقط، وأما غيره فلا يهمه شأنه، ولا يعيره اهتماماً؛ بل عليه أن يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه؛ وكذلك يكون الأمر فيما يقابل ذلك من الكراهة، فيكره لغيره ما يكرهه لنفسه.

    الإيمان يزيد وينقص

    في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم)، نفي كمال الإيمان، وفي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاوتون فيه، فمنهم من يكون متصفاً بالكمال، ومنهم من يكون بين ذلك.

    وهذا الحديث فيه نفي الكمال عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن كمال الإيمان في حقه أن يحب لغيره ما يحب لنفسه.

    المراد بالأخوة في قوله : ( لأخيه )

    قوله: (لأخيه)، قيل: إن المراد بذلك أخوة الإسلام والإيمان، لما جاء في الحديث: (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وحديث: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وعلى هذا فيكون ذكر الأخوة هنا المراد بها: أخوة الإسلام.

    وفي التنصيص على ذكر الأخوة ما يشعر بأن المطلوب من الإنسان أن يعطف على أخيه، وأن يحرص على فائدته، وأن يحب له ما يحب لنفسه، وأن يشعر بالاهتمام به، وأن يعطف عليه، وهو يختلف عما لو قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب للمؤمن ما يحب لنفسه؛ لأن التعبير بالأخوة هنا فيه إفادة هذا المعنى.

    ومن العلماء من قال: إن المراد بالأخوة هنا الأخوة العامة التي هي أخوة النسب البعيد العالي، ويدخل في ذلك الكفار؛ لأنهم إخوة في النسب من جهة أن أبا الجميع هو آدم عليه الصلاة والسلام، ثم نوح، ثم إبراهيم، فيكون المقصود بالأخوة ما هو أعم من الأخوة في الإسلام، ويكون المقصود من ذلك: أنه يحب لأخيه في النسب العالي البعيد الهداية والاستقامة، وأن تحصل الهداية للكافر كما حصلت الهداية له، فتكون الأخوة هنا أعم.

    وقد جاء في القرآن إطلاق الأخوة على هذا المعنى، كما قال الله عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:105-106]، فإن هذه أخوة نسب وليست أخوة إيمان، وكذلك جاء في حق رسل الله عز وجل -مثل هود وصالح وشعيب- ذكر الأخوة، وهي بمعنى أخوة النسب وليست أخوة الإيمان.

    والغالب أن الأخوة إذا ذكرت مطلقة في النصوص فإنما يقصد أخوة الإيمان، فيكون التعاطف والتواد والتراحم والتواصل والألفة والمحبة بينهم بسبب أخوة الإسلام.

    نعم، لا شك أن الإنسان يحب لغيره من الكفار الهداية، ويدعو لهم بها، ويسأل الله عز وجل لهم ذلك؛ ولكن ما جاء في مثل هذا النص فالغالب أن يكون المراد به هو الأخ المسلم، ولهذا جاء في الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله ..)، فيكثر ذكر الأخوة بين المسلمين والترابط ولقوة الصلة بينهم.

    وجوب معاملة الإنسان لغيره كما يجب أن يعاملوه

    قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، أي: وكذلك أيضاً يكره له ما يكره لنفسه، ويدخل تحت ذلك كون الإنسان يحب أن يعامل معاملة طيبة، فكذلك عليه أن يعامل غيره معاملة طيبة، فيعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به.

    وقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في حديث طويل قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، هو بمعنى: (يحب لغيره ما يحب لنفسه)، فكما أنه يحب أن يعامل معاملة طيبة فعليه أن يعامل غيره معاملة طيبة، ولا يكون بخلاف هذا الوصف الذي أرشد إليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه ذم من يكون كذلك فقال: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3]، فهم عندما يأخذون حقهم يستوفونه ويأخذونه كاملاً، وعندما يؤدون الحق الذي عليهم يبخسونه وينقصونه؛ فيأخذون الحق كاملاً، ولا يعطون الحق الذي عليهم كاملاً.

    ويدخل تحت هذا البخس: أولئك الموظفون الذين يتأخرون عن أعمالهم، ويضيعون شيئاً من الوقت المطلوب منهم والمفروض عليهم دون أن يستعملوه فيما يعود على الناس بالخير والفائدة، فهذا من قبيل البخس ومن قبيل أخذ الحق كاملاً وتأدية ما عليه ناقصاً، فهو لا يحب أن يخصم شيء من راتبه؛ ولكنه لا يبالي إن ضيع شيئاً من الوقت المفروض عليه دون أن يصرفه فيما يعود على الناس بالخير.

    وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات)، بأن يأخذ ولا يعطي، ويكون جموعاً منوعاً، يحب أن يصل إليه الشيء ولكن لا يصل منه شيء، فهو يطلب ولكن لا يعطي، هناك دخول عليه وليس هناك خروج منه، وهذه صفات ذمها الله عز وجل، وكذلك جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ذمها ومنعها، وهي تخالف ما أخبر به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث في قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

    1.   

    شرح حديث: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .. )

    عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، رواه البخاري و مسلم .

    هذا الحديث يدل على عصمة دم المسلم، وأنه لا يجوز أن تتلف نفسه وأن يقتل إلا بواحدة من هذه الأمور الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث، وهي:

    معنى قوله: الثيب الزاني

    قوله: (الثيب الزاني)، الثيب: هو من حصل منه النكاح، وتمتع وذاق هذه اللذة، ثم بعد ذلك حصل منه الزنا، فإنه يكون بذلك محصناً، فيكون حكمه الرجم، ولو كان حين الزنا لا زوجة له، فليس من شرط ذلك أن يكون الزواج مستمراً، بل يكفي أن يكون قد تزوج، وأن يكون قد ذاق ذلك بطريق مشروع، فإذا ماتت المرأة أو طلقها ثم حصل منه الزنا -والعياذ بالله- فإنه محصن لكونه تمتع تمتعاً مشروعاً بعقد النكاح، ويكون حكمه الرجم بالحجارة حتى يموت.

    فأحد الأمور الثلاثة التي يحل بها دم المسلم: أن يكون ثيباً زانياً، أي: أن يكون محصناً وليس بكراً.

    والإحصان يشمل الرجل والمرأة، والمرأة حكمها في هذا حكم الرجل، إذ الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إلا أن يأتي دليل يخص الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال، فعند ذلك يصار إلى التفريق، وحيث لا تفريق ولا تمييز بين الرجال والنساء فإن الأصل هو التساوي، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً ، والغامدية ، والرجم يكون بالحجارة حتى الموت.

    والحكمة من الرجم: قيل: إن اللذة لما حصلت للجسم جميعه، فإن العقوبة توجه إلى الجسم جميعه؛ وذلك بأن يُرمى بالحجارة من جميع الجوانب حتى يموت.

    هذا هو الأمر الأول من الأمور التي يكون بها خروج النفس من كونها معصومة إلى مستحقة للقتل والإتلاف.

    معنى قوله: النفس بالنفس

    قوله: (النفس بالنفس)، المقصود بذلك: القصاص، فإذا قتل الإنسان غيره عمداً فإنه يقتص منه بأن يقتل القاتل حيث توفرت شروط القصاص، وكما أنه أزهق نفس غيره؛ فإن حكمه هو أن تزهق نفسه، ويكون ذلك قصاصاً، والله عز وجل قال في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، ثم قال بعد ذلك: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]، أي: أن هذا فيه أسباب إبقاء الإنسان على نفسه وعلى نفس غيره، فإذا علم أنه إذا قتل سيقتل فإنه يكف ويمتنع من القتل.

    وقد جاء في بعض الروايات التعبير بالقصاص، والمراد به أن هذا القتل قصاص نفس بنفس، أي: نفس بدل نفس، فكما قَتل قُتل، وكما أزهق نفس غيره أُزهقت نفسه.

    وهذه الجملة في هذه الآية: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179]، جملة وجيزة في غاية الفصاحة والبلاغة، وهناك كلمة عند العرب مشهورة بمعنى هذه الجملة ولكنها تختلف عنها، وهي قولهم: (القتل أنفى للقتل)، ولكن هذه الجملة التي جاءت في القرآن في غاية الفصاحة والبلاغة. وأما تلك العبارة التي جاءت عن العرب والتي يذكر علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع، فإنها لم تسلم من الخلل اللفظي ولا من الخلل المعنوي؛ فمن جهة اللفظ: (القتل أنفى للقتل) فيه تكرار، مع أنه كلام وجيز مكون من ثلاث كلمات ولكن واحدة مكررة، فهذا خلل من حيث اللفظ. أما الخلل من حيث المعنى: فليس كل قتل يكون أنفى للقتل؛ بل من القتل ما يكون سبباً للقتل، والكثير من الحروب والقتال الذي جرى بين العرب وبين غيرهم في الجاهلية والإسلام سببه قتيل واحد يقتل فتنشأ الحروب بسببه، إذاً ليس كل قتل يكون أنفى للقتل، ولكن الآية الكريمة عبرت بالقصاص، وجاء التعبير بالقصاص الدال على أن هذا النوع من القتل هو الذي يكون فيه الحياة، ويكون به الإبقاء للنفوس: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179].

    فمن يريد القتل أو يفكر فيه، إذا علم أنه سيقتل فإنه يكف عن قتل غيره ليسلم من القتل، ويكون بذلك قد أبقى على نفسه وعلى نفس غيره .

    وقوله: (والنفس بالنفس)، هذا في التكافؤ، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178].

    وقد اختلف في بعض المسائل التي لا يكون فيها التكافؤ؛ كقتل الحر بالعبد، وقتل المسلم بالكافر، وأما قتل الرجل بالمرأة فهذا متفق عليه، فالرجل يقتل بالمرأة، والمرأة تقتل بالرجل؛ ولكن من ناحية الدية هناك فرق بين الرجل والمرأة، فالمرأة على النصف من الرجل في الدية، وأما في القتل فإنه يقتل بها وتقتل به.

    معنى قوله: التارك لدينه المفارق للجماعة

    قوله: ( والتارك لدينه المفارق للجماعة ) التارك لدينه: هو المرتد عن الإسلام -والعياذ بالله- فمن دخل في الإسلام ثم خرج منه يعتبر مرتداً، وهو يختلف عن الكافر الأصلي؛ فإن من ارتد عن الإسلام ليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام وإلا القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)؛ وذلك لأنه دخل في الإسلام، وذاق حلاوته، وصار من أهله، فإذا خرج منه رغبة عنه فإنه لا يبقى؛ بل إما أن يرجع إلى الإسلام وإما أن يقتل، بخلاف الكافر الأصلي إذا كان معاهداً أو مستأمناً فإنه يبقى على عهده وأمانه، وكذلك الكفار الذين دفعوا الجزية وصاروا تحت حكم الإسلام، فإنهم يبقون على ما هم عليه، ولكن من كان مسلماً ثم رجع إلى الكفر -والعياذ بالله- فليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام ويتوب وإلا القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، وذلك عام يشمل الذكر والأنثى.

    وقوله: (المفارق للجماعة)، هو توضيح لقوله: (التارك لدينه)؛ لأنه خرج عن جماعة المسلمين بخروجه عن دينهم.

    هذه هي الأمور الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث، والتي قال فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

    1.   

    أمور أخرى يحل بها دم المسلم

    جاءت نصوص في قتل أناس غير هؤلاء الثلاثة، منها ما يرجع إلى هذه الأمور الثلاثة مثل السحر، فإنه إذا كان كفراً فهو داخل تحت القسم الثالث من هذه الأقسام الثلاثة، وقد جاءت أحاديث في أناس يقتلون وهم غير هؤلاء الموجودين، مثل القتل باللواط، وكذلك إتيان البهيمة، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)، وكذلك من شهر السلاح على الناس فإنه يقتل، ويكف شره بمقاتلته ومنعه، وهناك أمور أخرى أوردها الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرحه، وهي عشرة، ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الثالث، وقتل السارق في المرة الخامسة، وغيرهم.

    وهذه الأمور فيها خلاف بين أهل العلم؛ ولكن ما ثبت منها فإنه يضاف إلى هذه الأمور الثلاثة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون الحصر فيها من قبيل الحصر الإضافي الذي فيه الإشارة إلى أهميتها ووضوحها وجلائها، وأن غيرها يكون مضافاً إليها، أي: ما ثبت وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يضاف إلى هذا العدد الذي جاء في هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

    قال ابن رجب رحمه الله تعالى في ذكره لتلك الأمور العشرة التي يقتل بها المسلم: ( فمنها: في اللواط، ومنها: من أتى ذات محرم، ومنها: الساحر، ومنها: قتل من وقع على بهيمة، ومنها: من ترك الصلاة، ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وقد رُوي قتل السارق في المرة الخامسة، ومنها ما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما)، ومنها: من شهر السلاح، ومنها: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، ومنها: ما أخرجه أبو داود في المراسيل من رواية ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ضرب أباه فاقتلوه).

    هذه عشرة أمور ذكرها الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث، وهي تضاف إلى الثلاثة الموجودة، والسحر إذا كان كفراً فإنه داخل تحت القسم الثالث: ( التارك لدينه المفارق للجماعة ).

    قال: ( واعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح، ولا يعرف به قائل معتبر، كحديث: (من ضرب أباه فاقتلوه)، وحديث قتل السارق في المرة الخامسة، وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود ؛ وذلك أن حديث ابن مسعود يتضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: إما أن يترك دنيه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصن، وإما أن يقتل نفساً بغير حق.

    فيؤخذ منه: أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها، فأما انتهاك الفرج المحرم فقد ذكر في الحديث: أنه الزنا بعد الإحصان، وهذا -والله أعلم- على وجه المثال، فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح، فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه أبيح دمه، وقد ينتفي شرط الإحصان فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يستباح بحال: إما مطلقاً كاللواط، أو في حق الواطئ، كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف هل يكون قائماً مقام الإحصان وخلفاً عنه؟ هذا هو محل النزاع بين العلماء، والأحاديث دالة على أنه يكون خلفاً عنه، ويُكتفى به في إباحة الدم ).

    ومعنى كلامه: أن اللواط ووطء ذات المحرم يكون بمعنى الزنا.

    قال: ( وأما سفك الدم الحرام، فهل يقوم مقام إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء كتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، والمبايعة لإمام ثانٍ، ودل الكفار على عورات المسلمين.

    هذا هو محل النزاع، وقد رُوي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا؛ وكذلك شهر السلاح لطلب القتل، هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فـابن الزبير و عائشة رأياه قائماً مقام القتل الحقيقي في ذلك.

    وكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا؟ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة، وقول الله عز وجل: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين:

    أحدهما: بالنفس، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في الفساد في الأرض: الحرابة والردة والزنا؛ فإن ذلك كله فساد في الأرض، وكذلك تكرر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة، وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حده ثمانين، وجعل السكر مظنة الافتراء والقذف الموجبة لجلد الثمانين، ولما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال: (إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه -يعني: إذا شرب- فيضربه بالسيف)، وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل، إقامة لظن القتل مقام الحقيقة؛ لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق؟ وهذا هو محل النزاع!

    وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة فمعناه: الارتداد عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه؛ لأنه قد ترك بذلك دينه، وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدين بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يُخرج من الدين، وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام؟ هذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟

    فمن رآه خروجاً عن الدين كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجاً عن الدين فاختلفوا: هل يلحق بتارك الدين في القتل لكونه ترك أحد مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدين، ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتال الخوارج وقتلهم، وقد اختلف العلماء في حكمهم:

    فمنهم من قال: هم كفار، فيكون قتلهم لكفرهم، ومنهم من قال: إنهم يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم والإجهاز على جريحهم.

    ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا، وهو نص أحمد و إسحاق ، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة، ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتال يبيح قتالهم من سفك دماء ونحوه، كما روي عن علي وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا.

    وقد رُوي من وجوه متعددة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كان يصلي، وقال: (لو قُتل لكان أول فتنة وآخرها).

    وفي رواية: (لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال)، خرجه الإمام أحمد رحمه الله وغيره ).

    هذا الحديث رواه من حديث بريدة الإمام الطحاوي في مشكل الآثار، و ابن عدي في الكامل ومن طريقه ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات، وفيه صالح بن حيان القرشي وهو ضعيف، ورواه ابن الجوزي من حديث عبد الله بن الزبير ، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ، قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطاء بن السائب عن رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعند الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف.

    قال: ( فيستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن، وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة، فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود بهذا التقدير، ولله الحمد.

    وكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنها منسوخة بحديث ابن مسعود ، وفي هذا نظر من وجهين:

    أحدهما: أنه لا يعلم أن حديث ابن مسعود كان متأخراً عن تلك النصوص كلها، لا سيما و ابن مسعود من قدماء المهاجرين، وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كـأبي هريرة و جرير بن عبد الله و معاوية ، فإن هؤلاء كلهم رووا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.

    والثاني: أن الخاص لا ينسخ بالعام ولو كان العام متأخراً عنه في الصحيح الذي عليه جمهور العلماء؛ لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يبطل الظاهر حكم النص، وقد رُوي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كذب عليه في حياته) ، وقال لحي من العرب: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم)، وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة، وفي بعضها: أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه، وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدقوه ونزل على تلك المرأة، وحينئذ فإن هذا الرجل قد زنى ونسب إباحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كفر وردة عن الدين.

    وفي صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليـاً بقتل القبطي الذي كان يدخل على أم ولده مارية وكان الناس يتحدثون بذلك، فلما وجده علي مجبوباً تركه).

    وقد حمله بعضهم على أن القبطي لم يكن أسلم بعد، وأن المعاهد إذا فعل ما يؤذي المسلمين انتقض عهده، فكيف إذا آذى النبي صلى الله عليه وسلم؟!

    وقال بعضهم: بل كان مسلماً، ولكنه نهي عن ذلك فلم ينته، حتى تكلم الناس بسببه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وآذى النبي صلى الله عليه وسلم في فراشه فأبيح دمه، لكن لما ظهرت براءته بالعيان تبين للناس براءة مارية ، فزال السبب المبيح للقتل.

    وقد روي عن الإمام أحمد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود وغيره ليس له ذلك.

    كأنه يشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى مصلحة ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من التعدي والحيف، وأما غيره فليس له ذلك؛ لأنه غير مأمون عليه التعدي بالهوى.

    قال أبو داود : سمعت أحمد سئل عن حديث أبي بكر : ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لم يكن لـأبي بكر أن يقتل رجلاً إلا بإحدى ثلاث، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل كذلك.

    وحديث أبي بكر المشار إليه هو: أن رجلاً كلم أبا بكر فأغلظ له، فقال له أبو برزة : ألا أقتله يا خليفة رسول الله؟ فقال أبو بكر : ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل هذا القبطي، ويتخرج عليه أيضاً حديث الأمر بقتل السارق إن كان صحيحاً، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله في أول مرة فراجعوه فيه فقطعه، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله فيراجع فيه فيقطع، حتى قُطعت أطرافه الأربعة، ثم قتل في الخامسة، والله تعالى أعلم ).

    وعلى كل هذه الأمور إما أن تكون مضافة، أو أنها مخرجة على أنها تدخل تحت هذه الأمور الثلاثة التي جاءت في الحديث، كما صنع الحافظ ابن رجب رحمه الله، وقال: إنها ترجع إليها، وبين وجه ذلك.

    1.   

    الأسئلة

    لزوم كره المسلم لأخيه ما يكرهه لنفسه

    السؤال: جاء في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فهل يخرج عليه الضد: ويكره لأخيه ما يكرهه لنفسه، أم أنه يقتضي ذلك لزوماً؟

    الجواب: نعم، لابد أن يكره لأخيه ما يكره لنفسه؛ لأن هذا من مقابل مفهوم هذا الأمر، فيحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فهما متلازمان، فكما أنه يكره الشر لنفسه فيكرهه لغيره، وكما أنه يحب الخير لنفسه فيحبه لغيره.

    حكم فرح المسلم إذا أخطأ أخوه أو وقع في بدعة

    السؤال: ما حكم من يفرح إذا أخطأ أخوه، أو يفرح إذا وقع أخوه السني في بدعة؟

    الجواب: هو نفسه يكره أن يفرح غيره إذا حصل منه خطأ، فكذلك عليه أن يعامل غيره بأن لا يفرح؛ بل يتأثر ويحب له أن يسلم من هذا الخطأ، فهو يحب أن يكون سالماً من هذا الخطأ أولاً، وبعد وقوعه فيه يحب أن يسلم منه وأن يخرج منه بسلام، هذا هو الواجب، فالإنسان لا يفرح بخطأ أخيه، وإنما يحزن لخطأ أخيه ويفرح إذا رجع عن خطئه وعاد إلى صوابه.

    المراد بنفي كمال الإيمان في قوله: ( لا يؤمن أحدكم )

    السؤال: قوله: (لا يؤمن أحدكم)، هل المراد بالنفي نفي الكمال الواجب أو الكمال المستحب؟

    الجواب: المراد نفي الكمال المستحب، وعلى هذا لا يكون آثماً.

    ضابط المفارق للجماعة

    السؤال: قوله: (المفارق للجماعة)، هل فيه دليل على تكفير الخوارج حيث فارقوا الجماعة ووجب قتالهم؟

    الجواب: ضابط ذلك: أن هذا وصف للتارك لدينه، فليس هو شيئاً مستقلاً، كما جاء في الرواية الأخرى: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، فقوله: ( يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) وصف للمسلم، وكلمة (المفارق للجماعة) وصف للتارك لدينه، والخوارج ما تركوا الدين؛ بل هم يزعمون أنهم متمسكون بالدين، وأن هذا من الدين؛ وذلك نتيجة للفهم الخاطئ للنصوص، وعدم متابعة الصحابة في الفهم؛ ولهذا كان من منهج أهل السنة والجماعة: اتباع نصوص الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وليس بالفهوم الخاطئة التي يركب الإنسان فيها رأسه، ويخرج عن الجماعة، ويتبع غير سبيل المؤمنين.

    الدليل على نقصان الإيمان

    السؤال: توقف بعض أهل العلم في القول بنقص الإيمان، وحجته: أن أدلة زيادة الإيمان واضحة وبينة، لكن لم يأت دليل صريح على نقص الإيمان، فهل هناك دليل؟

    الجواب: نعم، أولاً: من حيث المعنى: فإن ما يقبل الزيادة يقبل النقص.

    ثانياً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين ..) الحديث، وناقص الدين هو ناقص الإيمان، وهذا حديث واضح في هذا الأمر؛ فإن نقص الدين هو نفسه المقابل للزيادة، وأيضاً ما يقبل الزيادة يقبل النقص، ومن الأدلة حديث: (.. وذلك أضعف الإيمان).

    حكم قتل الزاني المحصن رمياً بالرصاص

    السؤال: ما رأيكم في الذي يستبدل الرجم بإطلاق النار على المحصن؟

    الجواب: هذا لا يجوز، بل الواجب هو الرجم، والرجم جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء في كتاب الله عز وجل في الآية التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وهو أيضاً موجود في التوراة، كما جاء في قصة اليهودي واليهودية اللذين زنيا، وفيها أن حبراً من أحبارهم كان يغطي آية الرجم بيده من التوراة لما طلب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أن يأتوا بها، فهذا الحكم موجود في التوراة وموجود في القرآن، ولكن نسخت التلاوة وبقي الحكم.

    وجاءت الأحاديث الكثيرة في الرجم، ومنها هذا الحديث: (الثيب الزاني)، فقد جاء الرجم من قوله عليه الصلاة والسلام وفعله، فهذا قوله، وكذلك قوله: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم)، وفعله لما أمر برجم الغامدية وماعز رضي الله تعالى عنهما.

    حكم التعزير بالقتل

    السؤال: هل يشرع للحاكم أن يعزر بالقتل فيمن لم يرد الدليل على قتله؟

    الجواب: نعم، وذلك مثل قتل شارب الخمر، فإنه يقتل تعزيراً.

    معنى قوله: ( المفارق للجماعة )

    السؤال: هل يدخل في قوله: (المفارق للجماعة) تلك الفرق المبتدعة الذين يرون السيف على حكام المسلمين؟

    الجواب: الخوارج يرون السيف ولا يقال: إنهم كفار، ومفارقة الجماعة ليست قسماً مستقلاً مما يستحل به القتل في الحديث، وإنما هو وصف للمرتد عن دينه: ( التارك لدينه المفارق للجماعة )، فهذا وصف لشيء واحد، فهي ثلاثة أقسام وليست أربعة، والثالث: هو التارك لدينه المفارق للجماعة، فهو شيء واحد، وليس المفارق للجماعة وحده شيئاً مستقلاً.

    حكم من قتل نفساً وهو في بلد لا يقام فيه القصاص

    السؤال: مسلم يريد أن يطهر نفسه؛ ولكنه يعيش في بلاد لا يطبق فيها القصاص، فهل يسافر إلى بلاد يطبق فيها القصاص، ويطلب منهم إقامة الحد؟

    الجواب: لا، بل يتوب إلى الله عز وجل، ويحسن في المستقبل، والله تعالى يتوب على من تاب، فعليه أن يستتر بستر الله، ويصلح ما أفسد، ويعمل صالحاً في المستقبل، ويحذر من المحرمات، ويصبر على طاعة الله، ويصبر عن معاصي الله، وبذلك يحصل الخير والفلاح والسعادة.

    حكم من تزوج أمة ثم زنى

    السؤال: لو تزوج رجل أمة وهو حر ثم زنى، فهل يعتبر محصناً؟

    الجواب: نعم؛ لأنه قام بالزواج، ومعلوم أن زواج الأمة لا يجوز إلا إذا لم يستطع أن يتزوج المحصنة الحرة، فهو الآن ذاق هذه اللذة بنكاح صحيح وبعقد شرعي.

    حكم من تزوج ولم يدخل بزوجته ثم زنى

    السؤال: من تزوج ولم يدخل بزوجته فهل يعد محصناً؟

    الجواب: لا، إذا لم يحصل إلا مجرد العقد ولم يحصل دخول فإنه لا يعتبر محصناً.

    وجوب محبة الخير لجميع المسلمين

    السؤال: أنا أُحب الخير لنفسي وأحب الخير لبعض إخواني القريبين مني المحبين لي، ولا أحبه لكل المؤمنين، فهل هذا نقص؟

    الجواب: هذا يخالف هذا الحديث، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وهؤلاء كلهم إخوان لك.

    معنى محبة الإنسان لغيره ما يحب لنفسه في باب الفوز والتفوق

    السؤال: إذا كان أحدنا يحب مثلاً أن يكون في المرتبة الأولى بين إخوانه في الدراسة، وهذه مرتبة لا تصلح إلا لواحد منا، فكيف أحب لإخواني ما أحب لنفسي؟

    الجواب: هو يحب أن يجتهد ويحب لإخوانه أن يجتهدوا، والمتفوق سيكون واحداً، سواء كان هو أو غيره، المهم أنه يحب الأسباب التي توصل إلى هذا، وأنه يحب أن يجتهدوا كلهم، وأن يصيروا أقوياء متمكنين، ومعلوم أن التفوق سيكون لواحد.

    زيادة: ( من الخير ) زيادة تفسيرية

    السؤال: على ماذا تحمل الزيادة في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير

    الجواب: هذه الزيادة -كما هو معلوم- زيادة تفسير وتوضيح؛ لأن المحبة إنما تكون في الخير، وهو خير الدنيا وخير الآخرة، أي: عموم الخير، سواء كان خيراً دنيوياً أو أخروياً، فكلمة (من الخير) تبين أن المحبوبات إنما هي في الخير.

    حكم قتل الإنسان لمن قتل قريبه

    السؤال: في بلادنا حيث لا تطبق الشريعة إذا قتل شخص شخصاً آخر فإن الحكومة تترك فرصة لعائلة القتيل أن يأخذوا بالثأر، ثم تتدخل بعدها بالقبض على القاتل، ثم الصلح بين العائلتين، وهذا ليس رسمياً، فهل يجوز الأخذ بالثأر؟

    الجواب: يقول: إنه غير رسمي، ومعنى ذلك أنها فوضى، فما دام أنه ليس هناك شيء رسمي وإنما هو شيء شاع وانتشر، فالقتل الذي يؤدي إلى تقاتل وفتنة لا يجوز، ثم أيضاً القصاص لابد أن يثبت بشروطه، وليس بمجرد إنسان كان قريباً للقتيل فيذهب ويأخذ بالثأر؛ بل القتيل إذا كان له ورثة وفيهم واحد صغير عمره مثلاً نصف سنة، فينتظر حتى يكمل خمس عشرة سنة، وهل يطالب أو لا يطالب؟ فليست القضية مجرد إنسان قريب يريد أن يثأر لقريبه؛ لأن هذا يتوقف على طلب أولياء القتيل، وإذا كان فيهم صغير فينتظر حتى يبلغ، فليس القتل إذاً مجرد ثأر وتشفي.

    نصيحة لمن ابتلي بحسد الآخرين والحقد عليهم

    السؤال: أنا رجل مبتلى ومريض حقود وحسود من صغري، فكيف أحل هذه المشكلة؟

    الجواب: اسأل الله عز وجل، وألح عليه في الدعاء أن يشفيك مما أنت فيه، وأن يصلح حالك، واحرص على تغيير حالك بأن يكون بدل الحقد حب، وبدل الحسد رغبة في الخير للغير، وأن لا تحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولكن اسأل الله عز وجل أن يعطيك من فضله كما أعطاهم، وفضل الله تعالى واسع، وأما كون الإنسان يحسد غيره على النعمة التي أعطاه الله تعالى إياها، فيكون مرتكباً لأمر محرم، ويترك الطريق المشروع وهي أن يسأل الله من فضله، وأن يأخذ بالأسباب التي توصل إلى تحصيل ذلك الخير.

    فالحاصل: أن الإنسان المبتلى بهذا البلاء عليه أن يحرص على إنقاذ نفسه وعلى سلامة نفسه، وأن يحب لغيره ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها.

    لا يقتل الوالد بولده

    السؤال: ذكر من المستثنيات من الحديث في القتل: قتل الوالد بولده، فأرجو التوضيح؟

    الجواب: نعم، إذا كان الوالد هو القاتل فإنه لا يقتل بولده؛ لأنه كان سبب وجوده، فلا يكون ولده سبباً في عدمه.

    الحكم على حديث: ( أيما لحم نبت من سحت .. ) ودلالته

    السؤال: ما حال حديث: (أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به)، وهل يدل على الخلود في النار؟

    الجواب: ذكر الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب الجزء الأول عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا كعب بن عجرة ! إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا من سحت فالنار أولى به، يا كعب بن عجرة ! الناس غاديان، فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموبقها، يا كعب بن عجرة ! الصلاة قربان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة)، قال الألباني : صحيح لغيره.

    وعن جابر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا كعب بن عجرة ! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت)، رواه ابن حبان في صحيحه، وقال الألباني في الضعيفة: (وأيما عبد نبت من سحت فالنار أولى به)، هذه الزيادة التي جاءت في آخر الحديث إنما لم ألحقها به لأنها صحيحة بشواهدها الكثيرة عن جابر وكعب بن عجرة وأبي بكر الصديق ، وقد خرجها المنذري ، والحديث الذي ذكره في الضعيفة: (يا سعد ! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة).

    وفيما يتعلق بمعنى الحديث إذا ثبت شيء من ذلك فهو من جنس الأحاديث الأخرى مثل: (لا يدخل الجنة قتات) يعني: نمام، فهو من جنس أحاديث الوعيد التي إذا ثبت شيء منها فيكون من هذا القبيل؛ ويكون صاحبها تحت مشيئة الله عز وجل، ويفسر بأنه لا يدخلها مع من يدخلها من أول وهلة؛ لأن من الناس من يدخلونها من أول وهلة، ومنهم من لا يدخلها من أول وهلة، فيكون الذي جاء عنه عدم دخولها وهو مسلم معناه: أنه يتأخر دخوله فيها، فيكون غيره ممن صار من أهلها يتنعم، وهو يعذب في تلك الفترة بالنار من أجل عقوبته، وإذا شاء الله عز وجل أن يتجاوز عنه وأن يدخل الجنة من أول وهلة فإنه يدخل.

    معنى قول ابن رجب: وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه

    السؤال: في الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، يقول ابن رجب : فيؤخذ من هذا: أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، فما معنى كلامه؟

    الجواب: معناه: أنه قد يجاب الإنسان وهو عنده هذه الموانع، كما أن الكفار يحصل لهم شيء من هذا.

    حكم قول: إخواننا الكفار

    السؤال: ما قولكم في الذي يقول: إخواننا الكفار؟

    الجواب: لا أخوة بين المسلمين والكفار، ومعلوم أن الأخوة غالب إطلاقها إنما هو على أخوة الإسلام، وأما أخوة النسب البعيدة فإنها غالباً لا تكون مقصودة في هذا الحديث وأمثاله؛ ولهذا -كما ذكرنا- فإن الصواب في قوله: ( حتى يحب لأخيه )، أن المقصود: لأخيه المسلم، وابن رجب رحمه الله ذكر في شرحه: أن المقصود بالأخوة هنا الأخوة العامة، فيدخل في ذلك الكافر، وأن الإنسان يحب له الهداية؛ لكن الغالب في إطلاق النصوص في مثل هذا أن المراد بها أخوة الإسلام، وليست الأخوة العامة التي يدخل فيها الكفار.

    حكم الأخذ من اللحية

    السؤال: هل الأخذ من اللحية وتخفيفها يعتبر نقصاً في الدين؟

    الجواب: يعتبر معصية، ولا شك أن المعاصي تنقص الإيمان.

    مدح ونصح للشيخ ربيع المدخلي

    السؤال: ظهرت شائعة حامل لوائها بعض أصحاب القلوب المريضة، يزعمون فيها كذباً أنك طعنتَ في الشيخ ربيع في درس من دروسك، ولا نظن أنهم يقصدون بذلك إلا ضرب العلماء بعضهم ببعض، فما قولكم في هذا؟ وما توجيهكم لهؤلاء، فنحن نريد أن يؤخذ الشريط وينتشر تبياناً لباطلهم؟

    الجواب: الشيخ ربيع من المشتغلين بالعلم في هذا الزمان، وله جهود جيدة وعظيمة في الاشتغال بالسنة، وكذلك التأليف، فله تآليف جيدة وعظيمة ومفيدة؛ ولكنه في الآونة الأخيرة انشغل بأمور ما كان ينبغي له أن ينشغل بها، وكان ينبغي له أن يشتغل بما كان عليه أولاً من الجد والاجتهاد في الكتابة المفيدة، وفي الآونة الأخيرة حصل منه بعض أمور لا نوافقه عليها، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياه لكل خير، وأن يوفق الجميع لما تحمد عاقبته.

    وأنا لا أطعن فيه، ولا أحذر منه، وأقول: إنه من العلماء المتمكنين، ولو اشتغل بالعلم وجد فيه لأفاد كثيراً، وقبل مدة كانت جهوده أعظم من جهوده في الوقت الحاضر، فأنا أعتبر الشيخ ربيعاً من العلماء الذين يسمع إليهم، وفائدتهم كبيرة؛ ولكن كل يؤخذ من قوله ويرد، وليس أحد بمعصوم، ونحن نخالفه في بعض الأمور التي حصلت لا سيما في هذا الزمان مما حصل من الفتنة التي انتشرت وعمت، وصار طلاب العلم يتهاجرون ويتنازعون ويتخاصمون بسبب ما جرى بينه وبين غيره، حيث انقسم الناس إلى قسمين، وعمت الفتنة وطمت، وكان عليه وعلى غيره أن يتركوا الاستمرار في هذا الذي حصلت به الفتنة، وأن يشتغل الكل بالعلم النافع دون هذا الذي حصل به التفرق والتشتت، وأسأل الله عز وجل للجميع التوفيق.

    المقصود بالأخوة الواردة في الأحاديث

    السؤال: ألا يستدل بقوله تعالى: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا [آل عمران:168]، وقوله: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب:18]، في معرض كلامه على المنافقين، ألا يستدل به على أن الأخوة إذا أطلقت يراد بها الأخوة العامة؟

    الجواب: لا، إذا جاء قوله في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وقوله: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ..) وقوله: (ولا يخطب على خطبة أخيه)، فالمقصود به المسلم ولا يقصد به الأخوة العامة التي يدخل فيها الكفار، وإذا جاء في حق المنافقين أنهم قالوا لإخوانهم، فلا يعني ذلك أن الأخوة التي يأتي ذكرها بين المسلمين أنها تحمل على ما هو أعم من ذلك فيدخل فيها الكفار، نعم الكفار تحب لهم الهداية ويدعى لهم بالهداية، ولكن لا يقال: إن الأخوة التي جاءت في النصوص تكون لهم ولغيرهم، بل المسلمون كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).

    سقوط القصاص إذا عفا أحد ورثة القتيل

    السؤال: لو تنازل أحد ورثة القتيل عن حقه في القصاص، فهل يقام القصاص على الجاني أم يشترط إجماع الورثة؟

    الجواب: لو تنازل واحد منهم سقط القصاص، ولهذا فلو كان للقتيل ورثة، وكان له طفل صغير، فإنه ينتظر خمسة عشر عاماً حتى يبلغ وينظر هل يطالب أو لا يطالب؟ فلا يشترط الاتفاق، بل إذا تنازل واحداً منهم فإنهم يرجعون إلى الدية، ولا يحصل القصاص.

    حكم الساحر

    السؤال: قلتم: إن الساحر إذا كان كافراً يقتل، فهل هناك ساحر ليس بكافر؟

    الجواب: نعم، بعض العلماء يقول: إن هناك سحراً لا يصل إلى حد الكفر؛ ولكن السحر كله لا خير فيه.

    حكم استتابة المرتد

    السؤال: هل يستتاب الساحر أم يقتل بغير توبة؟

    الجواب: كل مرتد عن الإسلام فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ ولكن هناك خلاف في بعض أولئك مثل الزنديق، فإن فيه خلافاً هل تقبل توبته أم لا تقبل؟ ومثل من يسب الله عز وجل، ويسب الرسول صلى الله عليه وسلم هل تقبل توبته أم لا تقبل ويقتل بدون استتابة؟

    حكم استخدام المدرسين لكهرباء المدرسة لأجل اللعب بالكرة

    السؤال: نحن مجموعة من المدرسين في قرية من القرى، ودائماً نذهب إلى المدرسة من بعد المغرب إلى العشاء، وأحياناً إلى بعد العشاء، ونلعب الكرة، ونشغل الكهرباء، وهذا العمل قد أخذنا فيه إذناً من مدير المدرسة، فهل عملنا صحيح أو فيه شبهة؟

    الجواب: المناسب أن تشتغلوا بغير اللعب، وأن تكونوا من أهل الجد، ولا تكونوا من أهل الهزل، لا سيما وأنتم معلمون وكبار، والمفروض أن تكونوا قدوة لغيركم، فكونوا قدوة في الجد، ولا تكونوا قدوة في الهزل، وما ينبغي أن تستعملوا الكهرباء في مثل هذا العمل.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.