اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [18] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [18] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
لقد حث الإسلام على الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة، ومن ذلك توطيد مبدأ وعلاقات الأخوة بين المسلمين، وهي تعني التآلف والترابط والتعاون على البر والتقوى، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه من الخير والصلاح، وأن يكره له ما يكرهه لنفسه، فمن فعل ذلك فقد حسن إيمانه وكمل، ولأجل عظم هذا الأمر فقد حرم الإسلام دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، ولم يبح لأحد أن يستحلها مهما كان الأمر، إلا من ارتكب شيئاً يجعله حلال الدم فقد حل دمه، كالثيب الزاني، والقاتل، والمرتد عن الدين.
شرح حديث: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )
عن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري و مسلم .هذا حديث عظيم، بين فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن من كمال الإيمان في المؤمن والمسلم أن يكون محباً لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يكره له ما يكره لها، فيكون حريصاً على الخير لنفسه ولغيره، ولا يكون شأنه متعلقاً بنفسه فقط، وأما غيره فلا يهمه شأنه، ولا يعيره اهتماماً؛ بل عليه أن يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه؛ وكذلك يكون الأمر فيما يقابل ذلك من الكراهة، فيكره لغيره ما يكرهه لنفسه.
 وجوب معاملة الإنسان لغيره كما يجب أن يعاملوه
قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، أي: وكذلك أيضاً يكره له ما يكره لنفسه، ويدخل تحت ذلك كون الإنسان يحب أن يعامل معاملة طيبة، فكذلك عليه أن يعامل غيره معاملة طيبة، فيعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به.وقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في حديث طويل قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، هو بمعنى: (يحب لغيره ما يحب لنفسه)، فكما أنه يحب أن يعامل معاملة طيبة فعليه أن يعامل غيره معاملة طيبة، ولا يكون بخلاف هذا الوصف الذي أرشد إليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه ذم من يكون كذلك فقال: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3]، فهم عندما يأخذون حقهم يستوفونه ويأخذونه كاملاً، وعندما يؤدون الحق الذي عليهم يبخسونه وينقصونه؛ فيأخذون الحق كاملاً، ولا يعطون الحق الذي عليهم كاملاً. ويدخل تحت هذا البخس: أولئك الموظفون الذين يتأخرون عن أعمالهم، ويضيعون شيئاً من الوقت المطلوب منهم والمفروض عليهم دون أن يستعملوه فيما يعود على الناس بالخير والفائدة، فهذا من قبيل البخس ومن قبيل أخذ الحق كاملاً وتأدية ما عليه ناقصاً، فهو لا يحب أن يخصم شيء من راتبه؛ ولكنه لا يبالي إن ضيع شيئاً من الوقت المفروض عليه دون أن يصرفه فيما يعود على الناس بالخير.وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات)، بأن يأخذ ولا يعطي، ويكون جموعاً منوعاً، يحب أن يصل إليه الشيء ولكن لا يصل منه شيء، فهو يطلب ولكن لا يعطي، هناك دخول عليه وليس هناك خروج منه، وهذه صفات ذمها الله عز وجل، وكذلك جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ذمها ومنعها، وهي تخالف ما أخبر به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث في قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
شرح حديث: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .. )
عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، رواه البخاري و مسلم .هذا الحديث يدل على عصمة دم المسلم، وأنه لا يجوز أن تتلف نفسه وأن يقتل إلا بواحدة من هذه الأمور الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث، وهي:
 معنى قوله: التارك لدينه المفارق للجماعة
قوله: ( والتارك لدينه المفارق للجماعة ) التارك لدينه: هو المرتد عن الإسلام -والعياذ بالله- فمن دخل في الإسلام ثم خرج منه يعتبر مرتداً، وهو يختلف عن الكافر الأصلي؛ فإن من ارتد عن الإسلام ليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام وإلا القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)؛ وذلك لأنه دخل في الإسلام، وذاق حلاوته، وصار من أهله، فإذا خرج منه رغبة عنه فإنه لا يبقى؛ بل إما أن يرجع إلى الإسلام وإما أن يقتل، بخلاف الكافر الأصلي إذا كان معاهداً أو مستأمناً فإنه يبقى على عهده وأمانه، وكذلك الكفار الذين دفعوا الجزية وصاروا تحت حكم الإسلام، فإنهم يبقون على ما هم عليه، ولكن من كان مسلماً ثم رجع إلى الكفر -والعياذ بالله- فليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام ويتوب وإلا القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، وذلك عام يشمل الذكر والأنثى.وقوله: (المفارق للجماعة)، هو توضيح لقوله: (التارك لدينه)؛ لأنه خرج عن جماعة المسلمين بخروجه عن دينهم.هذه هي الأمور الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث، والتي قال فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).
أمور أخرى يحل بها دم المسلم
جاءت نصوص في قتل أناس غير هؤلاء الثلاثة، منها ما يرجع إلى هذه الأمور الثلاثة مثل السحر، فإنه إذا كان كفراً فهو داخل تحت القسم الثالث من هذه الأقسام الثلاثة، وقد جاءت أحاديث في أناس يقتلون وهم غير هؤلاء الموجودين، مثل القتل باللواط، وكذلك إتيان البهيمة، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)، وكذلك من شهر السلاح على الناس فإنه يقتل، ويكف شره بمقاتلته ومنعه، وهناك أمور أخرى أوردها الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرحه، وهي عشرة، ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الثالث، وقتل السارق في المرة الخامسة، وغيرهم. وهذه الأمور فيها خلاف بين أهل العلم؛ ولكن ما ثبت منها فإنه يضاف إلى هذه الأمور الثلاثة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون الحصر فيها من قبيل الحصر الإضافي الذي فيه الإشارة إلى أهميتها ووضوحها وجلائها، وأن غيرها يكون مضافاً إليها، أي: ما ثبت وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يضاف إلى هذا العدد الذي جاء في هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).قال ابن رجب رحمه الله تعالى في ذكره لتلك الأمور العشرة التي يقتل بها المسلم: ( فمنها: في اللواط، ومنها: من أتى ذات محرم، ومنها: الساحر، ومنها: قتل من وقع على بهيمة، ومنها: من ترك الصلاة، ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وقد رُوي قتل السارق في المرة الخامسة، ومنها ما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما)، ومنها: من شهر السلاح، ومنها: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، ومنها: ما أخرجه أبو داود في المراسيل من رواية ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ضرب أباه فاقتلوه).هذه عشرة أمور ذكرها الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث، وهي تضاف إلى الثلاثة الموجودة، والسحر إذا كان كفراً فإنه داخل تحت القسم الثالث: ( التارك لدينه المفارق للجماعة ).قال: ( واعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح، ولا يعرف به قائل معتبر، كحديث: (من ضرب أباه فاقتلوه)، وحديث قتل السارق في المرة الخامسة، وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود ؛ وذلك أن حديث ابن مسعود يتضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: إما أن يترك دنيه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصن، وإما أن يقتل نفساً بغير حق. فيؤخذ منه: أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها، فأما انتهاك الفرج المحرم فقد ذكر في الحديث: أنه الزنا بعد الإحصان، وهذا -والله أعلم- على وجه المثال، فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح، فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه أبيح دمه، وقد ينتفي شرط الإحصان فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يستباح بحال: إما مطلقاً كاللواط، أو في حق الواطئ، كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف هل يكون قائماً مقام الإحصان وخلفاً عنه؟ هذا هو محل النزاع بين العلماء، والأحاديث دالة على أنه يكون خلفاً عنه، ويُكتفى به في إباحة الدم ).ومعنى كلامه: أن اللواط ووطء ذات المحرم يكون بمعنى الزنا.قال: ( وأما سفك الدم الحرام، فهل يقوم مقام إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء كتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، والمبايعة لإمام ثانٍ، ودل الكفار على عورات المسلمين.هذا هو محل النزاع، وقد رُوي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا؛ وكذلك شهر السلاح لطلب القتل، هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فـابن الزبير و عائشة رأياه قائماً مقام القتل الحقيقي في ذلك. وكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا؟ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة، وقول الله عز وجل: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين: أحدهما: بالنفس، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في الفساد في الأرض: الحرابة والردة والزنا؛ فإن ذلك كله فساد في الأرض، وكذلك تكرر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة، وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حده ثمانين، وجعل السكر مظنة الافتراء والقذف الموجبة لجلد الثمانين، ولما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال: (إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه -يعني: إذا شرب- فيضربه بالسيف)، وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل، إقامة لظن القتل مقام الحقيقة؛ لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق؟ وهذا هو محل النزاع! وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة فمعناه: الارتداد عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه؛ لأنه قد ترك بذلك دينه، وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدين بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يُخرج من الدين، وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام؟ هذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجاً عن الدين كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجاً عن الدين فاختلفوا: هل يلحق بتارك الدين في القتل لكونه ترك أحد مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدين، ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتال الخوارج وقتلهم، وقد اختلف العلماء في حكمهم: فمنهم من قال: هم كفار، فيكون قتلهم لكفرهم، ومنهم من قال: إنهم يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم والإجهاز على جريحهم. ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا، وهو نص أحمد و إسحاق ، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة، ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتال يبيح قتالهم من سفك دماء ونحوه، كما روي عن علي وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا. وقد رُوي من وجوه متعددة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كان يصلي، وقال: (لو قُتل لكان أول فتنة وآخرها). وفي رواية: (لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال)، خرجه الإمام أحمد رحمه الله وغيره ).هذا الحديث رواه من حديث بريدة الإمام الطحاوي في مشكل الآثار، و ابن عدي في الكامل ومن طريقه ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات، وفيه صالح بن حيان القرشي وهو ضعيف، ورواه ابن الجوزي من حديث عبد الله بن الزبير ، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ، قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطاء بن السائب عن رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعند الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف.قال: ( فيستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن، وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة، فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود بهذا التقدير، ولله الحمد. وكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنها منسوخة بحديث ابن مسعود ، وفي هذا نظر من وجهين: أحدهما: أنه لا يعلم أن حديث ابن مسعود كان متأخراً عن تلك النصوص كلها، لا سيما و ابن مسعود من قدماء المهاجرين، وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كـأبي هريرة و جرير بن عبد الله و معاوية ، فإن هؤلاء كلهم رووا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة. والثاني: أن الخاص لا ينسخ بالعام ولو كان العام متأخراً عنه في الصحيح الذي عليه جمهور العلماء؛ لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يبطل الظاهر حكم النص، وقد رُوي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كذب عليه في حياته) ، وقال لحي من العرب: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم)، وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة، وفي بعضها: أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه، وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدقوه ونزل على تلك المرأة، وحينئذ فإن هذا الرجل قد زنى ونسب إباحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كفر وردة عن الدين. وفي صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليـاً بقتل القبطي الذي كان يدخل على أم ولده مارية وكان الناس يتحدثون بذلك، فلما وجده علي مجبوباً تركه).وقد حمله بعضهم على أن القبطي لم يكن أسلم بعد، وأن المعاهد إذا فعل ما يؤذي المسلمين انتقض عهده، فكيف إذا آذى النبي صلى الله عليه وسلم؟!وقال بعضهم: بل كان مسلماً، ولكنه نهي عن ذلك فلم ينته، حتى تكلم الناس بسببه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وآذى النبي صلى الله عليه وسلم في فراشه فأبيح دمه، لكن لما ظهرت براءته بالعيان تبين للناس براءة مارية ، فزال السبب المبيح للقتل.وقد روي عن الإمام أحمد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود وغيره ليس له ذلك.كأنه يشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى مصلحة ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من التعدي والحيف، وأما غيره فليس له ذلك؛ لأنه غير مأمون عليه التعدي بالهوى.قال أبو داود : سمعت أحمد سئل عن حديث أبي بكر : ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لم يكن لـأبي بكر أن يقتل رجلاً إلا بإحدى ثلاث، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل كذلك.وحديث أبي بكر المشار إليه هو: أن رجلاً كلم أبا بكر فأغلظ له، فقال له أبو برزة : ألا أقتله يا خليفة رسول الله؟ فقال أبو بكر : ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل هذا القبطي، ويتخرج عليه أيضاً حديث الأمر بقتل السارق إن كان صحيحاً، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله في أول مرة فراجعوه فيه فقطعه، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله فيراجع فيه فيقطع، حتى قُطعت أطرافه الأربعة، ثم قتل في الخامسة، والله تعالى أعلم ).وعلى كل هذه الأمور إما أن تكون مضافة، أو أنها مخرجة على أنها تدخل تحت هذه الأمور الثلاثة التي جاءت في الحديث، كما صنع الحافظ ابن رجب رحمه الله، وقال: إنها ترجع إليها، وبين وجه ذلك.
 معنى قوله: التارك لدينه المفارق للجماعة
قوله: ( والتارك لدينه المفارق للجماعة ) التارك لدينه: هو المرتد عن الإسلام -والعياذ بالله- فمن دخل في الإسلام ثم خرج منه يعتبر مرتداً، وهو يختلف عن الكافر الأصلي؛ فإن من ارتد عن الإسلام ليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام وإلا القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)؛ وذلك لأنه دخل في الإسلام، وذاق حلاوته، وصار من أهله، فإذا خرج منه رغبة عنه فإنه لا يبقى؛ بل إما أن يرجع إلى الإسلام وإما أن يقتل، بخلاف الكافر الأصلي إذا كان معاهداً أو مستأمناً فإنه يبقى على عهده وأمانه، وكذلك الكفار الذين دفعوا الجزية وصاروا تحت حكم الإسلام، فإنهم يبقون على ما هم عليه، ولكن من كان مسلماً ثم رجع إلى الكفر -والعياذ بالله- فليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام ويتوب وإلا القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، وذلك عام يشمل الذكر والأنثى.وقوله: (المفارق للجماعة)، هو توضيح لقوله: (التارك لدينه)؛ لأنه خرج عن جماعة المسلمين بخروجه عن دينهم.هذه هي الأمور الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث، والتي قال فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).
الأسئلة

 حكم استخدام المدرسين لكهرباء المدرسة لأجل اللعب بالكرة
السؤال: نحن مجموعة من المدرسين في قرية من القرى، ودائماً نذهب إلى المدرسة من بعد المغرب إلى العشاء، وأحياناً إلى بعد العشاء، ونلعب الكرة، ونشغل الكهرباء، وهذا العمل قد أخذنا فيه إذناً من مدير المدرسة، فهل عملنا صحيح أو فيه شبهة؟الجواب: المناسب أن تشتغلوا بغير اللعب، وأن تكونوا من أهل الجد، ولا تكونوا من أهل الهزل، لا سيما وأنتم معلمون وكبار، والمفروض أن تكونوا قدوة لغيركم، فكونوا قدوة في الجد، ولا تكونوا قدوة في الهزل، وما ينبغي أن تستعملوا الكهرباء في مثل هذا العمل.والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [18] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net