إسلام ويب

شرح الأربعين النووية [2]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حديث عمر في النية من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وهو قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وأول دعائم الإيمان، حتى قيل: إنه ثلث العلم. وقد عظم العلماء هذا الحديث تعظيماً كبيراً حتى رأوا البداءة به في مصنفاتهم، وذلك تنبيهاً لطالب العلم إلى تصحيح نيته، وإخلاص قصده لله تبارك وتعالى في خفي عمله وظاهره، وفي قليله وكثيره، ليجازى بالجزاء الحسن عند الله تبارك وتعالى.

    1.   

    حديث النية من الأحاديث الغريبة

    الحديث الأول هو حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ونذكر ما كتبناه عن هذا الحديث:

    أولاً: أخرجه البخاري و مسلم وأصحاب السنن وغيرهم، وقد تفرد براويته عن عمر علقمة بن وقاص الليثي ، وتفرد به عنه محمد بن إبراهيم التيمي ، وتفرد به عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم كثر الآخذون عنه، فهو من غرائب صحيح البخاري ، وهو فاتحته، ومثله في ذلك خاتمته، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ..).

    1.   

    فضل حديث النية وافتتاح الكتب به

    افتتح النووي أحاديث الأربعين بهذا الحديث، وقد افتتح جماعة من أهل العلم كتبهم به، منهم الإمام البخاري ، فقد افتتح (صحيحه) به، و عبد الغني المقدسي في كتابه (عمدة الأحكام)، و البغوي ، في كتابيه (مصابيح السنة)، و(شرح السنة) به، وافتتح السيوطي كتابه (الجامع الصغير) به.

    وعقد النووي في أول كتابه المجموع شرح المهذب فصلاً قال فيه:

    (فصل في الإخلاص والصدق وإحضار النية في جميع الأعمال البارزة والخفية) وأورد فيه ثلاث آيات من القرآن، ثم حديث: (إنما الأعمال بالنيات).

    ثم قال: (حديث صحيح متفق على صحته، ومجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو إحدى قواعد الإيمان وأول دعائمه وآكد الأركان).

    قال الشافعي رحمه الله: (يدخل هذا الحديث في سبعين باباً من الفقه)، وقال أيضاً: (هو ثلث العلم)، وكذا قاله -أيضاً- غيره.

    وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف في عدها، فقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة. وقيل: اثنان. وقيل: حديث. وقد جمعتها كلها في (جزء الأربعين) فبلغت أربعين حديثاً، لا يستغني متدين عن معرفتها؛ لأنها كلها صحيحة، جامعة قواعد الإسلام في الأصول والفروع والزهد والآداب ومكارم الأخلاق وغير ذلك، وإنما بدأت بهذا الحديث تأسياً بأئمتنا ومتقدمي أسلافنا من العلماء رضي الله عنهم، وقد ابتدأ به إمام أهل الحديث -بلا مدافعة- أبو عبد الله البخاري صحيحه.

    ونقل جماعة أن السلف كانوا يستحبون افتتاح الكتب بهذا الحديث تنبيهاً للطالب على تصحيح النية وإرادته وجه الله تعالى بجميع أعماله البارزة والخفية.

    وروينا عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله أنه قال: (لو صنفت كتاباً بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث)، وروينا أيضاً عنه أنه قال: (من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث).

    وقال الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي الشافعي الإمام في كتابه المعالم: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) أمام كل شيء يُنشأ ويبتدأ من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها). انتهى كلام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح المهذب.

    1.   

    تخريج حديث النية

    جاء في حاشية (جامع العلوم والحكم):

    أخرجه البخاري ، و مسلم ، و الحميدي ، و الطيالسي ، و أحمد ، و ابن المبارك في الزهد، و أبو داود ، و الترمذي ، و النسائي ، و ابن ماجه و مالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن ، و ابن حبان ، و ابن الجارود ، و الطحاوي في شرح معاني الآثار، و الدارقطني في السنن وفي العلل، و القضاعي في مسند الشهاب، و البيهقي في السنن الكبرى وفي المعرفة، و أبو نعيم في الحلية وفي أخبار أصبهان، و الخطيب البغدادي في تاريخه، و البغوي في شرح السنة.

    قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم:

    واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، وبه صدّر البخاري كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة.

    1.   

    حديث النية من الأحاديث التي يدور الدين عليها

    قال ابن رجب : وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها، فروي عن الشافعي أنه قال: (هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين باباً من الفقه).

    وعن الإمام أحمد قال: (أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر (الأعمال بالنيات)، وحديث عائشة رضي الله عنها (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما (الحلال بين والحرام بين) ).

    وقال ابن رجب أيضاً في توجيه كلام الإمام أحمد : (فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات، وترك المحظورات، والتوقف عن الشبهات)، وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير ، وإنما يتم ذلك بأمرين:

    أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).

    والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله عز وجل، كما تضمنه حديث عمر (الأعمال بالنيات).

    وأورد ابن رجب نقولاً عن بعض العلماء في الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، وأن منهم من قال: إنها اثنان ومنهم من قال: أربعة. ومنهم من قال: خمسة. والأحاديث التي ذكرها عنهم بالإضافة إلى الثلاثة الأولى هي: حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ..)، وحديث (من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه)، وحديث (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وحديث (لا ضرر ولا ضرار)، وحديث (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وحديث (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، وحديث (الدين النصيحة ..)، وكل هذه الأحاديث من الأحاديث التي أوردها النووي في (الأربعين).

    1.   

    شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات)

    قوله: (إنما الأعمال بالنيات).

    (إنما): أداة حصر.

    والألف واللام في (الأعمال) قيل: إنها خاصة بالقُرَب، وقيل: إنها للعموم في كل عمل، فما كان منها قُربة أثيب عليها فاعلها، وما كان منها من أمور العادات كالأكل والشرب والنوم فإن العامل يثاب عليها إذا نوى بها التقوي على الطاعة.

    والألف واللام في (النيات) بدلاً من الضمير، والأصل: الأعمال بنياتها، ومتعلق الجار والمجرور محذوف تقديره (معتبرة) أي: الأعمال معتبرة بنياتها.

    والنية في اللغة: القصد، وتأتي للتمييز بين العبادات كتمييز فرض عن فرض، أو فرض عن نفل، وتمييز العبادات، عن العادات كالغسل من الجنابة، والغسل للتبرد والتنظف.

    العمل تابع للنية خيراً وشراً

    خامساً: قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى).

    قال ابن رجب : هذا إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه، فإن نوى خيراً حصل له خير، وإن نوى شراً حصل له شر، وليس هذا تكراراً محضاً للجملة الأولى، فإن الجملة الأولى دلّت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة فيكون العمل مباحاً، فلا يحصل له به ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب نيته التي صار العمل صالحاً أو فاسداً أو مباحاً بها.

    الهجرة وأنواعها

    قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    الهجرة: مأخوذة من الهجر، وهو الترك، وتكون بترك بلد الخوف إلى بلد الأمن، كالهجرة من مكة إلى الحبشة، وتكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، كالهجرة من مكة إلى المدينة، وقد انتهت الهجرة إليها بفتح مكة، والهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام باقية إلى قيام الساعة.

    وقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) اتحد فيه الشرط والجزاء، والأصل اختلافهما، والمعنى: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصداً فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وأجراً، وبهذا يحصل التغاير.

    قال ابن رجب : لما ذكر صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالاً من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال.

    وقال أيضاً: فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها، فمن هاجر إلى دار الإسلام حباً لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام، وإظهار دينه الذي قد يعجز عنه في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقاً، وكفاه شرفاً وفخراً أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام، فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول: تاجر، والثاني خاطب، وليس واحد منهما بمهاجر.

    وفي قوله: (إلى ما هاجر إليه) تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به، حيث لم يذكره بلفظه.

    وأيضاً فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة، فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة، ومحرمة أخرى، وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: (فهجرته إلى ما هاجر إليه ) يعني: كائناً ما كان.

    وهذا هو آخر ما كتبناه حول هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح مقدمة الإمام النووي على الأربعين

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:

    الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مدبر الخلائق أجمعين، باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين؛ لهدايتهم وبيان شرائع الدين، بالدلائل القطعية وواضحات البراهين، أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين، المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وآل كل وسائر الصالحين، أما بعد:

    ما جاء في أجر حفظ أربعين حديثاً

    فقد رُوَّينا عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وأبي الدرداء ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم من طرق كثيرات، بروايات متنوعات: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء)، وفي رواية: (بعثه الله فقيهاً عالماً)، وفي رواية أبي الدرداء : (وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً)، وفي رواية ابن مسعود : (قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت)، وفي رواية ابن عمر : (كتب في زمرة العلماء، وحشر في زمرة الشهداء).

    وقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثُرت طرقه ].

    ومعلوم أنّ كثرة الطرق لا يتقوى بعضها ببعض دائماً، وإنما ذلك إذا كان الضعف خفيفاً يجبر، وأما إذا كان الضعف شديداً فإنّ كثرتها لا تفيدها شيئاً، فتفيده الطرق الكثيرة حيث يكون الضعف يسيراً، فإن ضم بعضها إلى بعض فإن ذلك يرفعها إلى الحسن لغيره كما هو معلوم، وأما إذا كانت الطرق المتعددة كلها ضعفها شديد فإن وجودها كعدمها لا يفيد الحديث شيئاً.

    العلماء الذين صنفوا في الأربعين

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:

    [وقد صنف العلماء -رضي الله تعالى عنهم- في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، فأول من علمته صنف فيه: عبد الله بن المبارك ، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسائي ، وأبو بكر الآجري ، وأبو بكر بن إبراهيم الأصفهاني ، والدارقطني ، والحاكم ، وأبو نعيم ، وأبو عبد الرحمن السلمى ، وأبو سعيد الماليني ، وأبو عثمان الصابوني ، وعبد الله بن محمد الأنصاري ، وأبو بكر البيهقي ، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين، وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثاً اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ].

    هذا الكلام ليس مسلّماً به؛ ففضائل الأعمال وغير فضائل الأعمال كلها لا بد فيها من التعويل على الأحاديث الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونسبة الشيء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والإتيان به تعبداً لا يكون إلا بالصحيح الثابت، ولا فرق في ذلك بين فضائل الأعمال وغير فضائل الأعمال.

    نعم: إذا كان الحديث في فضائل الأعمال، وكانت هناك أحاديث تدل على معناه فإنّ المعول على غيره، فوجوده مع غيره ليس اعتماداً عليه، وإنما الاعتماد على غيره، وذلك مثل صلاة الجماعة، فقد جاءت فيها أحاديث صحيحة وأحاديث ضعيفة، والعمل على الأحاديث الصحيحة، وليس العمل على الحديث الضعيف الذي يأتي فيها.

    وأما إذا كان الحديث لم يثبت، أو لم يأت إلا عن طريق ضعيف، فعند ذلك لا يتعبد الله عز وجل بشيء لم يأت إلا بطريق ضعيف، سواء في فضائل الأعمال أو غير فضائل الأعمال.

    عمدة النووي في تأليفه الأربعين

    قال رحمه الله تعالى:

    [ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل على قوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) ].

    إنّ أول شيء يسمعه طلاب العلم من الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام هو هذه الأحاديث، فقد صارت مشهورة، ولها شهرة لم تحصل لشيء من الكتب التي ألفت في الأربعين على كثرتها، كما ذكره النووي ، وقد حصل لهذه الأربعين قبول، كما حصل لكتابه (رياض الصالحين) أيضاً قبول عند الناس، واشتهرا عند الناس، وصار الخواص والعوام كلهم بحاجة إلى مثل هذين الكتابين.

    الأبواب التي جمع فيها العلماء الأربعين

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:

    [ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد ].

    يعني أنّ من الناس من حصرها في موضوع معين، فمنهم من جعلها في أصول الدين -أي: في العقيدة-، ومنهم من جعلها في الجهاد، ومنهم من جعلها في الفروع -يعني: في المسائل الفقهية-، ومنهم من جعلها عامة جامعة في الأخلاق والعبادات وغير ذلك.

    قال رحمه الله تعالى:

    [ وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة رضي الله تعالى عن قاصديها، وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثاً مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وقد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام، أو ثلثه، أو نحو ذلك، ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم ].

    هذا الكلام على اعتبار أنه يراها كلها صحيحة، وسنذكر عند كل حديث بيان حاله، فكلها صحيحة وثابتة إلا بعضها ففيها كلام لبعض العلماء، وهو شيء يسير منها.

    قال رحمه الله تعالى:

    [وأذكرها محذوفة الأسانيد؛ ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى، ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها.

    وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبره، وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة].

    رحم الله الإمام النووي فهذا كلام جميل، وقصد طيب، فقد بين رحمه الله أن الحديث -أي: حديث فضل حفظ أربعين حديثاً- اتفق الحفاظ على ضعفه، وأنه ليس بثابت، وأنه إنما فعل ذلك اقتداء بالذين سبقوه، وتعويلاً على الأحاديث الصحيحة الدالة على فضل حفظ السنة، ومن ذلك الدعاء لمن حفظها وبلغها بأن ينضر الله وجهه، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليبلغ الشاهد الغائب).

    وإن الإمام النووي بفعله هذا رحمه الله، وانتفاع الناس بهذه الأحاديث التي جمعها، وتتابعهم عليها، واشتغال الخاص بها والعام، وكون الطلاب ينشئون عليها حصل له خير كثير وفضل كبير رحمه الله؛ فإن كل من يقرأ هذه الأحاديث يدعو له، ويستفيد منها، ولا شك في أن هذا من العلم الذي ينتفع به، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

    1.   

    الأسئلة

    سبب ورود حديث: (إنما الأعمال بالنيات)

    السؤال: يقول ابن دقيق العيد رحمه الله عن حديث الأعمال بالنيات: وهذا الحديث ورد على سبب، وهو أنهم نقلوا أن رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس ، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، فكان يقال له: مهاجر أم قيس ، والله أعلم فهل هذا صحيح؟

    الجواب: لم يثبت أن هذا الحديث ورد بسبب هذا القصة، وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله هذا، فقال رحمه الله: إنه اشتهر عند العلماء كذا وكذا، فلم يثبت في ذلك شيء صحيح عن رسول الله.

    تعلق النية بالإخلاص لله تعالى

    السؤال: في شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ذكرتم أنّ النية تكون لتمييز الفرائض في العبادات بعضها عن بعض، والعبادات عن العادات، فلو ذكرتم لنا ما تتعلق به النية من الإخلاص لوجه الله تبارك وتعالى في الأعمال.

    الجواب: هذا معنى آخر يتعلق بالتوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل، وهو أحد الركنين اللذين يقوم عليهما دين الإسلام، وهما: إخلاص العمل لله، واتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وكل عمل من الأعمال لا بد من أن يكون خالصاً لله، وأن يكون مطابقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى كونه خالصاً لله أن لا يشرك فيه مع الله غيره.

    لكن الذي يذكر في كتب الفقه وفي كتب الحديث هو ما يتعلق بهذين الأمرين: تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز: صلاة الظهر عن صلاة العصر، وكذلك الصوم في كونه فرضاً، أو نذراً، أو كفارة، ونحو ذلك من العبارات الواجبة، وكذلك تمييز العبادة في كونها فرضاً أو نافلة، فهذا كله تمييز للعبادات بعضها عن بعض، سواءٌ كانت العبادات كلها فروضاً، أم كان بعضها فرضاً وبعضها نفلاً .

    والأمر الثاني: تمييز العبادات عن العادات، كالاغتسال من الجنابة، والاغتسال للتبرد والتنظف، فإن الاغتسال من الجنابة شيء واجب ولازم وفرض وعبادة، والاغتسال للتنظف والتبرد عادة.

    فلو أن إنساناً اغتسل للتبرد وعليه جنابة ولم يكن مستحضراً رفع الجنابة ولم ينو عند الاغتسال رفع الحدث فإن الحدث يبقى ولو حصلت له النظافة، ولو حصل له التبرد؛ لأن النية لا بد منها في العمل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، وهذا الاغتسال لم يُرد به رفع الحدث، فلا يرتفع الحدث، بل هو باق، ولا يرتفع إلا إذا اغتسل الإنسان بعد ذلك ناوياً رفع الحدث لتمييز العبادات عن العادات.

    ويمكن أن يجمع بين العبادات، ويمكن أن تفرد كل عبادة على حدة، فمثل الجنابة والجمعة يكفيهما غسل واحد ينوي به هذا وهذا، ولهذا قال الإمام أبو داود رحمه الله بعد ذكره حديثاً من أحاديث الجمعة في كتابه (السنن) قال: ولو أن إنساناً أصبح وعليه جنابة واغتسل بعد طلوع الفجر ناوياً غسل الجنابة وناوياً غسل الجمعة فإنه يجزئه عن الجمعة، مع كونه اغتسل للجنابة.

    الأجر تابع للاحتساب

    السؤال: ذكر في الحديث: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فأكل منه الطير أو الدواب أو الإنس إلا كان له صدقة)، فهذا الغرس لم يتعلق به نية؛ لأن من يزرع زرعاً فإنّه لا ينوي أن يأكل منه الطير والدواب؟

    الجواب: معلوم أن كل ما يخرج من الإنسان مما ينفع غيره يعود عليه بالفائدة، مثل النفقة، فيكون الإنسان قد أدى ما عليه ولو لم ينو، وأما من ناحية الأجر فلا يكون إلا بالنية، ولكن إذا غرس الإنسان هذا الغرس وفي نيته أنه يستفيد منه ويفيد غيره فكل من يستفيد منه -سواءٌ أكان مقصوداً أم غير مقصود، وسواء أراد أن يصل إليه أو لم يرد، ككونه يعطي الفقراء والمساكين، أو تأتي الحيوانات وتأكل منه- فإنه يحصل الأجر على ذلك.

    الجمع بين حديث الأعمال بالنيات وقصة إسلام أبي طلحة ليتزوج بأم سليم

    السؤال: كيف نجمع بين الحديث: (فمن كانت هجرته إلى الله)، وبين قصة أبي طلحة رضي الله عنه حين دخل في الإسلام بسبب أم سليم ، فقد كانت شرطت عليه الإسلام لتتزوجه؟

    الجواب: معلوم أنّ ذاك انتقال من الكفر إلى الإسلام، ولا شك في أنه كان منهم من يدخل في الإسلام رغبة في الدنيا ثم لا يمسي إلا والدين أحب إليه من الدنيا وما فيها، كما جاء عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فهذا دخول في الإسلام، ومعلوم أنّ الإنسان إذا خرج من الكفر إلى الإسلام فلا شك في أنه قد حصل له السلامة من الكفر، ولو كان دخل الإسلام من أجل غرض، ثم هذا الغرض الذي دخل من أجله لا يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام خيراً له من الدنيا وما فيها، فهناك فرق بين الدخول في الإسلام من أجل غرض ثم يصير الغرض سبباً في إنقاذه وسلامته من النار ومن الخلود فيها أبد الآباد، وبين كون الإنسان المسلم يعمل عملاً صالحاً لم يرد به القربة، وإنما أراد به الدنيا.

    حفظ العلم للمشاركة في المسابقات

    السؤال: إذا نوى الإنسان بحفظ الأربعين المشاركة في إحدى المسابقات ليشتري بالجائزة كتباً يستعين بها على طلب العلم، فهل تصلح هذه النية؟

    الجواب: هذا يدخل تحت قوله: (لكل امرئ ما نوى)، ويدخل تحت قوله: (من كانت) فإذا حفظها وكان حفظه لها، واستذكاره لها ومرور تلك المعاني على نفسه وقلبه من أجل أن يستفيد وأن يؤثر ذلك فيه فلا بأس بذلك، وأما إذا كان يريد من ذلك الدنيا فإنه لا يحصل إلا الدنيا.

    قصد الإمام البخاري بابتدائه بحديث غريب، وختمه بحديث غريب

    السؤال: ما قصْد الإمام البخاري بابتدائه بحديث غريب وختمه بحديث غريب؟

    الجواب: لعله استنتج ذلك من حديث: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، فلا أدري هل لاحظ هذا المعنى، أو أنّ له غرضاً آخر لا أعرفه.