اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [2] للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح الأربعين النووية [2] - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
حديث عمر في النية من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وهو قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وأول دعائم الإيمان، حتى قيل: إنه ثلث العلم.وقد عظم العلماء هذا الحديث تعظيماً كبيراً حتى رأوا البداءة به في مصنفاتهم، وذلك تنبيهاً لطالب العلم إلى تصحيح نيته، وإخلاص قصده لله تبارك وتعالى في خفي عمله وظاهره، وفي قليله وكثيره، ليجازى بالجزاء الحسن عند الله تبارك وتعالى.
حديث النية من الأحاديث الغريبة
الحديث الأول هو حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ونذكر ما كتبناه عن هذا الحديث:أولاً: أخرجه البخاري و مسلم وأصحاب السنن وغيرهم، وقد تفرد براويته عن عمر علقمة بن وقاص الليثي ، وتفرد به عنه محمد بن إبراهيم التيمي ، وتفرد به عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم كثر الآخذون عنه، فهو من غرائب صحيح البخاري ، وهو فاتحته، ومثله في ذلك خاتمته، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ..).
 

فضل حديث النية وافتتاح الكتب به
افتتح النووي أحاديث الأربعين بهذا الحديث، وقد افتتح جماعة من أهل العلم كتبهم به، منهم الإمام البخاري ، فقد افتتح (صحيحه) به، و عبد الغني المقدسي في كتابه (عمدة الأحكام)، و البغوي ، في كتابيه (مصابيح السنة)، و(شرح السنة) به، وافتتح السيوطي كتابه (الجامع الصغير) به.وعقد النووي في أول كتابه المجموع شرح المهذب فصلاً قال فيه: (فصل في الإخلاص والصدق وإحضار النية في جميع الأعمال البارزة والخفية) وأورد فيه ثلاث آيات من القرآن، ثم حديث: (إنما الأعمال بالنيات). ثم قال: (حديث صحيح متفق على صحته، ومجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو إحدى قواعد الإيمان وأول دعائمه وآكد الأركان).قال الشافعي رحمه الله: (يدخل هذا الحديث في سبعين باباً من الفقه)، وقال أيضاً: (هو ثلث العلم)، وكذا قاله -أيضاً- غيره. وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف في عدها، فقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة. وقيل: اثنان. وقيل: حديث. وقد جمعتها كلها في (جزء الأربعين) فبلغت أربعين حديثاً، لا يستغني متدين عن معرفتها؛ لأنها كلها صحيحة، جامعة قواعد الإسلام في الأصول والفروع والزهد والآداب ومكارم الأخلاق وغير ذلك، وإنما بدأت بهذا الحديث تأسياً بأئمتنا ومتقدمي أسلافنا من العلماء رضي الله عنهم، وقد ابتدأ به إمام أهل الحديث -بلا مدافعة- أبو عبد الله البخاري صحيحه.ونقل جماعة أن السلف كانوا يستحبون افتتاح الكتب بهذا الحديث تنبيهاً للطالب على تصحيح النية وإرادته وجه الله تعالى بجميع أعماله البارزة والخفية.وروينا عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله أنه قال: (لو صنفت كتاباً بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث)، وروينا أيضاً عنه أنه قال: (من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث).وقال الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي الشافعي الإمام في كتابه المعالم: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) أمام كل شيء يُنشأ ويبتدأ من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها). انتهى كلام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح المهذب.
 

تخريج حديث النية
جاء في حاشية (جامع العلوم والحكم):أخرجه البخاري ، و مسلم ، و الحميدي ، و الطيالسي ، و أحمد ، و ابن المبارك في الزهد، و أبو داود ، و الترمذي ، و النسائي ، و ابن ماجه و مالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن ، و ابن حبان ، و ابن الجارود ، و الطحاوي في شرح معاني الآثار، و الدارقطني في السنن وفي العلل، و القضاعي في مسند الشهاب، و البيهقي في السنن الكبرى وفي المعرفة، و أبو نعيم في الحلية وفي أخبار أصبهان، و الخطيب البغدادي في تاريخه، و البغوي في شرح السنة. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول، وبه صدّر البخاري كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة.
 

حديث النية من الأحاديث التي يدور الدين عليها
قال ابن رجب : وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها، فروي عن الشافعي أنه قال: (هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين باباً من الفقه).وعن الإمام أحمد قال: (أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر (الأعمال بالنيات)، وحديث عائشة رضي الله عنها (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما (الحلال بين والحرام بين) ).وقال ابن رجب أيضاً في توجيه كلام الإمام أحمد : (فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات، وترك المحظورات، والتوقف عن الشبهات)، وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير ، وإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله عز وجل، كما تضمنه حديث عمر (الأعمال بالنيات).وأورد ابن رجب نقولاً عن بعض العلماء في الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، وأن منهم من قال: إنها اثنان ومنهم من قال: أربعة. ومنهم من قال: خمسة. والأحاديث التي ذكرها عنهم بالإضافة إلى الثلاثة الأولى هي: حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ..)، وحديث (من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه)، وحديث (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وحديث (لا ضرر ولا ضرار)، وحديث (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وحديث (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، وحديث (الدين النصيحة ..)، وكل هذه الأحاديث من الأحاديث التي أوردها النووي في (الأربعين).
 

شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات)
قوله: (إنما الأعمال بالنيات).(إنما): أداة حصر.والألف واللام في (الأعمال) قيل: إنها خاصة بالقُرَب، وقيل: إنها للعموم في كل عمل، فما كان منها قُربة أثيب عليها فاعلها، وما كان منها من أمور العادات كالأكل والشرب والنوم فإن العامل يثاب عليها إذا نوى بها التقوي على الطاعة.والألف واللام في (النيات) بدلاً من الضمير، والأصل: الأعمال بنياتها، ومتعلق الجار والمجرور محذوف تقديره (معتبرة) أي: الأعمال معتبرة بنياتها.والنية في اللغة: القصد، وتأتي للتمييز بين العبادات كتمييز فرض عن فرض، أو فرض عن نفل، وتمييز العبادات، عن العادات كالغسل من الجنابة، والغسل للتبرد والتنظف.
 الهجرة وأنواعها
قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). الهجرة: مأخوذة من الهجر، وهو الترك، وتكون بترك بلد الخوف إلى بلد الأمن، كالهجرة من مكة إلى الحبشة، وتكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، كالهجرة من مكة إلى المدينة، وقد انتهت الهجرة إليها بفتح مكة، والهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام باقية إلى قيام الساعة.وقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) اتحد فيه الشرط والجزاء، والأصل اختلافهما، والمعنى: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصداً فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وأجراً، وبهذا يحصل التغاير.قال ابن رجب : لما ذكر صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثالاً من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال. وقال أيضاً: فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها، فمن هاجر إلى دار الإسلام حباً لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام، وإظهار دينه الذي قد يعجز عنه في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقاً، وكفاه شرفاً وفخراً أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها في دار الإسلام، فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول: تاجر، والثاني خاطب، وليس واحد منهما بمهاجر.وفي قوله: (إلى ما هاجر إليه) تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به، حيث لم يذكره بلفظه. وأيضاً فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة، فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة، ومحرمة أخرى، وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: (فهجرته إلى ما هاجر إليه ) يعني: كائناً ما كان. وهذا هو آخر ما كتبناه حول هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح مقدمة الإمام النووي على الأربعين
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مدبر الخلائق أجمعين، باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين؛ لهدايتهم وبيان شرائع الدين، بالدلائل القطعية وواضحات البراهين، أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين، المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وآل كل وسائر الصالحين، أما بعد:
 الأبواب التي جمع فيها العلماء الأربعين
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:[ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد ]. يعني أنّ من الناس من حصرها في موضوع معين، فمنهم من جعلها في أصول الدين -أي: في العقيدة-، ومنهم من جعلها في الجهاد، ومنهم من جعلها في الفروع -يعني: في المسائل الفقهية-، ومنهم من جعلها عامة جامعة في الأخلاق والعبادات وغير ذلك.قال رحمه الله تعالى: [ وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة رضي الله تعالى عن قاصديها، وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثاً مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وقد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام، أو ثلثه، أو نحو ذلك، ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم ]. هذا الكلام على اعتبار أنه يراها كلها صحيحة، وسنذكر عند كل حديث بيان حاله، فكلها صحيحة وثابتة إلا بعضها ففيها كلام لبعض العلماء، وهو شيء يسير منها.قال رحمه الله تعالى: [وأذكرها محذوفة الأسانيد؛ ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى، ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها. وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث؛ لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبره، وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة].رحم الله الإمام النووي فهذا كلام جميل، وقصد طيب، فقد بين رحمه الله أن الحديث -أي: حديث فضل حفظ أربعين حديثاً- اتفق الحفاظ على ضعفه، وأنه ليس بثابت، وأنه إنما فعل ذلك اقتداء بالذين سبقوه، وتعويلاً على الأحاديث الصحيحة الدالة على فضل حفظ السنة، ومن ذلك الدعاء لمن حفظها وبلغها بأن ينضر الله وجهه، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليبلغ الشاهد الغائب). وإن الإمام النووي بفعله هذا رحمه الله، وانتفاع الناس بهذه الأحاديث التي جمعها، وتتابعهم عليها، واشتغال الخاص بها والعام، وكون الطلاب ينشئون عليها حصل له خير كثير وفضل كبير رحمه الله؛ فإن كل من يقرأ هذه الأحاديث يدعو له، ويستفيد منها، ولا شك في أن هذا من العلم الذي ينتفع به، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
الأسئلة

 قصد الإمام البخاري بابتدائه بحديث غريب، وختمه بحديث غريب
السؤال: ما قصْد الإمام البخاري بابتدائه بحديث غريب وختمه بحديث غريب؟الجواب: لعله استنتج ذلك من حديث: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، فلا أدري هل لاحظ هذا المعنى، أو أنّ له غرضاً آخر لا أعرفه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية [2] للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net