إسلام ويب

الأزمة المعاصرة وكيفية الخلاصللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل الأزمات التي تحصل للمسلمين اليوم هي أزمات مفتعلة، ومردها كلها إلى أزمة واحدة، وهي الأزمة في العقيدة، ولذا فقد كان إصلاح العقيدة سبباً في امتثال أمر الله ورسوله؛ الأمر الذي يعود بصلاح حال الأمة في الدنيا والآخرة، ولأجل ذلك فقد اهتم الإسلام بأصول الدين -وهي مسائل الاعتقاد والتوحيد- قبل فروعه.

    1.   

    الأزمات المفتعلة وكيفية مواجهتها

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    يتحدث كثير من المسلمين في هذه الأزمنة المتأخرة عن الأزمة التي يمر بها المسلمون في كل مصر وفي كل بلد من البلدان، تارة ينسبون هذه الأزمة إلى الأزمة الاقتصادية، وتارة يقولون: أزمة سياسية، وتارة يقولون: هي نقص في القوى المادية، وتارة يقولون: هو عجز في الجانب الاجتماعي، وكل هذه -ولا شك- أزمات مفتعلة افتعلها المفتعلون -قاتلهم الله- ليشغلوا المسلمين بهذه الأزمات المكذوبة المفتراة.

    والحقيقة لو نظرنا إلى هذه الأزمات المفتراة على فرض صحتها ووجودها لحلها بعض السنة، فلو نظرنا مثلاً إلى أزمة المواصلات لوجدنا أنه يحلها حديث واحد، بل شطر حديث، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له). فهذا الشطر من الحديث لو أخذنا به لما وجدنا مطلقاً هذه الدعوى.

    والشطر الثاني من الحديث قال: (ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له) أي: فضل طعام وفضل شراب وغير ذلك، فلو أن رجلاً عنده ما يكفيه ويكفي أولاده، ويزيد فيتصدق بهذه الزيادة على من لم يكن له طعام ولا شراب لما وجدت أبداً فقيراً واحداً في المجتمع المسلم، وخاصة لو كان هذا التصدق أو هذا البر موجوداً على مستوى كبير، كإخراج الزكوات مثلاً، أو إخراج الخمس من البترول وغير ذلك.

    إن الأموال التي تستثمر في بلاد الكفر والضلال لو استثمرت في بلاد المسلمين لما وجدت فقيراً واحداً ولا عاطلاً واحداً، فكلها أزمات مفتعلة، والأمراض الكثيرة التي انتشرت إنما هي بسبب تخلفنا عن القرآن الكريم وعن السنة النبوية، فحديث واحد يعالج أمراضاً كثيرة جداً من الأمراض التي تنقلها إلينا المياه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه)، (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه)، فلا يؤخذ من هذا الحديث النهي عن البول فقط من الناحية الصحية في الماء الدائم، وكذلك النهي عن الاغتسال، وإنما يستفاد من هذا الحديث فوائد جمة عظيمة، منها:

    النهي عن التبول أو إلقاء الفضلات سواء كانت من براز وبول وبترول وغير ذلك في المياه؛ لأن هذه المياه لها منفعة عظيمة ولا يحيا الإنسان إلا بها، فتلويث المياه ينتج عنه أمراض كثيرة جداً منتشرة، ولو أننا حافظنا على المياه وحافظنا على البيئة لما وجدت هذه الأمراض، لكن بأيدينا لوثنا البيئة، وقد أمر الشرع بالحفاظ على البيئة وغيرها.

    فكلها أزمات مفتعلة نحن الذين افتعلناها، أو غيرنا افتعلها لنا لننشغل بها.

    نقول: إن الأزمة أزمة إيمانية، أزمة عقدية وعقدية، ضعف في الإيمان أو انعدام تصحيح المسار.

    إن الخروج من جميع الأزمات المفتعلة أو الموجودة لا يكون إلا بالرجوع إلى العقيدة الصحيحة وإلى الإيمان الصادق المتين، فهم يتكلمون كثيراً ويفتعلون أفاعيل كثيرة، ولا يتكلمون مطلقاً عن الإيمان بالله وتمتين الصلة والثقة به، وحسن الاعتماد والتوكل عليه، كل ذلك لا أحد يتكلم عنه، إنما هي نية خبيثة وشر أريد بنا فلننتبه إليه جميعاً.

    الزاد الإيماني في مواجهة الأزمة المالية

    لو نظرنا إلى المجتمع الأول مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من القرون الخيرية الثلاثة لوجدنا الفرق شاسعاً، فانظر إلى حالنا نحن الآن وانظر إلى السابقين في القرن الأول ثم الثاني ثم الثالث، انظر وقارن بين معتقداتهم، ومعتقداتنا، وبين إيمانهم وإيماننا، وبين حسن اتباعهم للنبي عليه الصلاة والسلام واتباعنا، وبين إيمانهم بالقدر وبجميع المسائل الإيمانية وتصحيح عقائدهم على الكتاب والسنة وبين إيماننا نحن، لقد تفرغنا من كل هذا، وبناءً عليه نفذ فينا الوعد الحق أننا لا يمكن أن ننتصر أبداً، ولا يمكن أن ننهض إلا بالرجوع إلى ما كان عليه أصحاب القرون الثلاثة الأولى، فإن حاجة القرون كلها السالفة والمتأخرة حاجة واحدة، فكل عصر ومصر يحتاج إلى قوة مادية وعسكرية وسياسية واجتماعية وغير ذلك من القوى، كل ذلك كان موجوداً أو غير موجود، وهو الآن موجود أو غير موجود، فالأيام والظروف لم تختلف، فحاجة الصحابة إلى المال مثل حاجتنا تماماً إلى المال، فهل فعلاً ما نحن فيه من تأخر هو بسبب المال؟ فإنني أعتقد اعتقاداً جازماً لا يتزعزع أن الأزمة المادية هذه أزمة مفتراة، فالصحابة رضي الله عنهم -وهم الذين نشر الله تعالى بهم الدين في ربوع الأرض وفتح بهم قلوب العباد والبلاد- كانوا أفقر الناس، ومع هذا كان الفتح على أيديهم ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وما فتحوه قد ضاع، ولا نستطيع نحن الآن على كثرة أموالنا وعددنا أن نرده.

    إذاً: الأزمة ليست أزمة مادية، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط الحجارة على بطنه من شدة الجوع، وكان أبو هريرة يقول: كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، يعني: أميل على الأرض بجنبي الذي فيه الكبد من الجوع، لعله يهون عليه أمر الجوع بهذا الاتكاء وهذا الاستناد، وكثير من الصحابة كان يبيت بلا طعام ولا شراب، وانظر إلى المرأة التي أوقدت سراجها ثم أطفأته حتى يأكل الضيف، فلما أصبح الصباح ذهب زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد عجب الله من صنيعكما هذه الليلة)، أو قال: (لقد ضحك الله من صنيعكما هذه الليلة).

    أمثلة كثيرة جداً من حياة السلف، كانوا فقراء أشد الفقر، بل كانوا يذهبون في غزوة أو سرية، وليس معهم إلا بعض التميرات، فكان الواحد منهم يأخذ التمرة ويحكها في أسنانه، ويشرب عليها الماء، هذا طعامه، ولقد رأينا في هذا الزمان أن بعض المجاهدين في أفغانستان كانوا يطبخون الذرة الصفراء ثم يأكلونها، والذي يجاهد اليوم يأكل الذرة، والذي لا يجاهد ولا يكون في خدمة المجاهدين يشرب الماء، كان هذا طعامهم.

    إذاً: الأزمة التي افتعلوها وقالوا: إنها أزمة ليست أزمة مادية، وإن كانت أزمة مادية فائتونا بالأموال التي نهبتموها من أموال المسلمين، والتي وضعتموها في بلاد الكفر، ونحن نسلم إن شاء الله من هذه الأزمة على فرض وقوعها وصحتها.

    زاد الإيمان المواجه للأزمات العسكرية

    وما يقال في الأزمة المادية يقال في كل أزمة، منها الأزمة العسكرية وفساد السلاح وغير ذلك، فإن كثيراً من الصحابة دخلوا وليس معهم إلا الخيل فقط، لم يملكوا سلاحاً ولا دروعاً، ومع هذا كتب الله تعالى النصر على أيديهم، فحاجة المسلمين في القرون السابقة مثل حاجتنا تماماً الآن، ومع هذا فقد رأينا أن الإسلام احتاج إلى الجرأة والشجاعة والإقدام وبذل النفس، فوجدنا كثيراً من السابقين يبذل نفسه وماله ودمه، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأتي بجميع ماله ويضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم حتى أشفق عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (ما تركت لأهلك يا أبا بكر ؟! قال: تركت لهم الله ورسوله) ثم يأتي عمر بنصف ماله، وليس هذا ببعيد ولا بغريب على أمثال هؤلاء الفضلاء العظماء، ورأينا من الناحية الأخرى بذل النفس والدم، ففي معركة اليرموك قال قوم للزبير: ألا تشد يا زبير فنشد معك؟! يعني: ألا تهجم وتحمل على العدو فنحمل معك، فلما حمل عليهم ضربوه ضربتين قويتين على عاتقه، وكان قد ضرب مرة بين هاتين الضربتين في غزوة بدر حتى قال عنه عروة ولده: كنت ألعب وأنا طفل صغير في هذه الضربات بأصبعي، أي: كان يدخل فيها أصابعه ويده يلعب فيها وهي بين عاتق والده.

    و بلال بن رباح وما أدراك ما بلال بن رباح ! لقد ضرب المثل الأعلى في الجهاد والصبر والدعوة إلى الله، كان يجر في الصحراء وفي رمال مكة الساخنة حتى قيل: إنه سلق لحمه حتى بدت عظامه، وكان تارة يسحب على بطنه حتى انسلخ لحم بطنه وكادت تظهر أحشاؤه؛ كل ذلك لصرفه وزحزحته عن إيمانه، وهو يقول: لا أترك ديني أبداً، أحد أحد، أحد أحد؛ لذلك استحق وسام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو وسام عظيم يذكر إلى أن تقوم الساعة.

    قال: أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا، وحق لـبلال أن يكون سيد كل من أتى بعده.

    وكذلك نرى من حب النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به أن أبا بكر في مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم لما صحبه وتبعه كان أبو بكر يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ويتأخر، والمعروف من أدب المشي مع الأفاضل والعظماء أن يكون الماشي نهاراً في الخلف وأن يكون الماشي ليلاً في الأمام، وهذا أدب من آداب السير في الطريق إذا كنت تسير مع عظيم كريم، فيجب إن كنتما تسيران ليلاً أن تتقدم عليه؛ لتكشف له الطريق فتوجهه وترشده، وإذا كان السير نهاراً فيجب أن تتأخر عنه، وذلك من الأدب المعلوم، فكان أبو بكر يسير معه فيتقدم ويتأخر، وكان ذلك لحراسة النبي صلى الله عليه وسلم ضد أعدائه وقد سمعتم ذلك من قبل، ولما دخل الغار دخل أبو بكر الصديق أولاً حتى يستكشف الغار وما به من حشرات وآفات وغير ذلك.

    والمثال الثاني: مثال أبي ذر الغفاري رضي الله عنه لما قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه القرآن وسمع منه الحديث فانشرح صدره للإسلام فنطق بالشهادة، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذها واذهب إلى قومك وانتظر حتى يأتيك أمري) أي: خذها واذهب إلى غفار، وغفار هذه قرية كان القرشيون يمرون عليها في تجارتهم إلى الشام، (فقال: والله -يا رسول الله- لأصدعن بها أو لأصرخن بها بين ظهرانيهم) أي: في الكعبة لقريش، فلما حدث ذلك ضربوه وانهالوا عليه ضرباً حتى أوجعوه كما ذكر البخاري ذلك في صحيحه، حتى خرج عليهم العباس وذكرهم أنه من غفار، وهي قرية يمرون عليها ذهاباً وإياباً في تجارتهم إلى الشام، فرجعوا عنه، ثم عادوا إليه فضربوه، فعلوا ذلك مراراً والعباس يحجبهم ويردهم عنه، ولم يثن ذلك أبا ذر الغفاري عن نشر دين الله عز وجل، والصدع بالدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    الأزمة الحقيقية

    كل ذلك -لا شك- يرشدنا وينبهنا إلى أن الأزمة ليست أزمة عسكرية ولا أزمة كثرة عدة ولا عدد ولا مادية ولا اجتماعية ولا غير ذلك، فالأزمة نابعة من أصل فاسد بنينا عليه قلوبنا، والنبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى أمر عظيم ويلفت أنظارنا إلى أمر مهم في غاية الأهمية، يقول : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فالقلب أهم شيء وأهم ركيزة في الإنسان، إن صلح القلب بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصادق وحسن التوكل وحسن الظن بالله والاعتماد عليه لا شك أن صاحب هذا القلب يسود الدنيا كلها حتى وإن كان ضعيفاً، وأما صاحب القلب الفاسد وإن ملك الدنيا بحذافيرها فلا شك أنه أرذل الناس وأذلهم، حتى وإن كان يظن في نفسه أنه من علية القوم، فكم من إنسان ملك المال فكان المال سبب هلاكه وضلاله حتى قال عن نفسه: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ [القصص:78]، ولم ينسب الفضل لله بل نسبه لنفسه، ومثل قارون هذا ملايين في هذه الأمة، كل إنسان بعيد عن الله وعن منهج الله وعن صراطه يتصور أن كل ما أوتي له من مال وعلم وجاه وسلطان إنما ذلك بذكائه وحنكته وحذاقته وعلمه، وأنه ليس من عند الله عز وجل، وهذا -ولا شك- هو سبب فساد العقيدة، أي: فساد القلب والعقيدة: هي الحكم الجازم الذي يعقده الإنسان في قلبه، فهذا الحكم الجازم لا يقبل التردد ولا الشك، والإيمان أحياناً يرد بمعنى العقيدة، والعقيدة أحياناً ترد بمعنى الإيمان: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52] والإيمان هو العقيدة، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].

    والإسلام في أول عصره احتاج إلى الكفاءات العلمية، فوجهت هذه الكفاءات بفضل إيمانها وصدق لجوئها إلى المولى عز وجل إلى خدمة الإسلام؛ فكان سبب انتشار هذه العلوم الشرعية في جميع بقاع الأرض وربوع المعمورة بسبب انتشار علماء الإسلام في كل بقاع الأرض، ولا نعلم هذه الكفاءات في أيامنا هذه.

    فالخلاصة: أن كل ما كان موجوداً في الصدور الأولى هو موجود الآن، ولكنه انحرف عن المسار فاتخذ وجهة لا يخدم فيها الإسلام وهذا في أقل أحواله، أو أنه انضم لأعداء الإسلام على حساب الإسلام وضده.

    فهذه الكفاءات موجودة في أيامنا هذه، ولكنها -كما ترون- مصروفة إما في الإذاعة والتلفزيون، وإما في الصحف والمجلات والجرائد، فتراه يتكلم ضد الإسلام، ويميع الهوية الإسلامية، ويقتل الشخصية الإسلامية مطلقاً، فكل ذلك موجود وملموس ولا ينكره إلا جاحد، فنقول: إن ما كان موجوداً هناك موجود هنا، ولكن الفارق بيننا وبينهم أمران: لو عرضنا اعتقادنا على الكتاب والسنة لكنا مخالفين للكتاب والسنة، ولو عرضنا أيامنا وأعمالنا على أعمال الصحابة وأيامهم لفاقونا بمراحل كثيرة.

    اهتمام الإسلام بأصول الدين

    ولم يبدأ الإسلام دعوته بالفروع وإنما بدأ دعوته بالأصول، والأصول هي العقيدة حتى عبر عنها بعض الفقهاء بأصول العلم، أو قال: أصول الدين، أي: أشاروا إلى العقيدة وإلى الإيمان بأصول الدين وأشاروا إلى الفقه بعلوم الشريعة، وقالوا: هذا العلم وهذا الدين، يميزون بين هذا وذاك، حتى إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يقول عن العقيدة: الفقه الأكبر، والثاني الفقه الأصغر؛ ولذلك يقول: التفقه في التوحيد أولى من التفقه في العلم، فلم يطالب الناس في أول الأمر بالجهاد ولا بالصلاة ولا بالزكاة ولا بغير ذلك من فروع الشريعة، وإنما طولبوا بعقيدة، وذلك يفهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم لما مكث في مكة (13) عاماً يصحح عقائد الناس وإيمانهم، ولم يكن كثير من الأحكام الشرعية العملية موجوداً في ذلك الوقت، وإنما كانت هذه الفترة كلها الأصل فيها تصحيح عقائد وإيمان ومسار الناس على الاتجاه الصحيح وحسن التوكل والاعتماد على الله تعالى.

    لما أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه وبأن يصدع بما جاءه منه للناس ويدعو إليه؛ صعد الصفا فنادى في الناس، فكان مما قال: (يا بني عبد المطلب! يا بني تيم!) ونادى على أقوام كثيرة من أهل مكة، ثم قال لهم: (إن الله أمرني أن أنذر عشرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من الله شيئاً، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) فقال ذلك الجاهل الغبي أبو لهب : ألهذا جمعتنا؟! تباً لك! أي: هلاكاً لك، فأنزل الله عز وجل سورة المسد: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] إلى آخر السورة.

    ولما اشتكى أبو طالب من مرض موته اجتمع إليه أشراف قريش ووجهاؤهم فقالوا: يا أبا طالب ! إنك منا حيث عرفت أو حيث علمت. يعني: أنت فينا رجل من الشرفاء من العظماء الفضلاء، فادع ابن أخيك فليأخذ منا ونأخذ منه، واشترط عليه واشترط علينا حتى ندع له دينه ويدع لنا ديننا، فنادى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا ابن أخي! إنك تعلم منزلتي في قريش، فهم جاءوك ليشترطوا عليك وتشترط عليهم، ويأخذوا منك وتأخذ منهم حتى يدعو لك دينك وتدع لهم دينهم. قال: قل يا أبا طالب. فلما قال أبو طالب قولته هذه قال: يكفلون لي كلمة واحدة يملكون بها العرب ويدين لهم بها العجم، فقال أبو جهل: بل عشر كلمات وأبيك إن شئت، قلها؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله، كلمة واحدة قولوها حتى ندعكم وتدعونا، وتدعوا لنا، قال: قولوا: لا إله إلا الله، فهذا المعنى معنى عظيم، وهو تربية الناس على التوحيد وعلى الإيمان وعلى العقيدة الصحيحة، وهذا المنهج هو الذي ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه طيلة سنواته في مكة.

    فهذا خباب بن الأرت أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستند إلى الكعبة متوسد ببردته فقال: (يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟) يعني: يطلب طلباً شرعياً ويسيراً: ادع الله لنا يا رسول الله. يقول: (فاحمر وجهه صلى الله عليه وسلم حتى قام، وقال: إن من كان قبلكم لينشر بمناشير من حديد ما بين عظمه ولحمه -أو قال: ما بين عظمه وعصبه ولحمه- لا يرده ذلك عن دينه شيئاً)، كان يوضع المنشار في مفرق رأسه فيشق نصفين حتى يقع نصفه الشمال في الشمال ونصفه اليمين في اليمين ما يرده ذلك عن دينه شيئاً، كيف تطلب ذلك يا خباب؟! وكأنه يريد أن يصحح عقيدة خباب بأن يحسن التوكل على الله عز وجل والالتجاء إليه، حتى وإن كان هذا اللجوء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا إلى آحاد الناس ولا إلى مدير ولا رئيس ولا عريف ولا غير ذلك ولا نبي ولا ملك، يلجأ إلى المولى عز وجل دون سواه، ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالبشارة في آخر الحديث.

    قال: (وليتمن الله تعالى هذا الأمر -أي: هذا الإسلام- حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف أحداً إلا الله)، وفي رواية: (إلا الله والذئب على غنمه).

    هذا حديث عظيم يستفاد منه تصحيح المسار والاعتماد على الله والتوكل عليه واللجوء إليه والاستغاثة به سبحانه وتعالى، والاستعاذة به من شر ما خلق وغير ذلك، لا يلجأ إلى أحد غير الله حتى وإن كان نبياً مرسلاً أو ملكاً من ملائكة الرحمن.

    والرسل جميعاً إنما بعثوا لهذه المهمة، فقال الله عز وجل مفصلاً ذلك: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، ويفصل الله تعالى ذلك بقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون:23]،ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون:31-32]، ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ [المؤمنون:42]، وقال: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا [المؤمنون:44] أي: بعضهم خلف بعض ليبينوا هذه الحقيقة الخالدة التي أرسل من أجلها الأنبياء والرسل، ألا وهي عبادة الله واجتناب كل ما عداه، يتتابعون على تبيان هذه الحقيقة، على الدعوة إليها وتقريرها وترسيخها في القلوب والعقول رسولاً بعد رسول، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] إلى أن ختم تعالى رسله بمحمد صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقول: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت:6].

    وعندما آمن المسلمون الأولون بالله وبالرسول وباليوم الآخر وحققوا معنى الإيمان الذي ورد في حديث جبريل تمام التحقيق: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وبالبعث وبالجزاء وبالحساب وبالعقاب وبالجنة والنار والقبر وغير ذلك من الأمور الغيبية، عندما حققوا ذلك هان عليهم ما بعده؛ لأن الإيمان هو الأصل الذي يبنى عليه، وهو الأساس الذي تترتب عليه الوسائل والنتائج.

    1.   

    أهمية دراسة العقيدة

    كثير من الناس يقول: ما فائدة دراسة العقيدة؟ ما فائدة دراسة الإيمان؟! هل نحن في حاجة إليه؟! نحن -والحمد لله- مؤمنون! الجواب: نعم. نحن في حاجة إلى دراسة العقيدة والواقع يشهد بذلك، فكثير من الناس عقائدهم لا تصلح مطلقاً أن تكون عقيدة للمسلمين، وما ذلك عنكم ببعيد، فالذي دار في أفغانستان وغيرها يوضح ذلك، كانت هناك كتائب كثيرة منهم من هو صحيح العقيدة ومنهم من هو فاسد العقيدة، ولو كانوا كلهم على قلب رجل واحد وعلى عقيدة واحدة سليمة لما حصل ما حصل بعد أن كتب الله تعالى لهم النصر على أعدائهم من الروس وغيرهم، ولكن لما كان الاختلاف في العقائد تناحروا على السلطة، ولو أن المرء صحح عقيدته لما طلب السلطة مطلقاً، بل هرب منها وولى عنها مدبراً، وهذا قد حدث مع كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كان الواحد منهم يجبر ويجلد ليتولى الإمارة فيهرب منها، هذا عبد الله بن عمر لما مات أبوه عرضوا عليه الإمارة فقال: يكفي واحد من آل الخطاب، وهذا عبد الرحمن بن عوف تنازل عن الإمارة وقد كان مرشحاً لها، فذهب وبايع عمر بن الخطاب . وغير ذلك من الأمثلة كثير، حتى قيل: إن بعض المحدثين في عصر التابعين ومن بعدهم كان يؤتى به ليقال له: تول القضاء في الكوفة، أو تول القضاء في العراق، أو تول القضاء في مصر، فيقول: ها ها، ويعد نفسه مجنوناً! فيقولون: هذا لا يصلح للقضاء إنما هو مجنون أبله، فإذا عين القاضي رجع إلى عقله مرة ثانية، وما ذلك إلا هروباً من هذه المواطن التي يكاد يهلك فيها الإنسان وهو لا يدري.

    إذاً: الأزمة ليست أزمة عدد ولا عدة ولا قتال ولا غير ذلك، إنما الأزمة أزمة العقيدة، فانظر لنفسك وأنت صحيح سليم العقيدة وصادق الإيمان مع المولى عز وجل، وانظر إلى رجل آخر إباضي أو شيعي أو صوفي أو خارجي، هل يستقيم الأمر؟ إذا أردنا جني الثمار فلا يمكن أبداً أن تتفقا، يعني: فلو أنك وخارجياً، أو لو أنك شيعياً اتفقتما على قتال عدو واحد لا شك أن الأمر سيستقيم طيلة فترة القتال، ولكن إذا انهزم ذلك العدو أو قُتِل اختلفتما في الثمار والنتائج والغنائم، فمادام الاختلاف في العقيدة فلا يمكن الاتفاق، وهذا أمر معلوم ومشاهد لا ينازع فيه أحد، كيف ينازع فيه أحد وهو موجود نعرفه ونسمعه كل يوم وليلة؟! فدراسة العقيدة من المسائل المهمة جداً.

    هل هناك وقت لدراسة العقيدة والإيمان؟ هل هناك وقت لنجدد فيه إيماننا؟ الجواب: نعم هناك وقت، ثم السائل لهذا السؤال نقول له: هل كان هناك من سأل ذلك منذ عام؟ الجواب: نعم. هناك من سأله منذ عام ومنذ عشرات الأعوام، ودعاة التوحيد يدعون في كل زمان ومكان، بحسن الظن بالله وحسن الاعتقاد فيه، وفي كل زمان ومكان يدعون أهل الفساد والضلال وأهل العقائد المنحرفة.

    فإن قيل: هل هناك وقت لتصحيح الإيمان؟ فلو أننا نجتمع أولاً ونواجه العدو ثم بعد ذلك نصلح عقيدتنا؟ الجواب: أبداً هذا لا يصلح مطلقاً، لا بد من العقيدة أولاً، ولا بد من تصحيح الإيمان وتوثيق وتمتين الصلة بالمولى سبحانه وتعالى وحسن الاعتماد والتوكل عليه، وبغير ذلك لا فائدة في الاتحاد مطلقاً، إذ إن العدو في غاية الضعف والخور، وأما نحن -وبفضل الله تعالى- فقد من الله تعالى علينا بسلامة العقيدة وحسن الإيمان، فالواحد منا يسوق العشرات بل المئات بل الألوف من الأعداء أمامه.

    نضرب مثالاً: اليهود في اتفاق غزة وأريحا قالوا: نترك غزة وأريحا للفلسطينيين، وما كان ذلك من أجل سواد عيون الفلسطينيين ولا من أجل سواد عيون المسلمين؛ وإنما لأنهم ذاقوا مرارة الثورات والحركات عليهم، فهم لا يستطيعون أبداً مواجهة المسلمين في غزة وأريحا، فتركوها حتى ينجوا بأبدانهم منها، تركوها خوفاً من أبنائها وأهلها، والمولى عز وجل يقول: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر:14] لكن وجهاً لوجه لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه.

    ومن إيماننا وعقيدتنا أنهم لا يقوون علينا أبداً ولا يستطيعون المواجهة، فالمطلوب منا تصحيح العقيدة والإيمان؛ لأنني لو كانت عقيدتي فاسدة لكنت مثله، ولذلك كل واحد منا يراجع إيمانه، حتى إذا ذكر أمامك العدو تمنيت لو أنك تمكنت من رقبته فضربتها بسيفك وعلقتها على رمحك، وطفت بها البلدان؛ حتى ترد إلى المسلمين كرامتهم وعزتهم.

    وقد نعى الله تعالى على الذين يكذبون بالدين، والذين يكذبون بالدين إما كفار أو منافقون أو فاسدو العقيدة، قال المولى عز وجل: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3]، نعى عليه هذا الفساد وهذا الخراب في العقيدة، وقد يقول قائل: إذا خلا قلب المسلم من الإيمان هل يبقى بعد ذلك إسلام؟ نقول: إن هناك خيراً كبيراً -لا شك- في الإسلام، ولكن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، والأدلة كثيرة قد سقناها من قبل وساقها غيرنا في هذا المكان، فلا داعي لإعادتها.

    1.   

    أثر خلو القلب من الإيمان

    يقول: وإذا خلا قلب المسلم من الإيمان بالله انعدمت لوازمه عنده.

    الإيمان له لوازم، فإن الشخص إن مات الإسلام في حياته انتهى عمله، كالشجرة التي اجتث جذرها تموت فلا يبقى لها فروع، فإذا خلا قلب العبد من عقيدة سليمة وإيمان صادق لاشك أنه ينهار كل عمله وكل متطلباته.

    وإذا نقص الإيمان في قلبه وضعفت صلته بربه ووهن ارتباطه به وانصرفت نفسه إلى الدنيا، وآثارها بحبه وسعيه ذبل الإسلام في حياته وركن إلى الدنيا ومتاعها وأصبح الإيمان رَكناً حائلاً لا يقبله.

    يعني: إذا قلت له: هل أنت مؤمن؟ يقول: الحمد لله أنا مؤمن، فهو يقولها بلسانه ولم تتمكن من قلبه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه!) دل على أن هناك مدعين للإيمان بألسنتهم بما ليس في قلوبهم، وبطل ما كانوا عليه من القول والعمل، فإنه إذا خلا قلب الإنسان من الإيمان أو ضعف لا شك أنه يستثقل التكاليف الشرعية، فيستثقل الصلاة، ويستثقل الزكاة والحج والصوم وغير ذلك، فكثير من ضعاف الإيمان أو ممن نقص الإيمان في قلوبهم إذا دعوته إلى الصلاة يقول: هل نذهب كل يوم إلى المسجد خمس مرات فنصلي ونركع ونسجد؟! أليس هناك إجازة؟! فهذا لو تمكن الإيمان من قلبه لانتهر، وكان أن يخر من السماء خير له وأحب من أن يتكلم بهذا الكلام، فلا يصدر هذا الكلام عن جد أو هزل إلا إذا كان مبعثه خراب العقيدة وفساد الإيمان.

    وكذلك الذي يملك المال ولا يحج مثلاً، وكلما دعوته إلى الحج قال: ادع لي؛ فإني لا أستطيع الحج؛ لأنني أكسب في الدقيقة الواحدة ألف جنيه، ألا تكفي ملايين الدقائق في السنة كلها؟ ألا تفرغ أسبوعاً واحداً من أيامك ومن هذه الدقائق للحج؟ كذلك الذي يبخل بالصدقة بل ويبخل بالزكاة المفروضة عليه، كل ذلك إنما هو بسبب خراب العقيدة وفساد الديانة عنده، وهذه هي حالة كثير من المسلمين الآن، وقد نجد فيهم أصحاب الذكاء وأصحاب المهارة، لكن أصحاب الذكاء والمهارة والقدرات والكفاءات مصروفون إلى غير خدمة الإسلام، وأحياناً يتجهون إلى ضرب الإسلام ومعاداته، وأنتم ترون أن الصحافة ليست إلا لخدمة العلمانية والشيوعية والإلحاد والكفر، والذي يكتب ويتكلم ويقرأ لصالح الإسلام قليل جداً ويسير.

    1.   

    دعوة للرجوع الحقيقي إلى الله تعالى

    لذلك فأنا أدعو المسلمين والشباب الغيور -خاصة الناظرين إلى الواقع الفاسد- أن يعلوا بأنفسهم وبإيمانهم وحسن اعتقادهم في الله عز وجل على هذا الواقع المر الفاسد، أدعوهم إلى رجعة حقيقية لا رجعة كلامية إلى ربهم، أدعوهم إلى تجديد إيمانهم بالله سبحانه وتعالى، وخلع كل ما يعبدون من دونه، فلا إله إلا الله محمد رسول الله.

    أدعوهم إلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، والائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه، والرغبة إلى الله سبحانه وتعالى وحده لا الرغبة إلى سواه، والرهبة منه وحده لا الرهبة ممن عداه، وإلى معرفته سبحانه وتعالى حق المعرفة بأسمائه وصفاته العلا، وتوثيق الصلة به وصدق العبودية له سبحانه وتعالى، وربط القلب والفكر وربط الجوارح والحياة بأمره ونهيه، وألا يتوجهوا بالقصد إلا إلى وجهه الكريم، وأن يكون العيش عندهم هو عيش الآخرة، وأن تكون الدنيا طريقاً لهم إلى الله عز وجل وإلى جنة الخلد.

    إنكم -يا شباب الإسلام- إذا رجعتم إلى الله هذه الرجعة الصادقة كنتم الأعلين بإذن الله، وكنتم قدراً من قدر الله الذي ساقكم الله تعالى وهيأكم لسوق البلاد والعباد أمامكم إلى الله عز وجل، إذا أردتم الآخرة هانت عليكم الدنيا وتحررتم من آثار الدنيا ومن طغيانها، وإذا عرفتم الله صغر عندكم سواه وما سواه، بل زاد في أعينكم وفني في قلوبكم كل ما عداه، ولم يعد هناك طلب عندكم إلا قربه ورضاه، وإذا استشعرتم رابطتكم بربكم سبحانه وتعالى وعونه لكم، وأيقنتم أنه معكم، رأيتم أنفسكم أقوى من كل قوى الشيطان والطغيان.

    إذا رجعتم هذه الرجعة الصادقة تحولتم خلقاً آخر، وولدتم ولادة عقدية جديدة، وولد كل منكم من عقيدته لا من رحم أمه ولادة عقدية صحيحة على الكتاب والسنة، وإذا كانت هذه الولادة هي التي نريدها فالأصل أن نعرف كيف تولد هذه الولادة، ومن أي مصدر تكون هذه الولادة وهذه العقيدة؟

    إن صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد حكم عليه العلماء بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، وقد صدر كتابه بكتاب بدء الوحي.

    فإذا كنا نتحدث عن العقيدة الصحيحة والإيمان الصادق فما مصدر ذلك؟ أو كيف نتعلم ذلك وكيف نجدده؟ الجواب: قال ابن القيم :

    العلم قـال الله قـال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    أي: قول المولى عز وجل في كتابه الكريم، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وقول الصحابة رضي الله عنهم، فلا أقول: قال الله كذا في مسألة من مسائل الإيمان أو العقيدة فتقول: قال الفقيه الفلاني، فإنه بالعالم الفلاني أبداً لا يصح الانتصار، أقول لك: قال الله وقال رسول الله وقال الصحابة ثم تقول لي: قال العالم الفلاني قال الشيخ الفلاني أو غير ذلك؟! هذا لا يصلح أبداً، فالعلم قال الله، والله عز وجل أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم فكان من بين ما شمل هذا الكتاب آيات العقيدة والإيمان، وآيات التوكل والاستعانة والاستغاثة والاستعاذة بالله تعالى.

    إذاً: معظم آيات الكتاب العزيز إنما تعالج مسألة مهمة جداً، ألا وهي مسألة العقيدة والإيمان بالله عز وجل بشتى الوسائل والطرق البيانية، وتارة بقصص الأنبياء، وتارة بمحاجة كل نبي مع قومه، وغير ذلك من أنواع البيان، بل إن سورة الفاتحة نفسها اشتملت على جميع شعب الإيمان، اشتملت على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والجزاء والنبوة وغير ذلك، هذا بالنسبة لكتاب الله العزيز.

    وأما بالنسبة للسنة فيحمل ذلك على قول النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ لما بعثه إلى اليمن، قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب - أي: يهود أو نصارى - فليكن أول ما تدعوهم إليه)لم يقل له: الصلاة ولا الحج، قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن قالوا ذلك فأخبرهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).

    فلا بد أولاً من التعرف على الله تعالى أولاً، ولا يكون ذلك إلا بالاعتقاد الحسن فيه سبحانه وتعالى والإيمان الصادق به.

    وقال جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً.

    إذاً: الإيمان أولاً ثم بعد ذلك تأتي بقية التكاليف الشرعية، فإنه إذا صح إيمانك أولاً بالله وصح حسن اتباعك لنبي الله صلى الله عليه وسلم لا تحتاج مع كل تكليف لرجل يقنعك بأن هذا حق وهذا شرع، أو أن هذا باطل ولابد من الانتهاء عنه.

    إذاً: لا بد أولاً من تصحيح العقيدة؛ لأنها لو صحت صح ما بعدها، ولو فسدت لفسد ما بعدها، وهذا ميزان لا يتغير مطلقاً.

    يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: لقد كنا برهة من الزمن نتعلم الإيمان ثم نتعلم القرآن. و(ثم) تفيد الترتيب والتراخي، الترتيب: أي أن القرآن يأتي بعد الإيمان وليس مباشرة، أي: بينه وبين الإيمان فترة؛ حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، قال: لقد كنا في برهة من الزمان نتعلم الإيمان ثم نتعلم القرآن، فنعرف حلاله وحرامه وزواجره ونواهيه وأوامره.

    هذا كلام عبد الله بن عمر وكأنه يثني على صدر النبوة، ثم بعد ذلك يذم ما أتى بعده من الزمان، مع أنه في نفس الزمان وفي نفس القرون الخيرية، ولكنه ينكر أشد الإنكار على من يتعلمون القرآن دون تعلم الإيمان. قال: ولقد يؤتى بالرجل يتعلم القرآن قبل الإيمان، فلا يحل حلاله ولا يحرم حرامه ولا يعرف زواجره ونواهيه، ينثره نثر الدقل - أي: يقرأ القرآن من فاتحة الكتاب إلى خاتمته وهو لا يعرف فيه شيئاً، لا حلاله ولا حرامه؛ وذلك لأن الأصل نفسه فاسد، فالنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لأصحابه أن يتعلموا الإيمان أولاً وأن يتعلموا العقيدة الصحيحة السليمة قبل أن يتعلموا الحلال والحرام، وقبل أن يأتوا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه إذا صحت لك العقيدة سهل عليك بعد ذلك الصيام والزكاة والصلاة والحج، بل أقبلت عليه نفسك بمجرد علمك به، ولا تحتاج إلى من يقول لك: أتصلي يا فلان أو لا تصلي؟ فلا تقول: صحيح أنا مؤمن بالصلاة، ولكني لا أصلي، أنا مؤمن بالزكاة، لكني لا أزكي، أنا مؤمن بالحج، لكني لا أريد أن أحج، أنا مؤمن بكذا وتأتي له بكل التكاليف الشرعية فيقول ذلك، فهو يحتاج إلى فريق من الأنبياء يقنعونه مع كل تكليف من هذه التكاليف بأنه لابد أن يأتيه، تقول: لم تزني يا فلان ولم تسرق ولم تغتاب؟ يقول: نعم. أنا أعرف أن هذا كله حرام، ولكني آتيه! كل ذلك من ضعف الإيمان وفساد العقيدة؛ فالعقيدة أولاً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم السبحة

    السؤال: هل المسبحة حرام أم سنة كما قال بعض المسلمين، وهل الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري كان له مسبحة بها (200) حبة. نرجو التوضيح والإرشاد يرحمكم الله؟

    الجواب: المسبحة مما اختلف فيه أهل العلم، وقد نسبها بعض المحدثين أو بعض العلماء للبدعة إلا أني أتوقف في ذلك، ومن العلماء من يقول: إن المسبحة سنة. والأمر فيها واسع، فلا يستطيع المرء أن يحكم عليها بالسنية ولا بالبدعية، وهناك بعض الناس صنف رسالة يثبت فيها سنية المسبحة، ثم أتى بحديث وعزاه إلى أبي هريرة رضي الله عنه من قوله أو من فعله: أنه كان له مسبحة يسبح عليها، وذكر أن هذا الحديث للطبراني في كتابه الدعاء، وكان كتاب الطبراني وقتئذ لم يطبع، فلما طبع الكتاب راجعته من أوله إلى آخره، حتى أقف على هذا الدليل فلم أتمكن من ذلك، فلعله -مع حسن الظن بهذا الأخ- في نسخة أخرى لم يعتمد عليها المحقق، وإن كنا نسيء به الظن وخاصة أنه من أهل البدع نقول: ليس هناك دليل على هذا، وإنما استقاه من هواه ومن حبه للطعن في الشيخ ناصر الدين الألباني أكرمه الله وأعزه، فالأمر فيها واسعٌ وقد صحت الأحاديث والآثار بتسبيح بعض الصحابة والصحابيات، بل إن إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كانت تسبح بالحصى تنقله من هنا إلى هناك، لكن أبا موسى الأشعري لما وجد الناس متحلقين حلقاً في المسجد ذهب إلى عبد الله بن مسعود وكان عالماً كبيراً من علماء الصحابة، ودعاه إلى أن يصرف هؤلاء الناس عن هذه الحلق والمجالس، فدخل عليهم عبد الله بن مسعود فوجدهم ينقلون الحصى من مكان إلى مكان، فقال: أحصوا عليكم ذنوبكم ودعوا تسبيحكم لله، يعني: إن كنتم عادين فعدوا سيئاتكم وذنوبكم ولا تعدوا حسناتكم، دعوها لله تعالى، فالحقيقة أن أمر المسبحة أمر مشكل، فلا أستطيع أن أقول ببدعته ولا بسنيته، والأمر فيه واسع أيضاً كوضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع؛ فإنه لم يأت على سنيته دليل صحيح صريح، وكذلك الذي قال: إنه بدعة ليس معه دليل، أو لا يسن له ذلك الأمر، فالأمر فيه واسع، وأظن أن الراجح فيه: اتباع الإمام، فإن فعل الإمام ذلك يتبعه المأموم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) والله تعالى أعلم.

    أما أبو ذر فلم يكن عنده مسبحة فيها (200) حبة، فإن أكبر مسبحة تسع وتسعون.

    توجيه مقولة عمر رضي الله عنه في الحكم بالنفاق على حاطب وغيره

    السؤال: المشهور عن عمر بن الخطاب أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ائذن لي يا رسول الله أن أضرب عنق هذا المنافق) في بعض المواقف، وقد قال لي أخ كريم: إن عمر رضي الله عنه كان مخطئاً في هذا الموقف. هل هذا صحيح؟ نرجو التوضيح في هذا القول يرحمكم الله.

    الجواب: على أية حال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه معروفاً بقوته وشدته في الحق لا في غير ذلك كما يفهم كثير من الناس، ومن غيرته وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك، كما كان الصحابة يحبونه صلى الله عليه وسلم هذا الحب الجم، ففي غزوة أحد انكشف النبي صلى الله عليه وسلم وانكشف القوم، فلما أشرف النبي صلى الله عليه وسلم برأسه هكذا ينظر إلى القوم قال طلحة بن عبيد الله : لا تشرف يا رسول الله على القوم فيصيبك سهم من سهامهم. نحري دون نحرك يا رسول الله! يعني: أفديك بدمي، ونفدي النبي صلى الله عليه وسلم بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا ودمائنا، فـعمر بن الخطاب يدخل من هذا الباب في حبه للنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه، وأن كل ما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم يؤذي عمر بن الخطاب ؛ ولذلك قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله. فقد ثبت أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اعدل يا محمد، فإن هذه القسمة لم يقصد بها وجه الله، قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟!) فلما سمع ذلك الإنكار عمر بن الخطاب من النبي صلى الله عليه وسلم انتفض لذلك وظن أن النفاق قد لحقه وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله. فحجزه النبي صلى الله عليه وسلم ودفعه عنه ونهاه.

    وفي موقف حاطب بن أبي بلتعة لما أرسل الكتاب إلى قريش إنما كان ذلك لعلة كانت عند حاطب، ولا شك أن هذه الأفعال ليست من أفعال المسلمين، كما أن من يأتي فعلاً من أفعال المنافقين لا يلزم من فعله ذلك أن يكون منافقاً، كما أنه لا يلزم من إتيان عمل من أعمال الكافرين أن يكون صاحبه كافراً، فهذا الكلام من عمر يتنزل هذا المنزل أن هذا العمل من أعمال المنافقين، ولكن الذي أتى به لم يكن منافقاً على الحقيقة، وإنما الفعل نفسه من أفعال المنافقين. والله تعالى أعلم.

    توجيه لتائب يشاهد التلفاز ويدخن

    السؤال: ما رأي الدين في رجل ملتزم حديثاً يشاهد الفيديو والتلفزيون بعد صلاة العشاء، علماً بأنه يقيم الصلاة على أوقاتها، ولا يقوم من الليل أكثر من شفع ووتر بعد العشاء، وهو أيضاً لا يستطيع الإقلاع عن التدخين؟

    الجواب: نسأل الله تعالى أن يعافيه من هذه البلايا.

    الحقيقة هناك تعليق يسير، وهو أن الدين ليس آراء، وإنما هو عقائد وأحكام لا تتبدل ولا تتغير، فلا ينسب للدين رأي وإنما ينسب له حكم.

    أما مشاهدة الفيديو والتلفزيون فإنه ليس من ورائها خير قط، بل إن وراءها كل الشر، وكيف يزعم الإنسان أنه يحب الله تعالى ورسوله ثم لا يتبع النبي صلى الله عليه وسلم؟! وقد قال الله عز وجل في حقه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التدخين، وفي حديث: (إن الله تعالى حرم كل مسكر ومفتر) وإن كان في سنده شهر بن حوشب، وبعض العلماء ضعفوه، إلا أن الراجح تحسين حديث شهر بن حوشب، والله تعالى أعلم.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع.. منها: عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه) فهذا اكتسبه من عرق جبينه ولكنه أنفقه في الحرام، قال: (وعن شبابه فيم أبلاه) أبلاه بهذه البلايا العظيمة وهذه الأمراض الجسيمة التي تفسد باطن الإنسان وتفسد صدره وقلبه، والأطباء يعرفون تمام المعرفة أن السجائر تتسبب في (2500) مرض، أقلها خطراً على صحة الإنسان مرض السرطان، فإذا كان هذا الأقل فدعنا نؤمن بأنه أعظم الأمراض وليس أقلها، فلا شك أن ما دون السرطان أيضاً يحاسب الإنسان عليه ويسأل عنه يوم القيامة، وإذا كان التدخين حلالاً فلم لا يدخن كل الناس وكل العلماء وكل أهل الصلاح والفضل؟! ولم لا يكون التدخين في المسجد؟! فلا شك أن الذي يدخن لو أنك خاطبت قلبه ومشاعره وقلت له: بالله عليك! أما ترى أن التدخين حرام؟ لقال لك: أعرف أنه حرام وأنه بلية، فإذا كنا نتفق بدون جدل وبدون ضياع وقت على حرمة التدخين؛ فنسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، ونسأل الله تعالى لنا ولكم الإقلاع عن كل معصية والدخول في كل طاعة.

    حكم أخذ المدرس الأجرة حال استعانته بمدرس آخر

    السؤال: أعمل مدرساً في مدرسة حكومية بالحصة، ومن المفروض أن أعطي الفصل حصتين، ولكن لظروف خارجية أتقاسم الحصتين مع مدرسة أخرى، فأنا آخذ حصة وهي تأخذ حصة ونأخذ أجر حصتين، فهل تعتبر الحصتان بحصة واحدة حراماً أم حلالاً؟ وماذا أفعل في أموال الشهر الماضي؟

    الجواب: على أية حال إنما جعل هذا المال مقابل المادة العلمية ومقابل الوقت، فالمال الذي يأخذه المدرس إنما جعل مقابل أمرين:

    الأمر الأول: أمر الوقت من الساعة السابعة إلى الساعة الثامنة. هذا قدر الحصة، والمعلومات التي تعطيها في الحصة هو الأمر الثاني، فلو أنك كلفت بحصتين وأديت هاتين الحصتين في حصة واحدة فلا شك أنك تأخذ أجر حصتين وليس حصة واحدة، وهذا لم يبحه الشرع، وكذلك لو أنك دخلت في الحصة وقلت: أنا أريد أن أقضي الوقت في الحصة حتى آخذ الراتب؛ ولذلك أدرس من الساعة السابعة حتى الساعة الثامنة فإنك أسقطت الشرط الثاني، ولا يصلح أبداً أن تأخذ مالاً إلا وتؤدي حقه، وحقه أن تؤدي الوقت والمادة العلمية، وإلا فيصرف هذا المال في وجوه أخرى. والله تعالى أعلم.

    حكم أخذ المدرس هدايا بعض أولياء الأمور

    السؤال: أعمل مدرسة في مدرسة خاصة بالراتب، وقد قام بعض أولياء الأمور بتقديم الهدايا اليسيرة للمدرسة عند عودتهم من السفر، وهذا يحدث علناً، فما الحكم: هل أقبل الهدية أم لا؟

    الجواب: على أي حال أفتى بعض أهل العلم بجواز ذلك، ولكن يدخل في نفسي شيء من هذه الفتوى، والأولى ترك ذلك؛ لما فيه من شبه عظيمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هدايا العمال غلول)، وقد قال تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، فالغلول أمره خطير وعظيم، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هدايا العمال غلول) وأنت عاملة في المدرسة، وثبت في الصحيح أن: (النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلاً على أموال الصدقة، فكان يأخذ الهدايا من أصحاب الصدقات، فلما أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا لكم وهذا لي، فقال: هلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى يأتيك هذا؟) فهلا جلست في بيتك -أيتها المدرسة- حتى تأتيك هذه الهدايا؟! والمعروف أنه لن تأتيك هذه الهدايا، فالأمر فيه شبه عظيمة، وأنا نقلت لك أقوال العلماء، فتصرفي بما يرضي المولى عز وجل.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.