إسلام ويب

الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على منكري الشفاعةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن أنكرها فقد خالف ما عليه إجماع المسلمين، وهي أنواع، منها الشفاعة العظمى، وسائر شفاعات سيد المرسلين، فإنه عليه الصلاة والسلام يشفع للمؤمنين الصالحين والعصاة الموحدين، ومنها شفاعة المؤمنين والملائكة، والأبناء الصالحين والأبناء الذين لم يبلغوا الحلم لآبائهم، وفوق ذلك كله شفاعة رب العالمين.

    1.   

    إخبار عمر الناس بمجيء أقوام ينكرون الشفاعة والرجم والدجال وعذاب القبر وغير ذلك

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أخرج أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس يوماً فكان مما قال: إنه سيأتي أقوام من بعدكم يكذبون بالرجم وبـالدجال وبالشفاعة وبعذاب القبر وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا فيها، أي: بعد أن صاروا فيها فحماً).

    فهذا الأثر يدل على أن هذه الأمور مستقرة لدى السلف، لم يكن أحد منهم يكذب بواحدة منها، فالرجم ثابت في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يثبت عن واحد من السلف أنه كذب به، والدجال حقيقة لا خرافة، وبه صحت الآثار والأحاديث التي بلغت حد التواتر وزيادة، والشفاعة جاءت في كتاب الله عز وجل، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام وفي آثار الصحابة كذلك، بل في أشعار العرب، وعذاب القبر حق، وهو جزء أصيل من عقيدة أهل السنة والجماعة، والشفاعة المعقودة يوم القيامة، وهي متنوعة وأقسام سنتعرف عليها، وهي موضوع حديثنا في هذه اللحظات.

    أخرج الآجري في كتاب الشريعة -وهو كتاب قد وضع لبيان مسائل الاعتقاد- قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من كذب بشفاعتي فليس له نصيب منها)، والصحيح: أن هذا الأثر موقوف على أنس ، وسواء كان موقوفاً أو مرفوعاً فإنه لابد من الحكم برفعه؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، فلابد أن يكون خبراً عن المعصوم عليه الصلاة والسلام.

    إذا تكلمنا عن الشفاعة فالكلام فيها يطول، والأحاديث فيها متعددة، ولكن لما كان هذا موضوع الساعة يحسن بنا أن نعرج على بعض الآثار الواردة فيه، ولذا فإن منكر الشفاعة لابد أن يكون واحداً من ثلاث: إما أن يكون ملحداً في أسماء الله وصفاته، وفي أخبار الغيب التي هي من أعظم الأمور في الإيمان، فإننا لم نر الله عز وجل، ومع ذلك فقد آمنا به، ولم نر النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك فإننا نؤمن به، ولم نر الجنة ولا النار ولا الصراط ولا الحساب ولا الجزاء ولا العقاب.. ومع هذا فقد آمنا بكل ما أخبرنا الله عز وجل به، وأخبرنا به نبينا عليه الصلاة والسلام.

    ومنها الشفاعة؛ لأنه لم يكن منها شيء في الدنيا إلا ما كان متعلقاً بأمور الدنيا، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما يشاء)، فإذا كان ملحداً أوكلنا أمره إلى الله عز وجل يعامله بما يستحق، وإن كان مؤدياً لرسالة أعداء الإسلام بلسان محمد وأحمد وعبد الله وإبراهيم.. وغير ذلك من أسماء المسلمين، فإننا نكل أمره إلى الله، ولا طاقة لنا بلقائه، وإن كان معتزلياً ينكر هذا كما أنكرته المعتزلة قديماً بحجة أن ذلك طريقه آحاد ولا يقوى للاحتجاج به في مسائل الاعتقاد، فإننا نقول: إن هذا المعتقد إنما هو دسيسة لا علم لسلفنا بها، وهذا المعتقد البدعي الذي أتت به المعتزلة لم يكن معلوماً لدى النبي عليه الصلاة والسلام ولا عند أصحابه، فهو بدعة محدثة وضلالة، أن خبر الواحد لا ينهض للاحتجاج به في مسائل العقيدة، ويكفينا من ذلك قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، ولم يقل سبحانه: وما آتاكم الرسول بخبر التواتر فخذوه، وإنما قال: فَخُذُوهُ بغير تقييد، دل ذلك على صلاحيته في الاحتجاج سواء كان آحاداً أو تواتراً.

    فكل خبر رواه الثقة عن مثله إلى منتهاه حتى يبلغ قائله فهو حجة في دين الله عز وجل، سواء كثرت الطرق إليه أم قلت، وهذا معتقد جماهير علماء الإسلام، لاسيما في ذلك أن الله تعالى نفى الإيمان عمن رد شيئاً من ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    والنبي عليه الصلاة والسلام كان يرسل أصحابه في الأمصار والولايات ليعلموا الناس الدين، وأعظم ما كانوا يعلمونهم هي مسائل الاعتقاد ومن بينها الشفاعة، فلا مناص لمسلم يدعي أنه يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وما فيه إلا أن يؤمن بالشفاعة، أما عن الآثار أو الآيات التي تعلقت بها، فمن الآيات ما ينفي ثبوت الشفاعة، ومنها ما يثبت ثبوت الشفاعة، فإذا ثبت هناك آيات تنفي الشفاعة وآيات تثبت الشفاعة، فإما أن نقول: إن هذا القرآن من عند غير الله، وبذلك يكفر من يقول ذلك، وإما أن نقول: هناك آيات نفت شفاعة معينة مقيدة بقيود، وهناك آيات أثبتت شفاعة مقيدة كذلك بقيود وسنعرفها الآن.

    وإن كان هو من الصنف الثالث صنف الجهال فمن شأن الجاهل أن يسأل ليتعلم، ومن علامات الجاهل المخلص أن يلجأ لأهل العلم كي يعلموه أمور دينه، ولا يقحم نفسه وعقله في دين الله عز وجل، ولا يقول على الله بغير علم، فإن ذلك حرام، ولذلك التاريخ يدلنا دلالة عظيمة أن كل من دخل في غير فنه أتى بالأعاجيب والطامات، فيا ليت كل واحد يقف عند المنحة التي منحه الله عز وجل إياها؛ لينفع بها.

    1.   

    الجمع بين الآيات التي تثبت الشفاعة والآيات التي تنفيها

    أما الآيات التي وردت تنفي وتثبت الشفاعة؛ فهي قول الله عز وجل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18].

    هذه الآية ادعى فيها المشركون أن لهم شفعاء، فالله عز وجل نفى عنهم ذلك، وهي تدل دلالة عظيمة على أنه لا شفاعة لأحد عند الله إلا إذا كان قادراً على هذه الشفاعة.

    فالشرط الأول: الشفاعة بالحق. قال تعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86].

    إذاً: هناك شفاعة، ولكن لا شفاعة لأحد إلا إذا كان يشفع بالحق وهو يعلم أنه يشفع بالحق.

    والشرط الثاني: إسلام المشفوع له؛ لأنه لا شفاعة لمشرك قط إلا لـأبي طالب ، قال الله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، والظالمون هم الكافرون، فما لهم من شفيع ولا حميم، ويستثنى من المشركين أبو طالب كما قلنا؛ لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! أرأيت أبا طالب وما كان يحوطك به ويغضب لك. أينفعه ذلك؟) وأبو طالب مات على الكفر البواح على الشرك، ولم يقبل دعوة الله ولا هداه. قال: (أينفعه ذلك يا رسول الله؟! قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فإني أشفع له، فيخرج من قعر جهنم إلى ضحضاح) أي: ما زال باقياً فيها.

    وفي رواية عند البخاري ومسلم : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن أهون أهل النار عذاباً لرجل يخرج من قعر جهنم حتى يقف على جمرتين يغلي منهما دماغه هو أبو طالب).

    فشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام أخرجت أبا طالب من أسفل سافلين إلى ضحضاح -ضاحية- من النار يقف على حجرين من نار يغلي منهما دماغه، ومع هذا نفعته شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.

    الشرط الثالث: الإذن للشافع؛ لأنه لا يأذن عند الله أحد إلا بإذن؛ ولذا قال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]؟ لا أحد.

    والشرط الرابع: الرضا عن المشفوع له، وإن الله لا يرضى عن مشرك قط، وإنما يرضى عن المسلم وإن كان صاحب كبيرة، فإن الله يرضى بالشفاعة له، كما قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].

    فهذه هي الشروط التي اشترطها الله عز وجل لحدوث الشفاعة يوم القيامة، وبهذه الشروط نستطيع أن نجمع بين الآيات التي تنفي الشفاعة والآيات التي تثبتها.

    1.   

    الشفاعة الكبرى يوم القيامة وما ثبت فيها

    أما موضوع الشفاعة العظمى والشفاعة الكبرى فهي الحادثة يوم القيامة، وصاحبها هو صاحب الشفاعة العظمى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وإن الأحاديث التي وردت تثبت الشفاعة للنبي يوم القيامة قد بلغت حد التواتر، ومن قال بغير ذلك فلا علم له بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يهرف ويخرف بما لا يعرف، وهو لا يعرف النص المتواتر من غيره، ولم يدرس دين الله عز وجل، ولم يتعرف عليه لا من قريب ولا من بعيد، وكثير من الناس يتكلم في دين الله عز وجل دون أن تربطه بالكتاب والسنة أي رابطة، فيأتي بالأعاجيب، بل ينكر ويرد كثيراً من المعلوم من دين الله بالضرورة، فهو على خطر عظيم جداً.

    ولعلكم قرأتم مجلة الحوادث الصادرة في هذا الأسبوع أن امرأة أنكرت معجزات الأنبياء، وأنكرت أن الله عز وجل نجى إبراهيم من النار، وأنكرت أن يونس عليه السلام ابتلعه الحوت، وأنكرت الإسراء والمعراج للنبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: إنما ذلك تهيؤات وتخيلات! لماذا؟! وأقحمت هذا الفصل في رسالتها في علم النفس، ولا علاقة لهذا الفصل بأصل الرسالة، وحازت على مرتبة الشرف الأولى! وهناك مشكلة قائمة بين جامعات مصر وجامعة عين شمس التي منحت هذه الرسالة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والذي يقف معها ويؤيدها أكثر من الذي ينكر عليها أنها أنكرت معلوماً من دين الله بالضرورة.

    وإنا لا ندري إلى أي حد ستستمر هذه المهزلة، مهزلة زعزعة الثوابت في حياة المسلمين وفي معتقدهم.

    حديث أبي هريرة وأنس في الشفاعة الكبرى يوم القيامة

    أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغهم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، اذهبوا إليه، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح! إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي. نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم عليه السلام، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات -فذكرهن أبو حيان في الحديث- ثم قال: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى عليه السلام، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى! أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس. اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها. نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبياً، اشفع لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -ولم يذكر ذنباً لنفسه- ثم قال: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتون محمداً، فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك. سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب! أمتي يا رب! أمتي، فيقال: يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة -أي: ما بين قائمي الباب الواحد من أبواب الجنة- كما بين مكة وحمير -كما بين مكة واليمن- وفي رواية: أو كما بين مكة وبصرى -وهي اسم بلد من بلاد الشام-، وفي رواية: ما بين مكة وهجر).

    هذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم ، وأخرجاه كذلك من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يجتمع الله المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم! أما ترى الناس ويذكرونه بما ذكروه من قبل.. حتى يأتوا محمداً عليه الصلاة والسلام عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيأتونني فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد.. ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد الله عز وجل لي حداً فأدخلهم الجنة -يعني: يقسم لي من الناس قسماً فيدخلون الجنة بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام- ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد.. قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً.. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا رب! ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود).

    يا رب! لم يبق في النار أحد إلا من حبسه كفره بالقرآن الكريم، فهو من أهل الخلود فيها، فإنه لا شفاعة حينئذ.

    وعند البخاري ومسلم من حديث معبد بن هلال العنزي قال: (اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك ، وذهب معنا ثابت البناني يسأله عن حديث الشفاعة، فإذا أنس بقصره، فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لـثابت : لا تسأله عن شيء حتى تسأله عن الشفاعة -يعني: اسأله عن الشفاعة أولاً- فقال ثابت : يا أبا حمزة ! -وهي كنية أنس بن مالك خادم النبي عليه الصلاة والسلام- إخوانك من أهل البصرة جاءوا يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: نعم. جاء النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا فقال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس في بعض، فيأتون آدم.. وذكر الحديث بتمامه ومعناه، حتى قال: ارفع يا محمد، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: فأخرج منها من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل).

    فلا يبقى أحد بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام إلا ويخرج من النار بشرط أنه مسلم.

    حديث أبي هريرة وحذيفة في الشفاعة الكبرى يوم القيامة

    وعند مسلم من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة -أي: تقرب لهم الجنة-، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة -اطلب من ربك أن يفتحها لنا-، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟! لست بصاحب ذاك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم عليه السلام.. ويذكر بقية الأنبياء حتى يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق، كما يمر ويرجع في طرفة عين، ثم كالريح، ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم! يا رب سلم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ ما أمرت به، فمخدوش ناج ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفاً) إن قعر جهنم لسبعون خريفاً تحت الأرض.

    وهذا الحديث أخرجه كذلك الإمام أحمد بن حنبل والدارمي في سننه وغيرهم من أهل العلم كثير، ولا أظن أن الوقت يسمح بسرد جميع النصوص.

    أحاديث متفرقة في إثبات الشفاعة الكبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    وعن البخاري من حديث آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاً -يعني: يبركون على ركبهم- كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان! اشفع لنا. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)، والمقام المحمود: هي الشفاعة الثابتة للنبي عليه الصلاة والسلام.

    وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر ويأتي إلى ربه، وأول شافع، وأول مشفع) عليه الصلاة والسلام.

    وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79] قال: هي الشفاعة)، فالشفاعة من كذب بها فقد كذب بالقرآن، أي: بالمقام المحمود المذكور في القرآن.

    وفي حديث أبي سعيد عند أحمد : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع يوم القيامة ولا فخر).

    لماذا أصر على تكرار هذه الآثار والأحاديث رغم أنها تدل على معنى واحد وهو إثبات الشفاعة؟ لأبين لك أن هذه العقيدة أتت إلينا بطريقة التواتر كالقرآن الكريم تماماً، فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن, وغير ذلك من الطرق والروايات التي أتت بالشفاعة العظمى للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأبين لك أن من قال: إن الشفاعة أتت بطريق الآحاد ليس له حظ علم في ذلك، بل هي متواترة، أو قد يقول قائل: إن الشفاعة لا تدخل في حدود العقل والعقل لا يتصورها. فنقول له: دع عنك عقلك وآمن بالله العظيم، ولو أن لك عقلاً لسألناك عن كل غيب لله عز وجل.

    أتى رجل من المبتدعة إلى عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى إمام من أئمة السنة، وقال: يا إمام! يسأله في ذات الله عز وجل، وإن كان اللسان والقلب لا يقوى على سرد ذلك الآن، لدلالة جرحه، فقال ابن مهدي : يا فلان! يرحمك الله، دع عنك هذا وسل عن المخلوق، فإن الخالق لا يعلم كنهه أحد إلا الله، بل من المخلوقات من لا يعلمها إلا الله عز وجل، ألا تعلم أن الله تعالى خلق جبريل عليه السلام وله ستمائة جناح؟ قال: بلى، قال: صف لي جبريل عليه السلام على هيئته التي خلقه الله عليها؟ صف لي مخلوقاً له ستمائة جناح؟ فعجز الرجل أن ينطق بجواب، فقال ابن مهدي : وأنا أعافيك من خمسمائة وسبعة وتسعين جناحاً، صف لي مخلوقاً واحداً بثلاثة أجنحة، وركب الجناح الثالث حيث ركبه الله عز وجل، فعجز الغلام واعتذر لـعبد الرحمن بن مهدي ولم يتكلم في ذات الله عز وجل بعد ذلك.

    هذا الأثر إنما نسوقه لوجوب الإيمان بالغيب الذي أمر الله عز وجل به، حتى وإن لم يكن ذلك في مقدور عقولنا، ومتى كان العقل يحكم على النص؟! إن ذلك منهج عقلي اعتزالي لا قيمة له عند أهل السنة والجماعة.

    ومن حديث أبي بن كعب عند مسلم ، قال: (كنت في المسجد فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه)، وأنتم تعلمون أن أبي بن كعب من قراء الصحابة، بل من أسياد قراء الصحابة.

    فلما قرأ ذلك الرجل قراءة أنكرها أبي لا علم له بها، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه أنكرها كذلك أبي ودخل ثالث، فلما قضوا الصلاة قال: (إنكم قرأتم قراءة أنكرتها، فقالوا: نذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقرأ كل واحد بالقراءة التي قرأها أمام النبي عليه الصلاة والسلام فأقر الجميع ونصح أبياً بذلك) وفي آخر الحديث: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فلك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها، فقلت: يا رب! اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلائق، حتى إبراهيم عليه السلام يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المحشر وفي هذا الموقف فيسأله الشفاعة له وللناس)، وفي رواية: (واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة).

    وعن أبي بن كعب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر)، يعني: لست أفاخر بذلك، ولكني أخبركم بما سيكون يوم القيامة.

    وعند البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي) يعني: خص النبي عليه الصلاة والسلام بخمس، وخصائصه كثيرة، لكن هذا الحديث أثبت خمساً.

    قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة من أمتي فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) عليه الصلاة والسلام.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: جعلت لي الأرض كلها مسجداً طهوراً، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وأرسلت إلى الأحمر والأسود، وأعطيت الشفاعة).

    وعن كعب بن مالك : أن رسول عليه الصلاة والسلام قال: (يبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل -أي: على مكان مرتفع- ويكسوني ربي تبارك وتعالى حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله لي أن أقول، فذلك هو المقام المحمود).

    وعن ابن عمر قال: (إن الناس يحشرون يوم القيامة فيجيء مع كل نبي أمته، ثم يجيء رسول عليه الصلاة والسلام في آخر الأمم هو وأمته، فيرقى هو وأمته على كوم فوق الناس -أي: على تل عظيم- فيقول -أي: فيقول الله عز وجل-: يا فلان! اشفع، ويا فلان! اشفع، فما زال يردها بعضهم على بعض يرجع ذلك إليه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله تعالى إياه).

    وعند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه -إلا تحت لوائي -كل الناس تحت لواء النبي عليه الصلاة والسلام حتى الأنبياء والمرسلون-، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا آدم فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً فيأتون نوحاً، فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكهم الله عز وجل بها -أي: له دعوة وقد دعاها في الدنيا فلا دعوة له في الآخرة- ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إليه فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما منها كذبة إلا ماحل بها عن دين الله -ما منها كذبة إلا جادل بها ودافع بها عن الله عز وجل وعن دينه وشرعه، وهي التي تعرف بالمعاريض، وهي جائزة للأنبياء، وليست كذبات على الحقيقة يأثم بها إبراهيم-، ثم قال: ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى فيقول: إني قد قتلت نفساً لم أومر بقتها، ائتوا عيسى عليه السلام، فيأتون عيسى فيقول: إني عبدت من دون الله عز وجل -ولا ذنب له في ذلك، ما ذنب رجل اتخذ إلهاً من دون الله عز وجل؟-، ولكن ائتوا محمداً عليه الصلاة والسلام قال: فيأتوني فأنطلق معهم فأشفع لهم).

    وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (يجمع الناس في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر؛ حفاة عراة كما خلقوا قياماً، لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى: يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحان رب البيت، فهذا المقام الذي ذكره الله عز وجل) أي: هذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل.

    وعند ابن خزيمة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى كما آتيت إبراهيم وموسى).

    وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمان الفارسي قال: (يقال له -أي: لمحمد عليه الصلاة والسلام-: سل تعطه واشفع تشفع وادع تجب، قال: فيرفع رأسه فيقول: رب! أمتي أمتي أمتي. قال سلمان : فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حبة حنطة من إيمان، أو قال: مثقال شعيرة من إيمان، أو قال: مثقال حبة خردل من إيمان، فقال سلمان : فذلكم المقام المحمود).

    وعن عبد الله بن سلام الصحابي، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع بيدي لواء الحمد تحته آدم فمن دونه).

    1.   

    أنواع من الشفاعة

    أما موضوع الشفاعة العظمى والشفاعة الكبرى فهي الحادثة يوم القيامة، وصاحبها هو صاحب الشفاعة العظمى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وإن الأحاديث التي وردت تثبت الشفاعة للنبي يوم القيامة قد بلغت حد التواتر، ومن قال بغير ذلك فلا علم له بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يهرف ويخرف بما لا يعرف، وهو لا يعرف النص المتواتر من غيره، ولم يدرس دين الله عز وجل، ولم يتعرف عليه لا من قريب ولا من بعيد، وكثير من الناس يتكلم في دين الله عز وجل دون أن تربطه بالكتاب والسنة أي رابطة، فيأتي بالأعاجيب، بل ينكر ويرد كثيراً من المعلوم من دين الله بالضرورة، فهو على خطر عظيم جداً.

    ولعلكم قرأتم مجلة الحوادث الصادرة في هذا الأسبوع أن امرأة أنكرت معجزات الأنبياء، وأنكرت أن الله عز وجل نجى إبراهيم من النار، وأنكرت أن يونس عليه السلام ابتلعه الحوت، وأنكرت الإسراء والمعراج للنبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: إنما ذلك تهيؤات وتخيلات! لماذا؟! وأقحمت هذا الفصل في رسالتها في علم النفس، ولا علاقة لهذا الفصل بأصل الرسالة، وحازت على مرتبة الشرف الأولى! وهناك مشكلة قائمة بين جامعات مصر وجامعة عين شمس التي منحت هذه الرسالة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والذي يقف معها ويؤيدها أكثر من الذي ينكر عليها أنها أنكرت معلوماً من دين الله بالضرورة.

    وإنا لا ندري إلى أي حد ستستمر هذه المهزلة، مهزلة زعزعة الثوابت في حياة المسلمين وفي معتقدهم.

    شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر

    والشفاعة لأهل الكبائر على جهة الخصوص ثابتة للنبي عليه الصلاة والسلام، وما مضى من آثار إنما وردت في إثبات الشفاعة العامة لأهل الموقف إلا من كان مشركاً كافراً.

    وأما أهل الكبائر فلهم شفاعة خاصة بهم؛ أصحاب الزنا والقتل والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من كبائر المعاصي، فإن الله عز وجل قد حرم هذا، وجعله من كبائر الذنوب، وليعلم صاحب الكبيرة أن الله عز وجل إما أن يأذن في الشفاعة له وإما لا يأذن، فهو على خطر عظيم؛ ولذلك إقامة الحد على صاحب الكبيرة كفارة له، فإن تاب وتصدع قلبه ندماً وحسرة على كبيرته تاب الله عز وجل عليه: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70]، ومن مات مصراً عليها فهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا هريرة ! لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أول منك -يعني: لقد ظننت أنه لا يسألني أحد قبلك- لما رأيت من حرصك على الحديث والعلم؛ أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، وفي رواية: (صادقاً من قلبه)، وفي رواية: (على ما كان عليه من عمل)، يعني: يقول: لا إله إلا الله ويأتي بمقتضياتها وواجباتها وملزوماتها، فالعبد إذا قال: لا إله إلا الله، وأبغض الله وأبغض الرسول، وحارب الله وحارب الرسول، وحارب القرآن والسنة هل تنفعه لا إله إلا الله؟ لا والله لا تنفعه؛ لأن (لا إله إلا الله) لها شروط ومقتضيات لابد أن يحققها العبد، وإلا فهو على خطر عظيم جداً بين يدي الله عز وجل يوم القيامة.

    وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة).

    فاللهم ارزقنا شفاعته عليه الصلاة والسلام.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة : (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته -كل نبي دعا بدعوته في الدنيا- وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)، أي: فهي مصيبة كل واحد من أمتي مات لا يشرك بالله شيئاً، أي: أنها من حظ كل مسلم مات على التوحيد وإن كان صاحب كبيرة، لكن ذلك مشروط بمشيئة الله عز وجل.

    وأخرج ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل الله عز وجل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة)، فاختار الشفاعة؛ لأنها تنال أكثر من نصف الأمة في الموقف، فاختار النبي عليه الصلاة والسلام الشفاعة حرصاً على عصاة أمته، والدعاء المأثور: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) والمقام المحمود: هو الشفاعة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من سأل الله لي الوسيلة والفضيلة حلت له الشفاعة) أي: وجبت له شفاعتي يوم القيامة.

    وعند الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات من حثيات ربي)، انظروا إلى هذا الفضل العظيم، يعني: سبعون ألفاً في سبعين ألفاً، زد على ذلك ثلاث حثيات يحثوها الرب تبارك وتعالى بيمينه، وهي من حثيات الرب لا من حثيات العبد.

    وجاء عند أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه تماماً لهذا الحديث: (فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي رب! إن لم يكن هؤلاء مهاجري أمتي. قال: إذاً: أكملهم لك من الأعراب).

    وعند البيهقي من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف، فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله! قال: وهكذا وجمع يديه -أي: يحثو حثوة رب العزة تبارك وتعالى- فقال: زدنا يا رسول الله! قال: وهكذا -أي: حثا بيديه بحثيات الرحمن تبارك وتعالى- فقال عمر لـأبي بكر : حسبك. -أي: كفى هذا- فقال أبو بكر رضي الله عنه لـعمر : دعني يا عمر ! وما عليك أن يدخلنا الجنة كلنا؟!)، أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الله وعدني أن يدخل أربعمائة ألف الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال: زدنا، قال: وحثية من حثيات ربي، قال أبو بكر: زدنا، قال: وحثية أخرى، فقال عمر : حسبك يا أبا بكر ! كفى هذا، فغضب أبو بكر بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: ما ضرك -يا عمر- أن يدخلنا الله عز وجل كلنا الجنة؟! فقال عمر : إن شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحد، أأنت تستصغر كف الرحمن؟!) أأنت تستقل حثوة واحدة من حثيات ربك؟ لو شاء لأدخل الناس كلهم أجمعين بحثوة واحدة؛ ولذلك قال عمر لـأبي بكر : حسبك يا أبا بكر ! كفى حثيتان.

    وهناك شفاعة أخرى في خروج الموحدين من النار، ولا أزيدكم فيها غير ما سمعتم مني آنفاً أن النبي عليه الصلاة والسلام سيعطى الشفاعة لإخراج من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أو مثقال شعيرة، أو مثقال ذرة من إيمان.

    شفاعة الله عز وجل والملائكة والمؤمنين

    وكذلك يشفع الله عز وجل والملائكة والمؤمنون، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: (قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كان صحواً -يعني: ليس بينكم وبينها ضباب ولا سحاب ولا غيم-؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون ولا تضامون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما -أي: في الشمس والقمر ليس دونها سحاب-، ثم قال: ينادي مناد. ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم؛ حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر -ومعنى فاجر: صاحب كبيرة أو صاحب معصية، ولكنه موحد غير مشرك- وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا)، انظر إلى الدناءة: نريد أن تسقينا شربة ماء؛ لأن الموقف رهيب عصيب، الشمس تدنو من رءوس الخلائق حتى تكون منهم على قدر ميل، والميل: هو المرود الذي تكتحل به المرأة، فتصور أنكم تمكثون الآن في بيت من بيوت الله، وكل واحد منا يتصبب عرقاً، وبيننا وبين الشمس مئات الملايين من الأميال! فلو أن الشمس دنت من رأسك حتى كان بينك وبينها قدر عقدة أو عقدتين من عقد أصابعك ماذا تصنع؟ ولذلك يغرق الناس في عرقهم حتى يلجموا إلجاماً، (ما تريدون؟ قالوا: أن تسقينا).

    ولذلك جاء في سنن أبي داود : (اللهم أدخلني القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال له أبوه: ليس هكذا يا بني! فإني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: سيأتي أقوام من بعدي يعتدون في الدعاء والطهور، قال: فماذا أقول يا أبي؟! قال: إذا دعوت فقل: اللهم ارزقني الفردوس الأعلى)، اللهم ارزقني الفردوس الأعلى وإياكم.

    هؤلاء اليهود تدنو همتهم حتى في المحشر، وحتى في هذا الموقف العصيب، حتى لا يتمنوا إلا شربة ماء، وينسيهم الله عز وجل أن يطلبوا دخول الجنة أو أن يطلبوا الشفاعة. (فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟! فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر إلهنا ومعبودنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه أول مرة عليها -أي: في أول المحشر- فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها -هل هناك علامة تعرفون بها الله عز وجل يوم القيامة-؟ فيقولون: الساق -أي: ساق الرحمن تبارك وتعالى- نعرفه بها، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيقع ظهره طبقاً واحداً، ثم يؤتى بالجسر -أي: جسر جهنم- فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم ليسحب سحباً، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا)، فانظر إلى شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض. (يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا؟ فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله تعالى صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا، قال أبو سعيد : فإن لم تصدقوني فاقرءوا قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:40]، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار وهي بكف الرحمن، فيخرج أقواماً قد امتحشوا -أي: قد صاروا فحماً من فحم جهنم- فيلقون في نهر بأفواه الجنة -أي: على أطراف الجنة- هذا النهر يسمى نهر الحياة، وماؤه يسمى ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ -فيخرجون بشفاعة الرحمن كأنهم اللؤلؤ-، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه).

    أخرج مسلم من حديث الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال: (دخلت عليه وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلاً لم تبك؟ فوالله لئن استشهدت لأشهدن لك -لئن جعلني الله تعالى من الشهود أو من الشهداء والشفعاء لأشهدن لك- ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، ثم قال: والله ما من حديث سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام لكم فيه خير إلا حدثتكم به إلا حديثاً واحداً، وسوف أحدثكم به اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)، وهذه شفاعة أهل الإيمان.

    شفاعة الأفراط لآبائهم

    وهناك شفاعة عزيزة جداً، شفاعة الأولاد الصغار لآبائهم.

    أخرج أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب! أنى لي هذه -يعني: كيف بلغت هذه المرتبة العالية في الجنة ولم أعمل عملاً أكافأ بها-؟ قال: باستغفار ولدك الصالح لك).

    فلا ينفعك إلا ولدك الصالح، أما الطالح فلا، فإن شئت أن تربيه على المعصية والفجور فهو لن ينفعك، وإن ربيته على الصلاح فهو ينفعك؛ فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة تنفع العبد بعد موته: ولد صالح يدعو له).

    وعند مسلم من حديث أبي حسان قال: (قلت لـأبي هريرة : إنه قد مات لي ابنان -مات لي ولدان- فما أنت بمحدثي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام حديثاً تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه -وفي رواية: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا بصنفة ثوبك الآن، فلا يتناهى ولا ينتهي حتى يدخله الله الجنة وأبويه).

    يعني: يأتي الرجل يوم القيامة وقد مات له ولد أو ولدان أو ثلاثة، فإذا كان يوم القيامة تمسك الأولاد بأثواب وتلاليب آبائهم وأقسموا على الله عز وجل ألا يدخلوا حتى يكون الداخل قبلهم آباؤهم وأمهاتهم، وتلك شفاعة الصغار الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وقبل أن يجري عليهم القلم.

    ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث -أي: لم يبلغوا الإثم والذنب- إلا أدخلهم الله وأبويهم بفضل رحمته الجنة. وقال: يقال لهم: ادخلوا الجنة، قال: فيقولون: حتى يجيء أبوانا ثلاث مرات، فيقولون مثل ذلك، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم). هذه شفاعة الصغار لآبائهم.

    1.   

    أسباب الشفاعة

    أسباب الشفاعة منها القرآن الكريم كما ورد في الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (القرآن والصيام يشفعان للعبد، فيقول الصيام: يا رب! أظمأت نهاره فشفعني فيه، ويقول القرآن: يا رب! أسهرت ليله فشفعني فيه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).

    وكذلك سكنى المدينة ممن لهم شفاعة خاصة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فإني أشفع لأهل البقيع)، وفي رواية: جاء أبو سعيد مولى المهري إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على بلاء المدينة وجهدها، فقال له: ويحك! لا آمرك بالجلاء عنها -أي: لا آمرك أن تذهب وتترك المدينة- إني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا يصبر أحد على لأوائها -أي: شدتها- فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً).

    وفي رواية: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون).

    ويكفي أن المدينة لا يدخلها الدجال ، فهي معصومة مأمونة من هذه الفتنة التي هي أعظم فتنة بين يدي الساعة.

    والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كذلك تستجلب شفاعته عليه الصلاة والسلام، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة).

    وصلاة المصلين على الميت له شفاعة، أخرج مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) ما من ميت يموت فتصلي عليه أمة يبلغون مائة شخص إلا شفعوا فيه.

    ومن حديث عبد الله بن عباس : (أنه مات ابن له بعسفان فقال لمولاه كريب : يا كريب ! انظر ما اجتمع له من الناس -يعني: انظر كم عدد الذين اجتمعوا- قال: فخرجت، فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته، فقال: تقول يا كريب ! إنهم أربعون؟ فخرجت فعددتهم، فقلت: نعم. قال: أخرجوا الميت؛ فإني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه).

    ولكن انظروا إلى الشرط: (لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)، أنت الآن لو نظرت إلى كثير ممن يصلي على الأموات وتحققت هذا الشرط لوجدت أنهم يشركون بالله شيئاً، ولرجع إليك الطرف خاسئاً حاسراً، ثلاثة أرباع -إن لم يكن أزيد- يشركون بالله في الدعاء والاستغاثة والنذر والذبح والطواف وغير ذلك.

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لخادمه: (ألك حاجة؟ قال: حتى كان ذات يوم، فقال لخادمه: ألك حاجة؟ فقال: نعم. قال: ما هي؟ قلت: يا رسول الله! حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، إذاً: طول الصلاة وتحسينها وإخلاص العمل فيها لله عز وجل يجلب شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة.

    1.   

    موانع الشفاعة

    قال عليه الصلاة والسلام: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) وهذا مانع من موانع الشهادة والشفاعة: أن المرء سباب لعان شتام مؤذٍ مجرم فليست له الشفاعة، بل ربما لا يحصل على شفاعة غيره من الشفعاء، من الملائكة والنبيين وصالح المؤمنين.

    وهناك شفاعة لها تعلق بالدنيا، قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء:85].

    قال الحافظ ابن كثير : مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا أي: من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له في هذا الخير نصيب، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء).

    وعند البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري : (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء).

    وهناك أمور لا تحل الشفاعة فيها في الدنيا، منها الحدود إذا بلغت السلطان فإنه لا شفاعة فيها، بل ليس للسلطان أن يقيم الحد أو لا يقيمه؛ لأن الله تعالى أوجب عليه قيام الحد إذا بلغه؛ ولذلك ثبت عند البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت. قالوا: من يكلم فيها رسول الله؟ من يشفع فيها عند الرسول؟ قالوا: ومن يجترئ على ذلك إلا أسامة بن زيد ، فهو حبه وابن حبه، فذهب أسامة ليشفع، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟! ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فلا شفاعة في الحدود.

    وعند أبي داود عن يحيى بن راشد قال: (خرجنا لـعبد الله بن عمر فخرج إلينا، فقال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله وحاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلم أنه باطل لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس منه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال).

    وعن أنس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله تعالى عز وجل عليه ملكاً يسدده).

    من طلب الشفاعة في القضاء بشفاعة الشفعاء أوكله الله عز وجل لنفسه، ومن حمل على هذه المنزلة سخر الله عز وجل له ملكاً يسدده ويثبته.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم شفاعة الملائكة والنبيين وصالح المؤمنين. اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد عليه الصلاة والسلام.. اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد عليه الصلاة والسلام.. اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد عليه الصلاة والسلام. اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.